لينا شاماميان تُجسّد أسمهان على مسرح «بيكوك» في لندن

بين الغناء والتمثيل... سيرة امرأة مزّقتها الشهرة والمنفى

شاماميان في حفل بالعلا السعودية (خاص الفنانة)
شاماميان في حفل بالعلا السعودية (خاص الفنانة)
TT

لينا شاماميان تُجسّد أسمهان على مسرح «بيكوك» في لندن

شاماميان في حفل بالعلا السعودية (خاص الفنانة)
شاماميان في حفل بالعلا السعودية (خاص الفنانة)

تخوض السوبرانو السورية لينا شاماميان تجربة مسرحية غنائية فريدة من نوعها من خلال الميوزيكال «أسمهان»، الذي يُعرض يومي 16 و17 يونيو (حزيران) الحالي على خشبة مسرح «بيكوك» في العاصمة البريطانية لندن، من تنظيم «إي. إم برودكشن» للإنتاج الفني.

تعيد شاماميان عبر هذا العمل إحياء واحدة من أكثر الشخصيات النسائية إثارة للجدل في التاريخ الفني العربي: أسمهان، الاسم الفني للأميرة آمال الأطرش.

بوستر لميوزيكال «أسمهان»

تُقدَّم المسرحية بوصفها رحلة درامية موسيقية تتقاطع فيها السيرة الذاتية لأسمهان مع تجارب شاماميان الشخصية، لتسلط الضوء على تمزقات امرأة جمعت بين الموهبة الاستثنائية والمأساة، بين المجد الفني والانكسار الإنساني، في سرد فني يعيد قراءة الأسطورة بعيون معاصرة.

قراءة فنية وشخصية

لا تسعى شاماميان إلى تقديم أسمهان بوصفها أيقونة من الماضي فحسب، بل أيضاً امرأة تُشبه كثيرات من نساء الحاضر، لا سيما السوريات اللواتي اختبرن المنفى والانقسام الداخلي. تقول في حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «إن الانتقال بين الأوطان، والعيش ضمن أقلية في بلد ما، وتحمُّل عبء تمثيل العائلة... كلها تجارب عشتها بنفسي، ووجدت فيها صدى لما عانته أسمهان».

في بناء الشخصية، اعتمدت شاماميان على مصادر متعدِّدة، أبرزها سلسلة سعد الله آغا القلعة الوثائقية التي درست فيها التحليل الموسيقي والسياق التاريخي لصعود أسمهان. وتضيف: «قناة آغا القلعة على (يوتيوب) تُعد من أهم المراجع الثقافية الموسيقية في سوريا، وقد منحتني فهماً أعمق لعلاقتها بفريد الأطرش، كانت مسيرتها قصيرة، إلا أنها تميزت بتأثير قوي وبصمة لا تُنسى».

ألبومها الجديد «صحاب» تُطلقه في 26 يونيو (خاص الفنانة)

ماذا تقدم المسرحية؟

تتناول المسرحية الفترة الأخيرة من حياة أسمهان، بما في ذلك كواليس التحضير لحفلها الأخير، وأحلامها المؤجلة، وعلاقاتها المتشابكة والمعقدة. تسعى شاماميان عبر هذا العمل إلى إبراز التناقضات التي عاشتها أسمهان: بين حبها العميق للفن ونفورها من الشهرة، وبين التزاماتها العائلية وحاجتها العميقة للحرية.

وتوضح الفنانة أن التحدي الأكبر تَمثَّل في ضيق الوقت المُخصص للتحضير: «وصلت إلى لندن قبل العرض بأسبوع فقط، وكان عليّ أن أوازن بين البروفات والأداء الغنائي والتمثيلي المكثف».

أما الصعوبة الأبرز، فكانت في أداء أغنيات أسمهان نفسها. وتعلّق شاماميان: «غناؤها لا يُقلَّد، بل يُفهم. طريقتها في التنقل بين طبقات الصوت، وقدرتها على المزج بين الطرب العربي والغناء الكلاسيكي، تجعلان منها مدرسة قائمة بذاتها».

