الوساطة الأوروبية في حرب إسرائيل - إيران رغم القبول الأميركي غير مضمونة النتائج

التحدي الأكبر أن يوفقوا بين «التنازلات» الإيرانية والمطالب الأميركية - الإسرائيلية

صورة مركبة تضع ترمب في الوسط بين رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو والمرشد الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
صورة مركبة تضع ترمب في الوسط بين رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو والمرشد الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
TT

الوساطة الأوروبية في حرب إسرائيل - إيران رغم القبول الأميركي غير مضمونة النتائج

صورة مركبة تضع ترمب في الوسط بين رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو والمرشد الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
صورة مركبة تضع ترمب في الوسط بين رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو والمرشد الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)

أن يعقد اجتماع في جنيف ضم مسؤولي الدبلوماسية في «الترويكا» الأوروبية الثلاثية (فرنسا وألمانيا وبريطانيا)، إضافة إلى نظيرتهم في المفوضية الأوروبية، مع وزير خارجية إيران، وبغض النظر عن النتيجة التي يمكن أن يفضي إليها، يمكن أن يعدّ حدثاً «إيجابياً» كونه الأول من نوعه منذ انطلاق الحرب الإسرائيلية - الإيرانية.

والمهم أيضاً ما أكده وزير الخارجية البريطانية ديفيد لامي، العائد من واشنطن لجهة «وجود نافذة لأسبوعين لتحقيق حل دبلوماسي» للحرب. وهذا التأكيد يجب أن يعطف على ما قاله نظيره الألماني يوهان فاديبول، من أن المسؤولين الأميركيين «لا يعلمون فقط أننا نجري هذه المحادثات؛ بل يدعمون ذلك بشدة، لذا أعتقد أن على إيران أن تدرك الآن أن عليها التعاطي مع هذه المحادثات بجدية ومصداقية جديدة».

وزراء خارجية فرنسا وبريطانيا وألمانيا ومسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي قبل انطلاق الاجتماع مع نظيرهم الإيراني بجنيف (إ.ب.أ)

وبالطبع، تجدر الإشارة إلى أن الوزير الفرنسي جان نويل بارو اتصل بدوره بوزير الخارجية مارك روبيو، كذلك فعلت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين.

وما يبرز مما سبق أمران: الأول أن واشنطن منحت الأوروبيين مهلة الأسبوعين لترى ما إذا كان بإمكانهم مخرج سياسي من الحرب، وبالتالي «إنقاذ» الرئيس ترمب من «محنة» الانخراط في حرب لا يريدها، لا بل تدفعه إليها إسرائيل التي لم يتردد رئيس وزرائها من استباق اجتماع تفاوضي في عمان في 15 الحالي لتنقضّ طائراته على طهران وعلى العشرات من المواقع العسكرية والنووية الإيرانية. والأمر الثاني أن الأوروبيين يعون تماماً أن جهداً كالذي يقومون به لا يمكن أن يكون له معنى من غير «مباركة أميركية» وضوء أخضر محدد زمنياً.

علم الوكالة الدولية للطاقة الذرية أمام مقر الوكالة المعنية بمراقبة استخدام الطاقة النووية في فيينا (رويترز)

غير أن هذه المباركة لا تكفي لضمان تواصل الوساطة الأوروبية. المطلوب من الأوروبيين أن ينجحوا في الحصول من إيران على «تنازلات» في فترة زمنية قصيرة للغاية يمكن أن تكتفي بها الإدارة الأميركية. صحيح أن إيران اليوم غير إيران ما قبل انطلاق العملية العسكرية. فإيران اليوم معزولة: الغرب ضدها، وحلفاؤها التقليديون (روسيا والصين) قدموا لها الدعم السياسي في حده الأدنى. وتجد إيران نفسها اليوم أمام خيارين: إما رفض ما يطلب منها لجهة تصفير تخصيب اليورانيوم على أراضيها، وتحجيم قدراتها الصاروخية وتعديل سياستها الإقليمية، وإما مواصلة الحرب.

