ما دور «الموساد - فرع طهران» في عملية «الأسد الصاعد»؟

أنشأ قاعدة مُسيّرات متفجرة في إيران لتنفيذ العملية

TT

ما دور «الموساد - فرع طهران» في عملية «الأسد الصاعد»؟

صورة للقطات بثتها شبكة «أخبار إيران» اليوم تُظهر دخاناً يتصاعد من الانفجارات في «نطنز» بعد إعلان إسرائيل تنفيذ ضربات على مواقع نووية وعسكرية إيرانية (أ.ف.ب)
صورة للقطات بثتها شبكة «أخبار إيران» اليوم تُظهر دخاناً يتصاعد من الانفجارات في «نطنز» بعد إعلان إسرائيل تنفيذ ضربات على مواقع نووية وعسكرية إيرانية (أ.ف.ب)

كشفت إسرائيل، بعد ساعات من بدء عمليتها العسكرية «الأسد الصاعد» ضد إيران، عن دور كبير يقوم به جهاز استخباراتها «الموساد»، منذ سنوات داخل الأراضي الإيرانية، خصوصاً العاصمة طهران؛ حيث أنشأ فرعاً له.

وقال مصدر أمني إسرائيلي، الجمعة، إن قوات خاصة تابعة لـ«الموساد» قادت سلسلة عمليات سرية في عمق إيران، سبقت ضربات الجمعة، موضحاً ​​أن هذه العمليات تضمنت نشر أسلحة دقيقة التوجيه في مناطق مفتوحة، قرب مواقع أنظمة صواريخ سطح-جو إيرانية، واستخدام تقنيات متطورة ضد أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية، وإنشاء قاعدة لطائرات هجومية مُسيَّرة قرب طهران.

وكشف المصدر عن الخطوط العريضة للعملية العسكرية التي شنتها إسرائيل ضد إيران، فجر اليوم الجمعة، التي تضمنت عملية مشتركة للجيش الإسرائيلي، ووكالة الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية «الموساد» والصناعات الدفاعية الإسرائيلية.

واستندت العملية إلى سنوات من التخطيط الدقيق، وجمع المعلومات الاستخباراتية والنشر المبكر للقدرات السرية في العمق الإيراني، وفقاً لصحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية.

وكشف المصدر أيضاً أنه قبل فترة طويلة من الهجوم، أُنشئت قاعدة للطائرات المُسيّرة المتفجرة، من خلال عملاء «الموساد»، بالقرب من طهران.

وجرى تفعيل المُسيّرات خلال الليل، وإطلاقها تجاه منصات إطلاق صواريخ أرض-أرض في قاعدة «إسباغ آباد»؛ أحد المواقع المركزية التي تُهدد إسرائيل بشكل مباشر، وفقاً للتقرير.

مشروع طويل المدى

وأظهرت هذه الضربة أن حرب تل أبيب على طهران مشروع طويل المدى بُني على ذراعين أساسيتين: الجيش بقواته المختلفة، والمخابرات.

وفي حين تُصر إيران على الرواية القائلة إن الضربات الأساسية جرت من الخارج بواسطة سلاح الجو، لأن توجيه الضربات من الداخل يدل على ضعف أمني واختراق كبير، تصر إسرائيل، في المقابل، على أن ذراع الاستخبارات «الموساد» أدت دوراً جوهرياً أساسياً داخل إيران، ونفّذت سلسلة اغتيالات طالت قادة في «الحرس الثوري» والجيش الإيراني، وأعدَّ بنك أهداف ثميناً.

وأكد مصدر أمني في تل أبيب، الجمعة، أن «الموساد» أقام «فرعاً» له في طهران، فجمع معلومات عن قادة «الحرس الثوري» والجيش وعلماء الذرة، وزرع أجهزة عدة في عشرات المواقع، ونفَّذ عملية تفجير في قواعد إطلاق الصواريخ وبالقرب من المنشآت النووية.