تتناول المسرحية الفترة الأخيرة من حياة أسمهان (لينا شاماميان)

لمواجهة هذه التحديات، استعانت شاماميان بخيالها التحليلي، وبشخصيات مغنيات من جيل أسمهان، إلى جانب تحليل الأداء الصوتي والانفعالي في أغنياتها. وتشير إلى أن أسمهان لم تترك خلفها مقابلات إذاعية أو تلفزيونية كافية، مما زاد من صعوبة تكوين صورة دقيقة عنها.

لكنها ترى أن هذا الغياب نفسه وفّر لها هامشاً للإبداع، إذ تقول: «المسرح لا يعرض حقائق تاريخية، بل يطرح أسئلة. هدفي لم يكن توثيق حياة أسمهان بدقة أرشيفية، بل تقديم رؤيتي الخاصة لهذه الشخصية المركبة».

ستواصل شاماميان مسيرتها الفنية المستقلة التي توازن بين الحداثة والأصالة (خاص الفنانة)

أغنية خاصة وأثر التجربة

كتبت شاماميان أغنية جديدة ولحّنتها خصيصاً لهذا العمل، مستوحاة من أجواء حياة أسمهان، وتحمل بصمة وجدانية تُعبّر عن الصراع بين الحب والخذلان. «هذه الأغنية تُشبه في طابعها بعضاً من أعمال فريد الأطرش، وهي تُلخص كل ما أردت قوله عن أسمهان وعن النساء الفنانات اللواتي جمعن بين الإبداع والضعف، بين الوهج والعزلة».

شاماميان في حفل قرطاج 2017 (خاص الفنانة)

المشهد الأكثر تأثيراً في المسرحية، تقول شاماميان، كان حين يهاجم الجميع أسمهان، ويتركونها وحيدة. أما الأغنية الأقرب إليّ، فهي تلك التي كتبت كلماتها خصيصاً لهذا العمل، وهي مستوحاة من حياة أسمهان وصوتها، ومن علاقة صوتها بألحان فريد. كتبتها لتحكي عنها بطريقتي، وفيها وصف دقيق لحياتها التي جمعت بين المجد والفراغ، وبين العظمة والوحدة.

أما عن أثر التجربة على مسيرتها الشخصية، فتوضح: «لم تُغيّر هذه التجربة نظرتي للموسيقى الكلاسيكية، لكنها عمّقت علاقتي بالغناء الطربي. درست كل لحن وعُربة ونفَس غنائي لأسمهان، وتعلمت كيف يمكن لصوت واحد أن يحمل قصة كاملة».

السوبرانو لينا شاماميان (خاص الفنانة)

رموز خفية وصراعات معاصرة

تشير شاماميان إلى أن زمن أسمهان، رغم ما حمله من صراعات، كان يحمل عمقاً ثقافياً وإنسانياً نفتقده اليوم. تقول: «رغم اتساع هامش التعبير الآن، كان لزمن أسمهان إحساس بالحياة وقراءات أعمق. أشعر أحياناً أن العالم يدور في دوائر تعيد مشكلاتنا بأشكال جديدة، لكنها بإحساس أقل بالحيوية.»

تضيف أن المجتمعات العربية في ذلك الزمن كانت أكثر انفتاحاً وتواصلاً مع الثقافة الغربية، قبل أن تعزلنا الطفرات التقنية والمعلوماتية التي فرّقت بين الشعوب بدل أن تقربها.

كما تلفت إلى أن أبرز التحديات التي واجهت الفنانين العرب آنذاك تمثلت في الوجود الاستعماري وتأثيره على حرية الفن والفنانين. وكانت الصحافة تملك سلطة شبه مطلقة، عكس اليوم حيث منحت منصات التواصل الاجتماعي الفنانين مساحة أوسع للتعبير.