وليس ترمب وحده في مأزق: فالمرشد الأعلى علي خامنئي في «ورطة» كبرى. فهو لا يبدو مستعداً لـ«تجرع السم» كما فعل الإمام الخميني في أواخر الحرب مع إيران، وخطابه الأخير دليل على ذلك. كذلك ليس مستعداً للبحث في تأطير القدرات الصاروخية لبلاده، وهو ما أكده وزير الخارجية عباس عراقجي في جنيف مستبقاً الاجتماع مع الأوروبيين. وأهمية هذه الإشارة تكمن في أن «ورقة العمل» التي نصها الرئيس ماكرون وحملها وزير خارجيته إلى جنيف، جاء في بندها الثاني تحديداً البحث في الملف الصاروخي - الباليستي. لذا، فإن مهمة الدبلوماسيين الأوروبيين ليست سهلة لجهة العثور على قاسم مشترك بين ما تقبل طهران التنازل عنه، وما يرضي واشنطن ومن ورائها تل أبيب. كذلك يتعنى البحث في المقابل الذي تريده القيادة الإيرانية لقاء تساهلها في الملفات المطروحة؛ ليس فقط بالنسبة للعقوبات المفروضة عليها، ولكن أيضاً بالنسبة لدور الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي ستعود إليها مهمة التأكد من تنفيذ طهران لالتزاماتها.

ما يفاقم هذه الإشكالية أن الغربيين يريدون استغلال ضعف إيران اليوم، لإلزامها بقبول القيود المتشددة التي رفضتها خلال 5 جولات من المفاوضات مع الجانب الأميركي. وليس من الواضح، من جهة ثانية، كيف ستنجح إيران في المحافظة على ماء الوجه إذا قبلت الشروط الجديدة. وفي أي حال، لا يمكن استبعاد أن تكون مهلة الأسبوعين وسيلة أميركية لزيادة الضغوط على المفاوض الإيراني، كما أنه لا يمكن استبعاد فرضية أن ترمب يحتاجها للتوفيق بين تيارين في إدارته: تيار الصقور الذي يريد «قطف ثمرة» القضاء على الملف النووي الإيراني وتحجيم دور طهران الإقليمي. وفي الطرف المقابل، هناك جناح «الانعزاليين» الرافضين لدخول بلادهم في حرب شرق أوسطية جديدة يمكن أن تكلفهم الكثير، وتعرض قواعدهم ومصالحهم في المنطقة لأضرار كبيرة، وتصيب ما أكده ترمب مراراً من أنه لا يريد حروباً جديدة وأنه رجل سلام.

ممثل إيران في الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني خلال إلقائه كلمة بلاده بمناسبة اجتماع المجلس الجمعة حول الحرب بين إيران وإسرائيل (أ.ف.ب)

ثمة عاملان لا بد من أخذهما بعين الاعتبار: أولهما أن ملفاً معقداً كالملف النووي الإيراني الذي يتم لا يمكن أن يحل بجولة واحدة. وللتذكير، فإن المباحثات الأوروبية - الإيرانية بشأنه بدأت قبل 22 عاماً، ولم تنضم إليها الولايات المتحدة إلا بعد أكثر من 10 سنوات. وبعد أن سحبت الإدارة الأميركية الملف من أيدي الأوروبيين، فإن عودة هؤلاء له مجدداً تعيد التفاوض إلى مساره «الكلاسيكي» ربما البعيد عن المفاجآت. والعامل الثاني يتناول موقف إسرائيل التي عارضت اتفاق 2015، ودفعت إدارة ترمب إلى الخروج منه في عام 2018، ولم تتوقف يوماً عن العمل على الإطاحة به عن طريق اغتيال كثير من علماء الذرة الإيرانيين والقيام بهجمات سيبرانية... ولا شيء يمكن أن يضمن أن تقف إسرائيل مكتوفة اليدين في حال برز بالأفق احتمال أن تنجح الوساطة الأوروبية، وهي التي لم تتردد في نسف المفاوضات الأميركية - الإيرانية، رغم أن الرئيس ترمب طلب أكثر من مرة من تل أبيب، الامتناع عن استهداف البرنامج النووي الإيراني. وها هو رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير يعلن الجمعة، أنه يتعين على إسرائيل الاستعداد «لحملة طويلة» من الحرب مع إيران، وأن بلاده «تنتظرها أيام صعبة، وعلينا أن نستعد لاحتمالات عديدة». واضح أن الأمور ما زالت في بداياتها؛ أكان ذلك عسكرياً أو سياسياً. والعوامل المتداخلة تجعل توقع ما هو آتٍ بالغ الصعوبة.


