ترمب يهدد بنشر مزيد من القوات العسكرية في مدن أخرى تشهد بداية احتجاجات ​

يصف أحداث لوس أنجليس بالغزو الأجنبي وحاكم ولاية كاليفورنيا يتهمه بقمع الديمقراطية

رجل يلوح بالعلم المكسيكي أمام المتظاهرين المؤيدين لترمب في مدينة سانتا أنا بولاية كاليفورنيا (أ.ف.ب)
رجل يلوح بالعلم المكسيكي أمام المتظاهرين المؤيدين لترمب في مدينة سانتا أنا بولاية كاليفورنيا (أ.ف.ب)
TT

ترمب يهدد بنشر مزيد من القوات العسكرية في مدن أخرى تشهد بداية احتجاجات ​

رجل يلوح بالعلم المكسيكي أمام المتظاهرين المؤيدين لترمب في مدينة سانتا أنا بولاية كاليفورنيا (أ.ف.ب)
رجل يلوح بالعلم المكسيكي أمام المتظاهرين المؤيدين لترمب في مدينة سانتا أنا بولاية كاليفورنيا (أ.ف.ب)

دخلت الاحتجاجات والمظاهرات في مدينة لوس أنجليس يومها الخامس وسط تضاؤل الفرص لتهدئة الغضب، وخفض التوترات التي امتدت إلى مدن أميركية أخرى. واضطرت عمدة مدينة لوس أنجليس كارين باس لفرض حظر التجول بوسط المدينة، في محاولة للسيطرة على الاضطرابات، وسرقة المحال التجارية، والتخريب وأعمال العنف التي اندلعت بعد قيام مسؤولي الهجرة بالقبض على مجموعة كبيرة من المهاجرين غير الشرعيين في مناطق ذات كثافة سكانية لاتينية كبيرة. واتهمت العمدة كارين باس إدارة ترمب باستهداف العائلات والأطفال بحجة البحث عن مجرمين عنيفين، وطالبته بسحب قوات الحرس الوطني والمارينز، كما أعلنت استعدادها لاتخاذ إجراءات إضافية جديدة مع استمرار الاحتجاجات.

الرئيس ترمب يتحدث إلى الجنود في قاعدة فورت براغ (أ.ب)

وامتدت شرارة الاحتجاجات من لوس أنجليس إلى عدة مدن أميركية أخرى مع تهديدات من الرئيس ترمب بمزيد من نشر القوات العسكرية لقمع المظاهرات، والقبض على المتمردين ومثيري الشغب، ومن سمّاهم «الغزاة الأجانب».

وترك ترمب الباب مفتوحاً أمام إمكانية اللجوء إلى قانون التمرد الذي يخول للرئيس نشر قوات عسكرية داخل الولايات المتحدة لقمع الاحتجاجات، وهو أقصى مدى لصلاحيات الطوارئ المتاحة لرئيس الولايات المتحدة. وقال ترمب للصحافيين من المكتب البيضاوي: «إذا اندلعت ثورة فسوف ألجأ إليه بالتأكيد»، في إشارة إلى قانون التمرد. وأشار وزير الدفاع بيت هيغسيث، يوم الثلاثاء، إلى أن استخدام القوات العسكرية داخل أراض الولايات المتحدة سيستمر في التوسع.

شرطة لوس أنجليس بدأت اعتقال أشخاص في وسط المدينة بعد انتهاك لحظر التجول الليلي (أ.ف.ب)

معركة ضد الغزاة الأجانب

واستمر الصدام بين الرئيس دونالد ترمب الذي ضاعف من جهود الحرس الوطني وقوات المارينز في المدينة، وبين جافين نيوسوم حاكم ولاية كاليفورنيا الذي اتهمه ترمب بعدم الكفاءة في مواجهة مجموعة من أعضاء العصابات والمشاغبين والمتمردين، ودعم فكرة اعتقاله بعدما أشار توم هومان رئيس إدارة الحدود والجمارك إلى اعتقال نيوسوم بتهمة عرقلة تنفيذ القانون.

ونشر ترمب تغريدة على موقع «تروث سوشيال» صباح الأربعاء، مؤكداً أنه إذا لم تتدخل القوات (الحرس الوطني والمارينز) لاحترقت مدينة لوس أنجليس، وقال: «لو لم تتدخل القوات في لوس أنجليس لاحترقت تماماً. إن شعب لوس أنجليس العظيم محظوظ جداً لأنني اتخذت قرار التدخل والمساعدة».

