إقبال كبير على «الأضاحي» في سوريا هذا العام بعضها «نذور سقوط النظام»

الانفراج السياسي انسحب على القوة الشرائية... ودرعا تصدرت المشهد

سوق المواشي في دمشق 3 يونيو استعداداً لعيد الأضحى المبارك (إ.ب.أ)
سوق المواشي في دمشق 3 يونيو استعداداً لعيد الأضحى المبارك (إ.ب.أ)
TT

إقبال كبير على «الأضاحي» في سوريا هذا العام بعضها «نذور سقوط النظام»

سوق المواشي في دمشق 3 يونيو استعداداً لعيد الأضحى المبارك (إ.ب.أ)
سوق المواشي في دمشق 3 يونيو استعداداً لعيد الأضحى المبارك (إ.ب.أ)

انسحب الانفراج السياسي الذي شهدته البلاد منذ أواخر العام الماضي، على أول عيد أضحى يحلٌّ على الأهالي بعد سقوط نظام الأسد، وتجلّى ذلك في جوانب عدة أبرزها انخفاض سعر الأضاحي بنسبة نحو 50 في المائة، والإقبال الكبير عليها، وإضافة البعض لذبائح العيد خرافاً أخرى وفاء لنذور حال سقوط النظام.

وأوضح رئيس جمعية اللحامين في سوريا، معتز العيسى، لـ«الشرق الأوسط»، أنه لا يوجد رقم دقيق حتى الآن لعدد الأضاحي التي ذبحت هذا العام، وقد تتوفر إحصائية بعد أيام قليلة من إنهاء موسم العيد، ولكن يلاحظ أن النسبة زادت بشكل كبير عما كانت عليه في العام الماضي، مع انخفاض للأسعار.

وإذا عدنا إلى تصريح أمين سر جمعية اللحامين محمود الحايك، قبل عامين، (2023)، فإن الطلب كان ضعيفاً جداً، والسبب هو ارتفاع سعر كيلو لحم الأضحية وانعدام القوة الشرائية. ولم يتجاوز مؤشر الإقبال على شراء أضحية العيد 10 في المائة قياساً بالعام السابق عليه؛ أي عام 2022.

وتصدرت محافظة درعا جنوب البلاد التي يطلق عليها اسم «مهد الثورة»، عملية الإقبال على ذبح الأضاحي هذا العام.

تقول وصال محمد، وهي معلمة ثانوية: «الفرحة كبيرة وتعم كافة العائلات؛ لأن عيد الأضحى لهذا العام مختلف؛ كونه أتى بعد التحرير، وأغلبية العائلات خصوصاً في حي (درعا البلد)، تذبح خروفين وثلاثة، وبعضها أربعة».

وفي اتصال معها، لفتت المعلمة، لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن توزيع لحوم الأضاحي طال أغلبية العائلات، سواء المحتاجة أو غير المحتاجة، كما جرت العادة «الحصص محرزة، ويتجاوز وزن الحصة أكثر من 2 كيلوغرام، ومعظم الأسر طالها ما بين 4 - 5 حصص».

أضاحٍ ونذور

وتُعرف محافظة درعا بأن أعداداً كبيرة من أبنائها مغتربون منذ عقود في دول الخليج العربي. وتلفت المعلمة إلى أن الأوضاع المادية لهؤلاء «فوق الريح»، وجرت العادة بأن يرسلوا مبالغ مادية إلى عائلتهم في درعا لذبح الأضاحي، وفي هذا العيد يبدو أنهم أرسلوا مبالغ أكبر، لتزامن فرحة العيد بانتهاء حكم نظام الأسد».

ووفقاً للمعلمة الدرعاوية، فإن بعض من كانوا يوزعون الحصص ذكروا أن قسماً منها «هي نذور»، فالعديد من السوريين وبسبب حالة المآسي والقهر التي طالتهم من قبل النظام السابق، نذرت الذبائح عند سقوطه».

ويتراوح سعر الكليوغرام الواحد من خراف الأضاحي الحي ما بين 40 - 50 ألف ليرة سورية، في حين تجاوز العام الماضي 85 ألفاً، مع وفرة كبيرة في أعداد رؤوس الماشية المعروضة للبيع في أسواق المحافظات.

