8 فنانين يُعيدون تشكيل المشهد الاستشفائي في بيروت

الخريطة الوريدية والستارة والصوت أدوات تأمُّل ترافق رحلة العلاج

عمل زينة وريّا بدران يتجاوز الجماليات البصرية ليلامس مشاعر المرضى (المُلحقة الإعلامية)
عمل زينة وريّا بدران يتجاوز الجماليات البصرية ليلامس مشاعر المرضى (المُلحقة الإعلامية)
TT

8 فنانين يُعيدون تشكيل المشهد الاستشفائي في بيروت

عمل زينة وريّا بدران يتجاوز الجماليات البصرية ليلامس مشاعر المرضى (المُلحقة الإعلامية)
عمل زينة وريّا بدران يتجاوز الجماليات البصرية ليلامس مشاعر المرضى (المُلحقة الإعلامية)

داخل أروقة المركز الطبّي في الجامعة الأميركية ببيروت، حيث تتقاطع النظرات القلقة بأصوات الأجهزة، تنفتح فجوة غير متوقّعة: الفنّ. مشروعٌ أطلقته منصة مؤقتة للفن (TAP) عام 2017 بعنوان «مشروع شفاء عام»، جاء ثمرة لسلسلة من التدخّلات الفنية المُكلَّفة في مواقع محدّدة داخل المستشفى، ودعوة لتأمّل العلاقة بين الجسد المريض والمكان.

8 فنانات وفنانين معاصرين استُدعوا إلى مقاربة الفضاء الطبّي من زاوية مختلفة، تحت إشراف القيّمة أماندا أبي خليل والقيّمة المُشاركة نور عسيران. فقد دُعوا إلى تأمُّل المركز الطبّي بوصفه «لا مكاناً»، أو - كما وصفه الأنثروبولوجي والباحث الفرنسي مارك أوجيه - فضاءٌ يعبره الناس من دون أن تنشأ فيه علاقات اجتماعية أو إحساس بالانتماء. هنا، حيث يغيب الاستقرار وتُعلَّق الحياة، أراد الفنّ أن يعيد تكوين شعور ما بالحضور.

تمزج كاثرين كاتاروزا بين الخريطة الوريدية للجسم البشري وخريطة بيروت (المُلحقة الإعلامية)

الفنانون تمارا السامرائي، وكاثرين كاتاروزا، وحاتم إمام، ولارا تابت، ونديم مشالوي وشريف صحناوي، وزينة بدران وابنتها ريا، استجابوا لهذا التحدّي بتقديم أعمال تأمّلية تبحث في الأصوات والأجساد والوجوه، وفي المادّة العضوية والبشرية التي تُشكّل هذا الفضاء.

من خلال إدماج الأعمال الفنّية ضمن البنية الحديثة للمركز، يُكرّس هذا المشروع المستشفى بوصفه موقعاً للتفاعل البحثي بين الفنّ والمجال الطبّي، ويفتح مساحات جديدة للتعاون بين الفنانين والعاملين في الرعاية الصحية. كما يمنح المرضى والزوار تجربة فنّية تفاعلية في بيئة أُنتجت خصيصاً لاستقبال هذا النوع من التعبير.

من بين الأعمال المعروضة، يبرز فيلم الفنانة زينة أبو الحسن (10 دقائق) بوصفه نقطة تلاقي بين التجربة الشخصية لرعاية المرضى وبين الجمهور العام، إذ يُضيء على العملية الإبداعية الكامنة خلف بعض الأعمال، موسِّعاً بذلك نطاق تأثيرها.

أما الفنان البصري ومصمّم الغرافيك اللبناني حاتم إمام، فابتكر منحوتة مُتحرّكة تُرافق المرضى في غرف الجراحة اليومية؛ صُمِّمت لتُحاكي حالة الانتظار التي تسبق العمل الجراحي. تتألّف القطعة من هيكل مقعّر من البليكسي محفور عليه مشهد طبيعي، ومُثبّت على قاعدة معدنية مضاءة من الداخل بأضواء «ليد». تُوضع المنحوتة قرب سرير المريض، لتوفّر له مشهداً بصرياً يُضفي طمأنينة، ويأخذه في رحلة تخيّلية تتجاوز حدود الغرفة الباردة.

