خريطة الغارات والضحايا تتسع في إيران

إسرائيل تقصف من الجو وطهران ترد بالصواريخ

خريطة الغارات والضحايا تتسع في إيران
TT

خريطة الغارات والضحايا تتسع في إيران

خريطة الغارات والضحايا تتسع في إيران

في يومها الرابع، تصاعدت المواجهة العسكرية المباشرة بين إيران وإسرائيل، وسط ضربات جوية عنيفة تنذر بانفجار داخلي للطرفين وتحولات استراتيجية في المشهد الإقليمي.

وشنت مقاتلات إسرائيلية غارات عنيفة على مقر التلفزيون الرسمي في المنطقة الثالثة. وبعد هدوء حذر في طهران، تجددت الضربات الإسرائيلية على مواقع عسكرية في غرب طهران، وأصدر الجيش الإسرائيلي إنذاراً لأهالي المنطقة الثالثة في العاصمة طهران بشن غارات وشيكة.

وقبل الهجوم، هدد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الاثنين، بتدمير هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية الإيرانية، بعد دعوة السكان لإخلاء المنطقة المحيطة بمقر هذه الهيئة في شمال شرق طهران تمهيداً لضربها. وقال كاتس في بيان: «بوق الدعاية والتحريض الإيراني على وشك أن يختفي. بدأت عملية إجلاء السكان من المناطق المجاورة».

ورداً على كاتس، قال مصدر مطلع إيراني مطلع: «إذا أقدمت إسرائيل على خطوة إضافية تستهدف المباني السكنية داخل إيران، فلن تبقى للصهاينة أي نقطة آمنة في الأراضي المحتلة»، مضيفاً: «حتى الآن، اقتصرت ضرباتنا على أهداف عسكرية واستراتيجية، سواء كانت معلنة أو سرية. وبفضل تفوقنا الاستخباراتي، أصبنا تلك الأهداف بدقةٍ، وسنواصل ضربها دون هوادة».

وتابع: «رغم كل ما حدث، امتنعت إيران عن استهداف المناطق السكنية في الأراضي المحتلة بشكل مباشر. لكن أي تصعيد متهور من الجانب الإسرائيلي سيُقابل برد يجعلهم عاجزين عن الشعور بالأمان في أي مكان. لقد أثبتنا قدرتنا على ذلك، وسنُثبتها مجدداً إذا لزم الأمر».

وشدد على أن «إسرائيل يجيب عليها أن تدرك، الآن أكثر من أي وقت مضى، أن قواعد اللعبة تغيرت. سرعة ردّنا، حجم ترسانتنا الصاروخية، وضبط النفس الذي تحلينا به... جميعها رسائل واضحة بأننا دخلنا مرحلة جديدة نعيد فيها رسم قواعد الاشتباك».

وختم: «كل ضربة إسرائيلية جديدة لن نقابلها بالمثل فحسب، بل سنصعّد بما يتجاوزها. حماقة نتنياهو والنظام الصهيوني في هذا التوقيت ستُكلفهم ثمناً باهظاً، وقد تكون هذه المواجهة بداية النهاية للكيان الغاصب».

وفجر الاثنين، شنت مقاتلات وطائرات مسيرة إسرائيلية غارات على عدة مواقع تابعة للأجهزة العسكرية في شرق طهران، فيما أشارت وسائل إعلام إيرانية إلى تصدي الدفاعات الجوية لمقذوفات في سماء منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم وسط البلاد، وفي جنوب غرب البلاد، قالت السلطات الإيرانية إنها أحبطت هجوماً بطائرة مسيرة على أكبر مصانع الفولاذ في الأحواز.

كما لحقت أضرار جسيمة بمستشفى الفارابي في كرمانشاه إثر قصف إسرائيلي، ما دفع وزارة الخارجية الإيرانية لوصف ما جرى بأنه «جريمة حرب واضحة». وأفاد إعلام «الحرس الثوري» بتدمير 8 طائرات مسيرة في محافظة إيلام من قبل قوات حرس الحدود، بينها «طائرة متطورة» أُسقطت بعد اختراقها الأجواء الإيرانية في منطقة دشت عباس.

وأعلن «الحرس الثوري» مقتل 8 من عناصره في هجوم صاروخي إسرائيلي على مدينة خمين بمحافظة مركزي وسط البلاد.