ومع أن هذا النشر يندرج في إطار الدعاية والحرب النفسية، وينبع، في كثير من الأحيان، من التبجح والغطرسة والغرور؛ وهي صفات تقليدية لدى قادة إسرائيل، لكن نتائج الضربات الأولية تدل على أنها تعتمد أيضاً على معلومات ووقائع، فقد تمكنت إسرائيل، على مدى السنوات الأخيرة، من تنفيذ عمليات كبيرة وخطيرة على الأراضي الإيرانية، ولا يمكن أن تكون قد نفّذت فحسب من الخارج.

ومما نُشر في وسائل الإعلام العبرية، الجمعة، أن نشاط «الموساد» على الأراضي الإيرانية قديم، لكنه اكتسب زخماً خاصاً قبل سنتين، عندما بدأ التحضير لهذه الحرب، كاشفة أن «الموساد» أقام عملياً قاعدة له «فرع الموساد في طهران»، وأنه ينتشر على مساحة شاسعة من الأرض في إيران، ويمتلك أجهزة عدة متطورة وأسطول وسائل نقل.

اغتيال العلماء

فقد بدأ «الموساد» عمليات اغتيال داخل إيران شملت أربعة من العلماء النوويين هم مسعود محمدي، ومجيد شهرياري، وداريوش رضائي نجاد، ومصطفى أحمدي روشن، في قلب طهران خلال عاميْ 2010 و2012، إذ اغتال ثلاثة منهم باستخدام قنابل مغناطيسية، في حين قتل الرابع بإطلاق الرصاص عليه أمام منزله.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، قامت خلية للموساد باغتيال العالِم محسن فخري زادة، الذي يُعدّ رئيس المشروع النووي، وذلك عندما كان متجهاً إلى عطلة مع زوجته.

الضربة الكبرى

لكن الضربة الكبرى التي وجّهها «الموساد» إلى إيران، كانت في سنة 2018، عندما سرق الأرشيف النووي من قلب طهران، وتضمَّن 50 ألف وثيقة، و163 قرصاً مدمجاً جرى نقلها بشاحنات. وفي سنة 2021، كشف يوسي كوهين، الذي أمر بتنفيذ العملية عندما كان رئيساً لـ«الموساد»، معلومات صادمة، فأوضح أن فريقاً لـ«الموساد» من 20 عنصراً، ليس بينهم أي مواطن إسرائيلي، عمل على الأراضي الإيرانية طيلة سنتين، حتى تمكّن من معرفة مكان الأرشيف وما يحتويه، واستطاع سرقته من المخازن السرية في طهران، في عملية استغرقت 7 ساعات، دون أن يكتشفهم أحد.

وقال إن العملية، التي أُديرت من تل أبيب، نُفّذت بعد أن قام الفريق بتعطيل أجهزة الإنذار وإزالة أبواب المستودع، وفتح 32 خزانة تحتوي على المواد. ولكيلا يلفت تحرك الشاحنة النظر، استأجر الفريق عشر شاحنات في جميع أنحاء منطقة طهران.

الحكومة الإيرانية وكل الناطقين بلسان «الحرس الثوري» أعلنوا أن هناك مبالغات في تقييم الغنائم، لكنهم، فيما بعد، تحدثوا عن «إلقاء القبض على جميع الإرهابيين الذين ساعدوا (الموساد)»، واتهموا المعارضة الإيرانية بذلك؛ من منظمة مجاهدي خلق. لكن الإسرائيليين يؤكدون أنهم لم يعتمدوا على منظمات المعارضة السياسية، بل على أناس كانوا قد تعرضوا لقمع دموي من السلطة وأرادوا الانتقام، وكذلك على جهات مرتزقة تعمل من أجل المال، وعلى مساعدة استخبارات أجنبية، وغربية بالأساس، ممن لديها مصلحة في إجهاض المشروع النووي الإيراني.

ويقول اللواء «أ»، الذي خدم في «الموساد» 30 سنة وسُرِّح من الخدمة قبل سنتين، إن «إيران دولة إقليمية عظمى تتمتع بقوى كبيرة وتكنولوجيا ناجعة، لكن النظام الإيراني، الذي يعمل تحت سيطرة رجال دين متشددين لا يملكون أدوات العمل السياسي والعسكري والاستخباري، يديرون الدولة بقبضة حديدية وينشئون بأيديهم أعداء كثيرين من شعبهم نفسه، فضلاً عن الأعداء في المنطقة والعالم، جعل مهمات (الموساد) تنجح، واحدة تلو الأخرى».