حاتم إمام ابتكر منحوتة مُتحرّكة تُرافق المرضى في غرف الجراحة (المُلحقة الإعلامية)

في عملها التركيبي، تمزج الفنانة البصرية والمصوّرة الفوتوغرافية الفرنسية كاثرين كاتاروزا بين الخريطة الوريدية للجسم البشري وخريطة مدينة بيروت، مستخدمةً خامات دقيقة مثل الرصاص والخيط الأحمر والسلك النحاسي. عملها استكشاف داخلي للجسد، حيث التفرُّد والاختلاف، لكنه يخرج إلى العلن عبر التمثيل البصري، مُستلهماً من تقنيات رسم الخرائط.

تمزج كاثرين كاتاروزا بين الخريطة الوريدية للجسم البشري وخريطة بيروت (المُلحقة الإعلامية)

بدورها، تقدّم الطبيبة والفنانة لارا تابت عملاً يربط بين البنية الجينية لـ3 أفراد وارتباطهم بـ3 مراحل في تاريخ المركز الطبي: ما قبل التشييد، في أثناء البناء، وما بعد الافتتاح. من خلال الحمض النووي بكونه عنصراً جوهرياً في تكوين الهوية، تبني تركيباً ضوئياً ينبض بالحياة، في محاولة لإدخال مفهوم الهوية الفردية إلى الفضاء العلاجي.

تحاول لارا تابت إدخال مفهوم الهوية الفردية إلى الفضاء العلاجي (المُلحقة الإعلامية)

أما الفنانة التشكيلية والرسامة الكويتية تمارا السامرائي، فاستوحت عملها من الصور البصرية للبطاقات البريدية، من شواطئ وجبال ومواقع سياحية، وحوّلتها إلى لوحات مائية صغيرة تُطبع لاحقاً على الستائر المحيطة بأسرَّة العلاج الكيميائي. بهذا، تتحوّل 4 وحدات علاجية إلى حجرات حالمة تُتيح للمرضى مساحة للانفصال المؤقت عن الجسد المُثقل بالعلاج.

تمارا السامرائي تُتيح مساحة للانفصال المؤقت عن الجسد المُثقل بالعلاج (المُلحقة الإعلامية)

في بُعدٍ سمعي مختلف، انشغل المؤلّف الموسيقي نديم مشالوي وعازف الغيتار الارتجالي شريف صحناوي بأصوات المركز الطبي: من همس الأجهزة إلى الأصداء المحيطة. سجَّلا أصواتاً من مواقع متعدّدة داخل المستشفى، وأعادا تركيبها لإنتاج نغمتَيْن جديدتَيْن، بالإضافة إلى لحن انتظار هاتفي، ونبضة صوتية قصيرة تُستخدم في المصاعد. الأصوات الجديدة لا تكتفي بوظيفتها، وإنما تُعيد تأويل العلاقة بين الإنسان والآلة.

أصوات نديم مشالوي وشريف صحناوي تُعيد تأويل العلاقة بين الإنسان والآلة (المُلحقة الإعلامية)

ومن ضمن المشاركين أيضاً، الفنانة زينة بدران وابنتها ريا، في عمل مشترك يجمع بين تجربة الأمّ الرسامة والمتخصّصة بالطباعة، صاحبة الخلفية العلمية؛ وتجربة الابنة، الكاتبة. في حديثها مع «الشرق الأوسط»، تُعبّر زينة عن صلتها العميقة بالمكان، إذ عاشت 30 عاماً قرب الجامعة الأميركية. ورغم حذرها من التعاون مع ابنتها في عمل فنّي واحد لانفصال مسارَيْهما وعدم تدخّل إحداهما بالأخرى، شعرت بأنّ هذا المشروع جمعهما في نقطة تلاقٍ واحدة.

ترى زينة وريّا بدران في الفنّ العام مساحة لإرسال رسائل إلى المجتمع (المُلحقة الإعلامية)

ترى زينة بدران في الفنّ العام مساحة لإرسال رسائل إلى المجتمع وتعزيز الحسّ المدني، بينما يبقى الفنّ الحميمي أكثر ارتباطاً بالتجربة الذاتية للفنان. عملهما المُشترك يتّخذ شكل لوحة متعددة الوسائط تُحاكي خلايا الإنسان، وتضمّ تفاصيل وتركيبات كيميائية مُستلهمة من تخصص العلمي، مصحوباً بقطعة صوتية أنجزتها ريا، ناتجة عن مقابلات أجرتها مع موظّفي المستشفى حول تفاعلاتهم الطبّية والإنسانية.