وذكر الجيش الإسرائيلي الذي قضى على قيادات نووية وعسكرية إيرانية بغارات جوية أنه قتل أربعة مسؤولين كباراً في الاستخبارات الإيرانية، من بينهم رئيس جهاز استخبارات «الحرس الثوري».

وبدت شوارع العاصمة طهران خالية، صباح الاثنين، وسط إغلاق شبه تام للأسواق والمتاجر، وتحذيرات من هجمات جديدة. وقد خُصصت المساجد ومحطات المترو ملاجئ للمدنيين. وخسرت العملة الإيرانية ما لا يقل عن 10 في المائة من قيمتها مقابل الدولار منذ بداية أكبر هجوم على الإطلاق تشنه إسرائيل على خصمها اللدود.

وقال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية، مساء الأحد، إن عدد القتلى في الجمهورية الإسلامية وصل إلى 224 على الأقل، وإن 90 بالمائة منهم من المدنيين.

وجاء الرد الإيراني بالتزامن مع إعلان البرلمان عن إعداد مشروع قانون للانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، في خطوة تهدد بإعادة تشكيل الوضع النووي في المنطقة، رغم تأكيد طهران أنها لا تزال تعارض تطوير أسلحة الدمار الشامل.

وفي السياق نفسه، كشف «الحرس الثوري» الإيراني عن اعتقال من وصفهم بـ«عشرات المخربين والجواسيس المرتبطين بإسرائيل»، فيما أعلنت السلطات عن تنفيذ أحكام إعدام بحق متعاونين مع الموساد.

وقالت إيران إن البرلمان يعد مشروع قانون للانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، مضيفة أنها لا تزال تعارض تطوير أسلحة الدمار الشامل. وقد يستغرق التصديق على مشروع القانون عدة أسابيع.

وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الاثنين، إن بلاده لا تنوي تطوير أسلحة نووية لكنها تسعى للحفاظ على حقها في الطاقة والأبحاث النووية. وأكد بزشكيان في تصريحات نقلتها وكالة «أرنا» على فتوى المرشد علي خامنئي بتحريم استخدام أسلحة الدمار الشامل.

وفي البرلمان، وجه بزشكيان نداءً للوحدة، داعياً كافة القوى السياسية إلى تجاوز الخلافات والتركيز على «العدوان الخارجي». وقال: «كل خلاف، مسألة، أو مشكلة كانت قائمة، يجب أن توضع جانباً اليوم، وعلينا أن نواجه هذا العدوان الإبادي الإجرامي بالوحدة والتماسك».

وهرب آلاف من سكان العاصمة الإيرانية طهران من منازلهم وخزنوا المؤن الأساسية خوفاً من تصعيد حملة القصف الجوي الإسرائيلية على إيران خلال الأيام المقبلة، وفقاً لوكالة «رويترز». ورفضت السلطات الإيرانية هذه الرسائل التي تدعو المواطنين للنزوح ووصفتها بأنها «حرب نفسية»، وحثت السكان على عدم الذعر على الرغم من أن التلفزيون الرسمي بث لقطات لاختناقات مرورية على الطرق المؤدية إلى خارج العاصمة.

أما مستشار «الحرس الثوري» أحمد وحيدي فقد قال إن طهران «لم تستخدم بعد قدراتها الصاروخية الاستراتيجية»، معلناً الاستعداد لحرب طويلة. وقال: «لقد أخذنا في الحسبان جميع الاحتمالات، وجهّزنا أنفسنا لمختلف ظروف الحرب».

وتابع: «الحديث عن تراجع مخزوننا الصاروخي مجرد مزحة؛ فنحن لم نستفد بعد بشكل استراتيجي من كامل قدراتنا الصاروخية، وسندخل تجهيزاتنا الحديثة إلى الميدان عندما نرى ذلك مناسباً، وصواريخ الجيل الجديد ليست سوى جزء منها». وزاد: «ظروف الميدان تتحسن يوماً بعد يوم على جميع المستويات، وقد نلجأ إلى استخدام قدرات أخرى أيضاً».

الرواية الإسرائيلية

في المقابل، قال الجيش الإسرائيلي إنه نفذ أكثر من 50 غارة جوية على مواقع عسكرية في طهران، مدمراً 120 منصة صواريخ ومقرات لـ«فيلق القدس». وأكد مقتل أربعة من كبار مسؤولي استخبارات الحرس الثوري.

