حملة أمنية بحثاً عن المشتبه في قتله مشرعة ديمقراطية بأميركا

الجريمة تحمل «دوافع سياسية» محتملة وتزامنت مع مظاهرات منددة بترمب

صورة مركبة للمشرعة المقتولة ميليسا هورتمان والمشرع المصاب جون هوفمان (أ.ب)
صورة مركبة للمشرعة المقتولة ميليسا هورتمان والمشرع المصاب جون هوفمان (أ.ب)
TT

حملة أمنية بحثاً عن المشتبه في قتله مشرعة ديمقراطية بأميركا

صورة مركبة للمشرعة المقتولة ميليسا هورتمان والمشرع المصاب جون هوفمان (أ.ب)
صورة مركبة للمشرعة المقتولة ميليسا هورتمان والمشرع المصاب جون هوفمان (أ.ب)

تواصل الشرطة الأميركية حملتها بحثاً عن مرتكب جريمة قتل نائبة ديمقراطية في مينيسوتا وزوجها بمنزلهما السبت، فيما «يبدو أنه اغتيال ذو دوافع سياسية» وفق تيم والز، حاكم هذه الولاية الواقعة شمال الولايات المتحدة. كما أصيب مشرع آخر وزوجته بجروح خطرة.

النائبة الديمقراطية في مينيسوتا ميليسا هورتمان وزوجها مارك خلال حفل عشاء «همفري مونديل» السنوي في مينيابولس بمينيسوتا الجمعة (رويترز)

وجاء مقتل ميليسا هورتمان وزوجها وسط مناخ متوتر بالولايات المتحدة في ضوء نشر الجيش بلوس أنجليس لقمع المظاهرات، والعرض العسكري الذي حضره الرئيس دونالد ترمب في واشنطن، والاحتجاجات ضده في كل أنحاء البلاد. وسارع الرئيس ترمب إلى إدانة «إطلاق النار المروّع» الذي أودى بحياة ميليسا هورتمان العضو في مجلس نواب ولاية مينيسوتا، وزوجها.

وأعلنت الشرطة أن فانس بولتر «الرجل الأبيض البالغ 57 عاماً» هو المشتبه فيه الرئيسي الذي يطارده «مئات» من عناصر الأمن بالضاحية الشمالية لمينيابولس.

صورة وزعتها الشرطة الأميركية للمشتبه فيه فانس بولتر (إف بي آي - أ.ب)

«مسلح وخطير»

وصرح درو إيفانز، رئيس مكتب التحقيقات في مينيسوتا، للصحافة، السبت، بأن المشتبه فيه «مسلح وخطير». وأضاف: «شوهد آخر مرة هذا الصباح وهو يعتمر قبعة رعاة بقر فاتحة اللون».

واستهدف مطلق النار أيضاً بعد منتصف ليل الجمعة - السبت، السيناتور جون هوفمان وزوجته إيفيت.

عناصر من «مكتب التحقيقات الفيدرالي» خلال بحثهم عن المشتبه في إطلاقه النار أمام منزل ميليسا هورتمان داخل «بروكلين بارك» بمينيسوتا (أ.ب)

وذكرت «خدمات أمن الحرس البريتوري»، التي تتولى تأمين خدمات أمنية للمنازل، على موقعها الإلكتروني أن المشتبه فيه هو المسؤول عن الدوريات الأمنية لديها. وقال زميله في السكن ديفيد كارلسون لتلفزيون محلي إنه تلقى رسالة نصية من المشتبه فيه يبلغه فيها أنه سيتغيب، وأنه قريباً لن يكون على قيد الحياة.

وأفادت معلومات بأنه جرى العثور في سيارة المشتبه فيه على منشورات تحمل شعار «لا ملوك»، وعلى بيان ترد فيه أسماء عدد من المسؤولين.

وعرض «مكتب التحقيقات الفيدرالي» مكافأة تصل إلى 50 ألف دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى توقيف المشتبه فيه أو توجيه الاتهام إليه.

وكان الرئيس ترمب قد حضر العرض العسكري الذي لطالما سعى إلى تنظيمه، وتزامنت إقامته مع عيد ميلاده الـ79، في حين خرج عشرات الآلاف من المتظاهرين الرافضين العرض في جميع أنحاء البلاد، متهمين الرئيس الجمهوري بـ«الديكتاتورية».