مقالات ذات صلة

استطلاع جديد: تراجع التأييد الشعبي لسياسات ترمب تجاه إيران

شؤون إقليمية ترمب وهو يتابع انطلاق عملية «الغضب الملحمي» ضد إيران مع مدير «سي آي إيه» جون راتكليف بحضور وزير الخارجية ماركو روبيو ورئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز في مارالاغو صباح 28 فبراير الماضي (أ.ب)

استطلاع جديد: تراجع التأييد الشعبي لسياسات ترمب تجاه إيران

أظهر استطلاع جديد أجرته وكالة «أسوشيتد برس» بالتعاون مع مركز «نورك» للأبحاث أن معظم الأميركيين لا يزالون غير راضين عن طريقة تعامل الرئيس دونالد ترمب مع إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن-واشنطن)
شؤون إقليمية غروسي يتحدث خلال مقابلة خاصة بمقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا (أ.ب)

«الوكالة الذرية»: سنعمل مع واشنطن وطهران على آليات التنفيذ

رحبت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الخميس، باتفاق السلام المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، مؤكدة أنها ستشارك في المناقشات الفنية الخاصة بتنفيذ بنوده.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث محاطاً بفريقه الاقتصادي والدبلوماسي خلال مؤتمر صحافي في ختام قمة مجموعة السبع بمدينة إيفيان الفرنسية (أ.ف.ب)

ترمب يدافع عن اتفاق إيران ويعد بمسار موازٍ للصواريخ والوكلاء

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، إن الاتفاق الذي توصلت إليه واشنطن وطهران هذا الأسبوع قد يوقع خلال يوم أو يومين، لكنه أبقى خيار القوة مطروحاً.

«الشرق الأوسط» (لندن-باريس)
شؤون إقليمية صورة نشرها موقع قاليباف الرسمي من لقائه مع أعضاء الغرفة التجارية الأربعاء

قاليباف: حان وقت انتقال الخندق من الصواريخ إلى الاقتصاد

قال محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة إن على المسؤولين الإيرانيين أن «يتسلموا الخندق من المقاتلين الواقفين عند منصات

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال جلسة عمل على هامش قمة مجموعة السبع في إيفيان الفرنسية (رويترز) p-circle

ترمب يبقي خيار القصف مطروحاً رغم اتفاق إيران

هدَّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، باستئناف العمليات العسكرية ضد إيران إذا لم تلتزم طهران بتعهداتها، قبل يومين من التوقيع المرتقب على مذكرة التفاهم.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - طهران)

بعد عقد على «بريكست»... هل يفتح الاتحاد الأوروبي مجدداً أبوابه لبريطانيا؟

الاجتماعات البريطانية - الأوروبية في لندن (أ.ف.ب)
الاجتماعات البريطانية - الأوروبية في لندن (أ.ف.ب)
TT

بعد عقد على «بريكست»... هل يفتح الاتحاد الأوروبي مجدداً أبوابه لبريطانيا؟

الاجتماعات البريطانية - الأوروبية في لندن (أ.ف.ب)
الاجتماعات البريطانية - الأوروبية في لندن (أ.ف.ب)

بعد عشر سنوات على الاستفتاء الذي أفضى إلى «بريكست»، يبدي أكثرية البريطانيين ندماً على خروجهم من الاتحاد الأوروبي، غير أن دول التكتل الـ27 لا تبدو على عجلة من أمرها لفتح أبوابها لهم.

وأظهرت استطلاعات للرأي في الأشهر الأخيرة أن غالبية واضحة من البريطانيين على قناعة بأن الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، تطبيقاً لنتائج استفتاء 23 يونيو (حزيران) 2016، كان خطأ. ودفع هذا التبدل في الرأي العام المعلقين على الخروج بتسميات جديدة من وحي كلمة «بريكست» لوصف هذا التوجه المعاكس، مستخدمين تعابير، مثل: «بريغريت» الذي يستخدم كلمة «ريغريت» أو «ندم»، و«بريتورن» اقتباساً لكلمة «ريتورن» أو «العودة»، و«بريونيون» الذي يتضمن كلمة «ريونيون» بمعنى «لمّ الشمل».

