شربل روحانا ومارانا سعد: فيضُ الموسيقى بالمعنى

أمسية من القصائد المغنّاة تُحيي الشِّعر العربي وتُلامس جوهر الحكمة

قمرٌ شاهد على أمسية أعادت ترتيب العلاقة بين القلب والكلمة (الشرق الأوسط)
قمرٌ شاهد على أمسية أعادت ترتيب العلاقة بين القلب والكلمة (الشرق الأوسط)
TT

شربل روحانا ومارانا سعد: فيضُ الموسيقى بالمعنى

قمرٌ شاهد على أمسية أعادت ترتيب العلاقة بين القلب والكلمة (الشرق الأوسط)
قمرٌ شاهد على أمسية أعادت ترتيب العلاقة بين القلب والكلمة (الشرق الأوسط)

في كلّ مرة يُقدَّم فيها فنٌّ يرقى إلى مستوى عالٍ من المعنى، نشعر بأننا نصبح بشراً أفضل. وفي أمسية «صدى قصائد الحكمة المغنّاة» التي جمعت الموسيقي اللبناني شربل روحانا، وجوقة «عشتار» التابعة لمعهد «فيلوكاليا»، والفرقة الموسيقية بقيادة الأخت مارانا سعد، ساد شعور بالارتفاع، كما لو أنَّ الأرواح خرجت من ضيق اليوميّ لتتسلَّق جبالاً من نور. سُمِعت كلمات القصائد كأنها دعوة إلى الأعالي ووصية تُقال على أبواب الجدوى. كان كلّ شيء مُعدّاً لخلق دهشة: الأضواء، والموسيقى، والصوت، والشِّعر. وجاء الحفل المُقام على خشبة «كازينو لبنان» ليقول بثقة إنَّ الفنّ الأنيق سيظلُّ قادراً على ملامسة أعمق ما فينا.

القصائد لا تُسمع فقط... بل تُرى أيضاً (الشرق الأوسط)

شابات جوقة «عشتار» كأنهنّ زهر الربيع، ففساتينهنّ الملوَّنة جعلتهنّ مقيمات في حديقة حيّة. أخذن مواقعهنّ على المسرح، كما فعل الموسيقيون وشربل روحانا، المُعانِق لعوده. وما إن اتّخذت الأخت مارانا سعد مكانها الوسيط، واقفة بعصا المايسترا، حتى اندلعت الموسيقى مثل جرفٍ يسبق الصفاء ليكشف النقطة التي تبدأ منها الحقيقة.

15 أغنية أدّتها الفرقة مع شربل روحانا، تارةً بصوته وعوده، وتارةً بمشاركة شبّان موهوبين من الجوقة: موريال الجردي، وجورج نصراني، ومارك نصر، وجو عازار، ورودولف الخوري. أصواتٌ واثقة وواعدة، والحناجر لا تخشى صعوبة القصيدة، ولا تتعثّر في دهاليز النحو والصرف. تُغنّي بلا ورق وتُتقن المَخارج. فالجمال الفنّي لم يكن في الأداء وحده، وإنما في علاقةٍ متينة مع اللغة العربية، وفي اجتهاد لتقديم القصائد إلى جمهور ذوَّاق يدرك قيمة الكلمة.

عود شربل روحانا جسرٌ من وترٍ إلى الذاكرة (الشرق الأوسط)

وحين أطلق شربل روحانا تقاسيمه على العود، أخذ الجمهور إلى الغيمة الأولى؛ ومنها توالى الارتفاع. قصيدة «إذا المرء» للإمام الشافعي جاءت مثل إقامة في غيمة مُشبَّعة بالحكمة والماء. في البيت: «فما كلّ مَن تهواه يهواكَ قلبُه/ ولا كلّ مَن صافيتَه لك قد صفا» تكمن بلاغة المسافة بين الحنين والخذلان. هنا كان التحدّي: أن تُحافظ الأمسية على سويّتها العالية. أن تختار جوقة من شابات وشبّان لأداء هذا النوع من القصائد، فهذا هو الرهان، وقد أثبتوا أنهم أهله.