تدرك زينة بدران أن للفنّ دوراً في التخفيف من التوتّر والقلق والإحباط، وأنّ لهذه الأعمال تأثيراً يتجاوز الجماليات البصرية، لتلامس مشاعر المرضى وتُعيد بناء شعورهم بالانتماء. فكما تقول، الهدف هو تخفيف العزلة الاجتماعية وتحسين نتائج الصحة من خلال استحضار الإبداع داخل فضاء الاستشفاء.

هكذا، يتقاطع الفنّ مع الطبّ، من موقع الضرورة، مثل نافذة ضوء في قلب التجربة، وصوت داخلي يقول للمريض بهدوء: «لستَ وحدك».


مقالات ذات صلة

«أنشودة الأرض» يوثق رحلة نازلي مدكور في عالم الفن التشكيلي

يوميات الشرق حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)

«أنشودة الأرض» يوثق رحلة نازلي مدكور في عالم الفن التشكيلي

في تجربة فنية ثرية تعيد تأمل العلاقة بين الإنسان والطبيعة، افتتحت الفنانة التشكيلية المصرية نازلي مدكور معرضها الجديد بعنوان «أنشودة الأرض... سيرة فنية».

نادية عبد الحليم (القاهرة)
يوميات الشرق عدد من الصور المشاركة في معرض «حكايات المكان» (الشرق الأوسط)

«حكايات المكان» تجربة بصرية تبرز تراث العمارة في مصر

في تجربة بصرية تُبرز تراث العمارة المصرية، يصحبك معرض «حكايات المكان» في رحلة بين مختلف الأحياء والمباني التاريخيّة.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)

«عشر سنوات بالداخل» يستكشف العلاقة بين الفنان والزمن

لا يقف معرض «عشر سنوات بالداخل» للفنان التشكيلي المصري علي حسان عند تجربة العرض البصري فقط.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق في لوحاته عن الحفلات التي كانت تقام في الهواء الطلق يجسد رينوار الرقة في التعاملات ورغد العيش (متحف أورساي)

رينوار يلقي أشعته على ربيع باريس

موضوع المعرض هو الحب بأشكاله المتعددة، وهو محاولة لإلقاء نظرة جديدة على الرسام الذي عُرف عنه عشقه للطبيعة قبل البشر.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق قلادة تحمل ثقل قرن من الفقدان (معرض مانشستر للفنون)

«جوهرة الحِداد» تفكّ شفرة لوحة غامضة بعد 400 عام

أُعيد اكتشاف «جوهرة حداد» تعود إلى عصر «هامنيت» (نجل شكسبير)، بعد مرور 4 قرون على تخليدها في إحدى أكثر اللوحات العائلية غموضاً وشهرة في بريطانيا...

«الشرق الأوسط» (لندن)

«أنشودة الأرض» يوثق رحلة نازلي مدكور في عالم الفن التشكيلي

حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)
حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)
TT

«أنشودة الأرض» يوثق رحلة نازلي مدكور في عالم الفن التشكيلي

حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)
حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)

في تجربة فنية ثرية تعيد تأمل العلاقة بين الإنسان والطبيعة، افتتحت الفنانة التشكيلية المصرية نازلي مدكور معرضها الجديد بعنوان «أنشودة الأرض... سيرة فنية»، مُقدِّمةً رحلةً بصريةً تختزل عقوداً من البحث والتجريب.

منذ بدايات نازلي الأولى، ظهرت في أعمالها عناصر البيئة المصرية من صحارى مترامية، وواحات هادئة، ونخيل، وبيوت طينية، لكنها لم تقدِّمها بوصفها صوراً منقولة، بل مادة حية أعادت اكتشافها وفق رؤيتها الخاصة وإحساسها الداخلي.

ويضم هذا المعرض المستمر في «قاعة الزمالك للفن» حتى 7 مايو (أيار) 2026، أكثر من 100 عمل فني، تمتد من بدايات الفنانة في ثمانينات القرن الماضي حتى أحدث إنتاجها خلال العامين الأخيرين.

