هل تتأثر «الانتعاشة السياحية» المصرية بالتصعيد الإسرائيلي - الإيراني؟

الحكومة أعلنت تأجيل افتتاح «المتحف الكبير» لنهاية العام

تأجيل الافتتاح الرسمي للمتحف الكبير بسبب التصعيد العسكري بالمنطقة (إدارة المتحف)
تأجيل الافتتاح الرسمي للمتحف الكبير بسبب التصعيد العسكري بالمنطقة (إدارة المتحف)
TT

هل تتأثر «الانتعاشة السياحية» المصرية بالتصعيد الإسرائيلي - الإيراني؟

تأجيل الافتتاح الرسمي للمتحف الكبير بسبب التصعيد العسكري بالمنطقة (إدارة المتحف)
تأجيل الافتتاح الرسمي للمتحف الكبير بسبب التصعيد العسكري بالمنطقة (إدارة المتحف)

في أولى تداعيات التصعيد الإسرائيلي - الإيراني أعلنت الحكومة المصرية تأجيل افتتاح «المتحف المصري الكبير» لنهاية العام الحالي، كما شكلت مصر غرفة عمليات لمتابعة التداعيات المتلاحقة للتصعيد الإسرائيلي - الإيراني الأخير. وتباينت الآراء بشأن تأثير الأحداث على ما حققته القاهرة من «انتعاشة سياحية»، في الآونة الأخيرة، راهنين حجم التأثير على الإيرادات السياحية بمدى تصاعد التوترات في المنطقة.

وأعلن رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، السبت، تأجيل افتتاح المتحف المصري الكبير إلى الربع الأخير من العام الحالي، وقال، في تصريحات صحافية، إن «الحكومة تضع كل السيناريوهات في حال تصاعد الصراع».

وأوضحت وزارة السياحة والآثار، في إفادة رسمية السبت، أنه «في ضوء تطورات الأحداث الإقليمية الراهنة، فقد تقرر إرجاء الافتتاح الرسمي للمتحف المصري الكبير، الذي كان مقرراً في الثالث من يوليو (تموز) المقبل»، مشيرة إلى أنه «سيتم تحديد موعد جديد للافتتاح الرسمي للمتحف خلال الربع الأخير من العام الحالي، على أن يتم الإعلان عنه في الوقت المناسب، وذلك بعد التنسيق مع جميع الجهات المعنية لضمان تنظيم فعالية تليق بمكانة مصر السياحية والثقافية على الساحة الدولية».

ووفق الإفادة فإن «هذا القرار أيضاً جاء انطلاقاً من المسؤولية الوطنية للدولة المصرية، وحرصها على تقديم حدث استثنائي عالمي في أجواء تليق بعظمة الحضارة المصرية وتراثها الفريد، وبما يضمن مشاركة دولية واسعة تواكب أهمية الحدث».

توقعات متباينة بشأن تأثر السياحة في مصر بالتصعيد الإيراني - الإسرائيلي (الشرق الأوسط)

وكان من المقرر إغلاق المتحف منتصف الشهر الحالي تمهيداً للافتتاح، لكن في ضوء التأجيل، سيواصل المتحف استقبال زائريه في المناطق التي شهدت افتتاحاً تجريبياً منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وحتى اقتراب موعد الافتتاح الرسمي الجديد.

وسبق أن تأجل افتتاح المتحف أكثر من مرة، بسبب تداعيات جائحة (كوفيد - 19)، وحرب غزة. ويعرض المتحف للمرة الأولى المقتنيات الكاملة للفرعون الذهبي «توت عنخ آمون»، منذ اكتشاف مقبرته في نوفمبر (تشرين الثاني) 1922، إضافة إلى مجموعة مميزة من الآثار المصرية. وكانت مصر تتوقع أن يساهم المتحف في تنشيط السياحة وزيادة عائداتها.

وعلى صعيد التداعيات السياحية للتصعيد، أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، في إفادة رسمية مساء الجمعة، عن تشكيل غرفة عمليات لمتابعة الحركة السياحية بمختلف المقاصد المصرية في ضوء التداعيات المتلاحقة الناتجة عن تطورات الأوضاع الإقليمية.

