​قلق أوروبي بالغ من تداعيات الضربة الأميركية... وإغلاق هرمز

متفقون على عدم انتقاد واشنطن وعاجزون عن لعب دور فاعل

مبنى المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)
مبنى المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)
TT

​قلق أوروبي بالغ من تداعيات الضربة الأميركية... وإغلاق هرمز

مبنى المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)
مبنى المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)

تضاعفت المخاوف الأوروبية من تصاعد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط بعد دخول الولايات المتحدة طرفاً مباشراً فيها، وخصوصاً بعدما أكد المسؤولون الإيرانيون، السياسيون والعسكريون، أن طهران لا بد أن ترد الصاع صاعين للولايات المتحدة، الأمر الذي أثار موجة من ردود الفعل التي تذهب كلها في التحذير من التصعيد وما ستكون له من تبعات عسكرية سياسية واقتصادية.

وكان اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، الاثنين، في بروكسل مناسبة للتعبير عن هذا القلق.

ويجهد الأوروبيون، رغم انقساماتهم العميقة حيال الحملة العسكرية الإسرائيلية على إيران وانضمام واشنطن إليها، في تكثيف اتصالاتهم ومشاوراتهم لبلورة موقف مشترك. بيد أنهم يدركون تماماً أن قدراتهم في التأثير على واشنطن أو تل أبيب «إما ضعيفة وإما منعدمة» وفق تعبير دبلوماسي أوروبي في باريس.

المستشار الألماني فريدريتش ميرتس لا يجد سبباً لانتقاد الضربات الأميركية لمواقع نووية إيرانية (رويترز)

ويرى المصدر أن الاجتماع الذي ضم وزراء خارجية فرنسا وألمانيا وبريطانيا ومسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاياك كالاس مع نظيرهم الإيراني في جنيف، الجمعة، أظهر «بطلان جهودهم الدبلوماسية» إلى درجة أن فترة الأسبوعين التي فهموا أن الرئيس دونالد ترمب يمنحها للجهود الدبلوماسية لم تكن صادقة. ويرى كثير من المحللين أن غرضها كان «التعمية» أو «إنهاء التحضيرات العسكرية».

ورغم أن الطرفين الأوروبي والإيراني أعربا عن رغبتهما في الاجتماع مجدداً، لكن ترمب قطع الطريق على الجميع بإعلانه أن «أوروبا غير قادرة على المساعدة» في الملف الإيراني، وأن طهران «تفضل التفاوض مع واشنطن».

وبكلام آخر، قطع ترمب الطريق على أي دور أوروبي رغم أن المفاوضين الأوروبيين الأربعة تبنوا الطرح الأميركي خصوصاً لجهة حرمان إيران من أي عملية تخصيب لليورانيوم مهما كانت نسبتها. وجاءت الضربات العسكرية الأميركية بعد 24 ساعة فقط على اجتماع جنيف، لتجهض الدور الذي أراد الأوروبيون أن يضطلعوا به.

صياغة موقف مشترك

منذ صباح الأحد وحتى الساعات الأخيرة، يسعى الأوروبيون إلى استعادة المبادرة والتكيّف مع المعطى الجديد وإبراز الأسس المركزية التي ينهض عليها موقفهم الجماعي. وصدر ذلك، جماعياً، عن المسؤولين الثلاثة الكبار في الاتحاد الأوروبي وعن المسؤولين فردياً. وسارعت كايا كالاس إلى نشر تدوينة على منصة «إكس» صباح الأحد تدعو فيها «الأطراف كافة إلى القيام بخطوة إلى الوراء والعودة إلى طاولة المفاوضات وتجنب أي تصعيد».

