ترمب عن ضرب إيران: قد أفعل وقد لا أفعل... صبرنا نفد

قال إن طهران اقترحت المجيء إلى البيت الأبيض للتفاوض... ورفض الوساطة الروسية

TT

ترمب عن ضرب إيران: قد أفعل وقد لا أفعل... صبرنا نفد

جانب من تصريحات الرئيس الأميركي خارج البيت الأبيض يوم 18 يونيو (أ.ب)
جانب من تصريحات الرئيس الأميركي خارج البيت الأبيض يوم 18 يونيو (أ.ب)

أحجم الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن تأكيد ما إذا كانت الولايات المتحدة تُخطّط لقصف إيران أو منشآتها النووية، لافتاً إلى أن طهران تواصلت مع واشنطن للتفاوض من أجل وضع حد للنزاع.

وقال ترمب، في تصريحات أدلى بها في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض: «لقد نفد صبرنا» حيال إيران، وكرّر دعوة طهران إلى «استسلام غير مشروط». ولدى سؤاله عمّا إذا قرر توجيه ضربات أميركية إلى إيران، أبقى ترمب على غموض موقفه، واكتفى بالقول: «قد أفعل ذلك وقد لا أفعل، لا أحد يعلم ما سأقوم به». وتابع: «يمكنني أن أقول لكم إن إيران تواجه مشاكل كثيرة، وهم (الإيرانيون) يريدون التفاوض».

وكشف الرئيس الأميركي أن طهران اقترحت إيفاد مسؤولين إلى البيت الأبيض للتفاوض بشأن البرنامج النووي الإيراني في مسعى لوضع حد للهجوم الجوي الذي تشنه إسرائيل منذ الجمعة الماضي، واصفاً الاقتراح بأنه «شجاع» وإن كان «متأخراً جداً». وأوضح: «قلت إنه فات الأوان للمباحثات... هناك فرق هائل بين (أن يتم ذلك) اليوم وقبل أسبوع. أليس كذلك؟».

ولدى سؤاله عمّا إذا فات الأوان للتفاوض، أجاب بالنفي، قائلاً إن «لا شيء فات أوانه» على هذا الصعيد.

استسلام غير مشروط

وكان ترمب قد أبدى تأييداً للمسار الدبلوماسي من أجل وضع حد للبرنامج النووي الإيراني، وسعى للتوصل إلى اتفاق بدلاً من الذي أُبرم في عام 2015 وانسحب منه في ولايته الرئاسية الأولى في عام 2018. لكن منذ أن بدأت إسرائيل شنّ ضربات ضد إيران، يبدي ترمب دعماً لتل أبيب، وهو يدرس حالياً إمكان إشراك الجيش الأميركي أيضاً في توجيه ضربات لإيران.

جانب من تصريحات الرئيس الأميركي خارج البيت الأبيض يوم 18 يونيو (أ.ب)

وأطلق ترمب، الثلاثاء، مجموعة مواقف متشدّدة عبر منصته «تروث سوشيال»، جاء فيها: «نعرف بالتحديد أين يختبئ المدعو (المرشد الأعلى). هو هدف سهل، لكنه في مأمن هناك. لن نقضي عليه (نقتله!)، على الأقل ليس في الوقت الحالي». وأضاف: «لكننا لا نريد أن تُطلق الصواريخ على المدنيين أو الجنود الأميركيين. صبرنا يقترب من النفاد»، قبل أن ينشر في وقت لاحق رسالة جاء فيها «استسلام غير مشروط!».

وشدد ترمب على أنه لا يمكن السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي، وحينما سُئل عن رسالته للمرشد الإيراني الذي أكد أن بلاده لن تستسلم، أجاب ترمب: «حظاً سعيداً».