وأضاف، في حديث، لموقع منظمة «الأمنيون» اليمينية، التي ينشط في صفوفها، أن فِرق «الموساد» عملت جنباً إلى جنب مع الاستخبارات العسكرية التابعة للجيش الإسرائيلي، ومع فريق من الصناعات العسكرية، الذي رافق عمل «الموساد»، طيلة الوقت، لكي يدرس ميدانياً احتياجات المعركة ضد إيران.

وأطلقت إسرائيل عملية «الأسد الصاعد» لضرب البرنامج النووي الإيراني، واستهدفت غاراتها حياً يُقيم فيه كبار قادة «الحرس الثوري» الإيراني بالعاصمة طهران في «ضربة استباقية»، وفق ما قال، فجر الجمعة، وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، وذلك بُعَيد تحذير الرئيس الأميركي دونالد ترمب من ضربة عسكرية إسرائيلية وشيكة للمواقع النووية في إيران.

وأكدت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية مقتل قائد «الحرس الثوري» الإيراني حسين سلامي، في غارة إسرائيلية على طهران، في وقت مبكر من صباح الجمعة، كما جرى تأكيد مقتل اللواء غلام علي رشيد، قائد غرفة عمليات هيئة الأركان، وكذلك مقتل رئيس الأركان محمد باقري. وأكّدت وسائل الإعلام الإيرانية مقتل 6 من العلماء النوويين الإيرانيين.

وهدّد المرشد الإيراني علي خامنئي، في بيان الجمعة، بأن إسرائيل ستُواجه «عقاباً شديداً» على هجومها على البلاد، وأكد أن مسؤولين عسكريين وعلماء بارزين قُتلوا في الهجوم.


مقالات ذات صلة

تقرير: حرب ترمب على العدالة الدولية تطول موظفي المحكمة الجنائية والأمم المتحدة

الولايات المتحدة​ المقررة الأممية لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيزي (أ.ف.ب) p-circle

تقرير: حرب ترمب على العدالة الدولية تطول موظفي المحكمة الجنائية والأمم المتحدة

حذرت الرسائل التي كتبتها فرانشيسكا ألبانيزي مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة أكثر من 12 شركة أميركية.

«الشرق الأوسط» (مودينا)
شؤون إقليمية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (رويترز)

انتقادات في القاهرة عقب حديث إسرائيلي عن «تعاظم قدرة الجيش المصري»

نقلت تقارير عبرية تحذيرات لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من قوة الجيش المصري تطرق فيها إلى «ضرورة مراقبته من كثب لضمان عدم تجاوز الحد المعهود».

هشام المياني (القاهرة)
المشرق العربي لقطة تُظهر أنقاض المباني التي دُمرت خلال الحرب في شمال قطاع غزة (رويترز)

تقرير: مقتل فلسطينيين اثنين برصاص إسرائيلي ونسف مربعات سكنية بغزة

ذكر تقرير إخباري أن فلسطينيين اثنين لقيا حتفهما برصاص الجيش الإسرائيلي في منطقتي جباليا البلد والواحة شمال قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية عناصر من الشرطة التركية (رويترز)

تركيا توقف رجلين بتهمة التجسس لصالح إسرائيل

أوقفت أجهزة الاستخبارات التركية شخصين للاشتباه بتجسسهما لحساب الموساد الإسرائيلي، وتزويده بمعلومات ساعدته في تنفيذ اغتيالات.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
شؤون إقليمية صورة بتسلئيل زيني شقيق رئيس الشاباك (وسائل إعلام إسرائيلية)

الجيش الإسرائيلي: قضية تهريب البضائع لغزة «خطر كبير على أمننا»

أصدر الجيش الإسرائيلي، اليوم الخميس، تعليقاً بشأن قضية تهريب بضائع لقطاع غزة، والمتهم فيها شقيق رئيس جهاز «الشاباك» و14 مشتبهاً بهم آخرين.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)
TT

تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)

أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أهمية تنفيذ خطة السلام في غزة وضمان استمرار وقف إطلاق النار والبدء في إعادة إعمار القطاع، والحفاظ على وصول مستدام للمساعدات الإنسانية لسكان القطاع.