وفي تغريدة أخرى، وصف ترمب حاكم كاليفورنيا بغير الكفء في توفير الحماية لضباط إدارة الهجرة والجمارك الذين وصفهم بالوطنيين العظماء وهم يتعرضون للمحرضين ومثيري الشغب والمتمردين. وفي خطابه في قاعدة فورت براغ العسكرية، مساء الثلاثاء، وصف ترمب مدينة لوس أنجليس بأنها «مكب نفايات» يعج بالفوضى والاضطراب، وأنها بؤرة فساد بسبب الهجرة غير المنضبطة.

وعدّ ترمب الاحتجاجات التي تعم مدينة لوس أنجليس هجوماً على السلام والنظام والسيادة الوطنية من مثيري شغب يحملون أعلاماً أجنبية بهدف مواصلة الغزو الأجنبي للولايات المتحدة، في إشارة إلى ذوي الأصول اللاتينية، ورفع الأعلام المكسيكية، ووصفهم بـ«الغزاة والأعداء الأجانب والحيوانات».

وأكد ترمب أن جهوده باستخدام القوة العسكرية لقمع الاحتجاجات هي معركة ضد عدو أجنبي، وليست قمعاً لحقوق حرية التعبير التي يكفلها دستور الولايات المتحدة. وقال للجنود في القاعدة العسكرية إن إدارته لن تسمح بغزو مدينة أميركية واحتلالها من قبل عدو أجنبي، وألقى باللوم على إدارة بايدن في تدفق المهاجرين من المجرمين وتجار المخدرات ورجال العصابات. واتهم ترمب أطرافاً لم يسمها بدفع الأموال لمثيري الشغب والمحرضين والمتمردين في محاولة متعمدة لإلغاء القانون الفيدرالي ومساعدة من سماهم «الغزاة المجرمين» على احتلال المدينة.

وقبل خطابه في القاعدة العسكرية، وجّه ترمب تهديداً قوياً في حديثه من المكتب البيضاوي ضد أي محاولات لإثارة الشغب والتظاهر في العرض العسكري الذي يقام بالعاصمة واشنطن في الرابع عشر من الشهر الحالي، وقال: «سيقام احتفال عسكري كبير يوم السبت، وإذا شهدنا أي احتجاجات أو مظاهرات عارمة فسوف يقابل ذلك بقوة هائلة»، وكرّر تهديده قائلاً: «أقول مرة أخرى لمن يريد الاحتجاج إنهم سيقابلون بقوة هائلة»، وفسّر للصحافيين أن الأمور قد تنتهي بالمتظاهرين بالسجن لفترات طويلة.

وقد بدأ تدفق الدبابات والآليات العسكرية إلى العاصمة واشنطن استعداداً للعرض العسكري، وأشارت وسائل الإعلام الأميركية إلى صور وصول الدبابات إلى واشنطن وصورة المتظاهرين في لوس أنجليس، مشيرة إلى تصاعد المخاوف من محاولة الرئيس ترمب تحويل قضية الهجرة لإنشاء دولة بوليسية، واستعراض قوته في لوس أنجليس وحملته القمعية ضد المهاجرين غير النظاميين.

هجوم على الديمقراطية

حاكم ولاية كاليفورنيا جافين نيوسوم يتهم ترمب بشن حملة ضد الديمقراطية (رويترز)

بالنسبة لجافين نيوسوم حاكم ولاية كاليفورنيا الذي ينظر إليه بوصفه مرشحاً رئاسياً محتملاً في انتخابات 2028، فإن هذا الصدام مع الرئيس ترمب حول إجراءات إدارة الهجرة والجمارك تعد أهم معاركه السياسية التي قد تضيف إلى رصيده في أوساط الديمقراطيين، وتجعله شخصية سياسية ذائعة الصيت على المستوى الإعلامي. ويتصدر نيوسوم استطلاعات الرأي ومؤشرات الشعبية في مواجهة مرشحين ديمقراطيين محتملين آخرين لخوض السباق الرئاسي إلى البيت الأبيض.