وتعرب شاماميان عن أملها في أن يلقى العرض صدى واسعاً لدى الجمهور العربي في لندن، لا سيما بين أولئك الذين عاشوا تجربة الشتات أو فقدوا الاتصال بالثقافة العربية الأصيلة. وترى أن سيرة أسمهان مرآة لقضايا تتجاوز الفن لتلامس مفاهيم الهوية والحرية والتمكين.

وتعلن أيضاً عن إطلاق ألبومها الجديد «صحاب» في 26 يونيو بالقاهرة، مؤكدة أن العمل الفني لن يتوقف، وأنها ستواصل مسيرتها الفنية المستقلة التي توازن بين الحداثة والأصالة.

وتختم بالقول: «أسمهان كانت امرأة سبقت زمنها، تماماً كما نساء كثيرات لا تزال أصواتهن تنتظر أن تُسمَع. ربما كانت هذه المسرحية خطوة صغيرة لفتح آذان وقلوب جديدة لهن».


مقالات ذات صلة

«حين رآني الغياب»... مسرحية سعودية عن إعادة اكتشاف الذات

يوميات الشرق شارك العرض السعودي ضمن فعاليات ملتقى أولادنا بالقاهرة (الشرق الأوسط)

«حين رآني الغياب»... مسرحية سعودية عن إعادة اكتشاف الذات

قدّم العرض المسرحي السعودي «حين رآني الغياب» تجربة إنسانية تتوقف أمام واحد من أكثر الأسئلة ارتباطاً بعلاقة الإنسان بذاته وبنظرة الآخرين إليه.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق في الحبّ... لا يأتي أحدٌ وحده (الشرق الأوسط)

«يلّا Unmatch»... ضحكاتٌ على مسرح العاطفة وأوجاعها المؤجَّلة

تتناول المسرحية تعقيدات الارتباط الإنساني، حيث لا يدخل المرء علاقاته العاطفية منفصلاً عن تاريخه الشخصي.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)

«دنيا»... رحلة في عالم الأمهات المثقل بالتضحيات

تغوص مسرحية «دنيا»؛ لكاتبها ومخرجها زياد نجّار، في أعماق الأمومة والتضحيات التي ترافقها، فتشرِّح مشاعر مكبوتة لدى نساء نسين أنفسهن من أجل سعادة أبنائهن...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق عرض «شنب البنات» للمعهد العالي للفنون المسرحية (إدارة المعهد)

«إيزيس لمسرح المرأة» يراهن على تجارب نسائية عابرة للحدود

يستعيد مهرجان «إيزيس الدولي لمسرح المرأة» في دورته الرابعة سيرة الفنانة المصرية الراحلة سناء جميل.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق تتناول المسرحية غياب الحوار والتواصل لدى الشباب (جنى أبي غصن)

«يلّا أنماتش» مسرحية رومانسية ترفيهية تلامس هواجس الجيل الجديد

سبق أن شاركت جنى أبي غصن في أكثر من عمل مسرحي، بينها «سباحة بالهوا»، و«سجن النساء»، و«شهرزاد»...

فيفيان حداد (بيروت)

بلال البدر: قصصنا المحليَّة طريقنا إلى العالمية

المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)
المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)
TT

بلال البدر: قصصنا المحليَّة طريقنا إلى العالمية

المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)
المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)

عاد المخرج والمصوِّر السينمائي السعودي بلال البدر من لوس أنجليس عام 2017، وفي ذهنه درسٌ ظلَّ يرافقه طيلة 5 سنوات من العمل في هوليوود: لا تكفي المعدات الجيدة لصنع فيلم جيد؛ فلا بدّ، أولاً، من قصة يعرف صانعُها عالمَها وتفاصيلَها. وحين أنجز «علكة» بعد نحو عامين من الكتابة والتحضير، اختبر ذلك الدرس بحكاية سعودية راهن فيها على الإنسان قبل الصورة.