وقالت مصادر تركية إن إردوغان والملك عبد الله بحثا، خلال لقائهما في المكتب الرئاسي بقصر دولمه بهشه في إسطنبول، السبت، العلاقات بين بلديهما وسبل تعزيزها في مختلف المجالات، وتناولا القضايا والتطورات الإقليمية والدولية.

وعقد إردوغان والملك عبد الله جلسة مباحثات ثنائية، أعقبها جلسة موسعة بمشاركة وفدي البلدين، بعد وصول العاهل الأردني في زيارة قصيرة تلبية لدعوة من الرئيس التركي.

وتناولت المباحثات بالتفصيل تطورات الأوضاع في قطاع غزة وتنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام، وشددا على ضرورة استمرار وقف إطلاق النار ورفض الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة، واستدامة وصول المساعدات الإنسانية ورفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين.

كما تناولت المباحثات التطورات في سوريا، وأكد إردوغان والملك عبد الله ضرورة الحفاظ على وحدة أراضي سوريا وسيادتها ورفض أي محاولات لهز استقرارها، وضمان عودة السوريين إلى بلادهم بشكل طوعي وآمن.

جانب من المباحثات الموسعة بين إردوغان وعاهل الأردن بحضور وفدي البلدين (الرئاسة التركية)

وبحسب المصادر، ناقشت المباحثات الثنائية والموسعة مختلف التطورات في المنطقة وأكد الجانبان استمرار التعاون والعمل معاً لضمان الاستقرار في المنطقة.

وشارك في المباحثات من الجانب التركي وزيرا الخارجية هاكان فيدان، والدفاع يشار غولر، ورئيس المخابرات إبراهيم كالين، ومستشار رئيس الجمهورية للشؤون الخارجية والأمنية عاكف تشاغطاي كيليتش، ونظراؤهم من الجانب الأردني.

وجاءت زيارة العاهل الأردني لتركيا، غداة استئناف حركة الشحن البري باتجاه تركيا واليونان عبر بوابة «جيلوه غوزو» (باب الهوى) الحدودية بين تركيا وسوريا، بعد توقف استمر 15 عاماً.

وجاءت الخطوة نتيجة جهود وتنسيق مشترك بين وزارتي النقل في البلدين أدت إلى إزالة جميع العقبات الجمركية والإجرائية، حيث دخلت 3 شاحنات الأراضي التركية، الجمعة، في خطوة تجريبية عبر البوابة الحدودية.

وينتظر أن تشكل هذه الخطوة قفزة نوعية في خريطة النقل البري الإقليمي وإحياء لشريان تجاري مهم يربط الأردن بالقارة الأوروبية عبر الأراضي السورية والتركية، من خلال معبري جيلوه غوزو (باب الهوى) وأونجو بينار (باب السلامة).


صفر تخصيب... «جرعة سُم» قد تقتل مفاوضات مسقط

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
TT

صفر تخصيب... «جرعة سُم» قد تقتل مفاوضات مسقط

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)

رغم وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب محادثات مسقط بأنها «جيدة جداً»، ومع كسر الشكل التفاوضي لمجرد حصول لقاء مباشر بين الوفدين الإيراني والأميركي، فإن القراءة الأكثر شيوعاً في واشنطن تميل إلى التشاؤم أكثر.

والسبب ليس ما قيل داخل الغرف بقدر ما لم يتغير خارجها: طبيعة الفجوة الاستراتيجية، وتناقض «الخطوط الحمراء»، وسقف التوقعات الذي ترفعه التهديدات العسكرية والعقوبات، ثم يعود ليصطدم بواقع نظامٍ يتقن كسب الوقت وإدارة التفاوض كأداة لتخفيف الضغط لا كطريقٍ لإنهائه.