كذلك ذكرت كالاس أنه «لا يعني ذلك أن يسمح لإيران بتطوير سلاح نووي لأنه سيشكل تهديداً للأمن العالمي». وذهبت رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين في الاتجاه نفسه بتأكيدها أنه «حان الوقت لإيران لأن تنخرط في حل دبلوماسي يتمتع بالصدقية»، وأن طاولة المفاوضات هي «المكان الوحيد الذي يمكن من وضع حد للأزمة». وبخفر لا مثيل له، لمحت المسؤولة الأوروبية إلى أن «احترام القانون الدولي أمر أساسي» من غير أن تحدد لمن توجه دعوتها. أما رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، فقد نبه من جانبه إلى أن «كثيراً من المدنيين سيكونون ضحايا أي تصعيد جديد».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بين الأمين العام لرئاسة الجمهورية إيمانويل مولان والجنرال الفرنسي فابيان ماندون حين ترأس الأحد اجتماعاً لمجلس الأمن القومي في قصر الإليزيه (أ.ب)

لا انتقاد صريحاً لواشنطن

البارز أن أياً من المواقف الأوروبية لم يتجرأ على انتقاد الضربات الأميركية ولو من بعيد. وحدها فرنسا ذهبت أبعد من ذلك قليلاً، إذ دعا وزير خارجيتها من بروكسل، الاثنين، إلى «وقف الضربات» التي تستهدف إيران لتجنب «حرب أبدية معها». وتتميز باريس بأن الرئيس إيمانويل ماكرون يسعى إلى أن يلعب دوراً من خلال توسعة مروحة اتصالاته مع القادة الإقليميين ومنهم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان للمرة الثانية في 24 ساعة ونظرائه الأوروبيين. وكتب في تغريدة مساء الأحد على منصة «إكس» إنه حث الأخير على ممارسة «أقصى درجات ضبط النفس» من أجل «إفساح المجال للعودة إلى المسار الدبلوماسي».

وبرأي ماكرون، فإن «استئناف المناقشات الدبلوماسية والتقنية هو السبيل الوحيد لتحقيق الهدف الذي نسعى إليه جميعاً، وهو منع إيران من امتلاك أسلحة نووية، ولكن أيضاً تجنب تصعيد لا يمكن السيطرة عليه في المنطقة». وتعد باريس أنه لا يمكن لأي رد عسكري بحت أن يحقق النتائج المرجوة. وفي أي حال، فإن ماكرون ينبه من «خطورة اللحظة الراهنة للسلام والاستقرار في الشرق الأدنى والأوسط، مع تداعيات واضحة للغاية أيضاً على أمننا الجماعي» في أعقاب الضربات الأميركية. وبرأيه، فإن هذه الضربات تدشن «مرحلة جديدة تتطلب اليقظة والعمل الحازم من جانبنا». وجدّد الوزير بارو استبعاد الحل العسكري سبيلاً لوضع حد للأزمة الناشبة، ورفضه الدعوات أو الخطط لاستخدام الضربات العسكرية لإسقاط النظام الإيراني. وبالمقابل، حاول الترويج لدور أوروبي في أي مسار تفاوضي، حيث تستطيع أوروبا أن «تقدم خبرتها وكفاءتها ومعرفتها الدقيقة بهذه القضايا لفتح مساحة تفاوض تؤدي إلى إشراف على هذه الأنشطة المزعزعة للاستقرار التي تقوم بها إيران».

الخوف الأول: إغلاق هرمز

تسعى أطراف الترويكا (الأوروبية) إلى إحياء الدور الذي لعبته سابقاً في التوصل إلى اتفاق 2015 النووي مع طهران. وعكس ذلك البيان المشترك الصادر عن قادة فرنسا وبريطانيا وألمانيا أولويات الترويكا وهي: أولاً: «عدم القيام بأعمال إضافية من شأنها زعزعة استقرار المنطقة»، رداً على الضربات الأميركية. وثانياً الإلحاح على طهران للانخراط مجدداً في مفاوضات حول برنامجها النووي من أجل إبرام اتفاق جديد أكثر تشدداً يقوم على عدم التخصيب، والقضاء على أي حلم بالحصول على السلاح النووي. وثالثاً، التعبير عن الاستعداد للدفع دبلوماسياً بهذا الاتجاه.

مضيق هرمز كما يبدو في صورة وزعتها ناسا الأميركية والتقطها رواد في المحطة الدولية الفضائية عام 2021 (أ.ف.ب)

وفي السياق، لا ينسى القادة الثلاثة إعادة التأكيد على دعمهم لأمن إسرائيل. ونقل وزير الخارجية الألماني، الاثنين، عن مسؤولين أميركيين رغبتهم ببقاء الأوروبيين على تواصل مع إيران. وحجتهم في ذلك أن طهران ترفض التفاوض مع الجانب الأميركي ما دام يواصل العمليات العسكرية ضدها، فيما لم تتردد في حضور اجتماع جنيف.