معرض «أنشودة الأرض» يُعدُّ استعادياً؛ فهو يُقدِّم خلاصة تجربة الفنانة المصرية، ويجمع 4 مراحل رئيسية من مسيرتها تحت سقف واحد.

تميل نازلي مدكور إلى ألوان قريبة من تدرجات الأرض وملامسها (الشرق الأوسط)

وتتمثَّل المرحلة الأولى من حياة نازلي الفنية في الانشغال بالمنظر الطبيعي، حيث كانت تنظر إليه من الخارج، وتتأمله بوصفه مشهداً بصرياً قائماً، ثم تعيد صياغته عبر تغييرات وتكوينات جديدة تحمل رؤيتها الخاصة.

تقول نازلي مدكور لـ«الشرق الأوسط»: «كنت خلال تلك المرحلة أسافر كثيراً إلى أمكنة مختلفة في مصر، لا سيما الواحات وسيناء وسيوة؛ لأتشبع بالطبيعة المصرية ومشاهدها، وحتى ألتقي أيضاً الناس الذين يعيشون في تلك البيئات المختلفة».

في حين تمثلت المرحلة التالية من رحلة نازلي الفنية في حضور المرأة داخل اللوحة، واندماجها مع مشاهد الطبيعة، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى مرحلة جديدة أصبحت خلالها تنظر إلى المنظر الطبيعي من الداخل لا من الخارج: «خلال هذه المرحلة تكوّن لدي مخزون بصري ووجداني، وأصبحت أعمل من داخل الاستوديو، مستندة إلى إحساسي الأعمق بالأماكن؛ فصار تجسيدي لها نابعاً من الذاكرة والانفعال».

نازلي تعيد اكتشاف الطبيعة وفق رؤيتها الخاصة وإحساسها الداخلي (الشرق الأوسط)

وتمثل تجربة نازلي مدكور في الآونة الأخيرة عودة إلى المنظر الطبيعي، لكنها عودة مختلفة في الرؤية والمعالجة، بما يسمح للجمهور بإجراء مقارنة بين الأعمال، وهي مقارنة تكشف عن حجم التحول والنضج عبر كل هذه السنوات.

ويكتسب المعرض أهميةً إضافيةً مع صدور كتاب يوثِّق هذه الرحلة الفنية، يبدأ بحوار مع الفنانة حول مسيرتها، ويضم دراستين نقديتين لكل من الناقد المصري عز الدين نجيب، والناقد العراقي فاروق يوسف.

كما يستعيد المعرض جانباً من تعاونها مع دار نشر أميركية متخصصة في الكتب الفنية، اختارتها لإنجاز رسوم كتاب «ليالي ألف ليلة وليلة» للأديب المصري نجيب محفوظ.

وتقول: «كانت تلك تجربتي الأولى في رسم الكتب، وقدمت فيها شخصيات الرواية بروح مستلهَمة من المنمنمات العربية القديمة، وحققت نجاحاً كبيراً».

أعمال تجمع بين التجريد والتشخيص في أحدث معارض نازلي مدكور (الشرق الأوسط)

وفي المعرض الجديد؛ تُعرَض الرسومات الأصلية للكتاب إلى جانب نسخة من الإصدار نفسه.

وتكشف الأعمال المعروضة قدرة الفنانة على الحفاظ على موضوعاتها الأثيرة، مثل الربيع والطبيعة والمرأة، من دون الوقوع في أسر التكرار، إذ ظلت منفتحةً على التجريب، سواء في اللون أو الحركة أو البناء التشكيلي أو الخامات المُستخدَمة.

ويستكشف المتأمل للأعمال في المراحل الفنية المختلفة أنَّها لا تتوقف عند أسلوب واحد أو صيغة جاهزة. تقول نازلي: «يشكِّل التجريب عنصراً أساسياً في حياة الفنان، ولا ينبغي أن يقتصر على البدايات، أو على مرحلة محددة من المسيرة الإبداعية؛ فالفنان لا يمكن أن يتوقف عند صيغة واحدة يظل يكررها لسنوات طويلة».