وأدى ترمب التحية العسكرية مع صعوده والسيدة الأولى ميلانيا إلى منصة ضخمة أمام البيت الأبيض، حيث تعالت هتافات: «أميركا... أميركا»، قبل أن تمر الدبابات، وتحلق الطائرات فوق رؤوس الحاضرين، ويسير نحو 7 آلاف جندي في شوارع واشنطن. وأقيم العرض احتفالاً بالذكرى الـ250 لتأسيس الجيش الأميركي، الذي صادف أيضاً أنه يوم عيد ميلاد ترمب.

وبدا الانقسام السياسي في الولايات المتحدة مع خروج مظاهرات حملة «لا ملوك» إلى الشوارع في نيويورك ولوس أنجليس وشيكاغو وفيلادلفيا وهيوستن وأتلانتا ومئات المدن الأميركية الأخرى؛ للتنديد بما يقولون إنها تجاوزات «استبدادية» من ترمب. وقال منظمو احتجاجات حملة «لا ملوك» إنّ المظاهرات تأتي «رداً مباشراً على عرض ترمب المبالغ فيه» الذي «يموله دافعو الضرائب، فيما يُقال لملايين الناس إنه لا توجد أموال».

«يوم عظيم»

والعروض العسكرية أكثر شيوعاً في عواصم مثل موسكو وبيونغ يانغ مقارنة بواشنطن، لكن ترمب لطالما أعرب عن رغبته في إقامة عرض عسكري منذ حضوره عرض «العيد الوطني الفرنسي» في باريس بدعوة من الرئيس إيمانويل ماكرون عام 2017.

وتحقق حلمه السبت في واشنطن مع عرض ضخم بلغت تكلفته 45 مليون دولار، وبدأ قبل نحو نصف ساعة من الموعد المحدد بسبب توقعات بهطول أمطار وهبوب عواصف رعدية.

وبدأ العرض بإطلاق 21 طلقة مدفعية تحية لترمب، تلاه تقديم علم وطني له من قبل فريق مظليين تابع للجيش هبط من السماء.

وتمركزت دبابتان ضخمتان من طراز «أبرامز» أمام المنصة التي كان يجلس عليها ترمب. ومر بعد ذلك جنود بأزياء وأسلحة تمثل عصوراً مختلفة من تاريخ الولايات المتحدة، وكان المذيع يروي الانتصارات على القوات اليابانية والألمانية والصينية والفيتنامية في الحروب الماضية. وكان ترمب قد عدّ على شبكته الاجتماعية «تروث سوشيال» أن هذا يوم «عظيم لأميركا».

جانب من المظاهرات المنددة بسياسات ترمب في لوس أنجليس تحت شعار: «لا ملوك» السبت (إ.ب.أ)

«عرض مبتذل»

في الأثناء، رفض البيت الأبيض مظاهرات «لا ملوك»، ووصفها بأنها «فشل كامل»، زاعماً أن أعداد المشاركين فيها «ضئيلة». وكان بعض المتظاهرين استهدفوا منتجع «مارالاغو» الذي يملكه ترمب في «بالم بيتش» بولاية فلوريدا.

وقالت سارة هارغرايف (42 عاماً) في ضاحية بيثيسدا بواشنطن، خلال تحرك احتجاجي: «أعتقد أنه مثير للاشمئزاز»، في إشارة إلى العرض العسكري الذي وصفته بأنه «استعراض للنهج الاستبدادي»، وفق ما نقلت عنها «وكالة الصحافة الفرنسية». واتهم المنتقدون ترمب بالتصرف مثل خصوم الولايات المتحدة المستبدين.

من جانبه، قال حاكم كاليفورنيا الديمقراطي، غافين نيوسوم، الذي انتقد ترمب لنشره قوات الحرس الوطني في لوس أنجليس من دون موافقته، إنه «عرض مبتذل للضعف». وأضاف، الخميس، أن العرض «من النوع الذي تراه مع كيم جونغ أون، وتراه مع بوتين، وتراه مع الديكتاتوريين حول العالم. الاحتفال بعيد ميلاد القائد العزيز؟ يا له من أمر مُحرج».