وفي ردّ على تحذيرات ترمب، قال المرشد علي خامنئي إن إيران «لن تخضع لأي إملاءات من أي جهة كانت». ووصف خامنئي دعوة الرئيس الأميركي لإيران لـ«الاستسلام غير المشروط»، بأنّها «غير مقبولة». كما نفت إيران أن تكون قد عرضت إيفاد مسؤولين إلى واشنطن. وجاء في منشور لبعثة إيران لدى الأمم المتحدة، على منصة «إكس»: «لم يطلب أي مسؤول إيراني إطلاقاً التذلل عند بوابات البيت الأبيض». وتابعت البعثة: «الشيء الوحيد الأكثر خساسة من أكاذيبه هو تهديده الجبان بالقضاء على المرشد الأعلى لإيران».

رفض الوساطة

وأبدى ترمب دعماً لمواصلة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو هجومه على إيران. ولدى سؤاله عمّا قاله لنتنياهو في اتصال جرى بينهما الثلاثاء، أجاب ترمب بأنه قال له: «استمر في ذلك. أتحدّث إليه يومياً، إنه رجل صالح ويفعل الكثير».

أمّا عن دور روسيا المحتمل في تهدئة التوتر بين تل أبيب وطهران، رفض ترمب عرض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، معتبراً أن على موسكو قبل ذلك وضع حد لحربها في أوكرانيا. وقال ترمب: «لقد عرض القيام بوساطة، فطلبت منه أن يسدي لي خدمة ويقوم بوساطة لنفسه. فلنهتم أولاً بواسطة من أجل روسيا»، وأضاف مخاطباً بوتين: «يمكنك أن تهتم بذلك (النزاع في الشرق الأوسط) لاحقاً».

انقسامات أميركية

لافتات في تل أبيب تدعو ترمب إلى «إنهاء المهمّة» يوم 18 يونيو (أ.ف.ب)

حول الانقسامات في الداخل الأميركي ورفض أنصاره من حركة «اجعلوا أميركا عظيمة مرة أخرى» لفكرة انخراط الولايات المتحدة في الحرب ضد إيران، قال ترمب: «أنصاري يحبونني اليوم أكثر مما كانوا عليه حتى أثناء الانتخابات». وأضاف: «نحن لا نسعى إلى حرب طويلة الأمد»، وأضاف: «لا يمكن لإيران امتلاك سلاح نووي. وأنا أقول ذلك منذ عشرين عاماً، ولذا قد يكون عندي بعض الأشخاص غير راضين بعض الشيء الآن، لكن عندي بعض الأشخاص السعداء للغاية ولدينا أشخاص خارج القاعدة (من المناصرين) لا يصدقون حدوث هذا وهم سعداء للغاية».

خيارات الإدارة

أفادت مصادر بالبيت الأبيض بأن مستشاري ترمب في مجلس الأمن القومي قدّموا له مجموعة من الخيارات بشأن إيران، وأنه يقوم بدراسة إمكانية استخدام الأصول العسكرية الأميركية لضرب المنشآت النووية الإيرانية.

شظايا صاروخ باليستي في شمال إسرائيل يوم 18 يونيو (رويترز)

وتتجه الأنظار إلى قرار الرئيس ترمب وسط انقسامات داخلية واسعة بين تيار مؤيد لضربة أميركية قوية تدمر منشأة فوردو النووية والتخلص من البرنامج النووي الإيراني، وتيار آخر رافض لتدخل أميركي وانجرار الولايات المتحدة إلى حرب جديدة في منطقة الشرق الأوسط، فضلاً عن ابتعاد الرئيس الجمهوري عن شعار «أميركا أولاً».

ويرى مؤيدو مشاركة واشنطن في الهجمات الإسرائيلية ضد إيران أن إسرائيل لا تستطيع وحدها حسم المعركة، وأن القضاء على مخزونات إيران من اليورانيوم المخصب في منشأة فوردو يحتاج إلى القدرات العسكرية الأميركية المتقدمة التي لا تملكها تل أبيب. ويحذّر هذا المعسكر أنه رغم الضربات الإسرائيلية وسلسلة الاغتيالات التي قامت بها إسرائيل ضد قادة الحرس الثوري الإيراني والعلماء النوويين، فإن إيران قادرة على إعادة تنظيم صفوفها.