تمشي الجوقة بين الضوء والقصيدة (الشرق الأوسط)

تخيط القصائدَ رابطةٌ واحدة: الحكمة. في كلّ نصّ، يخفق صوتُ العقل. ذلك الصوت الذي كثيراً ما ينبثق من الألم، كما في قصيدة سعيد بن حميد «أقلل عتابك»، التي تنتهي بعِبرة: «ولعلَّ أيام الحياة قصيرةٌ/ فعلامَ يكثُر عتبنا ويطول». في الإصغاء إلى النصوص، شعور بالأبدية. فبينما يمرّ معظم الفنّ عابراً، تَخلُد بعض القصائد في الذاكرة، ومنها «الآن في المنفى» لمحمود درويش، التي غنّاها روحانا بتوقيرٍ للشِّعر وجمالياته. القصيدة حوار صادق مع الحياة تتشبَّع مفرداته بالوعي والحسرة: «سيري ببطء يا حياةُ لكي أراكِ بكامل النقصان حولي. كم نسيتُك في خضمِّكِ باحثاً عني وعنكِ. وكلّما أدركتُ سراً منكِ قلتِ بقسوةٍ: ما أجهَلَك!».

غيمات، تجرُّ غيمات. ومن أبهى عطور الأمسية، فلسفة «الخيال» لميخائيل نعيمة. من كتابه «سبعون»، غنّت الجوقة وصاحب العود، بإيقاع عصا مارانا سعد، هذا النصّ المتّقد بالحكمة: «ألا أطلقوا خيالكم من أقفاص العقل وحلّقوا معه حيثما حلّق بكم، وعندئذٍ تجدون أن ليس في الكون أرجاء إلا ولكم فيها أثر...». تُرافق الموسيقى هذه الأبعاد الشعرية، بتوزيعٍ لنديم روحانا حيناً ولشربل روحانا حيناً آخر؛ وتتلاحق القصائد: «بالله يا قلبي» لجبران خليل جبران، و«رأيتُ الناس» للإمام الشافعي، و«طمأنينة» لميخائيل نعيمة، و«بمَ التعلُّل» لأبي الطيّب المتنبّي، حيث يتكثَّف الاغتراب وتتكشّف الحكمة: «ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركُه/ تجري الرياح بما لا تشتهي السفنُ».

كان الغناء طَقْساً شعرياً استعاد فيه الصوت جوهر الكلمة (الشرق الأوسط)

ثمّ يستريح الشِّعر الفصيح، ويفسح المجال للهجة المحكيّة. من توزيع شربل روحانا، عادت «عالروزانا» إلى المسرح، ومعها «شو عملت الروزانا... الله يجازيها». الأضواء تبدّلت، وقد أحسن طوني صافي التلاعُب بتشكيلاتها الفنّية، في انسجامٍ تام مع مزاج اللحظة: احترام العقل، مداراة الذوق، وخلق أثر لا يُستهلك في التوّ. هناك ما يُشبه العطر يبقى، وسحرٌ يشتعل.

ومن كلمات شربل روحانا، جاءت «تركني الليل»، فيما القمر بدرٌ على الشاشة خلف الفرقة. وطوال الأمسية، أضافت سابين تركي لمسة بصرية رافقت الغناء، فقرّبت الرسوم المُرافِقة القصائدَ من قلوب امتلأت بها.

مع «سلامي معك» لبطرس روحانا، و«القهوة» الشهيرة لجاد الحاج، استمرّ الغناء، ليُختَم بـ«ميلي يا حلوة» لجرمانوس جرمانوس.

تدير الأخت مارانا سعد اللحظة وتُجمّلها (الشرق الأوسط)

هكذا انطوت أمسية «صدى قصائد الحكمة المغنّاة» كما تنطوي صفحة مضيئة من كتابٍ تحلو قراءته. كان الغناء طَقْساً شعرياً استعاد فيه الصوت جوهر الكلمة، ومدَّ الجمالُ يده إلى كلّ قلب جلس يُنصت، ليجعل الحضور شهوداً على لحظة يتّحد فيها الفنّ بالعقل، واللغة بالعاطفة، والقصيدة بالموسيقى. والفنّ، حين يُمسك بالحكمة، ينجح في التخفُّف من عبء العالم، ولو لساعة من الزمن.