شكسبير يكتب «شيلة»

مشروع بلال المقبل سيكون نابعاً من قصص سعودية يمكن إيصالها إلى العالم (الشرق الأوسط)

أول قاعدة تعلّمها البدر خلال دراسته في لوس أنجليس هي أن القصة، أو السيناريو، تسبق كل شيء. ويقول: «منذ بداية دراستي السينما، كان التركيز على اتصال الفنان بذاته وثقافته، وأن يروي القصص التي يعرفها ويشعر بها».

ويضيف: «أتذكّر أول درس في مبادئ الإخراج، حين قال الأستاذ: أنا لا أستطيع أن أُخرج فيلماً يابانياً؛ لأنني لم أزر اليابان ولا أتحدث لغتها. بقيتْ هذه الجملة معي؛ لأنني أؤمن بأن السينما، في أبسط تعريفاتها، هي أن تروي قصة بالضوء. ولا تستطيع أن تروي قصة لا تعرف تفاصيلها، أو كما أحب أن أقول: ما تجيب (تُحضر) شكسبير يكتب (شيلة)».

ويؤكد البدر أنه خلال 5 سنوات قضاها في هوليوود، وجد أن كثيراً من الأفلام التي عمل فيها كانت تُصنع بمعدات واستوديوهات أقلّ بكثير مما هو متاح محلياً اليوم، لكن الاهتمام الأكبر كان بالكتابة والقصة. ويضيف: «عندنا أحياناً يحدث العكس؛ نبدأ بالكاميرا والاستوديو والتقنية، ثم نبحث عن القصة».

ويتابع: «إن كان هناك شيء واحد بقي معي من تلك التجربة، فهو أن الوصول إلى العالمية لا يكون بتقليد الآخر، ولا بجعل الآخر يروي قصصنا. العالمية تأتي عندما نحكي قصصنا نحن؛ من ثقافتنا وهويتنا، وهذا ما فعلته السينما الكورية حين جعلت قصصها محلية في أصولها، لكنها عالمية في وصولها».

«علكة»... رهان على الإنسان

«علكة» كان المحطة التي نقلته من تنفيذ الصورة إلى امتلاك مشروع سينمائي (الشرق الأوسط)

يرى بلال البدر في فيلم «علكة» المحطة التي نقلته من تنفيذ الصورة إلى امتلاك مشروع سينمائي. أنتج الفيلم على نفقته، ويسمّي الأمر «زكاة الفن»، وأمضى نحو عامين في إعداده.

واختار لبطولة قصة الحب طفلاً من ذوي «متلازمة داون»، وحرص على تقديمه بطلاً يقود الأحداث؛ لا حالة تستدعي شفقة المشاهد. يقول: «ركّزت عليه بصفته بطل فيلم سينمائي»، مضيفاً: «كان هو من يقود سرد القصة».

ويقول: «أعتقد أن (علكة)، الذي حصد 7 جوائز وأكثر من 35 ترشيحاً مهرجانياً، نجح في الوصول إلى العالم، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في إيصال رسالته إلى قطاع الأفلام في السعودية: أنك تستطيع الوصول إلى العالم بإمكانات بسيطة، إذا ركّزت على القصة وقدّمت شيئاً حقيقياً نابعاً من ثقافتك وهويتك».

امتد اهتمام المخرج السعودي بالإنسان؛ من شخصيات أفلامه إلى من يقفون أمام كاميرته... ففي «حكاية إنسان»، حقّقت حلقة ظهر فيها مندوب توصيل أكثر من مليون مشاهدة خلال أقل من 24 ساعة. ثم اتصل المندوب طالباً حذفها، رغم أنه وافق على التصوير، فاستجاب البدر فوراً.

ويقول إن فريقه أعدّ، في مناسبة أخرى، مادة تضمّ مندوبي توصيل تحدّثوا معه، لكنه امتنع عن نشرها بعدما رفضوا الظهور فيها. ويفسّر ذلك بقوله: «الإنسان أهم من المحتوى، ولا أريد أن أستغل أحداً لصناعة حلقة أو تحقيق مشاهدات».