ذبائح محل جزارة في ببيلا بريف دمشق الجنوبي (الشرق الأوسط)

الوضع في غوطة دمشق الشرقية التي خرجت ضد نظام الأسد منذ الأيام الأولى للحراك السلمي قبل 14 عاماً، كان مشابهاً لما هو عليه في درعا، من حيث الإقبال على شراء الأضاحي. وقد وصف نائب مدير إدارة الغوطة الشرقية، خالد المكبتل، الإقبال في مدن وبلدات وقرى الغوطة، بأنه «لافت»، مشيراً إلى أن «رجلاً واحداً فقط ذبح عجلين و25 خروفاً».

وأضاف المكبتل لـ«الشرق الأوسط»: «هذا عدا عن الإقبال الفردي، كما ينشط عدد من الجمعيات الخيرية في مجال ذبح الأضاحي منها، دوما الخيرية، الصحة الخيرية، والخيرية لإغاثة المحتاجين».

وأرجع المكبتل الإقبال على الأضاحي إلى عودة أعداد كبيرة من العائلات التي كانت مهجرة في شمال البلاد بعد سقوط الأسد في الثامن ديسمبر (كانون الأول) العام الماضي، وعودة لاجئين ومغتربين من خارج البلاد.

كما ساهم في هذا الإقبال، انخفاض الأسعار هذا الموسم؛ إذ يتراوح سعر الكيلوغرام الواحد للخروف في الغوطة، بين 40 - 45 ألف ليرة، والعجل نحو 30 ألفاً.

إقبال ممتاز في إدلب

في شمال غربي البلاد، وصفت مصادر محلية الإقبال على شراء الأضاحي، بـ«الممتاز». وفي اتصال أجرته معه «الشرق الأوسط»، أكد أحد المصادر ارتفاع نسبة الإقبال على شراء الأضاحي في إدلب لهذا العام، إلى أكثر من 70 في المائة قياساً بالموسم الماضي.

وأوضح المصدر أن الحوالات التي يرسلها السوريون خصوصاً في تركيا لأهلهم، إضافة إلى النشاط الملحوظ للمنظمات الدولية، ساهم في هذا الإقبال.

صبي يعرض خروفاً للبيع في سوق للمواشي قبيل عيد الأضحى بيومين في دمشق (إ.ب.أ)

شكوى في دمشق

وأما في دمشق فيلاحظ أن نسبة الإقبال على شراء الأضاحي أقل مما هي عليه في ريف المحافظة وشمال وجنوب البلاد، وقد تراوح سعر الكيلوغرام الواحد من الخروف الحي بين 45 - 50 ألف ليرة.

بالنسبة لأبي خلدون (70 عاماً)، فإنه وعلى الرغم من انخفاض الأسعار لنحو النصف، فإنها كانت مرتفعة جداً قياساً بالدخل الشهري المتدني. وقال الرجل الذي لا يتعدى تقاعده الشهري 300 ألف ليرة: «أقل أضحية ثمنها أكثر من مليوني ليرة، وليس لدي القدرة على تأمين هذا المبلغ، وإن شاء الله تتحسن الأوضاع في العام المقبل ويقدرني الله على أن أضحي».

تجدر الإشارة إلى أن 90 في المائة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر بسبب تداعيات الحرب، وفقاً لتقارير أممية، بينما تحتاج العائلة المؤلفة من 5 أفراد لأكثر من 8 ملايين ليرة شهرياً.

محل جزارة في القزاز شرقي دمشق يبيع من اللحوم المعلقة وبعض الزبائن يطلب ذبح خروف بعينه (الشرق الأوسط)

واللافت في معظم أحياء محيط مدينة دمشق، ندرة مشهد توزيع حصص الأضاحي على العائلات. وبينما يستفسر الأهالي من بعضهم البعض، إن كانت وصلتهم حصص، يكون جواب الأغلبية بالنفي.

وأوضح رئيس لجنة تجار المواشي في محافظة دمشق وريفها، محمد شامان، أن عدد الأضاحي يختلف من عام إلى آخر حسب القدرة الشرائية للمواطنين وقيمة الحوالات الواردة من الخارج، لأداء شعائر العيد، حيث يتراوح عددها بين 25 ألفاً و40 ألف رأس من الغنم.