مقالات ذات صلة

جو أشقر: أغنية «عيب ولو» تخاطب جيل «زد» بلسانه

الوتر السادس  يرى أن جيل اليوم مثقّف فنياً ويبحث عن المختلف (جو أشقر)

جو أشقر: أغنية «عيب ولو» تخاطب جيل «زد» بلسانه

في كل مرة يطلّ فيها الفنان جو أشقر بعمل جديد فإنه يشغل محبيه بمضمون أغانيه ورسائلها الاجتماعية المباشرة. فهو يشتهر بأسلوب غير مألوف في خياراته الغنائية،

فيفيان حداد (بيروت)
الوتر السادس زعيم مع الفنان راغب علامة الذي تعاون معه بتلحين أغنية {التقيل تقيل} ({الشرق الأوسط})

أحمد زعيم لـ «الشرق الأوسط» : أنحاز إلى طريقة التلحين التقليدية

قال الملحن والمطرب المصري أحمد زعيم إن التوازن بين هويته بصفته مطرباً وصانع ألحان ينبع من شغف حقيقي، لأن من يحب مجالاً إبداعياً يظل حريصاً على الاستمرار فيه

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق المغنية البريطانية - الألبانية دوا ليبا تزوجت وافتتحت مكتبة في الشهر ذاته (إنستغرام)

دوا ليبا... حبٌ وأدب وعريسٌ يخرج من بين صفحات كتاب

في عصر الشاشات والهواتف، تقود المغنية دوا ليبا ثورةً ناعمةً عنوانُها الكتاب. ويشاركها شغفها هذا زوجها الممثل كالوم تورنر.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق «كوكب الشرق» أم كلثوم في مرحلة شبابها (متحف أم كلثوم)

إيقاف صحافي مصري عن الظهور في الإعلام بسبب «الإساءة» لأم كلثوم

قرر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر إيقاف الصحافي محمد الصباغ عن الظهور في الإعلام بسبب إساءته إلى أم كلثوم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق تايلور سويفت وترافيس كيلسي يتزوجان بعد علاقة بدأت عام 2023 (إنستغرام)

تايلور سويفت وترافيس كيلسي... «الثنائي النموذجي» والزفاف الحلم

رغم التكتّم حول التفاصيل وعدم نشر صور العروسَين، صار زفاف تايلور سويفت حديث الساعة. كيف تحوّلت وعريسها ترافيس كيلسي إلى الثنائي الأميركي النموذجي؟

كريستين حبيب (بيروت)

هيكل «تي ريكس» مرشح ليصبح الأغلى في التاريخ… والعلماء يحذرون من بيعه

ديناصور من فصيلة التيرانوصور ريكس (دار سوذبيز)
ديناصور من فصيلة التيرانوصور ريكس (دار سوذبيز)
TT

هيكل «تي ريكس» مرشح ليصبح الأغلى في التاريخ… والعلماء يحذرون من بيعه

ديناصور من فصيلة التيرانوصور ريكس (دار سوذبيز)
ديناصور من فصيلة التيرانوصور ريكس (دار سوذبيز)

قبل نحو ثلاثة عقود، وتحديداً في عام 1997، شهدت دار «سوذبيز» للمزادات حدثاً غير مسبوق عندما طرحت للمرة الأولى هيكلاً عظمياً لديناصور ضمن مزاد للتاريخ الطبيعي، كان يضم مجموعة من أندر كنوز عالم ما قبل التاريخ، حسب «بي بي سي» البريطانية.

إلى ذلك الوقت، كان المزاد يقتصر في الغالب على المتاحف والمؤسسات العلمية الساعية إلى اقتناء عينات نادرة لإثراء مجموعاتها البحثية.

وكان الهيكل المعروض يعود إلى ديناصور من فصيلة التيرانوصور ريكس (Tyrannosaurus Rex)، عُرف باسم «سو»، وانتهى به المطاف في متحف فيلد بمدينة شيكاغو بعد بيعه مقابل ثمانية ملايين دولار (نحو ستة ملايين جنيه إسترليني).

واليوم، وبعد مرور ما يقارب ثلاثين عاماً، تستعد «سوذبيز» لعرض هيكل جديد من الفصيلة نفسها في مزادها السنوي، وهو أحد أكثر هياكل «تي ريكس» اكتمالاً التي اكتُشفت حتى الآن.

لكن المشهد تغيّر كثيراً منذ ذلك الحين. فلم يعد العلماء وحدهم يتنافسون على اقتناء هذه الأحافير النادرة، بل انضم إليهم أصحاب الثروات الضخمة، الذين يرون فيها مقتنيات استثنائية لا تُقدَّر بثمن.

ويحمل الهيكل الجديد اسم «غاس»، وقد قُدِّرت قيمته الأولية بنحو 30 مليون دولار، إلا أن خبراء المزادات يتوقعون أن يتجاوز هذا الرقم، ليصبح أغلى هيكل ديناصور يُباع في التاريخ.

