الحرب التجارية تُعيد تشكيل سلاسل توريد البتكوين

شركات صينية كبرى تتحول إلى أميركا للتغلب على الرسوم الجمركية

مجسمات لعملات مشفرة من البتكوين (رويترز)
مجسمات لعملات مشفرة من البتكوين (رويترز)
TT

الحرب التجارية تُعيد تشكيل سلاسل توريد البتكوين

مجسمات لعملات مشفرة من البتكوين (رويترز)
مجسمات لعملات مشفرة من البتكوين (رويترز)

تُنشئ الشركات الثلاث الأكثر مبيعاً في العالم في تصنيع أجهزة تعدين البتكوين - وجميعها صينية الأصل - مصانع في الولايات المتحدة، في الوقت الذي تُعيد فيه حرب الرسوم الجمركية التي شنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب تشكيل سلسلة توريد العملات المشفرة.

وتُصنّع شركات «بيتماين» و«كانان» و«مايكرو بي تي» أكثر من 90 في المائة من أجهزة التعدين العالمية - وهي في الأساس أجهزة كمبيوتر مُخصصة لمعالجة الأرقام وإنتاج البتكوين. وقد يحمي إنشاء قواعد أميركية هذه الشركات من الرسوم الجمركية، لكنه يُخاطر بتأجيج المخاوف الأمنية التي تُساوِر الولايات المتحدة مع الصين في مجالات مُتنوعة، مثل صناعة الرقائق وأمن الطاقة، بحسب رويترز.

وصرح غوانغ يانغ، كبير مسؤولي التكنولوجيا في شركة «كونفلوكس نيتورك»، مُزودة تكنولوجيا العملات المشفرة، قائلاً: «تُحدث الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين تغييرات هيكلية، وليست سطحية، في سلاسل توريد بتكوين... وعلاوة على ذلك، فبالنسبة للشركات الأميركية، يتجاوز هذا الأمر الرسوم الجمركية. إنه تحول استراتيجي نحو مصادر أجهزة مقبولة سياسياً».

وبدأت «بيتماين»، أكبر الشركات الثلاث من حيث المبيعات، إنتاج منصات التعدين في الولايات المتحدة في ديسمبر (كانون الأول)، في «خطوة استراتيجية» عقب فوز ترمب في الانتخابات الرئاسية مباشرة.

وصرح ليو وانغ، كبير المسؤولين التنفيذيين، لـ«رويترز» بأن شركة «كانان» بدأت الإنتاج التجريبي في الولايات المتحدة بهدف تجنب الرسوم الجمركية بعد أن أعلن ترمب في 2 أبريل (نيسان) عمّا يُسمى برسوم «يوم التحرير». وأضاف أن هذه المبادرة استكشافية، إذ إن وضع الرسوم الجمركية المتقلب يحول دون الاستثمار المكثف.

مصنع شركة «كانان» الصينية لتصنيع أجهزة تعدين البتكوين في غرب ولاية تكساس الأميركية (رويترز)

وصرحت شركة «مايكرو بي تي»، التي تحتل المرتبة الثالثة، في بيان لها بأنها «تنفذ بنشاط استراتيجية توطين في الولايات المتحدة» لتجنب تأثير الرسوم الجمركية.

سوق بـ12 مليار دولار

وتهيمن هذه الشركات الثلاث على قطاع يقدر محللون قيمته بـ12 مليار دولار بحلول عام 2028. وتُعد هذه الشركات بمثابة المنبع لسلسلة أعمال تمتد عبر عملية تعدين البتكوين التي تستهلك طاقة كبيرة، والبنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات الداعمة، ومنصات التداول.

وتضغط شركة «أورادين» الأميركية المنافسة - المدعومة من شركة «مارا هولدينغز»، أكبر شركة تعدين بتكوين من حيث القيمة السوقية - لتقييد الإمدادات الصينية لتحفيز المنافسة في مجال الأجهزة.

وصرح سانجاي غوبتا، كبير مسؤولي الاستراتيجية في «أورادين»: «في حين أن أكثر من 30 في المائة من تعدين البتكوين العالمي يحدث في أميركا الشمالية، فإن أكثر من 90 في المائة من أجهزة التعدين تأتي من الصين، مما يمثل اختلالاً كبيراً في التوازن بين العرض والطلب الجغرافي».

وقدرت شركة «فروست آند سوليفان» الاستشارية أن الشركات الثلاث الكبرى استحوذت على 95.4 في المائة من سوق الأجهزة من حيث قوة الحوسبة المبيعة اعتباراً من ديسمبر 2023.

تهديد أم لا مخاطر؟

وصرح غوبتا بأنه فيما يتعلق بأجهزة التعدين الصينية، فإن «مئات الآلاف منها متصلة بشبكة الكهرباء الأميركية» تُشكل خطراً أمنياً.

وأكد وانغ أن أجهزة التعدين لا تُهدد الأمن لأنها «عديمة الفائدة إذا لم تُستخدم في تعدين البتكوين». وأضاف أن الشركات المُصنّعة قد تُعاني من «أضرار جانبية» نتيجة القيود الأميركية على مبيعات التكنولوجيا الفائقة للشركات الصينية.

ومما يُؤكد هذه المخاطر، إدراج شركة «سوفغو»، التابعة لشركة «بيتماين» للذكاء الاصطناعي، على القائمة السوداء من قِبل الحكومة الأميركية لأسباب أمنية.

وهيمنت الصين في السابق على سلسلة قيمة البتكوين بأكملها - من صناعة الأجهزة إلى التعدين وحتى التداول - حتى حظرت حكومتها نشاط العملات المشفرة في البر الرئيسي الصيني عام 2021، مُشيرةً إلى خطرها على الاستقرار المالي.