وفي رده على اتهامات ترمب نشر نيوسوم خطاباً مصوراً مساء الثلاثاء، اتهم فيه قرار الرئيس ترمب بنشر الحرس الوطني ومشاة البحرية في مدينة لوس أنجليس بأنه محاولة لإشعال الأزمة واستغلالها «مسرحياً» على حساب السلامة العامة، ووصف تحركات ترمب بأنها خطر على الديمقراطية، وقال: «الديمقراطية تتعرض لهجوم أمام أعيننا»، وأشار إلى أن حملة ترمب الصارمة على الهجرة لا تقتصر فقط على كاليفورنيا، بل تمتد إلى جميع أنحاء البلاد، وأن إدارة ترمب تستهدف بشكل عشوائي المهاجرين الكادحين بغض النظر عن جذورهم أو المخاطر التي قد يتعرضون لها. وقال نيوسوم إن «أكثر ما يريده دونالد ترمب هو ولاؤكم وصمتكم، وأن تكونوا متواطئين؛ لذا لا تعطوه هذه الأشياء».

مدن أخرى تتظاهر

لا تزال التوترات في المدينة مرتفعة بعد أن استدعت إدارة ترمب الحرس الوطني ضد رغبة قادة المدينة (أ.ف.ب)

وانتقلت شرارة الاحتجاجات من مدينة لوس أنجليس إلى مدن أخرى داخل ولاية كاليفورنيا، مثل سانتا أنا، ومدينة سان فرنسيسكو التي ألقت الشرطة فيها القبض على أكثر من 150 شخصاً بعد أعمال عنف أصابت مباني حكومية وسيارات شرطة.

وانتقلت الاحتجاجات إلى ولايات أخرى، مثل ولاية تكساس التي نشرت الحرس الوطني، واستخدمت الشرطة في مدينة أوستن مواد كيماوية لتفريق مئات المتظاهرين، كما تم نشر الحرس الوطني في مدينة سان أنطونيو ومدينة هيوستن، واستخدمت الشرطة رذاذ الفلفل والغاز المسيل للدموع لتفريق حشود المتظاهرين.

وفي مدينة نيويورك تجمع آلاف المتظاهرين في حي مانهاتن قرب برج ترمب الشهير، وقامت شرطة مدينة نيويورك باعتقال عدد من الأشخاص في الاحتجاجات التي كانت سلمية إلى حد كبير، ونقلت وسائل إعلام أخباراً عن احتجاجات في سياتل وشيكاغو وفيلادلفيا وبوسطن ونيويورك وأتلانتا إضافة إلى العاصمة واشنطن مع تسريبات عن مظاهرات محتملة خلال العرض العسكري يوم السبت للاحتفال بمرور 250 عاماً على تأسيس الجيش الأميركي، الذي يتزامن مع عيد ميلاد الرئيس ترمب الذي يكمل عامه التاسع والسبعين.

صلاحيات الرئيس الأميركي

ولا تزال خطوة استخدام قوات الحرس الوطني ومشاة البحرية تثير التساؤلات حول حدود صلاحيات وسلطات الرئيس الأميركي في استخدام السلطة العسكرية على الأراضي الأميركية، والمدى الذي يمكن أن تصل إليه جهود إدارة ترمب لطرد ملايين المهاجرين غير النظاميين، مما يثير تساؤلات حول كيفية حل الخلافات بين الحكومة الفيدرالية والولايات إذا وقع صدام بينهما حول قضايا جوهرية، مثل الحقوق المدنية والهجرة...، وهي قضايا استقطابية تزداد فيها الصراعات والعنف.

وتثار تساؤلات أخرى حول مدى ارتياح الأميركيين لترحيل ملايين المهاجرين الذين دفعوا الضرائب وكونوا عائلات ولم يرتكبوا أي جرائم بعد وصولهم إلى الولايات المتحدة بشكل غير قانوني. ووفقاً للإحصاءات هناك ما يقدر بنحو 14 مليون مهاجر غير نظامي يشغلون وظائف في الفنادق ومواقع البناء وتصميم الحدائق ورعاية الأطفال.

وقد أظهر استطلاع للرأي أجرته شبكة «سي بي إس نيوز» بالتعاون مع «يوغوف» الأسبوع الماضي موافقة 54 في المائة من الأميركيين على برنامج ترمب لترحيل المهاجرين غير النظاميين. وأشار ستيفن تشونغ مدير الاتصالات في البيت الأبيض في تغريدة إلى أن نسبة الموافقة على سياسات ترمب سترتفع بعد إرسال الحرس الوطني إلى لوس أنجليس لقمع العنف.