نازلي مدكور تستعيد مسيرتها الفنية في معرض جديد بالقاهرة (الشرق الأوسط)

ومن أبرز ما يؤكده تأثير التجريب في أعمالها، هو إدخالها عناصر جديدة فيها باستمرار، سواء في اللون أو الحركة أو البناء التشكيلي أو غير ذلك من أدوات التعبير.

كما اقتحمت خامات جديدة وملامس متنوعة، واستخدمت عناصر طبيعية مثل الرمال وورق البردي والحبال ومزق الأقمشة، مضيفة: «الفنان ينضج من خلال هذه المغامرة المستمرة؛ لأنَّ التجريب لا يطوِّر العمل وحده، بل يطوِّر صاحبه أيضاً».

يبرز المعرض كذلك حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد؛ حيث يلحظ المتلقي عدداً من التناقضات البصرية والوجدانية، مثل الجمع بين البنية القوية والعفوية، أو بين الهندسة الصارمة والانسيابية الحرة.

وهنا تؤكد أن «هذا التداخل يمثل عنصراً مهماً؛ لأنه يولّد الطاقة والحركة داخل اللوحة، ويمنحها حيوية خاصة تنعكس على إحساس المشاهد بها».

الفنانة المصرية نازلي مدكور (الشرق الأوسط)

وترى الفنانة أن هذا التداخل يعكس طبيعة الإنسان نفسه، بوصفه كائناً مشحوناً بالتناقضات، وهي تناقضات قد تخلق المشكلات، لكنها تقود أيضاً إلى حلول جديدة.

لكن لا يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ تمزج أعمالها بين النزعة التجريدية والاتجاه التشخيصي؛ وهو ما تبرره قائلة: «يميل التشخيص إلى سرد الحكاية بصرياً، بينما يتيح التجريد مساحة أوسع لنقل المشاعر والانفعالات، وهو ما أريد أن أجمع بينهما في أعمالي».

وتتجلى في اللوحات حالة واضحة من التلاحم بين الأشكال والأرضيات، حيث تبدو العناصر في اندماج عضوي داخل نسيج واحد؛ من دون فواصل حادة بين الكتل والخلفيات، بما يضفي على الأعمال تماسكاً وحيوية في آنٍ واحد.

وتختم مدكور: «أنظر إلى العالم بوصفه منظومةً متكاملةً ومصيراً مشتركاً؛ لذلك أتعامل مع الإنسان داخل اللوحة بالخشونة نفسها التي تحضر في الطين وعناصر الطبيعة، كما أميل إلى ألوان قريبة من تدرجات الأرض وملامسها».


قرية في ألاسكا تُعيد إحياء سياحة الدببة القطبية... بشروط صارمة

في أرض قاسية... كائنٌ يعرف كيف يبقى (أ.ف.ب)
في أرض قاسية... كائنٌ يعرف كيف يبقى (أ.ف.ب)
TT

قرية في ألاسكا تُعيد إحياء سياحة الدببة القطبية... بشروط صارمة

في أرض قاسية... كائنٌ يعرف كيف يبقى (أ.ف.ب)
في أرض قاسية... كائنٌ يعرف كيف يبقى (أ.ف.ب)

تطمح قرية نائية للسكان الأصليين في ألاسكا إلى استعادة مكانتها وجهةً أولى لمُشاهدة الدببة القطبية، بعد تراجع هذا النشاط خلال السنوات الماضية. ففي نهاية كلّ صيف، تتجمَّع الدببة البيضاء الضخمة قرب قرية كاكتوفيك الواقعة على حافة القارة داخل محميّة القطب الشمالي، لتتغذَّى على بقايا الحيتان وتنتظر تجمّد البحر، في مشهد كان يجذب أكثر من ألف سائح سنوياً.

وإنما جائحة «كوفيد-19» وقرار فيدرالي بوقف الجولات البحريّة أدّيا إلى شبه توقُّف هذه السياحة، وسط مخاوف من تأثير تدفُّق الزوار على نمط حياة السكان وسلوك الدببة. اليوم، يسعى قادة القرية إلى إعادة إحياء هذا النشاط، مع وضع ضوابط جديدة توازن بين الفوائد الاقتصادية وحماية البيئة والمجتمع المحلّي.