أهرامات الجيزة (الصفحة الرسمية لوزارة السياحة والآثار)

وبحسب الإفادة فإن «غرفة العمليات التي يتابع عملها وزير السياحة والآثار شريف فتحي تتولى التنسيق مع الجهات المعنية داخل مصر وخارجها بشأن حركة الطيران وعودة حجاج السياحة البريين، وتضم ممثلين عن الإدارات المركزية لشركات السياحة، والمنشآت الفندقية والمحال والأنشطة السياحية، إلى جانب وحدة الطيران بالوزارة».

كما «تتابع الغرفة أيضاً أوضاع السائحين الموجودين في مصر من مختلف الدول التي تم إغلاق مجالاتها الجوية تأثراً بالأحداث»، وفق الإفادة التي أكدت أن «وزيري السياحة والآثار والطيران المدني المصريين يتابعان المستجدات من كثب، للوقوف على أي تطورات».

وشهدت منطقة الشرق الأوسط إغلاقاً واسعاً لعدد من المجالات الجوية الحيوية بعد بدء الضربات الإسرائيلية على منشآت نووية ومصانع صواريخ باليستية في إيران فجر الجمعة. ما أدى إلى شلل مؤقت في حركة الطيران، خصوصاً في أجواء، إسرائيل، وإيران، والعراق، والأردن، وسوريا.

وأوضح مصدر مطلع بوزارة السياحة والآثار لـ«الشرق الأوسط» أن «الوزارة تتابع تطورات المشهد الإقليمي لتقييم تأثيره على حركة السياحة»، مشيراً إلى أنه «حتى الآن لم يتم إلغاء أي حجوزات سياحية». وقال: «مصر استطاعت على مدار العام الماضي تجاوز اضطرابات جيوسياسية كان من المتوقع أن تلقي بظلالها على معدلات السياحة».

ولا يعتقد الخبير السياحي محمد كارم أن حركة السياحة في مصر ستتأثر بالتصعيد الأخير. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «حركة السياحة بين مصر وكل من إيران وإسرائيل ليست كبيرة»، لكنه أشار إلى أن «مدناً مثل طابا ونويبع قد تشهد تراجعاً في الإشغالات الفندقية وهذا أمر طبيعي مرتبط بالأحداث».

أحد مباني القاهرة التاريخية بوسط القاهرة (الشرق الأوسط)

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2023 أشارت تقارير إعلامية مصرية إلى «إغلاق نحو 90 في المائة من المنشآت السياحية (فنادق وكامبات) في مدينتي طابا ونويبع الواقعتين بسيناء على شاطئ البحر الأحمر وتراجع معدل الإشغالات الفندقية في شرم الشيخ ومدن جنوب سيناء نتيجة الحرب على غزة».

في المقابل، توقع الخبير السياحي أحمد عبد العزيز أن «تتأثر حركة السياحة القادمة لمصر، لا سيما إذا تصاعدت الأحداث أكثر من ذلك». وقال إن «التأثر لن يكون بسبب خوف الناس من السفر بل بسبب إيقاف الرحلات في بعض مطارات دول المنطقة».

وأوضح عبد العزيز أن «عدداً من الرحلات لم تتم منذ بدء التصعيد بسبب إيقاف حركة الطيران في مطارات عربية، بالأردن والعراق».

وبينما أشار عبد العزيز إلى أن تحذيرات السفر الدولية بشأن التوترات في المنطقة لا تشمل مصر، قال إن «عدداً من البرامج السياحية الدولية لا سيما تلك القادمة من أميركا اللاتينية تكون برامج ثلاثية تشمل الأردن وإسرائيل ومصر»، متوقعاً أن «تشهد هذه البرامج تراجعاً في الفترة المقبلة ما سيؤثر بالتبعية وبشكل غير مباشر على عائدات السياحة المصرية».