صورة تخدم الحكاية

في «سِوار» كانت رواية القصة بإيقاع درامي هادئ وحركة الكاميرا محسوبة (الشرق الأوسط)

لا يمنح البدر الكاميرا حقّ قيادة الفيلم. ففي «سِوار»، الذي تولّى تصويره سينمائياً، يربط محدودية حركة الكاميرا بإيقاع القصة الهادئ. يقول: «في (سِوار) كنا نروي القصة بإيقاع درامي هادئ، ولذلك كانت حركة الكاميرا محسوبة ومحدودة. السؤال بالنسبة إليّ ليس: لماذا تتحرك الكاميرا؟ بل: لماذا تتحرك الآن؟».

ويضيف: «منذ بداية الفيلم كان الأسلوب البصري واضحاً؛ الكاميرا توثّق القصة، ولا تقترب منها كثيراً ولا تبتعد كثيراً إلا عندما يكون هناك دافع في القصة. تحرّكت الكاميرا عندما كان هناك حدث يستدعي الحركة، وثبتت عندما كان دورها أن تراقب. كثرة حركة الكاميرا تفقد الحركة معناها».

ورداً على سؤال عن أول قرار سيتخذه لو عاد إلى بداياته، يقول البدر: «سألغي محاولة ملاحقة (الترند) وتقليد نجاحات الآخرين. سأبدأ من ثقافتي وهويتي، ومن القصص الإنسانية التي تحرّكني وتشبهني، وأبحث عن الحكايات القريبة مني؛ عن الناس والتفاصيل التي أعرفها وأشعر بها، ثم أحاول أن أرويها بطريقتي».

يخطط البدر لأن يكون مشروعه المقبل نابعاً من قصص سعودية يمكن إيصالها إلى العالم. يقول: «أريد أن أصنع فيلماً يشبهنا، ويحمل ثقافتنا، وفي الوقت نفسه يكون قادراً على المنافسة في شباك التذاكر والوصول إلى الجمهور العالمي».

ويرى أن المملكة تضمّ اليوم جيلاً جديداً من صنّاع الأفلام، ومواهب درست السينما وعاشت تجارب مختلفة، إلى جانب جمهور تغيّر كثيراً.


8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
TT

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)

في معرض يستعيد أساطير المرأة والأرض، يدمج الأماكن والشخوص في حالة فنية يتناغم فيها اللون مع التكوين، أعادت 8 فنانات من مصر والسعودية وفلسطين ولبنان وسوريا اكتشاف أساطير ارتبطت بالمرأة وبفكرة الأرض، على أكثر من مستوى، سواء أكان أسطورياً أو حياتياً أو شعبياً أو الانتماء والتشبث بالوطن.

المعرض الذي يقام في غاليري «آزاد» بالزمالك، تحت عنوان «على أرضها» يضم أعمالاً للفنانة الفلسطينية دينا مطر، والسعودية فاطمة النمر، واللبنانية منى نحلة، والسورية هلا الجعفري، والفنانات المصريات هيام عبد الباقي، وأمل نصر، ونورهان خورشيد، وعائشة الحريري.

لوحة للفنانة هلا الجعفري (الشرق الأوسط)

وفي مجموعتها «أن اللؤلؤ في الصدف مصون»، تستعيد الفنانة السعودية فاطمة النمر المثل الشعبي انطلاقاً من علاقتها بالبيئة البحرية للخليج، لتبني من اللآلئ والصدف والمنسوجات والحُلي مفردات تتقاطع من خلالها ذاكرة البحر مع ذاكرة المرأة. فاللؤلؤة التي تتكون ببطء في عمق الصدفة، لا تظهر بوصفها زينة فحسب، وإنما كجوهر تصنعه طبقات الزمن والصبر والرعاية.