كائن يملك هذا العالم منذ زمن بعيد (أ.ف.ب)

ووفق «الإندبندنت»، يؤكد رئيس مؤسّسة «كاكتوفيك إينوبيات»، تشارلز لامب، أنّ السياحة يمكن أن توفّر دخلاً مهماً، لكن إدارتها يجب أن تختلف عمّا كانت عليه سابقاً. فخلال العقود الماضية، أدَّى تزايد أعداد الزوار، خصوصاً بعد تصنيف الدببة القطبية مهدَّدة بالانقراض عام 2008، إلى ضغط كبير على القرية الصغيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها 250 شخصاً، ممّا تسبَّب في إرباك الحياة اليومية للسكان، وتراجع استفادتهم الاقتصادية.

كما أسهمت القيود التنظيمية ودخول شركات سياحية كبرى في تقليص دور السكان المحلّيين، في حين اشتكى الأهالي من سلوك بعض السياح، ومن ازدحام الرحلات الجوّية الذي أثَّر حتى في تنقّلاتهم الأساسية.

ومع توقُّف الجولات القاربية منذ 2021، بدأت الدببة تستعيد حذرها الطبيعي من البشر، بعدما أدّى الاعتياد السابق إلى زيادة المخاطر، حتى إنّ دوريات الحماية اضطرّت أحياناً إلى قتل عدد من الدببة سنوياً.

وتعمل القرية، حالياً، بالتعاون مع السلطات الأميركية، على إعادة إطلاق السياحة ربما بحلول 2027، ضمن إطار يضمن سلامة الجميع، مثل تحديد مدّة بقاء القوارب قرب الدببة، وتشجيع زيارات أطول وأكثر احتراماً لثقافة السكان.

ويرى القائمون على المبادرة أنّ السياحة المستقبلية يجب أن تمنح الزوار تجربة أعمق، تتيح لهم فهم الحياة في القطب الشمالي، لا مجرّد مشاهدتها من قرب.


«هجرة» السعودي ينال جائزة أفضل فيلم في «أسوان السينمائي»

فيلم «هجرة» حصد جائزة مهرجان أسوان (إدراة المهرجان)
فيلم «هجرة» حصد جائزة مهرجان أسوان (إدراة المهرجان)
TT

«هجرة» السعودي ينال جائزة أفضل فيلم في «أسوان السينمائي»

فيلم «هجرة» حصد جائزة مهرجان أسوان (إدراة المهرجان)
فيلم «هجرة» حصد جائزة مهرجان أسوان (إدراة المهرجان)

حصد فيلم «هجرة» السعودي، جائزة أفضل فيلم في «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة» بدورته العاشرة، التي أُقيمت من 20 إلى 25 أبريل (نيسان) الحالي، وتحمل اسم رائدة السينما عزيزة أمير، ووصل عدد الأفلام المشارِكة في دورة هذا العام إلى 73 فيلماً من 34 دولة.

ويحكي فيلم «هجرة» عن رحلة نسائية إلى الحج، في إطار دراما مشوقة تنسجها نساء في السعودية خلال رحلة عبر الصحراء إلى مكة، حيث تختفي طفلة وتنطلق جدتها في رحلة إلى الشمال للبحث عنها. وهو من تأليف وإخراج شهد أمين، وتمثيل براء عالم، ونواف الظفيري، وخيرية نظمي، وهو إنتاج مشترك بين المملكة العربية السعودية والعراق والمملكة المتحدة.

وحصد الفيلم جوائز عدة سابقاً في مهرجات مختلفة من بينها جائزة «نتباك» لأفضل فيلم آسيوي في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي 2025، وجائزة اليسر من لجنة التحكيم في «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي 2025»، وكذلك جائزة أفضل فيلم سعودي من جوائز فيلم العلا في «مهرجان البحر الأحمر»، وجائزة أفضل فيلم من «مهرجان مالمو للسينما العربية» عام 2026.

واستقبل «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة» أكثر من 800 فيلم في هذه الدورة، من بينها أفلام تُعرَض لأول مرة دولياً أو أفريقياً، ومنها أفلام شاركت في مهرجانات كبرى مثل كان، وفينيسيا، وبرلين، وروتردام، وفق إدارة المهرجان الذي يترأسه السيناريست محمد عبد الخالق، ويديره حسن أبو العلا، وتشغل منصب رئيسة مجلس الأمناء السفيرة ميرفت التلاوي، ونائبة رئيس مجلس الأمناء الدكتورة عزة كامل.