مظاهرة مناهضة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي خلال الاجتماعات بين الاتحاد الأوروبي والحكومة البريطانية (أ.ف.ب)

لكن أبعد من المصطلحات، تحتل هذه المسألة موقعاً بارزاً في صلب سجالات سياسية حادة في المملكة المتحدة بشأن الاستراتيجية الواجب اتباعها. ويرى أندي بيرنام، السياسي المخضرم الذي عاد إلى مجلس العموم بعد انتخابه يوم الخميس الماضي، والذي يُعتبر أكبر خصوم رئيس الحكومة، كير ستارمر، في حزب العمال، ومنافسه على زعامة الحزب، أن الخروج من الاتحاد الأوروبي كان خطأ، ويبدي أمله في العودة مجدداً إلى الأسرة الأوروبية، من غير أن يقدّم أي التزامات ملموسة، سواء لجهة تقديم طلب محتمل بذلك، أو تحديد جدول زمنيّ. ويستبعد ستارمر هذا الخيار في الوقت الحاضر، مكتفياً بالعمل على تحقيق تقارب في العلاقات مع الدول الـ27.

ستارمر يتوسط فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا بعد توقيع الاتفاق (أ.ف.ب)

ومن الجانب الأوروبي، من غير المؤكد أن يستجيب الاتحاد لطلب انضمام جديد من بريطانيا. وأكد نحو ستة دبلوماسيين أوروبيين تحدثت إليهم «وكالة الصحافة الفرنسية»، أن بلادهم ستكون منفتحة مبدئياً على عودة بريطانيا، لكنهم حذروا جميعاً بأنه سيتحتّم على لندن إبداء التزام تجاه التكتل والوفاء بواجباتها تجاهه، وهو ما شكك فيه معظمهم.

وقال أحد الدبلوماسيين إنه، في ظل الاستقطاب العالمي السائد، من مصلحة أوروبا أن تنضم إليها مجدداً قوة نووية تُعتبر من أقوى الاقتصادات في العالم، وتشغل مقعداً دائماً في مجلس الأمن الدولي. غير أن دبلوماسياً آخر أبدى تحفظاً، قائلاً: «ليسوا مستعدين في الوقت الحاضر للقبول بالواجبات الملازمة للعضوية».

لا تسرّع

والدول الـ27 ليست على عجلة من أمرها إطلاقاً لفتح هذا النقاش. وترى دول عديدة أن الاتحاد أفضل حالاً منذ «بريكست»، مع طي صفحة السجالات والنقاشات المتواصلة التي رافقت عضوية بريطانيا. وقال أحد الدبلوماسيين: «الأمر أسهل» منذ خروج لندن، موضحاً: «لم نعد مضطرين للتعامل باستمرار مع استثناءات بشأن كل ملف، هناك المزيد من التماسك».

علما الاتحاد الأوروبي (يسار) وبريطانيا (رويترز)

ورغم انتماء لندن لعقود إلى المجموعة الأوروبية ثم إلى الاتحاد الأوروبي، فهي لم تعتمد اليورو، ولم تنخرط في فضاء «شينغن» للتنقل الحر بين الدول الأعضاء، حتى إنها تفاوضت في عهد رئيسة الوزراء، مارغريت ثاتشر، على تخفيض مساهمتها في الميزانية المشتركة.

وهذا ما تعدّه الدول الأعضاء مؤشراً على قلة التزام فاضحة حيال الاتحاد.

غير أن أحد الدبلوماسيين قال ممازحاً إن من العواقب المؤسفة لخروج البريطانيين تراجع مستوى إتقان لغة شكسبير في الوثائق الرسمية الأوروبية، فيما يحتفظ البعض بذكريات طيبة عن العضوية البريطانية.

«الاتحاد الأوروبي تغيّر»

ولفت الخبير في مجموعة «تشاتام هاوس للدراسات»، سيباستيان مايار، إلى أنه مع انفصال بريطانيا خسرت بلدان الاتحاد الداعية إلى نهج اقتصادي ليبرالي، والمؤيدة للحلف الأطلسي، ثقلاً مؤثراً يمكنه موازنة طموحات فرنسا السيادية.