ويأمل الجانب الأوروبي من أن التواصل مع طهران قد يمنعها من الذهاب إلى ردود أفعال يعدها خطيرة وعلى رأسها إغلاق مضيق هرمز، وقالت كالاس صباح الاثنين: «المخاوف من الرد وتصاعد هذه الحرب كبيرة، وخاصة أن إغلاق إيران لمضيق هرمز أمر بالغ الخطورة وليس في صالح أحد».

ويعد إغلاق الممر المذكور أحد الخيارات (مع الانسحاب من معاهدة منع انتشار السلاح النووي) التي يمكن أن تلجأ إليها إيران والتي ناقشها البرلمان الإيراني. ومن المعروف أن نحو 20 في المائة من حجم الطلب العالمي على النفط والغاز يمر عبره. ومن جانبه، شدّد ديفيد لامي، وزير الخارجية البريطاني، بعد اتصال مع نظيره الأميركي ماركو روبيو على تأمين الاستقرار الإقليمي. وكتب على منصة «إكس»: «سوف نستمر في العمل مع حلفائنا لحماية شعبنا وتأمين الاستقرار الإقليمي والدفع نحو حل دبلوماسي».

تقارب لا يلغي انقساماً حاداً

تصطدم رغبة الأوروبيين بلعب دور فاعل بعجزهم عن الابتعاد عن السردية الأميركية وبانقساماتهم الحادة رغم التشاور المستمر فيما بينهم. كذلك، فإن لـ«الترويكا» انقساماتها رغم أنها الجهة المعنية بالدرجة الأولى بالملف الإيراني، وتعني مبدئياً أن يدفع أطرافها كلهم في اتجاه واحد. فالمراقبون لم ينسوا قول المستشار الألماني ميرتس أن «إسرائيل قامت مكاننا بالعمل القذر». والاثنين، عدّ ميرتس، في كلمة له أمام اتحاد الصناعات الألمانية أنه «لا سبب لانتقاد ما فعلته الولايات المتحدة. نعم إنه لا يخلو من المخاطر. ولكن ترك الأمور كما هي لم يكن خياراً أيضاً». وفيما تعبر باريس عن قلقها ومخاوفها، قال وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس: «ما هو حاسم، برأيي، هو أنه تمّ القضاء على تهديد كبير (...) هذه أنباء سارة للشرق الأوسط والأدنى، وأيضاً لأوروبا».

رئيس الوزراء البريطاني خلال زيارة قام بها لشركة الهندسة «هوريبا ميرا» في مدينة نانيتون بمقاطعة واريكشير الإنجليزية (أ.ف.ب)

كذلك لم يتردد كير ستارمر، رئيس الوزراء البريطاني بالقول، بعد اتصال الأحد بالرئيس ترمب، إن «الولايات المتحدة اتخذت إجراءات لتخفيف التهديد». وكلام ميرتس وستارمر بعيد كل البعد عن مواقف ماكرون، رغم أن باريس التصقت بالمواقف الأميركية لجهة حرمان طهران من التخصيب ومنعها، نهائياً، من الحصول على السلاح النووي. كذلك هناك خلافات داخل الاتحاد الأوروبي لجهة المواقف من واشنطن وتل أبيب، فثمة دول مثل ألمانيا والمجر والتشيك وبلدان البلطيق... ترفض أي لغة تشتم منها رائحة انتقاد لهما.


مقالات ذات صلة

ترمب يلوّح بحاملة طائرات ثانية إذا فشلت المفاوضات مع إيران

شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يترجل من طائرة الهليكوبتر الرئاسية «مارين ون» عند وصوله إلى الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض فجر الاثنين (أ.ف.ب)

ترمب يلوّح بحاملة طائرات ثانية إذا فشلت المفاوضات مع إيران

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه يدرس إرسال مجموعة ضاربة ثانية لحاملة طائرات إلى الشرق الأوسط، تحسباً لعمل عسكري محتمل ضد إيران في حال فشل المفاوضات.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
شؤون إقليمية السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان لدى استقباله الثلاثاء بقصر البركة علي لاريجاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني (العمانية) p-circle

عُمان تؤكد أهمية العودة للتفاوض بين واشنطن وطهران

أكدت سلطنة عُمان، الثلاثاء، أهمية استئناف الحوار والعودة إلى المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، عقب مباحثات وُصفت بـ«الجيدة» عُقدت الجمعة الماضي.