وتظهر المرأة في هذا العالم بوصفها حاملة للذاكرة وفاعلة في استمرارها؛ تحفظ المعرفة والعادات والقيم، لكنها لا تنقلها كما تسلمتها بالضرورة، بل تعيد منحها معنى في زمنها الخاص، ومن هنا يكتسب احتضان الصدفة للؤلؤة دلالة تتجاوز الحماية، ليصبح فعلاً من أفعال الصون الذي يسمح لما يحمله من إرث بأن ينمو ويتغير ويستمر. وفق الكلمة التعريفية بمجموعتها الفنية.

ولا تتعامل الفنانة مع الأصالة باعتبارها عودة إلى الماضي، بل باعتبارها علاقة متجددة بالجذور. وبين أثر اليد وذاكرة البحر وحضور المرأة، يصبح الموروث في أعمالها مادة حية، يحمل ما كان، ويتشكل في الحاضر، ثم يعبر إلى ما سيأتي.

من أعمال الفنانة هيام عبد الباقي (الشرق الأوسط)

وتقدم الفنانة المصرية هيام عبد الباقي لغة بصرية خاصة، تستند إلى التعبيرية وتتقاطع مع الفكر الصوفي عبر لوحات تشهد زخماً في الألوان والتفاصيل الدقيقة عن قرية متخيلة.

وفي قلب تجربتها، تبني هيام قرية متخَيَّلة تنطلِق من مقولة تتكرّر في عالمها: «الناس بيوت والبيوت ناس»، وفق ما تشير الكلمة التعريفية بأعمالها، وتتداخل الشخصيات والعمارة في تكوينات متشابكة؛ تتراصّ البيوت رأسياً وتمتدّ أفقياً، فيما تتجاوز الضفائر والخطوط أحياناً حدود اللوحة، وكأن هذا العالم يستمر خارج إطارها. ورغم غياب الملامح الفردية الواضحة عن شخوصها، فإنها تحمل إحساساً عميقاً بالألفة والانتماء.

أما الفنانة الفلسطينية دينا مطر، فتقدم أعمالها انطلاقاً من الذاكرة الشخصية وتفاصيل الحياة اليومية، لتَبني عالماً بصرياً تتجاور فيه قسوة الواقع مع كثافة اللون.

وتستعيد الفنانة في لوحاتها التي تتميز بألوانها النابضة لحظات يهددها الفقد والغياب، ليتحوّل اللون إلى فعل مقاومة، والجمال إلى مساحة للأمل.

وتحتلّ المرأة قلب هذا العالم؛ فهي الأم والجدة ونساء الذاكرة، وتتجاوز حضورها الفردي لتصبح رمزاً للوطن والأرض. وتبرز في أعمالها الرموز والموتيفات المعبرة عن فلسطين وعن المرأة الفلسطينية ورمزية الأرض والبحث عن مساحة للسلام.

من أعمال الفنانة أمل نصر (الشرق الأوسط)

كما تقدم الفنانة المصرية أمل نصر تجربة فريدة في مجموعة لوحات تعبر عن عوالم أسطورية تتوسطها المرأة في الغالب، لتقدم لنا مزيجاً سحرياً بين الفن المرتبط بالواقعية السحرية والسريالية المستمدة من أساطير شتى، كلها تضع الإنسان في مركز الحدث وتجعل من الأرض مسرحاً ممتداً للأساطير.

جانب من أعمال الفنانة منى نحلة (غاليري آزاد)

وتنطلق الفنانة اللبنانية منى نحلة في أعمالها من العلاقة بين الشكل والذاكرة، ومن المسافة الملتبسة بين ما فُقد وما تبقى، وبين الغياب والحضور، والواقع وما يستمر في الذاكرة. تظهر في أعمالها شخصيات وبيوت ممتلئة، لا بوصفها عناصر سردية مستقلة، بل بوصفها حوامل لتجارب داخلية. وتتحول البيوت في لوحاتها إلى أوعية شبه مقدسة للذكرى، وأماكن قد لا تكون قائمة في العالم المادي، لكنها تواصل وجودها داخل الإنسان. لا تظهر المنازل بوصفها فضاءات معمارية فحسب، بل كأجساد عاطفية تختزن أثر الحياة التي مرت بها. وتتجاور في أعمال الفنانة ملامح الشخصيات مع البنى المعمارية والعناصر المختلفة، فتبدو الأجساد والبيوت وكأنها تنتمي إلى ذاكرة واحدة لا يمكن الفصل بينهما.