وبعد خروج بريطانيا، انطلق الاتحاد في السنوات الأخيرة في مسار يهدف إلى تحقيق «استقلالية استراتيجية»، مبدياً انحيازاً معلناً لـ«الأفضلية الأوروبية» في بعض القطاعات.

وقال الخبير إن «المملكة المتحدة لا تدرك مدى التغيير الذي طرأ على الاتحاد الأوروبي خلال السنوات العشر الماضية». وإن كانت أزمة «كوفيد» وسياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب والحرب في أوكرانيا ساهمت في هذا التطور، إلا أن خروج البريطانيين أيضاً دفع أوروبا إلى القيام بعملية إصلاح داخلي حتى لا تخسر أعضاء آخرين.

الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة المكلف ميشال بارنيه في حديث هامس في صورة تعود لعام 2019 (أ.ف.ب)

وتكللت هذه الجهود بقدر من النجاح؛ إذ لم تعد معظم الحركات الشعبوية واليمينية المتطرفة تدفع اليوم باتجاه خروج بلدانها من الاتحاد، بل تسعى لتغييره من الداخل.

وسيتسنى للأوروبيين والبريطانيين معاينة وضع علاقتهم الجديدة، خلال قمة مقررة في 22 يوليو (تموز) في بروكسل؛ فبعد التوتر الذي ساد في الأشهر الأخيرة بشأن الصناعات الدفاعية ومضاعفة الرسوم الجمركية الأوروبية على الصلب، ودعم شعار «صُنع في أوروبا»، قد يوقع الطرفان عدداً من الاتفاقيات.

لكن من المتوقع أن يقتصر الأمر على خطوات صغيرة، على غرار تدابير لتسهيل تنقل الشباب أو تجارة المنتجات الغذائية، وهو ما يبدو بعيداً كل البعد عن المصالحة الكبرى التي يحلم بها البعض بين بريطانيا والأوروبيين.

وبعد عشر سنوات على الاستفتاء الذي أفضى إلى خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، في يناير (كانون الثاني) 2020، كيف بات وضع البلاد بالأرقام على صعيد الهجرة والتجارة والاقتصاد، المواضيع الثلاثة التي كانت محورية في الحملة من أجل «بريكست»؟

ميشال برانيه متحدثاً في 18 ديسمبر 2020 أمام البرلمان الأوروبي (إ.ب.أ)

الهجرة

وعد أنصار «بريكست» باستعادة السيطرة على حدود بريطانيا مع الخروج من نظام حرية التنقل داخل التكتل. وإن كانت الهجرة من داخل الاتحاد الأوروبي تراجعت منذ ذلك الحين، إلا أن الهجرة من خارجه ازدادت بشكل كبير.

فبين 2012 و2016، كان مواطنو دول التكتل يشكلون ما بين 74 و81 في المائة من العدد الإجمالي الصافي للمهاجرين في المملكة المتحدة، بمعدل 250 ألف مهاجر في السنة خلال تلك الفترة، بحسب المكتب الوطني للإحصاءات.

في المقابل، كان صافي الهجرة الوافدة من خارج الاتحاد ضعيفاً نسبياً، إذ تراوح ما بين 61 و90 ألف مهاجر في السنة.

وبعد الاستفتاء، تراجع صافي عدد المهاجرين الوافدين من الاتحاد من 253 ألفاً عام 2016، إلى 70 ألفاً في 2020.

في المقابل، ازداد صافي الهجرة من خارج التكتل من 90 ألفاً عام 2016 إلى 186 ألفاً عام 2019. قبل أن يتراجع مجدداً إلى 101 ألف في 2020 خلال أزمة وباء «كوفيد».

وتصاعد هذا التوجه اعتباراً من عام 2021، مع دخول قوانين الهجرة الجديدة حيز التنفيذ في المملكة المتحدة، فوصل صافي عدد المهاجرين من خارج الاتحاد إلى مليون شخص عام 2023، فيما بات صافي الهجرة من الاتحاد سلبياً مع تخطي عدد الرعايا الأوروبيين المغادرين عدد الوافدين منهم.