واستقبلت مصر، وفق بيانات رسمية، 15.7 مليون سائح خلال عام 2024، ما يُعدّ أعلى رقمٍ تحققه البلاد في تاريخها. وقال رئيس الوزراء المصري في إفادة رسمية في فبراير (شباط) الماضي: «لولا الاضطرابات الإقليمية التي تحيط بمصر لارتفع هذا الرقم إلى 18 مليون سائح».

معبد رمسيس الثاني بأبو سمبل (الشرق الأوسط)

وأكد كارم أنه على مدار العام الماضي ورغم الاضطرابات السياسية في المنطقة شهدت مصر «انتعاشة سياحية» ما يؤكد أنها «لن تتأثر بالتصعيد الأخير»، على حد قوله.

وتجاوزت السياحة المصرية اضطرابات تشهدها المنطقة مسجلة أرقاماً قياسية هذا العام. ووفق إفادة لمجلس الوزراء المصري، سجلت أعداد السياحة الوافدة للبلاد زيادة بنسبة 25 في المائة منذ بداية العام الحالي.

مدينة القاهرة التاريخية تجتذب الكثير من السائحين (الشرق الأوسط)

وكانت مصر تستهدف الوصول إلى 30 مليون سائح بحلول عام 2028 عبر استراتيجية أعلنتها الحكومة سابقاً، لكنها عادت وعدلت الاستراتيجية ورحّلت هدفها إلى عام 2031.

ويعد قطاع السياحة ركناً أساسياً للاقتصاد المصري، ومصدراً مؤثراً في توفير العملة الصعبة، وفرص العمل. ووفق بيانات البنك المركزي المصري بلغت عائدات السياحة خلال عام 2024 نحو 15.3 مليار دولار، مقابل 14.1 مليار دولار في 2023.


مقالات ذات صلة

مهرجان «الثقافة والفنون» ينعش الموسم السياحي في أسوان

يوميات الشرق فرق الفنون الشعبية قدمت عروضاً متنوعة (وزارة الثقافة المصرية)

مهرجان «الثقافة والفنون» ينعش الموسم السياحي في أسوان

يمثل المهرجان منصة بارزة لدعم السياحة، وتعزيز التبادل الثقافي من خلال عروض فنية شعبية تبرز ثراء التراث المصري والعالمي، وتؤكد مكانة أسوان مركزاً للتلاقي الحضاري

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
الاقتصاد رئيس مجلس الوزراء يشهد توقيع اطلاق المشروع (الشرق الأوسط)

مصر: إطلاق مشروع سياحي وسكني بالعين السخنة بقيمة مليار دولار

شهد مجلس الوزراء المصري، الأحد، إطلاق مشروع «أبراج ومارينا المونت جلالة» بالعين السخنة، باستثمارات تبلغ قيمتها 50 مليار جنيه (نحو مليار دولار).

صبري ناجح (القاهرة)
يوميات الشرق تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)

تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

جدد «انبهار» ابنة الرئيس الأميركي تيفاني ترمب، بالمعالم الأثرية المصرية، الدعوات لاستغلال زيارتها لمصر رفقة زوجها رجل الأعمال في تنشيط السياحة.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق تتميز مدينة دهب بإطلالتها على البحر (فيسبوك)

ما أسباب اجتذاب «دهب» المصرية لعشاق اليوغا والتأمل؟

تعد السياحة البيئية وسياحة التأمل من عوامل الجذب لفئات متنوعة من السائحين، وتنشط هذه السياحة في مدن مصرية من بينها دهب بمحافظة جنوب سيناء.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق زوار يلقون العملات المعدنية في نافورة تريفي في روما بعد أن فرضت المدينة رسوماً بقيمة يوروين لمشاهدتها عن قرب (أ.ف.ب)

نافورة تريفي بتذكرة دخول… خطوة جديدة لتنظيم السياحة في روما

سيُضطر السياح الراغبون في الاقتراب من نافورة تريفي الشهيرة إلى دفع رسوم قدرها يوروان (2.36 دولار)، وذلك في إطار مساعي مدينة روما للسيطرة على الحشود.

«الشرق الأوسط» (روما)

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.