وأثار طرح «غاس» للبيع جدلاً متجدداً داخل الأوساط العلمية؛ إذ يتساءل الباحثون عما إذا كان ينبغي أن تبقى الأحافير ذات القيمة العلمية الكبيرة في المتاحف ومراكز الأبحاث، حيث يمكن دراستها وإتاحتها للعلماء.

في المقابل، يرى منظمو المزادات أن من حق مكتشفي الأحافير الحصول على عائد مالي مقابل سنوات البحث الشاق، خاصة أنهم يعثرون على كائنات كانت مجهولة للعلم وينقذونها من الضياع أو التلف.

وتقول كاساندرا هاتون، الرئيسة العالمية لقسم التاريخ الطبيعي في دار «سوذبيز»، إن عمليات البحث عن الأحافير ليست مغامرة سهلة، بل تنطوي على مخاطر حقيقية قد تودي بحياة الباحثين.

وتضيف: «هناك أشخاص فقدوا حياتهم أثناء أعمال التنقيب».

وبالنسبة إلى كثير من علماء الحفريات، يبقى العثور على هيكل كامل لـ«التيرانوصور ريكس» الحلم الأكبر والإنجاز الذي يسعون إليه طوال حياتهم المهنية.

وليس هذا الديناصور بحاجة إلى تعريف، فقد تحول إلى أيقونة عالمية بفضل ظهوره في أفلام شهيرة مثل «كينغ كونغ» و«الحديقة الجوراسية»، كما أصبح اسمه عنواناً لفرقة روك بريطانية معروفة.

وتصف هاتون طبيعة العمل الميداني قائلة: «يقضي الباحثون أشهراً طويلة في البرية، يحملون مؤنهم على ظهورهم، ويعيشون في خيام وسط مناطق نائية، حيث يواجهون الأفاعي الجرسية والحشرات وأسود الجبال وغيرها من المخاطر».

وقد عُثر على هيكل «غاس» في منطقة بادلاندز بولاية ساوث داكوتا الأميركية، بعد نحو 67 مليون عام من تجوال هذا المفترس العملاق على سطح الأرض.

غير أن العثور على الأحفورة لا يمثل سوى بداية المهمة، وفقاً للدكتور فيان سميثويك، عالم الحفريات المستقل الذي أمضى أكثر من عشرين عاماً في جمع الأحافير وحفظها.

ويقول سميثويك: «ما إن تُستخرج الأحفورة من باطن الأرض حتى تفقد التوازن الطبيعي الذي حافظ عليها طوال ملايين السنين، وتبدأ تدريجياً في التآكل والتفكك إذا لم تُعالَج وتُحفَظ بعناية فائقة».


التعرض لضوء النهار يمنح الجسم فوائد كثيرة

التَّعرُّض لضوء النهار يعزِّز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)
التَّعرُّض لضوء النهار يعزِّز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)
TT

التعرض لضوء النهار يمنح الجسم فوائد كثيرة

التَّعرُّض لضوء النهار يعزِّز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)
التَّعرُّض لضوء النهار يعزِّز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)

كشفت دراسة جديدة قادها باحثون من جامعة مانشستر الإنجليزية، عن أنَّ التَّعرُّض لضوء النهار الساطع قد يكون مفتاحاً للنوم المُبكِّر، وتحسين جودة النوم، والحصول على راحة أعمق، وللاستيقاظ المبكر كذلك.

وتُلقي نتائج الدراسة المنشورة في دورية «Biological Timing and Sleep»، الضوء مجدداً على أهمية النوم، لوصفه أحد احتياجات الجسم الأساسية، والذي قد يتسبَّب عدم انتظامه إلى حدوث اضطرابات في المزاج والذاكرة والتمثيل الغذائي والصحة على المدى الطويل.

وتُشير أدلة قوية إلى أنَّ الضوء يُمكن أن يُؤثر على توقيت النوم ويُغيِّر في توازن مراحله المختلفة، كما أنَّ النوم يُعيد ضبط الساعة البيولوجية للجسم كل صباح، ويُساعد على التحكم في شعورنا باليقظة والتعب.

ولاختبار ذلك، جمع الفريق بيانات واقعية باستخدام جهاز بسيط يُرتدى على الجسم، حيث ارتدى 89 بالغاً جهاز استشعار ضوئياً قادراً على التقاط الضوء الميلانوبيكي - وهو نوع الضوء الذي يُؤثر بقوة على الساعة البيولوجية - إلى جانب جهاز تتبع نوم مُتاح للمستهلكين. كما قاموا بتدوين ملاحظاتهم اليومية حول النوم.