وأكد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، العميد إيفي ديفرين، أن سلاح الجو «حقق تفوقاً جوياً كاملاً فوق طهران»، ونفذ أكثر من 50 غارة استهدفت مواقع عسكرية إيرانية، بينها 10 مقرات لقيادة «فيلق القدس» وسط العاصمة.

وذكر ديفرين أن أكثر من 120 منصة إطلاق صواريخ إيرانية تم تدميرها، أي ما يعادل ثلث قدرة طهران الصاروخية، وأن الطائرات الإسرائيلية دمّرت عشرات الصواريخ قبل لحظة إطلاقها.

وتعرضت إسرائيل، فجر الاثنين، لأعنف قصف إيراني منذ بدء المواجهة، أسفر عن مقتل 8 مدنيين وإصابة أكثر من 100 آخرين. وطال القصف مناطق في تل أبيب، بيتاح تكفا، بني براك، وحيفا، كما استُهدف محيط القنصلية الأميركية دون إصابات.

واندلعت حرائق في منشآت، بينها محطة كهرباء قرب ميناء حيفا، فيما واصلت فرق الإنقاذ عملها في المناطق المتضررة.

وقال «الحرس الثوري» الإيراني إن الهجوم الأحدث استخدم أسلوباً جديداً جعل أنظمة الدفاع الإسرائيلية متعددة المستويات تستهدف بعضها البعض، وسمح لإيران بقصف العديد من الأهداف بنجاح دون تقديم المزيد من التفاصيل.

الدبلوماسية في ظل الدخان

وسط تصاعد العمليات العسكرية، نشطت الوساطات الدولية لتطويق التصعيد. وأعلن الكرملين أن موسكو لا تزال مستعدة للتوسط بين إيران وإسرائيل، وأعادت طرح مبادرتها السابقة لاستضافة اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب وتحويله إلى وقود مدني.

وفيما دعت الصين الطرفين إلى «تهدئة فورية»، وتجنب زعزعة الاستقرار الإقليمي، قال المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، إن روسيا «ترفض أي محاولة لتغيير النظام في إيران»، في تعليق مباشر على تصريحات بنيامين نتنياهو لقناة «فوكس نيوز»، التي لمّح فيها إلى إمكانية أن تؤدي هذه العمليات إلى إسقاط النظام الإيراني.

وقال بزشكيان في اتصال مع نظيره التركي رجب طيب إردوغان إن «عودة إيران إلى المفاوضات النووية مع الولايات المتحدة لن تكون ممكنة إلا إذا تم وضع حد لاعتداءات الكيان الصهيوني على دول المنطقة». وعرض إردوغان أداء دور «مسهّل للحل».

و دعت إيران الدول الأوروبية، الاثنين، إلى وقف «العدوان» الإسرائيلي على أراضيها. وقال وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، اليوم الاثنين، إن «مكالمة هاتفية واحدة من واشنطن كافية لوقف الحرب الإسرائيلية وتمهيد الطريق نحو العودة إلى المسار الدبلوماسي».

وفي منشور على منصة «إكس»، نوه عراقجي بأن «إيران لم تكن البادئة بالحرب، لكنها مستعدة للقتال حتى اللحظة الأخيرة»، مشدداً على أن الرد الإيراني على إسرائيل سيستمر ما دامت الاعتداءات الإسرائيلية متواصلة.

يتصاعد الدخان لليوم الثاني من مستودع النفط في شهران، شمال غرب طهران (أ.ف.ب)

وحذّر عراقجي من انجرار الولايات المتحدة إلى ساحة المواجهة، مؤكداً أن ذلك سيقضي على أي أمل في التوصل إلى حل تفاوضي، وسيترتب عليه «عواقب وخيمة لا يمكن التنبؤ بها، وربما تكون كارثية على الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي».

من جانبه، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي في مؤتمر صحافي: «كان ينبغي على ألمانيا وفرنسا وبريطانيا إدانة جرائم الكيان الصهيوني بوضوح تام»، مضيفاً: «نتوقع بطبيعة الحال من الدول الأوروبية العمل على إنهاء العدوان... وإدانة أفعال هذا الكيان ضد المنشآت النووية» الإيرانية.