ويقول المحللون إن ترمب بموقف قانوني يؤهله للفوز في هذه النقاشات، حيث تنص المادة السادسة في القسم الثاني من دستور الولايات المتحدة على أن القانون الفيدرالي يجب أن يكون القانون الأعلى للبلاد، إضافة إلى الدعم الذي يحظى به ترمب من الرأي العام الداعم لتحركاته لمواجهة الهجرة غير النظامية. ويتوقع المحللون أن ما يحدث في لوس أنجليس لن يكون ذروة المعركة ضد الهجرة غير النظامية، بل سيكون فصلاً من معارك ودراما دستورية مستمرة مع مزيد من الصدامات المحتملة.


مقالات ذات صلة

تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

الولايات المتحدة​ عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)

تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

أمرت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بوضع نحو 1500 جندي نشط على أهبة الاستعداد تحسباً لإمكانية إرسالهم إلى ولاية مينيسوتا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية جانب من الاحتجاجات في إيران (أ.ب) play-circle

الرئيس الإيراني: استهداف خامنئي إعلان «حرب شاملة ضد الشعب»

حذّر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الأحد، من أنّ أي هجوم على المرشد علي خامنئي سيكون بمثابة إعلان حرب.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
تحليل إخباري الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي خلال مؤتمر السلام حول غزة الذي عُقد في شرم الشيخ المصرية في أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)

تحليل إخباري تحسن متواصل في العلاقات المصرية - الأميركية... و«تقدير متبادل» بين السيسي وترمب

أظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أكثر من مناسبة تقديراً ملحوظاً للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، كان أحدثها إشادته به في خطاب رسمي.

هشام المياني (القاهرة)
شؤون إقليمية صورة جماعية للمشاركين في قمة شرم الشيخ للإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة في أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)

مسؤولون أميركيون لنتنياهو: لا مجال للاعتراض على هيئات ومجالس غزة

أعربت مصادر سياسية أميركية عن استغرابها من موقف الحكومة الإسرائيلية من تشكيلة «مجلس السلام» بقيادة ترمب، موضحة أن «واشنطن أبلغت نتنياهو بأنه لا مجال للاعتراض».

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية الشرطة تطلق الغاز المسيل للدموع خلال مظاهرة مناهضة للحكومة في طهران الخميس الماضي (أ.ب) play-circle

طهران تنفي رواية واشنطن بشأن «800 إعدام»

نفت إيران تنفيذ أو التحضير لنحو 800 حكم إعدام بحق محتجين، فيما قالت مصادر أميركية إن وزير الخارجية الإيراني نقل المعلومة لمبعوث ترمب.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)

تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
TT

تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)

أمرت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بوضع نحو 1500 جندي نشط على أهبة الاستعداد تحسباً لإمكانية إرسالهم إلى ولاية مينيسوتا، حيث تقوم السلطات الاتحادية بعملية كبيرة لإنفاذ قوانين الهجرة، حسبما قالت مصادر مسؤولة في وزارة الدفاع، الأحد.

وذكرت المصادر التي تحدثت شريطة عدم الكشف عن هويتها أن كتيبتين مشاة من الفرقة 11 المحمولة جواً بالجيش تلقتا أوامر بالاستعداد للانتشار. ويقع مقر الوحدة في ألاسكا، وتتخصص في العمل في ظروف القطب الشمالي، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس».

وقال أحد مسؤولي الدفاع إن القوات مستعدة للانتشار في مينيسوتا في حالة تفعيل الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتفعيل قانون التمرد، وهو قانون نادر الاستخدام يعود إلى القرن التاسع عشر، ويسمح له بتوظيف قوات الجيش في إنفاذ القانون.

وتأتي هذه الخطوة بعد أيام فقط من تهديد ترمب بإرسال قوات الجيش إلى مينيسوتا لقمع الاحتجاجات ضد الحملة التي تقوم بها إدارته ضد الهجرة.


القدَر الجيوسياسي لدول عالم اليوم

جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
TT

القدَر الجيوسياسي لدول عالم اليوم

جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)

لا تزال مقولة الزعيم والمفكر الشيوعي الرحل ليون تروتسكي «إن لم تكن مهتماً بالحرب، فالحرب مهتمة بك»، حيّة وفعّالة في القرن الحادي والعشرين، خصوصاً أن الطبيعة البشرية لا تزال كما هي، هذا عدا ديمومة طبيعة الحرب على أنها تُخاض لأهداف سياسية. وعليه، يُمكن قول ما يلي: «إذا لم تكن مهتماً بالجيوسياسة، فالجيوسياسة مهتمة بك».