وسجَّلت بريطانيا منذ ذلك الحين تراجعاً في العدد الإجمالي الصافي للمهاجرين ليصل إلى 308 آلاف عام 2025، جميعهم من خارج الاتحاد الأوروبي. وشكَّل رحيل البولنديين العنصر الرئيسي في تراجع عدد المهاجرين الأوروبيين، وقد دفعهم الازدهار الاقتصادي في بلدهم الأم للعودة.

الاقتصاد

يواجه البريطانيون أسئلة ملحة عن النمو الاقتصادي (إ.ب.أ)

كان أنصار «بريكست» يؤكدون أن الخروج من الاتحاد الأوروبي لن يؤثر على وضع الاقتصاد البريطاني، فيما حذر معارضوه من أن الخروج من السوق المشتركة سيتسبب بأزمة.

وتشير أرقام الناتج الداخلي الإجمالي الصادرة عن «منظمة التعاون والتنمية» في الميدان الاقتصادي إلى أن الاقتصاد البريطاني تبع بصورة عامة مسار الاقتصادات المتطورة الأخرى، خلال السنوات الأولى التي تلت الاستفتاء، غير أنه سجل تراجعاً تدريجياً بالنسبة للولايات المتحدة وكندا، اعتباراً من عام 2020.

وكان الأداء الاقتصادي للمملكة المتحدة أدنى بقليل من الاتحاد الأوروبي بعد الاستفتاء، وكانت عواقب الوباء أشد عليها من الدول الأوروبية المجاورة. إلا أن التعافي الذي أعقب ذلك كان أقوى في المملكة المتحدة، إذ كان نمو الناتج المحلي الإجمالي أقوى في بريطانيا منه في الاتحاد الأوروبي مباشرة بعد خروجها من السوق المشتركة عام 2021، لكنها عادت وسجلت تراجعاً طفيفاً بالمقارنة مع أوروبا في 2023 و2024 و2025.

نتائج خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لا تزال تثير جدلاً سياسياً واجتماعياً (أ.ب)

التجارة

كان أنصار الانفصال يؤكدون أن «بريكست» سيسمح للمملكة المتحدة بزيادة مبادلاتها التجارية مع باقي العالم، فيما كان معارضوه يعتبرون أن قطع علاقاتها مع سوقها الرئيسية سيقود إلى كارثة.

والواقع أن صادرات السلع إلى الاتحاد الأوروبي تراجعت من 205 مليارات جنيه إسترليني، عام 2016، وفق البيانات المعدّلة بحسب التضخّم، إلى 185 مليار جنيه إسترليني (245 مليار دولار) عام 2025، رغم انتعاشة وجيزة بعد الجائحة. وخلال الفترة نفسها، لم تتراجع واردات السلع الآتية من الاتحاد الأوروبي إلا بشكل طفيف، ما أدى إلى تفاقم العجز التجاري للمملكة المتحدة تجاه الاتحاد الأوروبي على مستوى السلع، ليرتفع من 113 مليار جنيه إسترليني إلى نحو 140 ملياراً، وفق بيانات «المكتب الوطني للإحصاءات».

ولم تتمكن بريطانيا من التعويض عن هذا العجز بصادراتها من السلع إلى الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، إذ بقيت مستقرة بين 2016 و2025.

وفي المقابل، حققت بريطانيا نمواً قوياً على صعيد صادرات الخدمات إلى جميع أنحاء العالم، ونتج عن ذلك ارتفاع في صادراتها الإجمالية من 765 مليار جنيه إسترليني إلى 908 مليارات جنيه إسترليني خلال الفترة ذاتها. غير أن الواردات الإجمالية ازدادت بنسبة أعلى؛ ما رفع العجز في الميزان التجاري البريطاني إلى نحو 65 مليار جنيه إسترليني عام 2025، بزيادة 3 مليارات عن عام 2016.