سحب الدخان تتصاعد من موقع قصفه الطيران الإسرائيلي في طهران (رويترز)

وأشارت صحيفة «وول ستريت جورنال» المؤيدة لهذا التيار إلى أن احتفاظ إيران باليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة وأجهزة الطرد المركزي يعني أنها ستمضي في طريقها للتوصل إلى سلاح نووي، «ما لم تقم الولايات المتحدة بقطع هذا الطريق».

تكثيف الانتشار العسكري

على الصعيد العسكري، يكثّف الأميركيون وجودهم العسكري في المنطقة. فقد تمّ نقل مقاتلتين من طراز «إف 16» و«إف 22» و«إف 35» إلى المنطقة، إضافة إلى قاذفات «بي 52» الموجودة بقاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهندي. كما من المتوقع نشر حاملة الطائرات الأميركية (يو إس إس فورد) في شرق البحر المتوسط بالقرب من إسرائيل الأسبوع المقبل، لتصبح ثالث حاملة طائرات أميركية في المنطقة في خضم الصراع المستمر بين إسرائيل وإيران. وذكرت شبكة «سي إن إن» أن حاملة طائرات أميركية أخرى في طريقها أيضاً إلى الشرق الأوسط، حيث ستنضم إلى حاملة الطائرات «يو إس إس كارل فينسون»، أو ستحل محلها.

وقال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث لأعضاء مجلس الشيوخ، الأربعاء، إن البنتاغون قدّم خيارات محتملة للرئيس في الوقت الذي يقرر فيه الخطوات التالية بشأن إيران، لكنه لم يذكر ما إذا كان الجيش يخطط للمساعدة في الضربات الإسرائيلية، وهو عمل قد يهدد بجرّ أميركا إلى حرب أوسع في الشرق الأوسط. وفي جلسة استماع أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، قال هيغسيث إنه يتم توفير «أقصى حماية للقوات الأميركية في الشرق الأوسط» وإن قرار ترمب هو ما إذا كان سيزود إسرائيل بقنبلة «اختراق المخابئ» لضرب قلب برنامج إيران النووي، الأمر الذي يتطلب طيارين أميركيين يقودون قاذفة الشبح «بي 2».


مقالات ذات صلة

شرطة إيران تمهل «المغرر بهم» 3 أيام لتسليم أنفسهم

شؤون إقليمية شرطة مكافحة الشغب تطارد محتجين في مشهد شمال شرقي إيران الخميس 8 يناير (تلغرام)

شرطة إيران تمهل «المغرر بهم» 3 أيام لتسليم أنفسهم

قال قائد الشرطة الإيرانية إن الأشخاص الذين «غُرر بهم» للمشاركة في «أعمال الشغب» سيستفيدون من «تخفيف كبير في العقوبة» إذا سلموا أنفسهم خلال 3 أيام.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية صورة ملتقطة في 15 يناير 2026 بموسكو تُظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مراسم تسلُّم أوراق اعتماد السفراء المعينين حديثاً لدى روسيا (د.ب.أ)

موسكو تكثف وساطتها بين إيران وإسرائيل لاحتواء التصعيد

كثف الكرملين، الجمعة، تحركاته الدبلوماسية لخفض التوتر بين إيران وإسرائيل، عبر سلسلة اتصالات أجراها الرئيس الروسي مع نظيره الإيراني ورئيس الوزراء الإسرائيلي

«الشرق الأوسط» (لندن-موسكو)
شؤون إقليمية سيارات تسير في طهران تحت لافتة كتب عليها «هذا ليس احتجاجاً» الخميس (أ.ف.ب)

احتجاجات إيران تخفت… وواشنطن تراقب دون حسم

في لهجة بدت أقل حدة أعرب الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن أمله في استمرار تراجع إيران عن اللجوء إلى أحكام الإعدام بحق المحتجين

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية السفارة الأميركية في القدس (أرشيفية - رويترز)

أميركا تحذر رعاياها في إسرائيل وتحثهم على التأكد من صلاحية جوازات سفرهم

أصدرت السفارة الأميركية في إسرائيل، تحذيراَ أمنياَ لرعاياها في إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية جانب من الاحتجاجات في إيران (أ.ب)