مقالات ذات صلة

أميركا: موظف بوزارة الأمن الداخلي قتل مواطناً بتكساس في مارس 2025

الولايات المتحدة​ محتجون في مواجهة عناصر من «آيس» بمدينة مينيابوليس في مينيسوتا يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)

أميركا: موظف بوزارة الأمن الداخلي قتل مواطناً بتكساس في مارس 2025

أظهرت سجلات صدرت ‌خلال الأسبوع الحالي أن أحد موظفي الهجرة الاتحاديين بالولايات المتحدة قتل بالرصاص مواطناً أميركياً في ولاية تكساس في مارس 2025.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية أجهزة الطرد المركزي من الجيل السادس (آي - آر - 6) في منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم خلال عملية ضخ الغاز نوفمبر 2019 (أرشيفية - المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية)

تقرير: إيران ترفض تصدير اليورانيوم عالي التخصيب لكنها مستعدة لتخفيض نسبة نقائه

نقلت صحيفة «غارديان» البريطانية عن مصادر إيرانية قولها، السبت، إن طهران ترفض تصدير مخزونها البالغ 300 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية جياني إنفانتينو رئيس «الفيفا» خلال الاجتماع الافتتاحي لمجلس السلام (أ.ف.ب)

الأولمبية الدولية: ظهور إنفانتينو بمجلس السلام لا يخالف الحياد السياسي

قالت اللجنة الأولمبية الدولية إن حضور جياني إنفانتينو رئيس «الفيفا» الاجتماع الافتتاحي لمجلس السلام لا يخالف الميثاق الأولمبي بشأن الحياد السياسي.

«الشرق الأوسط» (لوزان)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب مرحِّباً بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في فلوريدا - 28 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

«تحالف الراغبين» يجتمع من دون واشنطن دعماً لأوكرانيا في ذكرى الحرب

«تحالف الراغبين» يجتمع من دون واشنطن دعماً لأوكرانيا في ذكرى الحرب... سلوفاكيا والمجر تهددان بوقف إمدادات الكهرباء إلى أوكرانيا إذا لم تستأنف كييف إمدادات النفط

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى وسائل الإعلام أمس للتعليق على قرار المحكمة العليا تعليق الرسوم الجمركية (د.ب.أ) p-circle

ترمب يرفع الرسوم الجمركية العالمية من 10 إلى 15 في المائة

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم ‌السبت، أنه ​سيرفع ‌الرسوم ⁠الجمركية ​العالمية المؤقتة على ⁠الوارادت إلى 15 ⁠%.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أميركا: موظف بوزارة الأمن الداخلي قتل مواطناً بتكساس في مارس 2025

محتجون في مواجهة عناصر من «آيس» بمدينة مينيابوليس في مينيسوتا يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)
محتجون في مواجهة عناصر من «آيس» بمدينة مينيابوليس في مينيسوتا يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)
TT

أميركا: موظف بوزارة الأمن الداخلي قتل مواطناً بتكساس في مارس 2025

محتجون في مواجهة عناصر من «آيس» بمدينة مينيابوليس في مينيسوتا يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)
محتجون في مواجهة عناصر من «آيس» بمدينة مينيابوليس في مينيسوتا يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)

أظهرت سجلات صدرت ‌خلال الأسبوع الحالي أن أحد موظفي الهجرة الاتحاديين بالولايات المتحدة قتل بالرصاص مواطناً أميركياً في ولاية تكساس في مارس (​آذار) 2025، قبل أشهر من إطلاق إدارة الرئيس دونالد ترمب حملة الترحيل في مينيسوتا التي أدت إلى مقتل رينيه جود وأليكس بريتي.

وذكر محامو عائلة روبن راي مارتينيز، في بيان، أن عملاء تابعين لوزارة الأمن الداخلي قتلوا مارتينيز (23 عاماً)، وفقاً لوكالة «رويترز» للأنباء.

وأظهرت سجلات حصلت عليها منظمة «أميركان أوفرسايت»، ‌وهي منظمة رقابية ‌غير ربحية، أن أحد ​عملاء ‌وزارة الأمن الداخلي ​أطلق عدة رصاصات على مارتينيز، الذي أُثير أنه صدم عميلاً آخر من الوزارة بسيارته، في وقت كان فيه العميلان يساعدان الشرطة المحلية في بلدة ساوث بادري آيلاند بولاية تكساس في تنظيم حركة المرور عقب حادث سير وقع في 15 مارس 2025. وتشير السجلات إلى أن العميلين نفذا إجراءات ‌إنفاذ قوانين الهجرة.