السياسة الخارجية الأوروبية تحت نيران الحرب بين فون دير لاين وكالاس

مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس (أ.ب)
مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس (أ.ب)
TT

السياسة الخارجية الأوروبية تحت نيران الحرب بين فون دير لاين وكالاس

مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس (أ.ب)
مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس (أ.ب)

يشهد الاتحاد الأوروبي، منذ أشهر، حرباً صامتةً بين رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين، ومسؤولة السياسة الخارجية كايا كالاس، تدور حول الصلاحيات، وترخي سدولاً كثيفة على الموقف الأوروبي من الأزمات والصراعات الجيوسياسية في أحرج فترة مرَّت بها القارة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس (أ.ف.ب)

الدول الأعضاء تراقب بقلق شديد هذا الصراع بين الوجهين الأبرز في المؤسسات الأوروبية، الذي يعزوه البعض إلى خلل هيكلي في نَصِّ المعاهدة التأسيسية، في حين يرى آخرون أنه وليد طموحات شخصية وتنافس على السلطة والنفوذ وتوجيه دفّة السياسة الخارجية الأوروبية. وثمّة مَن يتحدَّث عن خطة ألمانية - فرنسية لإعادة النظر في بنية السلطة التي تدير هذه السياسة، وحصر القرارات والمواقف الكبرى بعواصم الدول الأعضاء، في مرحلة جيوسياسية بالغة الدقة.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب)

البعض يقرأ في هذه الخطة المشتركة بين باريس وبرلين، والتي لم تخرج بعد من دائرة التسريبات، هجوماً مباشراً على كالاس التي يأخذ عليها منتقدوها استحواذ الملف الروسي على اهتمامها وعدم درايتها الكافية بتعقيدات ملف الشرق الأوسط، بينما يرى فيها آخرون اتجاهاً لوضع جهاز السياسة الخارجية الأوروبية تحت عباءة المفوضية.

أما الذين يدعمون كالاس ويعارضون ما يسمّونها «الشهيّة الجامحة» لدى رئيسة المفوضية لمراكمة السلطة والنفوذ، ويلمّحون إلى دعم ألماني وراء هذا التوجه، فإنَّهم يشدِّدون على ما تحدِّده المعاهدات التأسيسية للاتحاد، التي تنصُّ على أنَّ مسؤولة السياسة الخارجية هي التي ترفع المقترحات بشأنها إلى المجلس وتنفّذ القرارات التي تتخذها الدول الأعضاء وتشرف على تنسيق هذه السياسة مع الأجهزة والمؤسسات الأخرى.

رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا (أ.ف.ب)

المراقبون المحايدون يعدّون أنَّ الأزمات التي مرَّ بها الاتحاد خلال العشرية الماضية، من جائحة «كوفيد» إلى الحرب في أوكرانيا، ومن الطلاق مع الولايات المتحدة إلى المنافسة الشديدة مع الصين، هي التي دفعت رئيسة المفوضية إلى واجهة الأحداث، لا سيما أنها مع بداية ولايتها الثانية استحدثت مناصب جديدة في إدارتها تتقاطع صلاحياتها مع صلاحيات المسؤولة عن السياسة الخارجية، وأصبحت بمثابة أجهزة موازية تخضع لسلطتها المباشرة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدَّث مع رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا (أ.ب)

ومع احتدام هذا الصراع عمَّمت كالاس، يوم الخميس الماضي، قبيل افتتاح القمة الأخيرة رسالةً على موظفي جهاز السياسة الخارجية، جاء فيها: «إن العلاقة بين الجهاز والمفوضية والدول الأعضاء كانت موضع نقاش منذ استحداث الجهاز، ومن الطبيعي في ظلَّ التحديات الجيوسياسية غير المسبوقة التي نعيشها اليوم، أن يعود هذا النقاش بمزيد من القوة. لكن الجميع يعلم أن النظام يمكن أن يعمل بشكل أفضل، ومن غير تداخل في الصلاحيات».

فيكتور أوربان مع جورجيا ميلوني وخلفهما أنطونيو غوتيريش (رويترز)

وسارعت المفوضية إلى الرد في بيان صدر عن ناطق بلسانها جاء فيه: «إن جهاز السياسة الخارجية هو جزء من المؤسسات الأوروبية التي تنفَِّذ سياسة الاتحاد، وبالتالي فإنَّ رئيسة المفوضية تسانده وتدعم النشاط الذي يقوم به».