وانتقلت شركات التعدين والتداول والبورصات إلى الخارج، ومع ذلك، محميةً بدورها كشركات مصنعة للتقنيات، واصلت شركات «بيتماين» و«كانان» و«مايكرو بي تي» هيمنتها على سوق الأجهزة. وقد صدّوا منافسيهم الغربيين، ويعود ذلك جزئياً إلى ميزة كونها الشركات الرائدة في تطوير رقائق عالية الأداء مصممة خصيصاً للتعدين.

ومنذ ذلك الحين، نقلت شركة «كانان» مقرها الرئيسي إلى سنغافورة من الصين - على الرغم من أنها لا تزال تدير عملياتها في الصين - وأنشأت خط إنتاج تجريبي في الولايات المتحدة، وهي سوق ساهمت بنسبة 40 في المائة من الإيرادات العام الماضي.

استكشاف البدائل

وقال وانغ، نائب رئيس تطوير الشركات وأسواق رأس المال في شركة «كانان»: «السبب هو محاولة خفض التكلفة علينا وعلى عملائنا... ويعني احتمال فرض رسوم جمركية أن علينا استكشاف جميع البدائل».

وفرضت الولايات المتحدة هذا العام رسوماً جمركية أساسية بنسبة 10 في المائة على الواردات من العديد من الدول، بالإضافة إلى 20 في المائة إضافية على الواردات من الصين. كما أعلنت أنها قد تزيد الرسوم الجمركية على دول جنوب شرق آسيا حيث أقامت شركات صينية مصنعة لأجهزة التعدين مصانع تجميع.

ووعد ترمب بأن يكون «رئيس العملات المشفرة» الذي يروج لاستخدام العملات المشفرة على نطاق واسع في الولايات المتحدة. وأطلق ابنه، إريك ترمب، بالتعاون مع شركة الطاقة والتكنولوجيا «هت8»، شركة تعدين «أميركان بتكوين» بهدف بناء احتياطي استراتيجي من البتكوين.

هيمنة الصين

ومع ذلك، فإن سياسات الرئيس الداعمة للعملات المشفرة لا يمكن إلا أن تسلط الضوء على الدور الكبير للصين في البنية التحتية للبتكوين، مما قد يضع صانعي منصات التعدين في مرمى النيران.

وقال جون ديتون، المحامي الأميركي في قانون العملات المشفرة، إن هيمنة الصين على الأجهزة «تخلق نقطة اختناق لشركات التعدين الأميركية... وأي قيود صينية على الصادرات أو تلاعب بالإمدادات، قد يُزعزع استقرار شبكة بتكوين ويؤثر على المستخدمين والمستثمرين الأميركيين».

وأكبر شركات التعدين من حيث القيمة السوقية، وهي «مارا» و«كور ساينتيفيك» و«كلين سبارك» و«ريوت بلاتفورمز»، جميعها مقرها الولايات المتحدة، لذا فإن الاعتماد المفرط على الأجهزة الصينية «قد يُشكل مشكلة»، كما قال رايان م. يونك، الخبير الاقتصادي في المعهد الأميركي للبحوث الاقتصادية.

وقد تُنشئ شركات التعدين الصينية فروعاً لها في الولايات المتحدة، ولكن على المدى القصير، سيظل رواد التعدين الأميركيون يشترون الأجهزة من الصين وسيُعانون من ارتفاع تكاليف الاستيراد، كما قال كادان ستادلمان، كبير مسؤولي التكنولوجيا في منصة «كومودو» للعملات المشفرة، مضيفا: «لكن هذا لا يتعلق بالإضرار بالقطاع، بل بفرض تحول طال انتظاره».


مقالات ذات صلة

صراع التكنولوجيا والمعادن يصعّد التوتر بين واشنطن وبكين

الاقتصاد ميدان بالضاحية المالية في العاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)

صراع التكنولوجيا والمعادن يصعّد التوتر بين واشنطن وبكين

دخلت المواجهة الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين مرحلة جديدة، مع اتساع الخلاف من الرسوم الجمركية إلى الذكاء الاصطناعي والمعادن الاستراتيجية

«الشرق الأوسط» (بكين-واشنطن)
الاقتصاد مقر بنك اليابان المركزي في العاصمة طوكيو (رويترز)

رغم توقعات التثبيت... الأسواق تترقب تمهيد بنك اليابان لرفع جديد للفائدة

يتجه بنك اليابان إلى الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستوى 1 % في اجتماعه يومي 30 و31 يوليو، لكنه سيبعث برسالة تميل إلى التشدد

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في مناسبة سابقة بمكتبها بالعاصمة طوكيو (أ.ف.ب)

ضغوط المعيشة تلتهم شعبية تاكايتشي

تدخل رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي مرحلة سياسية أكثر تعقيداً بعدما بدأ ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الين في التهام جزء مهم من شعبيتها

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد شارع رئيسي بالضاحية المالية في العاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)

الصادرات تدعم أرباح الصناعة الصينية

تباطأ نمو أرباح الشركات الصناعية الصينية في يونيو لكنه ظل عند مستوى قوي بدعم من الصادرات

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يصافح نظيره الياباني توشيميتسو موتيغي على هامش اجتماع «آسيان» في الفلبين الأسبوع الماضي (رويترز)

اليابان تستعين ببنوك أجنبية لتمويل استثماراتها الأميركية

تدرس اليابان الاستعانة ببنوك أجنبية لتمويل مشروعات لتوليد الكهرباء بالغاز الطبيعي في الولايات المتحدة، بقيمة تقارب 33 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)