«الشرق الأوسط» (لندن_مسقط)
شؤون إقليمية ترمب يجيب عن سؤال في ختام مؤتمر صحافي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بمنتجع مارالاغو - ولاية فلوريدا 29 ديسمبر (أ.ب) p-circle

إسرائيل تضغط لتوسيع مفاوضات إيران من «النووي» إلى الصواريخ

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الثلاثاء، إن الملف النووي الإيراني يتصدر مشاوراته المرتقبة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية  أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني (رويترز) p-circle

إيران تحذّر من «تأثيرات مدمّرة» على الجهود الدبلوماسية قبل زيارة نتنياهو لواشنطن

وصل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، إلى سلطنة عُمان الثلاثاء، بعد أيام على انعقاد جولة مباحثات هناك بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (مسقط)
شؤون إقليمية فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)

طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

أجرى وزير الخارجية عباس عراقجي اتصالات هاتفية منفصلة مع وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا، أطلعهم خلالها على أحدث التطورات المتعلقة بالمفاوضات غير المباشرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

إردوغان: سأزور الإمارات وإثيوبيا خلال الأيام المقبلة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في أنقرة (أ.ب)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في أنقرة (أ.ب)
TT

إردوغان: سأزور الإمارات وإثيوبيا خلال الأيام المقبلة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في أنقرة (أ.ب)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في أنقرة (أ.ب)

أعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أنه يعتزم زيارة كل من دولة الإمارات العربية المتحدة وإثيوبيا، خلال الأيام المقبلة.

في سياق آخر، قال أردوغان إن خريطة الطريق، الرامية إلى تحقيق سلام دائم في سوريا، قد تحددت، مشدداً على ضرورة ألا تخطئ الأطراف المعنية في حساباتها أو تكرر أخطاءها.


نتنياهو يؤكد أنه سيبلغ ترمب أن تتضمن المفاوضات مع إيران «قيوداً على الصواريخ الباليستية»

لقاء سابق بين الرئيس دونالد ترمب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نهاية مؤتمر صحافي في مارالاغو في 29 ديسمبر 2025 في بالم بيتش بفلوريدا (أ.ب)
لقاء سابق بين الرئيس دونالد ترمب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نهاية مؤتمر صحافي في مارالاغو في 29 ديسمبر 2025 في بالم بيتش بفلوريدا (أ.ب)
TT

نتنياهو يؤكد أنه سيبلغ ترمب أن تتضمن المفاوضات مع إيران «قيوداً على الصواريخ الباليستية»

لقاء سابق بين الرئيس دونالد ترمب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نهاية مؤتمر صحافي في مارالاغو في 29 ديسمبر 2025 في بالم بيتش بفلوريدا (أ.ب)
لقاء سابق بين الرئيس دونالد ترمب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نهاية مؤتمر صحافي في مارالاغو في 29 ديسمبر 2025 في بالم بيتش بفلوريدا (أ.ب)

ذكر رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو أنه سيطرح على الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضرورة أن تتضمن أي مفاوضات مع إيران «قيوداً على الصواريخ الباليستية ووقف الدعم المقدم للمحور الإيراني».

وهذه حالة نادرة من الخلاف بين الحليفين اللذين توحدا في يونيو (حزيران) الماضي لقصف مواقع عسكرية ومواقع تخصيب إيرانية، حسب وكالة «بلومبرغ» للأنباء، اليوم الأربعاء.

وتأتي زيارة نتنياهو إلى واشنطن في ظل توتر بشأن الخطوات الإسرائيلية الأخيرة في الضفة الغربية، وبالتزامن مع المفاوضات الأميركية - الإيرانية حول الملف النووي.

ومن المتوقع أن تتركز محادثاته مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب على القضايا الأمنية والإقليمية، وفي مقدمتها إيران والتطورات في الأراضي الفلسطينية.