وعزى شامان في تصريح لوكالة «سانا» الرسمية، الانخفاض في أسعار المواشي إلى تحسن سعر صرف الليرة أمام الدولار الأميركي، إضافة إلى عودة السوق الداخلية إلى النشاط بعد أن كانت محفوفة بالمخاطر مثل الحواجز والإتاوات والسرقة، حيث تم استجرار كميات كبيرة من المواشي من مختلف المحافظات.

وشهد سعر صرف الدولار في سوريا أمام الليرة خلال تعاملات أيام ما قبل العيد، في السوق السوداء، تراجعاً ملحوظاً، وسجل 9 آلاف و350 ليرة، بينما استقر سعر الليرة أمام الدولار في نشرة «مصرف سوريا المركزي»، الذي حدد متوسط سعر الدولار مقابل الليرة، 11 ألف ليرة للشراء، و11 ألفاً و55 ليرة للبيع.

وقدّرت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) في أحدث تقاريرها لعام 2024 عدد الأغنام في سوريا بنحو 18.8 مليون رأس، ما يعكس أهمية قطاع تربية المواشي في البلاد.


مقالات ذات صلة

بيسنت: أميركا لن تفرض قيوداً على سفر المسلمين للحج 

الولايات المتحدة​ حجاج مسلمون خلال موسم الحج السنوي في منى بالمملكة العربية السعودية - 27 مايو 2026 (رويترز)

بيسنت: أميركا لن تفرض قيوداً على سفر المسلمين للحج 

قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الخميس، إن بلاده لن تفرض قيوداً على سفر المسلمين لأداء الحج.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي سودانيون وسوريون وفلسطينيون يحرصون على التمسك بتقاليد بلدانهم (أرشيفية - مفوضية شؤون اللاجئين)

«ضيوف مصر» يستحضرون طقوسهم في العيد

مع استضافة مصر أكثر من 9 ملايين وافد ولاجئ على أراضيها تبرز طقوس مختلفة للاحتفاء بعيد الأضحى.

عصام فضل (القاهرة)
شمال افريقيا قيادات في حزب «مستقبل وطن» خلال توزيع هدايا على المواطنين في احتفالية بالإسكندرية بمناسبة عيد الأضحى (صفحة الحزب)

الأحزاب المصرية والمساعدات العينية… دور مثير للجدل

برز عيد الأضحى في مصر كمسرح مناسب لظهور النشاط الاجتماعي للأحزاب السياسية، سواء عبر تنظيم ساحات صلاة العيد وتوزيع الهدايا والعيديات، أو من خلال مبادرات اجتماعية

علاء حموده (القاهرة)
يوميات الشرق مظاهر العيد امتدت للساحات في محافظات مصر (محافظة بورسعيد)

المصريون يحتفلون بالعيد في الشواطئ والحدائق

قرر هشام محمود (موظف على المعاش) أن يصطحب أسرته من حي إمبابة بمحافظة الجيزة إلى منطقة القناطر الخيرية بمحافظة القليوبية (شمال القاهرة) لقضاء العيد

محمد الكفراوي (القاهرة )
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع ومسؤولون سوريون يؤدون صلاة العيد في جامع عبد الله بن عباس بمدينة حلب (حساب الرئاسة)

​الشرع يؤدي صلاة الأضحى في حلب... والسوريون يزورون قبور أحبتهم

أدى الرئيس أحمد الشرع صلاة العيد صباح اليوم في جامع «عبد الله بن عباس» بمدينة حلب وهي المرة الأولى التي يؤديها بمدينة غير العاصمة دمشق منذ توليه الرئاسة

«الشرق الأوسط» (دمشق)

أزمة قيادة في «حزب الله» بعد اغتيال نصر الله

مناصرة لـ«حزب الله» تحمل صورة أمينه العام السابق حسن نصر الله خلال حراك وسط بيروت ضد المفاوضات اللبنانية مع إسرائيل برعاية أميركية (أرشيفية - إ.ب.أ)
مناصرة لـ«حزب الله» تحمل صورة أمينه العام السابق حسن نصر الله خلال حراك وسط بيروت ضد المفاوضات اللبنانية مع إسرائيل برعاية أميركية (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