مقالات ذات صلة

رئيس الأركان الإيراني: فرض الحرب علينا سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع

شؤون إقليمية رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)

رئيس الأركان الإيراني: فرض الحرب علينا سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع

نقلت وسائل إعلام إيرانية عن رئيس هيئة الأركان، اللواء عبد الرحيم موسوي، قوله إن بلاده لن تبدأ الحرب أبداً، لكنها لن تتردد لحظة في الدفاع الحاسم عن أمنها القومي.

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)

الصحف الإيرانية: مفاوضات مسقط... الدبلوماسية على إيقاع الردع

عكست الصفحات الأولى للصحف الإيرانية الصادرة صباح السبت، مقاربات متشابهة لجولة المفاوضات التي جرت في مسقط يوم الجمعة بين إيران والولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية رجل في طهران يطالع الصفحة الأولى لصحيفة إيرانية تتناول الجولة الأولى من المفاوضات مع الولايات المتحدة (أ.ف.ب) p-circle

عراقجي: مستعدون لاتفاق «مطمْئِن» بشأن تخصيب اليورانيوم

صرّح عباس عراقجي وزير خارجية إيران اليوم السبت بأن التوسع الإسرائيلي يؤثر بشكل مباشر على أمن دول المنطقة، داعياً لفرض عقوبات دولية على إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» في طريقه إلى بالم بيتش بولاية فلوريدا (أ.ف.ب) p-circle

ترمب يشيد بالمحادثات مع إيران ويؤكد استئنافها مطلع الأسبوع المقبل

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم، إن واشنطن أجرت «محادثات جيدة جداً» بشأن إيران، وذلك في أعقاب المفاوضات غير المباشرة التي عُقدت في سلطنة عمان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب (ا.ف.ب)

ترمب يوقع أمراً بفرض رسوم جمركية على أي دولة  تتعامل تجارياً مع إيران

قال البيت الأبيض إن الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب وقع ‌أمراً تنفيذياً ربما يقضي بفرض رسوم جمركية بنسبة ⁠25 ‌في المائة على ‍الدول ‍التي ‍تتعامل تجاريا مع إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

رئيس الأركان الإيراني: فرض الحرب علينا سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع

رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
TT

رئيس الأركان الإيراني: فرض الحرب علينا سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع

رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)

نقلت وسائل إعلام إيرانية عن رئيس هيئة الأركان، اللواء عبد الرحيم موسوي، قوله إن بلاده لن تبدأ الحرب أبداً، لكنها لن تتردَّد لحظة في الدفاع الحاسم عن أمنها القومي في حال تعرُّضها لأي تهديد.

وأضاف أن أي عمل عسكري يهدف إلى فرض الحرب على إيران سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع وتفاقم الأزمة في جميع أنحاء المنطقة، محذراً من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليميَّين.

وأكد رئيس الأركان، بحسب الإعلام الإيراني، أن إيران تحتفظ بحقها الكامل في الرد، وأن قواتها المسلحة في جاهزية تامة للتعامل مع أي تطورات أو تهديدات محتملة.

وجاءت تصريحات موسوي غداة مفاوضات عُقدت مع واشنطن في مسقط.


الصحف الإيرانية: مفاوضات مسقط... الدبلوماسية على إيقاع الردع

رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)
رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)
TT

الصحف الإيرانية: مفاوضات مسقط... الدبلوماسية على إيقاع الردع

رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)
رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)

عكست الصفحات الأولى للصحف الإيرانية الصادرة صباح السبت، مقاربات متشابهة لجولة المفاوضات التي جرت في مسقط يوم الجمعة بين إيران والولايات المتحدة، حيث هيمنت ثنائية القوة الميدانية والدبلوماسية المشروطة على العناوين الرئيسية، مع اختلاف في الزوايا والأسلوب بين الصحف.

وأجمعت الصحف الصادرة في طهران، عقب مفاوضات الجمعة، على تقديم الحوار من موقع قوة، وحصر جدول الأعمال بالملف النووي، وربط الدبلوماسية بالجاهزية العسكرية، مع تباين في النبرة بين الخطاب الآيديولوجي لمؤسسة الحكم، والمقاربة الحكومية التي تدعو إلى ضبط التوقعات، وعدم تحويل المفاوضات إلى ساحة صراع داخلي، أو رهان مطلق على النتائج.