ويبدو ‌أن حادثة إطلاق النار على ​مارتينيز هي أول حالة ‌معروفة لمقتل مواطن أميركي خلال حملة ترمب على ‌الهجرة. وأطلق العملاء الاتحاديون المشاركون في إنفاذ قوانين الهجرة النار على خمسة أشخاص على الأقل في يناير (كانون الثاني) وحده، من بينهم بريتي وجود.

وقال تشارلز ستام ‌وأليكس ستام، محاميا عائلة مارتينيز، في بيان، إن مارتينيز كان يحاول الامتثال لتوجيهات سلطات إنفاذ القانون المحلية عندما تعرض لإطلاق النار. كما طالبا بإجراء «تحقيق كامل ونزيه».

وأضاف المحاميان: «تسعى عائلة روبن إلى تحقيق الشفافية والمساءلة منذ نحو عام وستواصل ذلك مهما طال أمد الأمر».

وأدى ارتفاع عدد القتلى إلى زيادة التدقيق في حملة ترمب على الهجرة، مما أثار ردود فعل قوية من المشرعين وأفراد الشعب.

وذكر متحدث باسم وزارة الأمن الداخلي، في بيان، أن مارتينيز «دهس عمداً» أحد ​عملاء قسم التحقيقات الأمنية ​الداخلية التابع للوزارة، وأن عميلاً آخر «أطلق النار دفاعاً عن النفس».


تحذيرات في نيويورك مع توجه عاصفة نحو الساحل الشرقي لأميركا

أشخاص يلتقطون الصور على جسر بروكلين أثناء تساقط الثلوج خلال عاصفة شتوية في مدينة نيويورك (رويترز)
أشخاص يلتقطون الصور على جسر بروكلين أثناء تساقط الثلوج خلال عاصفة شتوية في مدينة نيويورك (رويترز)
TT

تحذيرات في نيويورك مع توجه عاصفة نحو الساحل الشرقي لأميركا

أشخاص يلتقطون الصور على جسر بروكلين أثناء تساقط الثلوج خلال عاصفة شتوية في مدينة نيويورك (رويترز)
أشخاص يلتقطون الصور على جسر بروكلين أثناء تساقط الثلوج خلال عاصفة شتوية في مدينة نيويورك (رويترز)

صدرت تحذيرات من عاصفة ثلجية في مدينة ​نيويورك وأجزاء من ولايتي نيوجيرسي وكونيتيكت، اليوم السبت، وسط توقعات بأن تضرب عاصفة هائلة مساحة واسعة من الساحل الشرقي.

وذكرت خدمة الأرصاد الجوية الوطنية في الولايات المتحدة أن تحذيرات من ‌الثلوج والعواصف ‌صدرت من ​منطقة ‌وسط المحيط ​الأطلسي إلى شمال شرق البلاد، مع توقعات بهطول ثلوج كثيفة ورياح قوية اعتباراً من غد الأحد إلى يوم الاثنين.

وتوقعت خدمة الأرصاد الجوية تساقط ثلوج يصل سمكها إلى ‌46 سنتيمتراً في ‌مدينة نيويورك والمناطق ​المحيطة بها، ‌بما في ذلك لونغ آيلاند.

وستؤثر ‌موجة من تساقط الثلوج الكثيف والرياح القوية بشدة على نيوجيرسي وجنوب شرق نيو إنغلاند، وفقاً لوكالة «رويترز».

ومن المتوقع أن ‌تتراوح سرعة الرياح من 40 إلى 56 كيلومتراً في الساعة مع هبات تبلغ سرعتها 72 إلى 88 كيلومتراً في الساعة ليلة غد الأحد. وسيكون التأثير الأقوى على الساحل.

ومن المحتمل حدوث فيضانات طفيفة إلى واسعة النطاق في المناطق الساحلية. وقالت خدمة الأرصاد الجوية إن الرياح القوية ​قد تؤدي ​إلى انقطاع التيار الكهربائي.