الرئيس الإيراني: «لن نرضخ للضغوط» في المفاوضات النووية

بزشكيان يُلقي كلمة خلال مراسم إحياء ذكرى الثورة في ميدان آزادي (الحرية) غرب طهران (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان يُلقي كلمة خلال مراسم إحياء ذكرى الثورة في ميدان آزادي (الحرية) غرب طهران (الرئاسة الإيرانية)
TT

الرئيس الإيراني: «لن نرضخ للضغوط» في المفاوضات النووية

بزشكيان يُلقي كلمة خلال مراسم إحياء ذكرى الثورة في ميدان آزادي (الحرية) غرب طهران (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان يُلقي كلمة خلال مراسم إحياء ذكرى الثورة في ميدان آزادي (الحرية) غرب طهران (الرئاسة الإيرانية)

جدد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان تمسك بلاده بما وصفها بـ«حقوقها النووية»، مؤكداً استعدادها لمواصلة الحوار، لكنها «لن ترضخ للضغوط أو الإملاءات»، متهماً الولايات المتحدة والقوى الأوروبية بعرقلة التقدم عبر «سياسات الضغط» وفرض شروط تتجاوز الإطار النووي.

ووجه بزشكيان، خلال كلمة القاها في مراسم ذكرى انتصار ثورة 1979، في ساحة «آزادي» بطهران، انتقادات إلى ما وصفها بـ«قوى الهيمنة»، وعلى رأسها الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، وحمَّلها مسؤولية محاولات إضعاف إيران منذ الأيام الأولى للثورة، عبر «التحريض وبث الفُرقة والتخطيط للانقلابات».

وانطلقت في إيران مراسم إحياء الذكرى السنوية للثورة بدعوات وتعبئة واسعة من مؤسسات رسمية. وخصصت هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية تغطية مكثفة للفعاليات في مختلف المدن، مع بث مباشر للتجمع المركزي في ساحة «آزادي» بطهران، حيث عرض «الحرس الثوري» صواريخ باليستية، وكروز بحري من طراز «باوه»، ومسيَّرة «شاهد» الانتحارية.

صواريخ باليستية تُعرض خلال مراسم إحياء ذكرى الثورة في ميدان «آزادي» غرب طهران (إ.ب.أ)

وتحل ذكرى الثورة في وقت تزداد فيه التحركات الدبلوماسية الإقليمية والدولية لإحياء المسار التفاوضي، وسط تهديدات متبادلة وتصعيد عسكري في المنطقة.

وركّز بزشكيان في خطابه على المحادثات النووية الجارية بوساطة عمانية، مؤكداً أن إيران لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، وأنها مستعدة للخضوع لآليات التحقق في إطار القوانين الدولية ومعاهدة عدم الانتشار. وشدد على تمسك بلاده بحقها في تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية، معتبراً أن هذا الحق «غير قابل للتفاوض»، ومشيراً إلى استعداد طهران للحوار «في إطار القانون الدولي» ومن دون تجاوز ما تعدها ثوابتها السيادية.

وأكد أن أي مفاوضات يجب أن تجري ضمن «الخطوط الحمراء» المحددة من القيادة ومؤسسات النظام، مشدداً على أن إيران «لن تنحني أمام الاستزادات أو الضغوط السياسية والاقتصادية». وأضاف أن ما وصفه بـ«جدار انعدام الثقة» الذي بنته واشنطن وبعض العواصم الأوروبية يعرقل التوصل إلى تفاهم سريع، معتبراً أن المطالب الأميركية «المفرطة» تعرقل تقدم المحادثات، متهماً «قوى الهيمنة» بالسعي إلى توسيع نطاق التفاوض ليشمل ملفات تتجاوز البرنامج النووي..

وشدد بزشكيان على أن إيران ستتجاوز التحديات الراهنة بـ«صلابة وطنية»، وتحت توجيهات المرشد علي خامنئي، في إشارةٍ واضحةٍ إلى أن القرار النهائي في هذا الملف يبقى منسجماً مع توجهات القيادة العليا للنظام.