الصفحة الأولى لصحيفة «إيران» الحكومية على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)

وإلى جانب الصحف التي ركزت على التفاوض من موقع القوة والجاهزية العسكرية، حضرت صحيفة «إيران»، الناطقة باسم الحكومة، بعنوان رئيسي هو «بداية جيدة»، في إشارة إلى انطلاق محادثات مسقط.

وقدمت الصحيفة صورتين متقابلتين في صدر صفحتها الأولى، تظهران لقاء وزير الخارجية الإيراني مع نظيريه العماني والأميركي، معتبرة أن الجولة الأولى تشكل انطلاقة إيجابية حذرة.

غير أنها أرفقت العنوان المتفائل بمقاربة تحذيرية في افتتاحية حملت عنوان «المفاوضات ليست ساحة للصيد الجناحي - السياسي»، وكتبت أن قرار التفاوض مع واشنطن هو قرار صادر عن مؤسسة الحكم في الجمهورية الإسلامية ككل، وليس قراراً حكومياً أو جناحياً. وأكدت أن تأمين مصالح البلاد عبر التفاوض هو مهمة الحكومة ووزارة الخارجية ضمن هذا الإطار.

إيراني يقرأ عناوين الأخبار لصحف معروضة للبيع على كشك في شارع وسط طهران اليوم (إ.ب.أ)

وأضافت الصحيفة أن ربط جميع شؤون البلاد، أو ما يسمى «حياة وموت الدولة»، سواء في بعدها الإيجابي أو السلبي، بمسار المفاوضات، ليس طرحاً صحيحاً ولا فرضية قابلة للدفاع، محذرة من تحويل المفاوضات إلى أداة للمزايدات الداخلية أو التجاذبات السياسية. وشددت على أن التفاوض هو إحدى أدوات إدارة المصالح الوطنية، لا بديلاً عن بقية عناصر القوة أو المسارات السياسية والاقتصادية للدولة.

وفي تغطيتها الخبرية، ربطت «إيران» استمرار المفاوضات بمدى التزام الطرفين، معتبرة أن «استمرار الحوار واتخاذ قرارات متقابلة يعتمد على سلوك الأطراف»، من دون رفع سقوف سياسية أو الدخول في خطاب تصعيدي، مع إبراز دور سلطنة عُمان بوصفها وسيطاً، والتأكيد على أن الحكم على المسار لا يزال مبكراً.

صحيفة «همشهري» التابعة لبلدية طهران تبرز صورة المفاوضين الإيرانيين

في المقابل، تصدرت صحيفة «همشهري» التابعة لبلدية طهران، المشهد بعنوان «اقتدار في الميدان وقدرة في الدبلوماسية»، مبرزة صورة الوفد الإيراني في مسقط، ومقدمة الجولة على أنها جاءت بعد فشل الضغط العسكري الأميركي. وربطت الصحيفة بوضوح بين المسار التفاوضي ورفع الجاهزية العسكرية، حيث حضر الحديث عن الصاروخ الإيراني في العمود الأيسر للصفحة الأولى، باعتباره أحد عناصر الردع التي تشكّل خلفية مباشرة لأي حوار سياسي.

«عصر الردع الهجومي»

أما صحيفة «فرهيختغان» التي يرأس إدارة تحريرها علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني، فاختارت عنوان «المفاوضة في الميدان»، وقدمت المفاوضات باعتبارها محطة تأتي بعد عام من التوتر وتجربة حرب الـ12 يوماً، مشددة على أن الدبلوماسية الإيرانية تتحرك بذاكرة مفتوحة تجاه تجارب الماضي.

وطرحت الصفحة الأولى تساؤلات حول محاولات إعادة إنتاج مسارات الضغط السابقة، مقابل تأكيد أن طهران تدخل الحوار من دون التخلي عن خيارات أخرى إذا فُرضت عليها شروط غير مقبولة.

وذهبت صحيفة «جام جم» التابعة للتلفزيون الرسمي، إلى خطاب أكثر تعبئة تحت عنوان «عصر الردع الهجومي»، حيث أبرزت الصواريخ والتأهب العسكري بوصفهما السند الأساسي للمفاوضات، وربطت بين تطور القدرات العسكرية وارتفاع القدرة التفاوضية، مقدمة الأمن القومي وتوازن الردع إطارين حاكمين لأي تفاوض مع الولايات المتحدة.