المحادثات التي جرت في مسقط بوساطة سلطنة عمان استمرت ساعات طويلة وانتهت بتصريحات عامة من الطرفين عن «أجواء إيجابية» و«بداية جيدة»، مع توقع جولة تالية الأسبوع المقبل، بحسب ما أعلنه ترمب. وقال إن إيران «تريد إبرام صفقة»، وإن المباحثات ستُستكمل «مطلع الأسبوع المقبل».

وأشار «أكسيوس» إلى أن لقاءً مباشراً حصل بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ومبعوثي الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. لكن هذا «التقدم الشكلي» لم يبدد الشكوك حول أن الجولة قد تكون افتتاحاً لمسار طويل من الجولات، أي ما تخشاه واشنطن وحلفاؤها تحديداً.

صورة مركبة لاستقبال وزير خارجية عُمان البوسعيدي نظيره الإيراني عراقجي (يمين) ثم استقباله ويتكوف وكوشنر قبل بدء المباحثات في مسقط أمس (إ.ب.أ)

عقدة «الصفر»

جوهر التشاؤم يبدأ من سؤال واحد: ما الحد الأدنى الذي سيعتبره الطرفان «صفقة»؟ في المقاربة الأميركية التي يكررها ترمب، هناك مطلب مُبسط ومطلق: «لا سلاح نووي» ويُترجم عملياً لدى فريقه إلى خط أحمر على التخصيب.

في المقابل، ترى طهران أن التخصيب جزء من السيادة ورمز للاستقلال، وتعتبر التنازل عنه هزيمة سياسية داخلية لا تقل كلفة عن العقوبات نفسها. هذه الثنائية (صفر مقابل حق) تجعل مساحات التسوية ضيقة بطبيعتها: حتى لو وجد حل تقني وسط (نسب وسقوف ورقابة)، فإن الغلاف السياسي لكل طرف يدفعه إلى التصلب.

الصحف الأميركية تناولت هذه المعضلة، ولخص تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» المعضلة برقم واحد: «صفر»، بوصفه التعريف العملي لمطلب «صفر تخصيب»، محذّراً من أن الإصرار عليه قد يتحول إلى «جرعة سم» قد تقتل التفاوض مهما كانت الأجواء الإيجابية.

السبب الثاني للتشاؤم مؤسسي بحت: مَن يملك القرار النهائي في طهران؟ حتى لو تفاوض عباس عراقجي بمرونة، يبقى اختبار أي تفاهم هو قدرته على عبور مراكز القوة وصولاً إلى المرشد علي خامنئي. وهذا ليس تفصيلاً؛ إنه ما يجعل الدبلوماسية مع إيران بطيئة بطبيعتها، وأحياناً «مجزّأة» إلى رسائل متناقضة بين ما يقوله المفاوض وما تسمح به دوائر القرار.

هذا المعنى ظهر حتى في الخطاب الأميركي الداخلي: افتتاح التفاوض لا يُعامل كإنجاز بحد ذاته، بل كمرحلة لاختبار «النية» و«القدرة على الالتزام». وفي مثل هذه البيئة، أي تنازلٍ يُقرأ داخل إيران على أنه رضوخ تحت التهديد، خصوصاً مع الحشد العسكري، الذي قد يدفع النظام إلى التصلب بدل المرونة.

شراء الوقت؟

يُفترض أن الجمع بين «الجزرة والعصا» يُسرّع التفاهم. لكن في الحالة الإيرانية غالباً ما ينتج أثراً مزدوجاً: يرفع ضغطاً اقتصادياً ونفسياً قد يدفع طهران للعودة إلى الطاولة. وفي الوقت نفسه يمنحها حافزاً لاستخدام الطاولة لتخفيف الضغط دون حسم الملفات، أي استراتيجية «إدارة الأزمة» لا حلّها.