زلزال «المحكمة العليا» يضرب سلاح ترمب الجمركي

ترمب خلال مؤتمر صحافي برفقة وزير التجارة هاورد لوتنيك في البيت الأبيض يوم 20 فبراير (د.ب.أ)
ترمب خلال مؤتمر صحافي برفقة وزير التجارة هاورد لوتنيك في البيت الأبيض يوم 20 فبراير (د.ب.أ)
TT

زلزال «المحكمة العليا» يضرب سلاح ترمب الجمركي

ترمب خلال مؤتمر صحافي برفقة وزير التجارة هاورد لوتنيك في البيت الأبيض يوم 20 فبراير (د.ب.أ)
ترمب خلال مؤتمر صحافي برفقة وزير التجارة هاورد لوتنيك في البيت الأبيض يوم 20 فبراير (د.ب.أ)

في واحد من أهم الأحكام الأميركية هذا العام، وجّهت المحكمة العليا ضربة قاسية إلى ركيزة مركزية في سياسات الرئيس دونالد ترمب الاقتصادية والخارجية، بعدما قضت بأغلبية 6 مقابل 3 بإلغاء معظم الرسوم الجمركية الواسعة التي فرضها بموجب قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية (إيبا) لعام 1977، واعتبرت أن هذا القانون لا يمنحه سلطة فرض تعريفات جمركية بهذا الحجم والنطاق.

الحكم يتجاوز كونه سجالاً تقنياً حول «نص» تشريعي، بل يطال جوهر التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ويُعيد تعريف حدود استخدام البيت الأبيض للرسوم الجمركية «سلاحه التفاوضي المفضل» في السياسة الخارجية، كما يفتح باباً معقداً على أسئلة غلاء تكلفة المعيشة والتضخم والإيرادات الفيدرالية وردّ الأموال للمستوردين.

حكم يتجاوز التجارة

أهمية القرار تبدأ من منطقه الدستوري قبل نتائجه الاقتصادية. فالمحكمة، في رأي كتبه رئيسها جون روبرتس، شدّدت على أن الدستور يمنح الكونغرس سلطة فرض الضرائب والرسوم، وأن الرئيس لا يستطيع الاستناد إلى لغة عامة في قانون الطوارئ (إيبا) لانتزاع صلاحية «غير محدودة» لفرض تعريفات جمركية على أي بلد وبأي مستوى ولأي مدة. واعتبرت أن عبارة «تنظيم الاستيراد» في القانون لا تكفي لحمل هذا العبء، وأن الكونغرس لو أراد منح هذه السلطة الاستثنائية، لفعل ذلك بوضوح وصراحة كما فعل في قوانين أخرى متعلقة بالتعريفة.

أدان الرئيس الأميركي قرار المحكمة العليا واعتبره «مخزياً» (د.ب.أ)

هذا المنطق اكتسب ثقلاً إضافياً؛ لأن المحكمة استحضرت أيضاً مبدأ «الأسئلة الكبرى» الذي يفرض تفويضاً تشريعياً واضحاً عندما يكون الإجراء التنفيذي ذا أثر اقتصادي وسياسي واسع. هنا تكمن المفارقة السياسية والقضائية: المبدأ ذاته استُخدم في السنوات الأخيرة ضد سياسات إدارات ديمقراطية، وها هو اليوم يُستخدم لكبح الرئيس ترمب في ملف يعد من صلب هويته السياسية. كما أن انضمام القاضيين نيل غورستش وآيمي كوني باريت (وهما من تعيينات ترمب) إلى الأغلبية منح الحكم دلالة إضافية على استقلال المحكمة، في أول قرار كبير يتناول قانونية إحدى سياسات ترمب الأساسية في ولايته الثانية.

أكثر من خسارة قضائية

الرسوم الجمركية بالنسبة إلى ترمب ليست تفصيلاً اقتصادياً، بل أداة حكم. لقد استخدمها داخلياً كعنوان لإحياء الصناعة وتقليص العجز التجاري، وخارجياً كوسيلة ضغط وانتزاع تنازلات في ملفات تتجاوز التجارة نفسها.

لذلك، فإن الحكم يضرب «الأداة الأسرع» التي كان يستخدمها لرفع الضغط أو خفضه فوراً عبر إعلانات رئاسية مفاجئة، من دون المرور بمسارات تحقيقات مطولة أو تفاوض تشريعي مع الكونغرس. وكالات عدة ووسائل إعلام أميركية عدّت القرار أكبر نكسة قضائية يتلقاها ترمب منذ عودته إلى البيت الأبيض، تحديداً لأنه يحدّ من قدرة الرئاسة على توسيع صلاحياتها تحت عنوان الطوارئ.