تركيا تكثف مساعيها لتهدئة التوتر في إيران وإبعاد خطر التدخل الخارجي

عبّرت تركيا عن قلقها إزاء الوضع في إيران وأكدت ضرورة إجراء حوار من أجل تخفيف التوترات في المنطقة وسط مخاوف من تدخلات خارجية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

كرادلة كاثوليك أميركيون يحثون إدارة ترمب على «تبنّي بوصلة أخلاقية» في السياسة الخارجية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

كرادلة كاثوليك أميركيون يحثون إدارة ترمب على «تبنّي بوصلة أخلاقية» في السياسة الخارجية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

حثّ ثلاثة كرادلة كاثوليك أميركيين إدارة الرئيس دونالد ترمب اليوم (الاثنين) على استخدام بوصلة أخلاقية في متابعة سياستها الخارجية، قائلين إن العمل العسكري الأميركي في فنزويلا، والتهديدات بالاستيلاء على غرينلاند، وخفض المساعدات الخارجية... تهدد بمعاناة واسعة النطاق بدلاً من تعزيز السلام.

ووفقاً لوكالة الأنباء الألمانية، ففي بيان مشترك حذر الكرادلة: بليز كوبيتش من شيكاغو، وروبرت ماكلروي من واشنطن، وجوزيف توبين من نيوارك بولاية نيوجيرسي، من أنه دون رؤية أخلاقية فإن النقاش الحالي بشأن سياسة واشنطن الخارجية غارق في «الاستقطاب والحزبية والمصالح الاقتصادية والاجتماعية الضيقة».

وقال ماكلروي لوكالة «أسوشييتد برس»: «معظم الولايات المتحدة والعالم ينجرفون أخلاقياً فيما يتعلق بالسياسة الخارجية. ما زلت أعتقد أن الولايات المتحدة لها تأثير هائل على العالم».

وهذا البيان غير معتاد، وهو البيان الثاني خلال شهرين الذي يتحدث فيه أعضاء التسلسل الهرمي الكاثوليكي في الولايات المتحدة ضد إدارة ترمب التي يعتقد الكثيرون أنها لا تحترم المبادئ الأساسية للكرامة الإنسانية.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) أدان مؤتمر الأساقفة الكاثوليك في الولايات المتحدة برمته عمليات الترحيل الجماعي للمهاجرين و«تشويه سمعتهم» في الخطاب العام.


ترمب: على أوروبا التركيز على الحرب الروسية الأوكرانية وليس على غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (رويترز)
TT

ترمب: على أوروبا التركيز على الحرب الروسية الأوكرانية وليس على غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (رويترز)

ذكرت محطة تلفزيون «إن بي سي نيوز»، اليوم (الاثنين)، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب رفض التعليق على سؤال حول إمكانية اللجوء إلى القوة للاستيلاء على جزيرة غرينلاند، وذلك مع تصاعد التوتر بعد تهديد ترمب بفرض رسوم جمركية على بعض الدول الأوروبية إلى حين التوصل إلى اتفاق بشأن الجزيرة الدنماركية التي تتمتع بحكم ذاتي.

وقالت «إن بي سي نيوز» إن ترمب انتقد خلال المقابلة القادة الأوروبيين الذين عارضوا مساعيه لضم غرينلاند، التي يقول إنها ضرورية لحماية الأمن القومي الأميركي من التهديدات الخارجية.

وقال الرئيس الأميركي: «على أوروبا أن تركّز على الحرب مع روسيا وأوكرانيا، لأنكم ترون ما آلت إليه الأمور. هذا ما يجب أن تركز عليه أوروبا، وليس غرينلاند».

كان ترمب قد أعلن هذا الأسبوع فرض رسوم جمركية بنسبة 10 في المائة على بعض الدول الأوروبية بدءاً من أول فبراير (شباط) المقبل على أن تزيد إلى 25 في المائة اعتباراً من الأول من يونيو (حزيران) القادم.