جانب من حفل ختام المهرجان (إدارة المهرجان)

ووفق بيان للمهرجان بعد حفل ختام دورته العاشرة، الجمعة، فقد حصد جائزة لجنة التحكيم الفيلم الهولندي «عاملها كسيدة»، وذهبت جائزة أفضل مخرج لفيلم «ابنة الكوندور»، وهو إنتاج مشترك بين بوليفيا، وبيرو، وأوروغواي، وفاز بجائزة أفضل ممثل نواف الظفيري عن فيلم «هجرة»، ومُنحت جائزة أفضل ممثلة إلى نينكي بلاس عن فيلم «عاملها كسيدة»، كما فاز بجائزة أفضل سيناريو فيلم «البيت البرتغالي» وهو إنتاج إسبانيا والبرتغال، ومنحت لجنة التحكيم تنويهاً خاصاً لفيلم «كومبارسا»، وهو إنتاج مشترك بين غواتيمالا والولايات المتحدة الأميركية.

وقالت المنتجة المغربية فاطمة النوالي آزر، عضوة لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الطويلة إن فيلم «هجرة» يمثل طفرةً مهمةً في السينما السعودية لموضوعه الشيق والإنساني والنسوي، بالإضافة للتقنيات التي تشير إلى رؤية متمكنة لمخرجة الفيلم. وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «لجنة التحكيم أجمعت على منح الفيلم جائزة الأفضل لرؤيته المختلفة والمميزة، وهو يؤكد وجود طفرة في التقنيات، وجرأة في التناول في السينما السعودية، وهو ما يظهر في أمثلة ونماذج كثيرة».

في حين أشارت المخرجة عزة كامل، نائبة رئيس «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة» إلى الحالة المختلفة التي يقدِّمها فيلم «هجرة». وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «إن هذا الفيلم أثبت مدى التطور والطفرة الرائعة في السينما السعودية كتابةً وإخراجاً وتمثيلاً، كما أثبت النظرية التي تقول إن تناول الموضوعات المحلية بإخلاص وبراعة هو أقرب طريق للوصول إلى العالمية، ولذلك حصد هذا الفيلم جوائز عدة في مهرجانات شتى حول العالم».

وفاز فيلم «المينة» بجائزة أفضل فيلم قصير وهو إنتاج المغرب وإيطاليا وفرنسا وقطر، كما فاز الفيلم الإيطالي «النموذج الكينيبالي» بجائزة لجنة التحكيم.

فيلم «هجرة» السعودي تمَّ عرضه في مهرجانات عدة (إدارة مهرجان أسوان)

وفاز بجائزة الاتحاد الأوروبي الفيلم التونسي «دنيا»، بينما فاز فيلم «رحلة لم تكتمل» بجائزة أحسن فيلم عمل جماعي بمسابقة أفلام الورش، وذهبت جائزة أحسن إخراج لفيلم «الخير والبركة»، وفاز فيلم «الأم» بجائزة أحسن تمثيل لممثلة.

وفاز بجائزة أحسن فيلم بأفلام ذات أثر «تهويدة ما بعد النوم»، إخراج عبد الرحمن بركات، ومنحت لجنة التحكيم جائزة أحسن فكرة لفيلم «ياللا عجل»، إخراج سارة إلياس، كما فاز فيلم «الدرج» إخراج مايك يوناني بجائزة لجنة التحكيم.

فيلم «هجرة» يحكي عن رحلة حج (مهرجان أسوان)

وحصد المركز الأول في مسابقة أفلام الجنوب فيلم «مسافات» للمخرجة ليزا كمال، وفاز فيلم «بيدي» للمخرج عبد الله حسن بالمركز الثاني، وذهب المركز الثالث لفيلم «مبقاش براح» للمخرجة ميرا ممدوح.

وجاءت الدورة العاشرة من «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، برعاية وزارات الثقافة، والسياحة، والتضامن الاجتماعي، والمجلس القومي للمرأة، ومحافظة أسوان، وبالشراكة الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، وبرعاية البنك الأهلي المصري، ونقابة السينمائيين، ومؤسسة «دروسوس»، وشركة «مصر للطيران»، وشركة «ريد ستار».