إيرانيون خلال مسيرة سنوية بمناسبة إحياء ذكرى ثورة 1979 في ميدان آزادي (الحرية) غرب طهران (أ.ب)

في سياق متصل، أشار الرئيس الإيراني إلى أن بلاده تسعى إلى كسر العزلة الدولية عبر توسيع انخراطها في أطر متعددة الأطراف و«توسيع الشراكات»، مشيراً إلى انضمام بلاده إلى تكتلات مثل «بريكس» ومنظمة شنغهاي للتعاون، وتعزيز التعاون ضمن أطر إقليمية كاتحاد أوراسيا ومنظمة «إيكو»، ورأى أن هذه الخطوات تمثل بديلاً جزئياً عن العلاقات المتوترة مع الغرب، وتتيح لإيران توسيع أسواقها وتخفيف أثر العقوبات.

كما شدد على أولوية علاقات الجوار، مؤكداً أن تطوير الروابط مع الدول الإسلامية والمجاورة يمثل محوراً أساسياً في السياسة الخارجية وخياراً استراتيجياً. ولفت إلى اتصالات وتنسيق مع عدد من العواصم الإقليمية، معتبراً أن قضايا المنطقة «يجب أن تُحلّ بأيدي دولها بعيداً عن تدخل القوى خارج الإقليم».

ورغم هذا التوجه، تبقى قدرة طهران على تحقيق اختراق اقتصادي ملموس رهناً بتطورات الملف النووي والعقوبات الغربية، التي لا تزال تشكل العامل الحاسم في تحديد هامش الحركة المالي والاستثماري للبلاد.

تأتي الاحتفالات الحكومية بذكرى الثورة بعد شهر من أحدث موجة احتجاجات عامة، أخمدتها السلطات بحملة أمنية واسعة خلَّفت آلاف القتلى والجرحى، وفق تقديرات منظمات حقوقية.

وتطرق بزشكيان إلى الاحتجاجات التي شهدتها البلاد أخيراً، قائلاً إن الحكومة «ترحب بالاعتراض السلمي» وتعدُّه حقاً مشروعاً، لكنها ترفض «العنف والتخريب والدعوة إلى تدخل أجنبي». ووصف الأحداث الأخيرة بأنها مؤلمة، مشيراً إلى سقوط ضحايا وخسائر.

وأضاف أن بلاده واجهت منذ قيام الجمهورية الإسلامية ضغوطاً خارجية ومحاولات لإضعافها، متهماً «قوى الهيمنة» بالسعي إلى استثمار الأزمات الداخلية لتقويض استقرارها، ومعتبراً أن تلك السياسات استهدفت تقويض ثقة الإيرانيين بأنفسهم وعرقلة مسار البلاد.

وقال إن الحفاظ على الوحدة الوطنية أولوية في مواجهة التحديات، سواء تلك المرتبطة بالعقوبات أو بالتوترات الداخلية، مؤكداً أن الحكومة ترى نفسها مسؤولة عن خدمة جميع المتضررين، سواء من قوات الأمن أو من «الذين تم خداعهم»، محذِّراً من أن تعميق الانقسامات الداخلية «لا يخدم سوى أعداء البلاد».

مراسم إحياء ذكرى ثورة 1979 في ميدان «آزادي» غرب طهران (أ.ب)

وقدم بزشكيان اعتذاراً عن أوجه القصور الاقتصادية، مؤكداً أن الحكومة تعمل على معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي فجّرت حالة الاستياء، وقال إن تحسين معيشة المواطنين يمثل «الخط الأحمر» للحكومة، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً مالية متزايدة، وتراجعاً في القدرة الشرائية، واستمراراً للعقوبات الغربية التي تؤثر على قطاعات الطاقة والمصارف والتجارة الخارجية.

وخلال الأيام الماضية، كثَّفت السلطات حملاتها الإعلامية والتنظيمية للدعوة إلى المشاركة، ووصفت المناسبة بأنها رسالة في مواجهة «الضغوط والتهديدات الخارجية»، وكذلك في سياق الاحتجاجات التي شهدتها البلاد أخيراً، مؤكدةً أنها تعبّر عن دعم شعبي للنظام في ظل التحديات الراهنة.

وبثت وسائل إعلام حكومية صوراً وفيديوهات من مشاركة الوزراء ونواب البرلمان وقادة الأجهزة العسكرية والأمنية وشخصيات عامة في المسيرات التي حشدت لها السلطات.

Your Premium trial has ended