لكن للاهتمام الجيوسياسي ظروفه الموضوعية؛ وهي، أي الظروف، ليست مُستدامة في الزمان والمكان، لكنها مُتغيّرة وذلك حسب ديناميكيّة اللعبة الجيوسياسيّة التي تُنتجها تركيبة النظام العالمي القائم.

يرتكز القدر الجيوسياسي لدولة ما على الموقع الجغرافيّ، كما على الموارد الطبيعيّة، ودور هذه الموارد في إنتاج الثروة التي ستترجم إلى قوة (Power) بطبيعة الحال، على أن تستعمل هذه القوة لتحقيق الأهداف القوميّة لمن يملكها، إن كان عبر الدبلوماسية أو حتى عبر الحرب.

سوف يستمر القدر الجيوسياسي خلال عام 2026، فالجغرافيا لم تتبدّل، وديناميكيّة الصراع بين القوى العظمى لا تزال في بداياتها، خصوصاً في مجال سلاسل التوريد، والتصنيع، كما الحصول على المواد الأوليّة لصناعات القرن الحادي والعشرين (الأرض النادرة مثلاً). وعليه، سوف تظهر صورة جيوسياسية بنيوية أوليّة لتركيبة النظام العالمي المقبل وعلى 3 مستويات (3 Layers). في المستوى الأول القوى العظمى، وفي المستوى الثاني القوى الإقليمية الكبرى، أما المستوى الثالث فالدول التي يدور فيها وعليها الصراع.

ستعاني القوى من الحجم المتوسطّ (Middle Powers) من حالة اللايقين حول سلوكها في عالم متفلّت من أي ضوابط، لكنها ستعتمد السلوك التالي: تُجرّب تنفيذ الأهداف، وتنتظر ردّة فعل القوى العظمى، وعليه تُعيد حساباتها.

لكن التجربة لهذه القوى من الحجم المتوسّط سوف تكون حتماً في محيطها الجغرافي المُباشر (Near Abroad)، وستسعى هذه الدول أيضاً إلى التموضع الجيوسياسيّ، وبشكل ألا تُغضب أي قوة عظمى، كما ستلعب على تناقضات الصراع الكبير بهدف الاستفادة القصوى. إذا كانت الجغرافية قدرية، فإن القدر الجيوسياسيّ نتيجة حتميّة لهذه الجغرافيا، وإذا كانت الجغرافيا ثابتة بطبيعتها، فإن الجيوسياسة هي تلك الديناميكية، التي تخلقها ظروف معيّنة، وذلك نتيجة التحوّل في موازين القوى العالميّة، إن كان عبر الحرب، أو عبر صعود قوّة عظمى في نظام عالمي قائم، عُدّ على أنه في حالة الستاتيكو. وبذلك يمكن القول إن الديناميكيّة الجيوسياسيّة متغيّرة، في ظل ثبات القدرية الجغرافيّة.

وشكّلت اللعبة الكبرى (Great Game) في القرن التاسع عشر مثالاً حيّاً على القدر الجيوسياسيّ، ففي تلك الفترة (1830-1907)، كانت بريطانيا لا تغيب عن أراضيها الشمس. كما تشكّلت الهند جوهرة التاج للعرش البريطاني، وعندما أرادت روسيا القيصريّة التمدد في آسيا الوسطى لتحقيق أهداف كثيرة، منها الوصول إلى المياه الدافئة، وبسبب عدم الرغبة في الحرب، توصّل الطرفان في عام 1907 إلى اتفاقية أنتجت ولادة أفغانستان التي نعرفها اليوم بوصفها دولة عازلة (Buffer) - قدر أفغانستان.

وخلال الحرب الباردة، كانت باكستان من أهم الدول التي أسهمت في احتواء الاتحاد السوفياتيّ، فهي دولة على الحدود المباشرة لدول آسيا الوسطى، وهي دولة تعدّ قاعدة أميركيّة متقدّمة، يمكن منها التجسس على كل من الصين والاتحاد السوفياتي. وعندما احتلّ السوفيات أفغانستان، لعبت باكستان الدور الأهم في استنزاف الجيش السوفياتي في أفغانستان.

لكن الديناميكية الجيوسياسية تبدّلت بعد سقوط الدب الروسي. تخلّت أميركا عن باكستان، لتعود إليها بعد كارثة 11 سبتمبر (أيلول) 2001، بوصفها ممراً وقاعدة انطلاق للقوات الأميركيّة إلى أفغانستان. لكن بعد اصطفاف باكستان إلى جانب الصين، خصوصاً في مشروع الرئيس الصينيّ «الحزام والطريق»، يحاول الرئيس دونالد ترمب حالياً استمالة القيادات الباكستانيّة عندما قال: «أنا أحب باكستان».