من جهتها، عنونت صحيفة «آكاه» المحافظة المشهد بعبارة «اقتدار في الميدان وقدرة في الدبلوماسية»، مع صورة جماعية للوفد الإيراني، معتبرة أن جولة مسقط جاءت بعد إخفاق سياسة التهديد والضغط، وقدّمت المفاوضات بوصفها نتيجة اضطرار واشنطن للعودة إلى طاولة الحوار بعد فشل الخيارات الأخرى.

صحيفة «طهران تايمز» التابعة لمؤسسة «الدعاية والتبليغ الإسلامي» تحت عنوان «بداية جيدة لمحادثات إيران - أميركا لكن الطريق لا يزال غير واضح» (إ.ب.أ)

ومن المؤسسة نفسها التي تصدر صحيفة «آكاه»، قدمت صحيفة «طهران تايمز» الصادرة بالإنجليزية، قراءة أكثر توازناً، معتبرة أن الجولة تمثل «بداية جيدة للمحادثات، لكن الطريق لا يزال غير واضح»، مع إبراز استمرار انعدام الثقة بين الطرفين. وفي الوقت نفسه، أفردت مساحة بارزة للحديث عن تعزيز الوضع الهجومي الإيراني عبر نشر صاروخ «خرمشهر - 4»، مقدمة ذلك رسالةً موازية للمفاوضات.

أما صحيفة «قدس» المحافظة، فركزت على البعد السياسي الخارجي، بعنوان بارز عن «استقلال أوروبا... فعلياً على الورق»، مشككة في جدوى الدور الأوروبي. ورافقت العنوان صورة الوفد الإيراني مع عبارة «دبلوماسية بإصبع على الزناد»، في إشارة إلى أن الحوار يجري مع بقاء أدوات الردع حاضرة، مع تأكيد حصر جدول الأعمال بالملف النووي، ورفض إدراج الصواريخ أو القضايا الإقليمية.

«المنطقة الرمادية»

وفي مقاربة تحليلية مغايرة، عنونت صحيفة «شرق» الإصلاحية صفحتها الأولى بـ«الدبلوماسية في المنطقة الرمادية»، ونأت بنفسها عن الحسم المسبق للنتائج. وكتبت أن استمرار المسار الحالي قد يفتح الباب أمام التوصل إلى إطار تفاهمي لجولات لاحقة، لكنها ربطت بعاملين حاسمين؛ هما طبيعة القرارات التي تتخذ في طهران ومدى توافر الإرادة السياسية لدى الطرف الأميركي، معتبرة أن المفاوضات لا تزال تتحرك في مساحة غير محسومة.

صحف معروضة للبيع على كشك في شارع وسط طهران اليوم (إ.ب.أ)

حسابات حذرة

من جهتها، ركزت صحيفة «اعتماد» في تغطيتها لمحادثات مسقط على توصيف الجولة الأولى بأنها «بداية جيدة» للحوار غير المباشر بين واشنطن وطهران، لكنها رأت أنه لا يعني تجاوز مرحلة الاختبار أو ضمان استمرار المسار.

واعتبرت الصحيفة أن المحادثات تمثل خطوة افتتاحية تهدف إلى جس النيات وتحديد إطار العمل، وليس تحقيق نتائج نهائية سريعة.

وأشارت «اعتماد» إلى أن استمرار الحوار مرهون بقدرة الطرفين على ضبط سقف التوقعات والالتزام بطابع تفاوضي تدريجي، مؤكدة أن الحكم على مسار المفاوضات يجب أن يبنى على ما ستسفر عنه الجولات اللاحقة.

وأظهرت القراءة الحذرة للصحيفة توازناً بين الإشارة إلى إيجابية الانطلاق، والتنبيه إلى أن مسار التفاوض لا يزال في بدايته، وأن نتائجه ستتحدد وفق السلوك العملي للأطراف خلال المرحلة المقبلة.

الميدان والدبلوماسية

أما صحيفة «جوان»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، فقد شددت على تلازم المسارين العسكري والدبلوماسي تحت عنوان «تكامل الميدان والدبلوماسية في مواجهة العدو»، معتبرة أن «يد التفاوض على الطاولة، فيما إصبع الردع على الزناد».