أنتجت الأجهزة بيانات لأكثر من 500 يوم، وقد أظهرت أنَّ الأشخاص الذين قضوا وقتاً أطول في ضوء النهار الساطع يميلون إلى النوم والاستيقاظ مبكراً. كما أظهر أولئك الذين يتمتعون بأنماط إضاءة أكثر استقراراً وأقل اضطراباً على مدار الأسبوع توقيتاً أفضل للنوم.

ووفق النتائج تمتع المشاركون الذين تعرَّضوا لضوء أكثر انتظاماً، مع تقلبات أقل حدة بين الضوء الخافت والساطع، بنوم أكثر عمقاً - وهو أمر حيوي للذاكرة والتعافي والصحة العامة - خلال الجزء الأول من الليل.

وتعكس هذه النتائج قلقاً متزايداً بشأن الحياة العصرية داخل المباني، حيث يقضي معظم الناس نهارهم في إضاءة أقل سطوعاً بكثير من ضوء النهار الطبيعي، وأمسياتهم في إضاءة أكثر سطوعاً بكثير مما يتوقعه جسمهم. وقد رُبط هذا التباين بمشكلات صحية مزمنة وارتفاع خطر الوفاة.

ويرتبط نظام النوم والاستيقاظ في الجسم، بدورة ضوء الشمس، إذ يُعزِّز التَّعرُّض للضوء الطبيعي خلال النهار الشعور باليقظة، بينما يساعد غيابه على الشعور بالنعاس. لذلك، فإنَّ قضاء وقت في الخارج يمكن أن يزيد من الشعور بالنعاس الطبيعي ليلاً، ويقلل الوقت اللازم للدخول في النوم، كما أنَّه يحسِّن جودة النوم بشكل عام.

وتُظهر الدراسة الجديدة أنَّ الأيام المشمسة ترتبط بنوم أفضل. كما وجد الباحثون أنَّ تقارير الأشخاص عن نومهم تتطابق عموماً مع بيانات الأجهزة القابلة للارتداء. لكن عندما ازداد اضطراب النوم - مع قلة النوم العميق أو نوم حركة العين السريعة - اتسعت الفجوة بين ما يعتقده الناس عن نومهم وما سجَّلته أجهزتهم. كما وجد الفريق أنَّ أنماط الإضاءة الأكثر استقراراً ترتبط بنوم أعمق يتركز في بداية الليل.

وقال المؤلف الرئيسي للدراسة، ألتوغ ديديكوغلو، من جامعة مانشستر الإنجليزية ومعهد إزمير للتكنولوجيا في تركيا: «تُظهر نتائجنا أنَّ الأيام المشرقة وروتين الإضاءة المنتظم ليسا مجرد أمرَين مرغوبَين، بل قد يكونان أساسيَّين لنوم صحي. فبمجرد التُّعرَّض المستمر لضوء النهار، يمكن للناس تحسين جودة نومهم ليلاً بشكل ملحوظ».

وأضاف في بيان الجمعة: «تُبرز هذه الدراسة إمكانية قياس البيئات اليومية باستخدام أجهزة استهلاكية بأسعار معقولة».

واستطرد أن الدراسة تُشير أيضاً إلى رسالة صحية عامة بسيطة، وهي أنَّ «الأيام المشرقة قد تؤدي إلى ليلٍ أفضل، وأنَّ الحفاظ على استقرار التَّعرُّض للضوء - وتجنب أنماط الإضاءة الخافتة والساطعة المتقلبة - قد يُساعد على تقوية إيقاعات الجسم الداخلية».


لماذا يُعد رسم أطلس عن خلايا وجينات العظام إنجازاً علمياً؟

صورة تظهر الخلايا الغضروفية باللون الأزرق ويمثل اللون البني بالأسفل العظم الجديد (معهد غارفان)
صورة تظهر الخلايا الغضروفية باللون الأزرق ويمثل اللون البني بالأسفل العظم الجديد (معهد غارفان)
TT

لماذا يُعد رسم أطلس عن خلايا وجينات العظام إنجازاً علمياً؟

صورة تظهر الخلايا الغضروفية باللون الأزرق ويمثل اللون البني بالأسفل العظم الجديد (معهد غارفان)
صورة تظهر الخلايا الغضروفية باللون الأزرق ويمثل اللون البني بالأسفل العظم الجديد (معهد غارفان)

نجح فريق دولي من الباحثين في رسم أطلس للخلايا والجينات التي تنظم تكوين العظام وعمليات فقدانها، واكتشفوا الدور المحوري الذي تلعبه خلايا الأوعية الدموية في صحة العظام، فيما وُصف بأنه «إنجاز علمي وعالمي غير مسبوق».

