تبدو فكرة التصدي لريال مدريد والوقوف ندا لند أمام الملك الأوروبي، شيئا من وحي الخيال وذلك بالنظر إلى تاريخ الأندية العربية مع البطل الاسباني العريق، لكن الهلال كسر القاعدة وفعلها أخيرا على مسرح المونديال العالمي.
فعلى أرض ملعب “هارد روك” في ميامي، وتحت حرارة صيف لا ترحم، كتب الهلال مساء 18 يونيو 2025 واحدة من أكثر لياليه العالمية إشراقًا، حين فرض التعادل 1-1 على بطل أوروبا وملك هذه البطولة التاريخية، ريال مدريد، في افتتاح مشوارهما في النسخة الموسعة من المونديال.
وبدأ اللقاء وكل شيء يشير إلى سيناريو تقليدي "استحواذ مدريدي وضغط متواصل، ومجموعة من النجوم يتقدّمهم فينيسوس، بيلينغهام، وألكسندر أرنولد في أول ظهور رسمي له بقميص الريال". في المقابل، دخل الهلال برؤية مختلفة، تُشبه أكثر خطة جنرال متمرّس لا يهاب الأساطير. جلس سيموني إنزاغي على مقعده الأزرق برباطة جأش، وكأنه يعرف مسبقًا أن فريقه لن يكون لقمة سائغة.
ريال مدريد تقدم أولًا عبر هدف غونزالو غارسيا في الدقيقة 34، إلا أن هذا التقدم لم يؤثر على ترابط الهلال وظهوره كفريق يبحث عن الخروج بنتيجة إيجابية من المباراة.
وجاء الرد سريعاً عن طريق روبن نيفيز النجم البرتغالي بعد ست دقائق فقط من تقدم مدريد بعد أن تحصل الهلال على ركلة جزاء نفذها ببراعة في شباك كورتوا.
وشهد الشوط الثاني موجة ضغط مدريدي عارمة، لكن ما صنع الفارق للهلال لم يكن الدفاع المنظم فحسب، بل تلك الثقة التي بدت واضحة في كل تمريرة من روبن نيفيز، وفي كل انطلاقة من سافيتش، وفي كل تدخل حاسم من الحارس ياسين بونو، الذي تصدّى ببراعة لركلة جزاء نفذها فيدي فالفيردي في الدقيقة 92، ليمنع هدفًا كان سيعيد الأمور إلى النص المعتاد.
وبعد الصافرة، لم يحتفل الهلاليون وكأنهم أبطال، بل رفعوا رؤوسهم وكأنهم يعرفون أنهم باتوا جزءًا من حكاية جديدة للكرة العربية، حكاية كتبت فصلاً مشرقًا أمام النادي الأكثر تتويجًا في تاريخ أوروبا.
وبالعودة إلى الأرقام، فإن هذا التعادل يمثل أول نتيجة غير خاسرة لنادٍ عربي أمام ريال مدريد في بطولة رسمية. حيث سبق للأندية العربية أن واجهت الريال خمس مرات في كأس العالم للأندية، وخسرت جميعها أولها النصر في 2000، والرجاء في نفس النسخة، الجزيرة في 2017، والعين في نهائي 2018، وأخيرًا الهلال نفسه في نهائي 2023 بنتيجة 5-3. واليوم، يكسر الهلال تلك القاعدة، ويغيّر المعادلة.
لكن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز لا تتوقف عند الرقم أو النتيجة. بل تكمن في المشهد الأوسع "نادي سعودي، من قارة آسيا، يقف بندية أمام أكثر الفرق فوزًا بدوري أبطال أوروبا، ويؤكد مرة أخرى أن الكرة العربية لم تعد مجرد رقم تكميلي في البطولات الكبرى، بل مشروع ناضج بدأ يؤتي ثماره".
وقد لخص سالم الدوسري، القائد الهلالي الذي دخل أرض الملعب في آخر ربع ساعة، شعور اللاعبين بقوله: أردنا أن نظهر للعالم أننا لسنا مجرد ممثلين لقارة، بل منافسين حقيقيين. كنا قريبين من الفوز، وهذا يمنحنا دافعًا أكبر لما هو قادم.
ولا زال الهلال في بداية مشواره بالبطولة، لكن هذا التعادل التاريخي يفتح أمامه الباب للذهاب بعيدًا. فقد تخطّى الاختبار الأصعب، وخرج منه بتقدير العالم، وبصدى يتردّد من ميامي إلى الرياض، ومن صحف مدريد إلى أذهان كل من اعتقد أن الفارق لا يزال كبيرًا بين الشرق والغرب في كرة القدم.
ربما لا يكون الهلال قد فاز في النتيجة، لكنه ربح احترام العالم، وأعاد رسم صورة الأندية العربية على المسرح العالمي بألوان زرقاء فاخرة.