وعندما سُئل عما إذا كان سينفّذ خططه لفرض رسوم جمركية على الدول الأوروبية في حال عدم التوصل إلى اتفاق بشأن غرينلاند، قال ترمب لـ«إن بي سي نيوز»: «سأفعل ذلك، بنسبة 100 في المائة».

من جهته، حذّر وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت الدول الأوروبية، الاثنين، من فرض رسوم جمركية مضادة رداً على الرسوم التي هدّد بها الرئيس دونالد ترمب من أجل الاستحواذ على إقليم غرينلاند الدنماركي الشاسع.

وقال بيسنت للصحافيين في اليوم الأول من المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس: «أعتقد أن ذلك سيكون خطوة غير حكيمة بتاتاً». وأضاف أن ترمب يريد السيطرة على الإقليم الدنماركي المتمتع بحكم ذاتي لأنه يعتبره «أصلاً استراتيجياً»، و«لن نوكل أمن نصف الكرة الأرضية الغربي لأي طرف آخر».


مطالبة ترمب بغرينلاند تعمِّق الهوّة الأطلسية وأزمة «الناتو»

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب وعلم الاتحاد الأوروبي (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب وعلم الاتحاد الأوروبي (أ.ف.ب)
TT

مطالبة ترمب بغرينلاند تعمِّق الهوّة الأطلسية وأزمة «الناتو»

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب وعلم الاتحاد الأوروبي (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب وعلم الاتحاد الأوروبي (أ.ف.ب)

جدّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب مطالبته باستحواذ الولايات المتحدة على غرينلاند، مُوسّعاً بذلك نطاق الخلافات مع الدنمارك وبقية الدول في أوروبا، ليواجه حلف شمال الأطلسي «الناتو» أزمة لا سابق لها منذ إنشائه قبل 77 عاماً.

ورغم الرفض القاطع من رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، التي تقع غرينلاند ضمن سيادة بلدها، والزعماء الغرينلانديين، وكذلك من كبار المسؤولين الأوروبيين وبينهم الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، جدد الرئيس ترمب حملته الكلامية للمطالبة بالحصول على أكبر جزيرة في العالم، فكتب على منصته «تروث سوشيال» للتواصل الاجتماعي: «لطالما طالب حلف الناتو الدنمارك، طوال 20 عاماً، بضرورة إبعاد التهديد الروسي عن غرينلاند». وأضاف: «للأسف، لم تتمكن الدنمارك من فعل أي شيء حيال ذلك. والآن حان الوقت، وسيتم ذلك!».

وهو كان يشير في هذا المنشور إلى أن أعضاء «الناتو» لم يستثمروا بشكل كافٍ في أمن القطب الشمالي لسنوات، في وقت تتحوّل فيه المنطقة - التي تشهد ذوباناً للأنهار الجليدية ونشاطاً بحرياً متزايداً لكل من الصين وروسيا وممراً لكابلات الاتصالات البحرية الحيوية - إلى بيئة خصبة لتجدد الصراع بين القوى العظمى.

ولم يُبدِ ترمب حتى الآن أي اهتمام بالبحث عن حلول دبلوماسية، أو بنوع الشراكات الدفاعية التي لطالما عززها «الناتو»، بما في ذلك بناء المزيد من القواعد الأميركية لمراقبة الشحن الصيني والروسي، وتوسيع مشروع «القبة الذهبية» للدفاع الصاروخي الذي لا يزال في مراحله الأولى، ليشمل غرينلاند البالغة مساحتها 836 ألف ميل مربع، أي نحو ثلاثة أضعاف مساحة تكساس.

وكذلك لم يعر ترمب أي اهتمام حتى الآن بمعاهدة استراتيجية وقّعتها الدنمارك عام 1951 لمنح الولايات المتحدة حقوقاً تشمل فتح نحو 16 قاعدة عسكرية في غرينلاند، علماً بأنها أُغلقت لاعتقاد الإدارات الأميركية السابقة بأن عصر التنافس الاستراتيجي على القطب الشمالي انتهى بانهيار الاتحاد السوفياتي في التسعينات من القرن الماضي. ولم يبقَ من هذه القواعد سوى واحدة حالياً. وصرح ترمب مراراً بأن بلاده بحاجة إلى غرينلاند الشاسعة والغنية بالمعادن من أجل «الأمن القومي» للولايات المتحدة.