وأشارت إلى زيارة رئيس هيئة الأركان إلى إحدى المدن الصاروخية التابعة لـ«الحرس الثوري»، ووجود الصاروخ الباليستي «خرمشهر - 4» بقدرات عملياتية عالية وقوة تدميرية كبيرة، بوصفه أحد أعمدة منظومة الردع الإيرانية، معتبرة ذلك رسالة مباشرة بأن طهران تدخل الدبلوماسية من موقع اقتدار، لا من موقع ضعف.

وفي سياق أكثر حدة، أفردت صحيفة «كيهان» افتتاحيتها لمفاوضات مسقط بعنوان «أميركا غير قابلة للثقة، ويجب أن تبقى الأصابع على الزناد». وكتب رئيس تحريرها حسين شريعتمداري، أن واشنطن اضطرت للقبول بإطار التفاوض الذي حددته طهران، والقائم على حصر النقاش بالملف النووي، مشيراً إلى تقارير تؤكد خروج الملفات الصاروخية والإقليمية من جدول الأعمال.

ونقلت «كيهان» عن وزير الخارجية عباس عراقجي، قوله إن «انعدام الثقة يشكل تحدياً ثقيلاً أمام المفاوضات»، وربطت ذلك بتحذيرها من تكرار تجارب سابقة لم تلتزم فيها واشنطن بتعهداتها. كما نشرت افتتاحية بعنوان «الحرب الإقليمية... الكابوس الأكبر لواشنطن وتل أبيب»، ربطت فيه بين مسار التفاوض واحتمالات التصعيد.

وذهبت كيهان أبعد من ذلك في أحد تقاريرها، معتبرة أنه «ليس مستبعداً أن يقدم الكيان الإسرائيلي على تصفية ترمب نفسه»، مشيرة إلى دور جاريد كوشنر، صهر ترمب ومستشاره المقرب، وواصفة إياه بأنه يتمتع بنفوذ واسع داخل البيت الأبيض، ويؤدي دوراً محورياً في صياغة خطابات الرئيس الأميركي وتعيينات إدارته.

وختمت الصحيفة طرحها بالتساؤل عمن تتجه إليه ولاءات كوشنر، معتبرة أن استمرار ترمب، في حال انتهاء «دوره الوظيفي»، قد يشكل عبئاً أمنياً على إسرائيل، في طرح يعكس النبرة التصعيدية التي طبعت مقاربة كيهان لمفاوضات مسقط.


عراقجي: مستعدون لاتفاق «مطمْئِن» بشأن تخصيب اليورانيوم

رجل في طهران يطالع الصفحة الأولى لصحيفة إيرانية تتناول الجولة الأولى من المفاوضات مع الولايات المتحدة (أ.ف.ب)
رجل في طهران يطالع الصفحة الأولى لصحيفة إيرانية تتناول الجولة الأولى من المفاوضات مع الولايات المتحدة (أ.ف.ب)
TT

عراقجي: مستعدون لاتفاق «مطمْئِن» بشأن تخصيب اليورانيوم

رجل في طهران يطالع الصفحة الأولى لصحيفة إيرانية تتناول الجولة الأولى من المفاوضات مع الولايات المتحدة (أ.ف.ب)
رجل في طهران يطالع الصفحة الأولى لصحيفة إيرانية تتناول الجولة الأولى من المفاوضات مع الولايات المتحدة (أ.ف.ب)

أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الاتفاق مع واشنطن لعقد الجولة المقبلة من المحادثات النووية في وقت قريب، لكنه أشار إلى أنه ‌لم ⁠يتم بعد ​تحديد ‌موعد للجولة التالية من المحادثات، وذلك ⁠بعد يوم ‌من إجراء الجانبين محادثات في سلطنة عُمان.

عراقجي صافح الوفد الأميركي في محادثات مسقط

وقال عراقجي، في مقابلة تلفزيونية، إن ⁠طهران وواشنطن تعتقدان أنه يجب عقد الجولة الجديدة قريباً. وأكد عراقجي الاستعداد للتوصل لاتفاق «مطمْئِن» مع واشنطن حول تخصيب اليورانيوم، غير أنه أكد أن برنامج إيران الصاروخي «غير قابل للتفاوض» في المحادثات. وأضاف «هذا موضوع دفاعي بحت بالنسبة لنا، لا يمكن التفاوض بشأنه ليس الآن ولا في المستقبل».