أزمة قيادة في «حزب الله» بعد اغتيال نصر الله

مناصرة لـ«حزب الله» تحمل صورة أمينه العام السابق حسن نصر الله خلال حراك وسط بيروت ضد المفاوضات اللبنانية مع إسرائيل برعاية أميركية (أرشيفية - إ.ب.أ)
مناصرة لـ«حزب الله» تحمل صورة أمينه العام السابق حسن نصر الله خلال حراك وسط بيروت ضد المفاوضات اللبنانية مع إسرائيل برعاية أميركية (أرشيفية - إ.ب.أ)

في الذكرى الثانية لاغتيال الأمين العام السابق لـ«حزب الله» حسن نصر الله، لم ينجح الحزب في أن يتجاوز بالكامل غياب الرجل الذي أمسك بقيادته لأكثر من ثلاثة عقود، وحوّل الأمانة العامة إلى مركز ثقل سياسي وتنظيمي وعسكري وجماهيري يصعب تعويضه.

ويحيي «حزب الله» الذكرى الثانية لاغتيال نصر الله وخليفته هاشم صفي الدين، الأحد، حيث يقيم مهرجاناً شعبياً في ضريح نصر الله في ضاحية بيروت الجنوبية، ويتحدث خلاله أمينه العام الجديد نعيم قاسم، وسط إجراءات بينها إقفال الطرقات المؤدية إلى موقع الضريح من جهة طريق المطار القديم وأوتوستراد زياد الرحباني، وتحويل السير إلى طرقات أخرى.

ولا يبدو أن الأمين العام الحالي نعيم قاسم نجح، وفق قريبين من الحزب ومعارضين له، في ملء الفراغ الذي تركه سلفه، فيما برز في المقابل تحول متزايد في مركز القرار داخل الحزب، مع تراجع هامش المبادرة الداخلية لمصلحة القرار الآتي مباشرةً من إيران.

الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم متحدثاً عبر الشاشة في وقت سابق (متداولة)

ويقول خصوم الحزب إن المسألة لا تتعلق فقط بالفارق في الكاريزما والحضور الجماهيري بين الرجلين، وإنما بطبيعة الدور الذي كان نصر الله يؤديه داخل الحزب. فقد كان يجمع في شخصه القيادة السياسية والتنظيمية والعسكرية، ويشكّل حلقة الوصل الأساسية مع الجمهور والحليف الإيراني، فيما يبدو الحزب اليوم أمام قيادة أكثر جماعية وتنظيماً، لكن مع دور إيراني أكثر مباشرة في رسم الخيارات والقرارات.

وبينما يرى مقربون من «حزب الله» أنه تمكن، رغم الضربات التي تلقاها، من إعادة تنظيم صفوفه والحفاظ على تماسكه بقيادة نعيم قاسم، يرى معارضون له أن ما بعد نصر الله كشف عن أزمة قيادة وتراجع في القدرة على الحشد، فضلاً عن بروز انقسامات داخلية نتيجة أداء قاسم.

أداء جديد لمواجهة التحديات

الكاتب السياسي الدكتور قاسم قصير، المطّلع من كثب على موقف «حزب الله»، يقر بأن الحزب بعد نصر الله «واجه عقبات كثيرة، داخلية وخارجية، بعد مرحلة طويلة من القيادة المركزية التي أمسك خلالها نصر الله بزمام الحزب لنحو 33 عاماً، من عام 1992 حتى عام 2024، قبل اغتياله في ظروف صعبة جداً»، لافتاً إلى أنه «رغم خسارة الأمينين العامين (نصر الله وهاشم صفي الدين) وعدد من كوادره وقياداته، نجح (حزب الله) في إعادة تنظيم صفوفه وترتيب أوضاعه الأمنية والتنظيمية بقيادة الشيخ نعيم قاسم».