أكبر من صفقة ألاسكا

أرشيفية لنائب الرئيس الأميركي جي دي فانس خلال جولة عسكرية في قاعدة بيتوفيك الفضائية في غرينلاند (أ.ف.ب)

وإذا تمكن ترمب من الوصول إلى غايته، فستكون هذه أكبر صفقة استحواذ على أراضٍ في التاريخ الأميركي، وحتى أكبر من صفقة وزير الخارجية سابقاً ويليام سيوارد، قبل أكثر من 150 عاماً، عندما اشترى ألاسكا من روسيا عام 1867 مقابل سنتين تقريباً لكل فدّان.

وبدلاً من السعي إلى تسوية دبلوماسية، لجأ ترمب إلى سلاحه المفضل: الرسوم الجمركية. وزاد عليه أخيراً ربط مساعيه للسيطرة على غرينلاند بعدم منحه جائزة نوبل للسلام، معلناً أنه لم يعد يفكر بـ«السلام حصراً» لتحقيق غايته. وكتب في رسالة خطية وجهها لرئيس الوزراء النرويجي جوناس غار ستوير: «بما أن بلدكم قرر عدم منحي جائزة نوبل للسلام لجهودي في وقف أكثر من 8 حروب، لم أعد أشعر بالتزام بالتفكير في السلام حصراً، مع أنه سيظل دائماً هو الأهم، بل يمكنني الآن التفكير فيما هو خير ومناسب للولايات المتحدة». وكرر اتهام الدنمارك بأنها عاجزة عن حماية غرينلاند من روسيا أو الصين. وإذ تساءل: «لماذا لديهم حق الملكية، على أي حال؟»، أضاف: «لا توجد وثائق مكتوبة، كل ما في الأمر أن سفينة رست هناك قبل مئات السنين، ونحن لدينا سفن هناك أيضاً». واعتبر أن «العالم لن يكون آمناً ما لم نحكم سيطرة كاملة وشاملة على غرينلاند».

جنود دنماركيون ينزلون من سفينة في ميناء نوك بغرينلاند الأحد (أ.ف.ب)

وقاد ترمب حملة علنية لنيل جائزة نوبل، التي منحت خلال العام الماضي لزعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو. وقدمت ماتشادو ميداليتها الذهبية لترمب الأسبوع الماضي على الرغم من أن اللجنة أكدت أن الجائزة غير قابلة للتحويل أو المشاركة أو الإلغاء.

وكان الرئيس الأميركي قد تعهد، السبت، بفرض موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة اعتباراً من الأول من فبراير (شباط) المقبل على 8 دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي: الدنمارك والسويد وفرنسا وألمانيا وهولندا وفنلندا وبريطانيا والنرويج، إلى أن يُسمح للولايات المتحدة بشراء غرينلاند. وتهدد استراتيجيته بتقويض «الناتو» الذي شكل ركيزة الأمن الغربي لعقود، والذي كان يعاني أصلاً ضغوطاً بسبب الحرب في أوكرانيا ورفض ترمب حماية الحلفاء الذين لا ينفقون ما يكفي على الدفاع.

وهذا ما عكسه رئيس الوزراء الغرينلاندي ينس فريدريك نيلسن الذي أكد أن تهديد ترمب بالتعريفات الجمركية لا يُغيّر من رغبة غرينلاند في تأكيد سيادتها. وكتب في منشور على «فيسبوك»: «لن نرضخ للضغوط»، مضيفاً أن الإقليم المتمتع بالحكم الذاتي «مجتمع ديمقراطي له الحق في اتخاذ قراراته بنفسه».

وفي رد مباشر على رسالة ترمب، عبّر رئيس الوزراء النرويجي، في بيان أصدره مع الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، عن «معارضتهما» لتهديدات ترمب بفرض تعريفات جمركية. وذكّر بأن جائزة نوبل للسلام لا تُمنح من الحكومة النرويجية.