هنا يتقاطع تشاؤم المنتقدين مع ما نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، في افتتاحية تتهم إيران بالعودة إلى أسلوب «المماطلة التفاوضية»: جولات متتابعة من دون تنازلات جوهرية، مع رفضٍ لإنهاء التخصيب أو نقلِه للخارج، ورفضٍ، بحسب الافتتاحية، لمنح ضمانات أو عمليات تحقق كافية بعد الضربات السابقة على منشآت نووية.

وفي يوم المحادثات نفسه، تزامن المسار الدبلوماسي مع مزيد من ضغط «العصا»: عقوبات أميركية جديدة مرتبطة بـ«أسطول الظل» النفطي الإيراني. هذا التزامن قد يكون رسالة تفاوضية، لكنه أيضاً يسهّل على طهران تسويق روايتها بأن واشنطن تفاوض «تحت التهديد»، ما يبرر تشدداً داخلياً.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب)

«نطاق» الملفات

حتى لو انحصرت الجولة على الملف النووي، فإن التناقض البنيوي قائم: واشنطن، وفق ما نُقل، كانت تميل إلى مسارين، نووي و«أوسع» يشمل الصواريخ والشبكات الإقليمية، بينما أعلن عراقجي أن النقاش يقتصر على النووي فقط. هذا يعني أن أي «تقدم» نووي، إن حصل، قد يُستهلك سياسياً داخل واشنطن إذا بدا أنه يتجاهل ملفات يعتبرها صقور الإدارة والكونغرس جزءاً من «السلوك الإيراني» لا يمكن فصله عن النووي. لذلك يأتي التشاؤم أيضاً من داخل واشنطن: حتى لو تحقق اتفاق تقني، قد لا يملك الغطاء السياسي الكافي ليصمد، هذا من دون الحديث عن إسرائيل.

ومن دون الغرق في تفاصيل مسقط، يمكن تلخيص معيار النجاح في الجولة المقبلة بـ3 إشارات لا تحتاج إلى بيانات مطولة: لغة واضحة حول التخصيب، تتجاوز مفردات «الحق» أو «الصفر» كشعارات، بل صيغة عملية قابلة للقياس والتحقق والجدولة. إطار تحقق عبر عودة جدية للرقابة والوصول، لأن أي اتفاق بلا تحقق سيُعامل كهدنة مؤقتة لا كصفقة. تسلسل العقوبات مقابل الخطوات، بحيث إذا لم تُحسم آلية رفع أو تعليق العقوبات مقابل خطوات نووية محددة، ستبقى كل جولة مجرد «استماع متبادل».

لهذا، تبدو مفارقة مسقط منطقية: يمكن لترمب أن يصف المحادثات بـ«الجيدة» لأنها فتحت باباً مباشراً وأعادت اختبار الدبلوماسية تحت سقف التهديد. لكن التشاؤم يسود لأن الاختبار الحقيقي ليس الجوّ، بل القدرة على كسر عقدة الصفر، وتأمين التحقق، ومنع إيران من تحويل التفاوض إلى مساحة زمنية آمنة لإعادة التموضع، وهي مهارة راكمتها طهران تاريخياً، وتخشى واشنطن اليوم أن تعود إليها بحلتها المعتادة.


رئيس الأركان الإيراني: فرض الحرب علينا سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع

رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
TT

رئيس الأركان الإيراني: فرض الحرب علينا سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع

رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)

نقلت وسائل إعلام إيرانية عن رئيس هيئة الأركان، اللواء عبد الرحيم موسوي، قوله إن بلاده لن تبدأ الحرب أبداً، لكنها لن تتردَّد لحظة في الدفاع الحاسم عن أمنها القومي في حال تعرُّضها لأي تهديد.

وأضاف أن أي عمل عسكري يهدف إلى فرض الحرب على إيران سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع وتفاقم الأزمة في جميع أنحاء المنطقة، محذراً من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليميَّين.

وأكد رئيس الأركان، بحسب الإعلام الإيراني، أن إيران تحتفظ بحقها الكامل في الرد، وأن قواتها المسلحة في جاهزية تامة للتعامل مع أي تطورات أو تهديدات محتملة.

وجاءت تصريحات موسوي غداة مفاوضات عُقدت مع واشنطن في مسقط.