وتظهر المرأة كموضوع أساسي تعتمد عليه الفنانة في تقديم رؤى جمالية تحمل أبعاداً حداثية من خلال عناصر عدة سواء التكوينات أو الألوان أو المنظور.


مصير مجهول لـ«أبشع مبنى» في باريس بعد رفض مشروع تجديده

برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

مصير مجهول لـ«أبشع مبنى» في باريس بعد رفض مشروع تجديده

برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

بات «برج مونبارناس»، أعلى ناطحة سحاب في باريس ويوصف بأنه «أبشع مبنى» فيها، أمام مصير مجهول بعدما صوّتت غالبية مالكيه ضد مشروع طال انتظاره لتأهيله وتجديده، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفض المالكون في جمعية عمومية استثنائية عقدت الأربعاء، مشروعاً مطروحاً منذ عام 2015 بشأن البرج الواقع في جنوب العاصمة الفرنسية، بحسب ما أفاد أحد المستثمرين «وكالة الصحافة الفرنسية» طالباً عدم كشف اسمه.

وكانت الخطة الضخمة المقدرة كلفتها بـ800 مليون يورو، تلحظ تحويل المبنى المؤلف من 59 طبقة، إلى برج زجاجي يتضمن شرفات مزروعة وفندقاً ومتاجر، إضافة إلى دفيئة زراعية على السطح.

برج مونبارناس في باريس في 14 يوليو 2017 (أ.ف.ب)

ويبلغ ارتفاع البرج 210 أمتار، واكتمل بناؤه عام 1973. إلا أنه يبقى مادة للتهكم في العاصمة الفرنسية المعروفة بمبانيها التاريخية والأثرية، وحيث تندر المباني العالية الحديثة التصميم. كما أطلق سكان باريس بحقه دعابة تفيد بأن سطح «مونبارناس» هو المكان الوحيد في المدينة الذي لا يمكن رؤية البرج منه.

ورفض المالكون إعادة تأهيل تشمل إزالة مادة الأسبستوس العازلة والخطرة صحياً، وتجريد الداخل، وإزالة جزء من الواجهة. وكان اجتماع الأربعاء الفرصة الأخيرة لإطلاق المشروع قبل انتهاء صلاحية رخصة البناء الممنوحة لتجديده في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني).

وأثار المشروع توترات بين المالكين، ومنهم صناديق استثمار وشركات تأمين فرنسية، ومخاوف بشأن الكلفة.

إلا أن أربعة منهم أيّدوا المضي في مشروع تأهيل أصغر حجماً. وجاء في بيان مشترك أصدروه «نود أن يجتمع جميع المشاركين في ملكية المبنى، والشركاء الماليون، والسلطات العامة قريباً لبحث كل الحلول الممكنة».

برج مونبارناس في باريس في 19 ديسمبر 2016 (أ.ف.ب)

ودعا فيليب غوجون، رئيس البلدية اليميني للدائرة الخامسة عشرة في باريس حيث يقع البرج، إلى إعادة النظر في رفض الخطة.

وقال: «على الجميع أن يعودوا إلى رشدهم... أرفض أن يُلقى مشروع استغرق تطويره عشرة أعوام في سلة المهملات».

ووصفت صحيفة «لو باريزيان» هذا التراجع بأنه «إخفاق ذريع».

أما برنامج الأخبار الصباحي على قناة «تي إف 1» التلفزيونية، فقد اختار البرج «وجه اليوم»، قائلاً إنه «قبيح»، وسيبقى كذلك «لوقت طويل».