تطل الولايات المتحدة على محيطين (2-Ocean Country)، الأطلسي والهادئ، وهو ما أعطاها بحريّة قوية، وأمّن لها عازلاً جغرافياً مهماً.

إذن القدرية الجغرافيّة، تمتزج مباشرة مع القدريّة الجيوسياسيّة للعم سام.

في المقابل، تطلّ الصين على المحيط الهادئ والبحار المجاورة، غير أن حريتها البحرية تبقى محدودة بفعل الهيمنة البحرية الأميركية. وبما أن الصين تعتمد على الملاحة البحرية بأكثر من 90 في المائة من تجارتها، سواء في التصدير أو الاستيراد، فإنها تسعى حالياً إلى الالتفاف على الممرات البحرية الخانقة، مثل مضيق ملقا، عبر إنشاء طرق بديلة، بحرية وبرية، في إطار مبادرة «الحزام والطريق».

لكن السؤال يبقى في كيفيّة تجاوز عقدة مضيق ملقا؟ هنا تتدخّل القدريّة الجغرافيّة إلى جانب القدريّة الجيوسياسيّة لتكون ميانمار الخيار الصينيّ الأهم. لكن لماذا؟ يبلغ طول الحدود المشتركة بين الصين وميانمار نحو 2185 كيلومتراً. كذلك الأمر، يوجد في جنوب الصين أهم المدن الصناعية الصينيّة، مثل غوانغجو وشينزين، وكذلك مدينة كامينغ عاصمة مقاطعة يونان. وإذا ما استطاعت الصين تأمين ممرٍّ عبر ميانمار إلى المحيط الهندي، فإنها تكون قد حققت جملة من الأهداف الجيوسياسية، أبرزها: تجاوز عقدة مضيق ملقا، والالتفاف على الهيمنة البحرية الأميركية في محيطها المباشر، وتأمين خطّ بري-بحريّ يسهّل عمليتَي التصدير والاستيراد؛ حيث تدخل مباشرة إلى المحيط الهندي عبر خليج البنغال، والذي من المفترض أن يكون تحت الهيمنة الهنديّة. هي تطوّق الهند من الشرق، خصوصاً أن علاقة الهند ببنغلاديش ليست جيّدة. وأخيراً وليس آخراً، تصبح الصين دولة تطلّ بطريقة غير مباشرة على محيطين، الهادئ والهنديّ، كما حال غريمها الأساسيّ الولايات المتحدة الأميركيّة.

في الختام، يمكن القول إن عالم اليوم يعيش حالة اللاتوازن، وذلك في ظل غياب الشرطي العالمي، وتراجع دور المنظمات الدوليّة. وعليه، بدأ تشكّل ديناميكيّات جيوسياسيّة جديدة وسريعة. ألا يمكن تصنيف الاعتراف الإسرائيلي مؤخراً بدولة أرض الصومال من ضمن هذه الديناميكيّات؟


وزير الخزانة الأميركي: ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)
TT

وزير الخزانة الأميركي: ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)

قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، اليوم الأحد، إن الرئيس دونالد ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند، مؤكداً: «وسنظل جزءاً من حلف (الناتو)».

وأضاف بيسنت، لموقع «إن بي سي»، «غرينلاند ضرورية للأمن القومي الأميركي، ويجب أن نسيطر عليها».

وأشار وزير الخزانة الأميركي إلى أن الاتفاق التجاري مع الاتحاد الأوروبي لم يدخل حيز التنفيذ، مضيفاً: «وترمب لديه صلاحيات (طارئة) لفرض رسوم جمركية».

وتعهّد ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة على الحلفاء ‌الأوروبيين ‌حتى ‌يُسمح لواشنطن ​بشراء غرينلاند.

وفي ‌منشور على منصته «تروث سوشيال»، قال ترمب إن الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة ستدخل حيز ‌التنفيذ في الأول من فبراير (شباط) المقبل على الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا.

جاء ذلك بعد أيام من نشر الدنمارك ودول أوروبية أخرى أعضاء في «حلف شمال الأطلسي» (ناتو)، قوات في الجزيرة القطبية الغنية بالمعادن. ويصر القادة الأوروبيون على أن الدنمارك وغرينلاند فقط هما من تقرران الشؤون المتعلقة بالإقليم.