لكن الحكم لا يعني نهاية «عصر الرسوم» كما يحاول بعض خصوم ترمب تصويره. حتى رأي القاضي بريت كافانو المعارض، والذي استشهد به ترمب لاحقاً، أشار إلى أن المحكمة ربما رأت فقط أن الإدارة استخدمت «الخانة القانونية الخطأ»، لا أن الرئيس فقد كل أدواته الجمركية. وهذا صحيح عملياً لأن الرسوم القطاعية المفروضة بموجب قوانين أخرى مثل المادة 232 (الصلب والألمنيوم وغيرها) لم تكن مشمولة بالحكم؛ ولأن الإدارة تملك نظرياً مسارات بديلة بموجب قوانين تجارية أخرى، وإن كانت أبطأ وأقل مرونة.

الهجوم على القضاة و«الخطة البديلة»

ردّ ترمب جاء سريعاً وعنيفاً. فبعد ساعات من صدور القرار، هاجم القضاة الذين صوّتوا ضده ووصف بعضهم بأنهم «عار» على البلاد، مفضلاً عدم حضورهم لخطاب «حال الاتحاد»، يوم الثلاثاء المقبل. وذهب أبعد من ذلك باتهامات سياسية وتلميحات إلى تأثر المحكمة بضغوط أو مصالح خارجية، في تصعيد غير مألوف حتى قياساً بأسلوبه المعروف في مهاجمة المؤسسات. هذا الجانب مهم سياسياً؛ لأنه يكشف توتراً جديداً في علاقة ترمب بمحكمة منحته في ملفات أخرى مكاسب مؤقتة أو مهمة خلال العام الماضي، لكنه في الوقت نفسه لم يُظهر نية لعدم الامتثال للحكم، بل انتقل مباشرة إلى الالتفاف عليه قانونياً.

الالتفاف بدأ بإعلان البيت الأبيض فرض رسم مؤقت عالمي بنسبة 15 في المائة بموجب المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974. واللافت أن النص الرئاسي المنشور في موقع البيت الأبيض يحدد بوضوح أن هذا الرسم مؤقت لمدة 150 يوماً، يبدأ سريانه فجر 24 فبراير (شباط) 2026، وأن تمديده بعد ذلك يحتاج إلى قانون من الكونغرس. كما أن الإعلان تضمن استثناءات واسعة تشمل سلعاً وقطاعات عدة، منها بعض المعادن الحرجة والطاقة وبعض المنتجات الزراعية والأدوية وبعض الإلكترونيات، إضافة إلى سلع معفاة وفق ترتيبات تجارية مع كندا والمكسيك.

هذه التفاصيل تكشف أن «الخطة البديلة» ليست مجرد نسخة طبق الأصل عن منظومة قانون الطوارئ (إيبا) التي أبطلتها المحكمة، بل إطار أكثر تقييداً وتفصيلاً وأشد ارتباطاً بحسابات السوق والسياسة.

سنة انتخابية

على المستوى الاقتصادي، الحكم يخلق مفارقة مزدوجة.

من جهة، هو خبر إيجابي نسبياً للشركات والمستوردين لأنه يحدّ من عدم اليقين الناجم عن استخدام سلطة طارئة واسعة ومتقلبة، ويمنحهم حجة قوية في طلب استرداد رسوم دُفعت من دون سند قانوني كافٍ حسب المحكمة، وهي مطالبات بدأت بالفعل. ومن جهة ثانية، لا يُتوقع أن يشعر المستهلك الأميركي بانخفاضات سريعة في الأسعار؛ لأن كثيراً من الشركات رفعت الأسعار بالفعل ولن تسارع إلى خفضها في ظل استمرار الضبابية حول ما ستفعله الإدارة بعد أيام أو أسابيع؛ ولأن جزءاً من الرسوم ما زال قائماً تحت سلطات قانونية أخرى.