اللافت أن هذا الصراع تزامن بلوغه مرحلة علنية متقدمة، مع حدثين يحملان مدلولاً بعيداً بالنسبة للسياسة الخارجية الأوروبية. الأول كان إعلان رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا إعادة تفعيل آلية الحوار مع روسيا؛ بهدف رصد احتمالات فتح قنوات مع الكرملين لإنهاء الحرب في أوكرانيا. وقال كوستا إنَّه تحدَّث شخصياً مع أحد كبار مساعدي الرئيس فلاديمير بوتين، ما يشكَّل أبرز تقارب بين بروكسيل وموسكو منذ بداية الحرب في عام 2022.

مصافحة بين مسؤولة الشؤون الخارجية الأوروبية كايا كالاس ووزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في بروكسل فبراير الماضي (أ.ب)

الحدث الثاني كان إعلان وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أن حكومته قرَّرت قطع «كل الاتصالات» مع المسؤولة عن السياسة الخارجية للاتحاد كايا كالاس؛ بسبب ما نسبته إليها أنباء صحافية عن تصريحات صدرت عنها خلال زيارة لها إلى المكسيك، شبّهت فيها السياسة الإسرائيلية بسياسة الفصل العنصري سابقاً في جنوب أفريقيا. وقال ساعر إن كالاس أصبحت شخصاً غير مرغوب فيه «إلى أن تتراجع عن افترائها على الدولة اليهودية الوحيدة في العالم».

كل هذه التطورات التي تدور حول السياسة الخارجية الأوروبية تكشف قلقاً متزايداً في العواصم الأوروبية، ناجماً عن الشعور بأنَّ مؤسسات الاتحاد التي تمّ انشاؤها لعصر يقوم على التوافق، لم تعد اليوم صالحةً في عالم يحكمه الصراع بين القوى العظمى.


مصرع شخص وإصابة العشرات إثر تصادم قطارين شمال لندن

عمال يظهرون في موقع حادث تصادم بين قطارين بالقرب من مدينة بيدفورد البريطانية (رويترز)
عمال يظهرون في موقع حادث تصادم بين قطارين بالقرب من مدينة بيدفورد البريطانية (رويترز)
TT

مصرع شخص وإصابة العشرات إثر تصادم قطارين شمال لندن

عمال يظهرون في موقع حادث تصادم بين قطارين بالقرب من مدينة بيدفورد البريطانية (رويترز)
عمال يظهرون في موقع حادث تصادم بين قطارين بالقرب من مدينة بيدفورد البريطانية (رويترز)

لقي سائق قطار حتفه وأصيب العشرات ​في حادث تصادم قطاري ركاب في منطقة تبعد نحو 100 كيلومتر إلى الشمال من لندن بعد ظهر أمس (الجمعة)، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفي بيان اليوم (السبت)، أكدت شركة «إيست ميدلاندز ريلواي»، المشغلة للقطارين المتجهين ‌إلى لندن ‌واللذين وقع بينهما ​الحادث، ‌وفاة سائق أحد ​القطارين.

وأظهر مقطع فيديو نشره أحد الركاب على مواقع التواصل الاجتماعي، ما يبدو أنها مقدمة قطار مرتطمة بمؤخرة قطار آخر، وعربات كليهما لا تزال على القضبان، على ما يبدو.

عمال خدمات الطوارئ يتجمعون في موقع حادث تصادم بين قطارين بالقرب من مدينة بيدفورد البريطانية (رويترز)

وذكرت هيئة الإسعاف في ‌شرق إنجلترا ‌أنه بالإضافة إلى شخص ​توفي في موقع ‌الحادث، أصيب 11 شخصاً بإصابات ‌شديدة الخطورة، و22 آخرين بإصابات خطيرة، فيما تعرض 56 لإصابات طفيفة.

وقال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في ‌بيان: «قلبي مع عائلة الفقيد، ومع أولئك الذين أصيبوا بجروح خطيرة».

ولم يتضح بعد سبب وقوع التصادم، وقالت وزيرة النقل هايدي ألكسندر، إن التحقيق جارٍ في ملابسات الحادث.

وذكر الطبيب بيتر ناب على منصة «بلو سكاي» للتواصل الاجتماعي، أنه كان على متن أحد القطارين، وقال إن «اصطداماً مفاجئاً» أدى إلى خروج إحدى العربات عن القضبان، ​وأشار إلى ​أنه أصيب بجروح طفيفة.