ووفق دراستهم المنشورة، الجمعة، في دورية «نيتشر جينيتكس»، دمج الباحثون قراءات التسلسل الجيني مع بيانات نصف مليون شخص، ما مكنهم من تحديد مئات الجينات غير المعروفة سابقاً التي تتحكم في صحة العظام، والكشف عن الخلايا المحيطة بالأوعية الدموية كأحد أهم محركات ترميم العظام.

ويتوقع الباحثون أن يُسهم هذا الاكتشاف في تطوير علاجات جديدة لإعادة بناء العظام المفقودة، مما يُعطي الأمل لما يقرب من نصف الأشخاص فوق سن الخمسين الذين يعانون من أمراض مثل هشاشة العظام، والتهاب المفاصل، وتكوّن العظم الناقص، بالإضافة إلى المصابين باضطرابات عظمية نادرة وسرطانات تنتشر إلى العظام.

وكما صرح الفريق البحثي بقيادة البروفسور بيتر كروشر والدكتور رايان تشاي من معهد غارفان للأبحاث الطبية بأستراليا، في بيان الجمعة: «تُعزز نتائج الفريق فهمنا لأمراض الهيكل العظمي بشكل جذري».

الدكتور ريان تشاي والبروفسور بيتر كروشر من معهد غارفان للأبحاث الطبية (معهد غارفان)

وقال كروشر: «لا يُدرك معظم الناس أن العظام تتغير باستمرار، إذ يُجدد الجسم هيكله العظمي كل عشر سنوات تقريباً».

وأضاف: «هذه عملية بالغة الأهمية، ولكن حتى الآن، كان فهمنا للخلايا والآليات التي تتحكم في عملية تجديد العظام محدوداً للغاية».

واستطرد: «معظم الأدوية المتوفرة حالياً تركز فقط على إيقاف أمراض العظام، بدلاً من إعادة بناء العظام المفقودة، وهو أمر بالغ الأهمية لعكس الضرر».

ومن المنتظر أن يكون لهذه البيانات آثارٌ على المعرفة الخاصة بنمو الهيكل العظمي، واضطرابات العظام النادرة، والشيخوخة، والأورام الخبيثة والالتهابات. وستساعد هذه المعرفة الأساسية في تحديد أهداف علاجية لأمراض الجهاز العضلي الهيكلي.

استخدم الفريق أحدث تقنيات تسلسل الحمض النووي لقياس الجينات النشطة داخل الخلايا الموجودة في العظام، مع التركيز على منطقة التماس بين العظم الصلب ونخاع العظم، وهي الموقع الرئيسي لتكوين العظام وتحللها.

قال تشاي إن التحليل الشامل الذي أجراه الفريق كشف عن 34 مجموعة مختلفة من الخلايا، وحدد الجينات النشطة في كل نوع منها.

واستخدم الفريق أطلسه الجديد لتحديد الخلايا المتورطة في أمراض الهيكل العظمي النادرة والشائعة، بما في ذلك تكون العظم الناقص وهشاشة العظام.

وقال جون كيمب المشارك في الدراسة إنه من خلال تحليل البيانات الجينية وبيانات كثافة العظام لنصف مليون شخص مشارك في بنك المملكة المتحدة الحيوي، تمكن الفريق من تحديد الخلايا المسؤولة عن أمراض الهيكل العظمي بدقة.

وأضاف: «تشمل هذه الخلايا خلايا معروفة بتنظيم تكوين العظام وفقدانها، بالإضافة إلى خلايا الأوعية الدموية التي لم يُقدّر دورها في صحة العظام حق قدره حتى الآن».

وقال كروشر إن البحث كشف عن فرص علاجية جديدة ليس فقط ضد أمراض العظام، بل أيضاً ضد أمراض السرطان، موضحاً أن «العظام هي المخبأ الرئيسي للخلايا السرطانية الكامنة وموقع شائع لانتكاس المرض، لذا فإن تحديد الخلايا والجينات التي تحفز تجدد العظام يفتح أيضاً آفاقاً جديدة للوقاية من السرطان».

ويواصل الفريق حالياً دراسة أدوار الخلايا والجينات المكتشفة حديثاً والمسؤولة عن تنظيم العظام. وقد أُتيحت بياناتهم الرائدة للباحثين الطبيين حول العالم عبر منصة مفتوحة.