ممثل التجارة جايميسون غريير يتحدّث خلال مؤتمر صحافي للرئيس ترمب في البيت الأبيض يوم 20 فبراير (رويترز)

المحكمة نفسها لم تحسم مسألة تعويض الشركات التي تكبّدت خسائر وتركتها للمحاكم الأدنى، ما يفتح مساراً طويلاً قد يمتد سنوات. هذا الملف ليس هامشياً لأن حجم الأموال كبير جداً. تقديرات متداولة أشارت إلى عشرات المليارات التي جُمعت حتى نهاية 2025 بموجب الصلاحية المطعون فيها، فيما أوردت «رويترز» تقديراً اقتصادياً يتجاوز 175 مليار دولار.

وبالتوازي، حذّر البيت الأبيض من أن ردّ الأموال سيكون عبئاً مالياً ولوجيستياً هائلاً، بينما ترى مجموعات الأعمال أن الاسترداد مبدأ قانوني لا يمكن تجاوزه.

أما سياسياً داخل الولايات المتحدة، فالحكم يأتي في لحظة حساسة تتقاطع فيها تكلفة المعيشة مع الاستعدادات للانتخابات النصفية. استطلاع «إيه بي سي/ واشنطن بوست/ إبسوس» المنشور يوم القرار، أظهر أن غالبية الأميركيين لا يوافقون على طريقة تعامل ترمب مع ملف الرسوم الجمركية، مع بقاء الانقسام واضحاً حتى داخل الحزب الجمهوري نفسه، بين قاعدة «ماغا» والجمهوريين التقليديين.

ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، ستتحول «تكلفة المعيشة» إلى قضية انتخابية أساسية، حيث سيسعى الديمقراطيون لتصوير سياسات ترمب كـ«عبء غير قانوني»، بينما سيتمسك أنصار «ماغا» بضرورة «الحمائية» مهما كان الثمن القانوني. وهذا يعني أن المعركة المقبلة لن تكون فقط حول الصلاحيات، بل انتخابية حول من يتحمل تكلفة الأسعار، ومن يملك خطة أكثر قابلية للتصديق بشأن الصناعة والتجارة.

تداعيات خارجية صعبة

خارجياً، يضعف القرار قدرة البيت الأبيض على استخدام الرسوم كأداة ضغط سريعة في ملفات غير تجارية، وهي سمة طبعت دبلوماسية ترمب في ولايته الثانية. فحين تصبح الرسوم بحاجة إلى تحقيقات أو تبريرات قانونية أضيق أو مدد زمنية محددة، تتراجع القدرة على «التهديد الفوري» الذي كان يدفع عواصم عدة إلى التحرك سريعاً لتقديم تنازلات أو عروض استثمارية. لهذا نرى ردود فعل خارجية حذرة أكثر منها احتفالية: كثير من الشركاء يدركون أن ترمب لم يخسر كل أدواته، لكنه خسر أداة شديدة المرونة.

وفي هذا السياق، يكتسب الحكم بعداً تفاوضياً مهماً قبل استحقاقات دبلوماسية وتجارية مقبلة. فالمفاوض الأميركي ما زال قادراً على التلويح برسوم تحت سلطات أخرى، لكن خصومه وشركاءه أصبحوا يعرفون الآن أن هناك حدوداً قضائية أوضح لما يمكن فرضه بقرار رئاسي منفرد. وهذا قد يدفع بعض العواصم إلى التريث أو إعادة فتح تفاهمات عالقة بانتظار اتضاح ما هي المسارات القانونية التي ستذهب إليها إدارة ترمب.

القرار إذن ليس «إسقاطاً لسياسة ترمب التجارية» بقدر ما هو إعادة رسم صارمة لحدودها. المحكمة العليا قالت بوضوح إن الرئيس لا يستطيع تحويل قانون طوارئ اقتصادي صُمم أساساً للعقوبات والقيود إلى تفويض مفتوح لفرض ضرائب جمركية على العالم. في المقابل يشير رد ترمب السريع إلى أن المعركة مستمرة والبدائل موجودة وإن كانت أكثر تعقيداً وأقل مرونة. وبين هذين الحدّين سيتحدد المشهد المقبل: نزاع قضائي طويل على الاستردادات، معركة سياسية داخلية على الأسعار والكونغرس، ومساومات خارجية تُدار بأدوات أقل اندفاعاً وأكثر تكلفة زمنية. وفي هذا المعنى، فإن الحكم تاريخي فعلاً لأنه لم يُنهِ سلاح الرسوم، لكنه انتزع من الرئيس حرية استخدامه بلا قيود تقريباً.