وتابع وزير الخارجية الإيراني أن المحادثات التي جرت مع الولايات المتحدة في مسقط كانت «غير مباشرة»، لكنه صافح خلالها الوفد الأميركي.

وقال: «على الرغم من أن المفاوضات كانت غير مباشرة، فقد سنحت الفرصة لمصافحة الوفد الأميركي».

وأكد عراقجي أن بلاده ستستهدف القواعد الأميركية في المنطقة إذا هاجمت واشنطن الأراضي الإيرانية. وقال: «لا مجال لمهاجمة الأراضي الأميركية إذا هاجمتنا واشنطن، لكننا سنهاجم قواعدهم في المنطقة».

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، الجمعة، من دون اختراق حاسم، ووصفها عراقجي بأنها «بداية جيدة» مقرونة بتفاهم على مواصلة المسار، لكن بشروط تتصل بمشاورات العواصم.

وفي المقابل، قال وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، إن المحادثات ساعدت في تحديد مجالات محتملة للتقدم.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أ.ب)

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» خلال توجهه إلى مارالاغو في فلوريدا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع إن المحادثات مع إيران كانت «جيدة جداً»: وأضاف: «يبدو أن إيران ترغب بشدة في إبرام اتفاق»، موضحاً أن الطرفين سيلتقيان مجدداً «مطلع الأسبوع المقبل».

وأحضرت الولايات المتحدة قائدها العسكري الأعلى في الشرق الأوسط إلى طاولة المفاوضات، في خطوة فُسّرت على أنها رسالة ضغط موازية للمسار الدبلوماسي، وسط تحذيرات متبادلة وحشد عسكري متواصل في المنطقة.

وجاءت المحادثات التي عقدت أمس في مسقط بسلطنة عمان، في أعقاب تهديدات واشنطن بتوجيه ضربة عسكرية لإيران، على خلفية قمع الاحتجاجات الواسعة النطاق التي شهدتها البلاد، وأسفرت عن سقوط آلاف القتلى.

وعزّزت واشنطن قدراتها العسكرية في الشرق الأوسط، مع نشرها حاملة الطائرات أبراهام لينكولن ومجموعتها البحرية الضاربة في المنطقة، بينما توعدت إيران باستهداف القواعد الأميركية في المنطقة إن تعرضت لهجوم.

وتشدد إيران على أن تقتصر المحادثات على الملف النووي من أجل التوصل إلى رفع العقوبات الدولية التي تخنق اقتصادها، بينما تشدد الولايات المتحدة على ضرورة أن تتناول أيضاً برنامج الصواريخ الباليستية ودعمها تنظيمات مسلحة في المنطقة.

التوسع الإسرائيلي وأمن المنطقة

وفي وقت سابق، صرّح عراقجي بأن التوسع الإسرائيلي يؤثر بشكل مباشر على أمن دول المنطقة، داعياً لفرض عقوبات دولية على إسرائيل.

وأكد على أن «الحصانة والإفلات من العقاب اللذين منحا لإسرائيل» أخلا بالنظام القضائي الدولي.

وأضاف عراقجي في مؤتمر منتدى الجزيرة في العاصمة القطرية الدوحة أنه «لو استمر الوضع في غزة وفق ما تخطط له إسرائيل، فالضفة الغربية ستكون التالية».

وشدد على أن القضية الفلسطينية ليست قضية كباقي القضايا، بل هي «بوصلة لمدى فاعلية القانون الدولي»، موضحاً أن «ما نراه بغزة ليس حرباً، ولا نزاعاً بين أطراف متكافئة، بل هو تدمير متعمد للحياة المدنية، وإبادة».

وتابع أن المشكلة ليست فلسطين وحسب، و إنما هناك كيان ينتهك القوانين، ولا يردعه شيء، وأن ما قامت به «إسرائيل كان له أثر في زعزعة الاستقرار في المنطقة بأسرها».

وفي إشارة إلى الدور الأميركي في المنطقة، قال وزير خارجية إيران إنه لا يمكن فرض السلام والاستقرار على المنطقة عبر «لاعب واحد».