ويرى قصير في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الحزب يواجه اليوم تحديات جديدة، وهذا دفعه إلى اعتماد أداء مختلف، على المستويين الداخلي والخارجي». ويضيف: «إذا كان (حزب الله) في مرحلة سابقة لاعباً إقليمياً أساسياً، فهو اليوم يركّز بدرجة كبرى على وضعه الداخلي وعلى جنوب لبنان ومواجهة إسرائيل». ويتابع: «صحيح أنه لم يعد اللاعب السياسي الأقوى على الساحة الداخلية كما كان في السابق، لكنه لا يزال قوة سياسية أساسية، ولا تزال القوى الداخلية والخارجية تتعامل معه بوصفه طرفاً رئيسياً في المعادلة اللبنانية».

مجموعة من أنصار «حزب الله» يشاهدون حسن نصر الله يلقي خطاباً عبر شاشة كبيرة بأحد مساجد الضاحية الجنوبية لبيروت خلال نوفمبر 2019 (أرشيفية - أ.ب)

ورداً على سؤال عن الكاريزما التي تمتع بها نصر الله ويرى كثيرون أن قاسم يفتقر إليها، يقول قصير: «لا شك أن هذه الكاريزما كانت ذات خصوصية، لكن الشيخ نعيم شخصية تنظيمية وإدارية مهمة جداً، وقد نجح في إعادة تنظيم صفوف الحزب والحفاظ على تماسكه في مرحلة بالغة الصعوبة، باعتبار أن الحزب أمام مرحلة جديدة تقتضي أداءً جديداً، سواء على المستوى السياسي أو العسكري أو الجهادي».

زعامة مفقودة

في المقابل، يرى جاد الأخوي، رئيس «ائتلاف الديمقراطيين اللبنانيين» وهو معارض (شيعي) لـ«حزب الله»، أنه «من الصعب القول إن نعيم قاسم استطاع حتى الآن ملء الفراغ الذي تركه حسن نصر الله. فالمسألة لا تتعلق بالكاريزما وحدها، بل بطبيعة الزعامة التي بناها نصر الله خلال أكثر من ثلاثة عقود، وبقدرته على الجمع بين القيادة التنظيمية والسياسية والعسكرية والتواصل مع جمهور الحزب. قاسم، في المقابل، جاء من خلفية تنظيمية وعقائدية أكثر منها جماهيرية، وكان طوال عقود نائباً للأمين العام وليس مركز الثقل الأول».

ويرى الأخوي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «اللافت في إطلالات قاسم هو طبيعة إطلالاته. فهو يظهر عبر الشاشة، لكن من دون ذلك الاحتكاك المباشر بالجمهور الذي كان يشكل جزءاً أساسياً من صورة نصر الله. بل إن بعض الإطلالات تبدو شديدة الضبط والإخراج إلى درجة تعطي أحياناً انطباعاً بصرياً كأننا أمام صورة أو شخصية منتجة بالذكاء الاصطناعي أكثر مما نحن أمام زعيم سياسي يتفاعل مباشرةً مع جمهوره».

«حزب الله» يشكر إيران ويهاجم المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية المباشرة (أرشيفية - الشرق الأوسط)

ويضيف: «نصر الله لم يكن مجرد أمين عام، بل كان بالنسبة إلى جمهور الحزب جزءاً من آلية التعبئة والإقناع وصناعة القرار. أما نعيم قاسم، فلم يثبت حتى الآن أنه استطاع أن يرث هذه الوظائف مجتمعةً. لذلك فإن السؤال لم يعد فقط عمّا إذا كان قاسم قادراً على ملء فراغ نصر الله، بل عمّا إذا كان (حزب الله) نفسه قادراً على إنتاج زعامة مشابهة بعد انهيار جزء كبير من بنيته القيادية القديمة».

القرار في إيران

من جهتها، تتوقف الناشطة السياسية وأستاذة علم النفس في الجامعة اللبنانية الدكتورة منى فياض، عند قدرة «حزب الله» على حشد الناس، معتبرةً أنها في ظل الأمانة العامة لقاسم تراجعت بشكل كبير، مشيرةً إلى أن «الحزب يعاني انقسامات داخلية بين من يؤيدون قاسم ومن يعارضونه، مما أثّر في طريقة اتخاذ القرار وإدارة المرحلة».

وترى منى فياض أن أداء قاسم الحالي «يخدم إسرائيل»، مما يجعل استهدافه غير ذي مصلحة لها. كما ترى أن القرارات داخل الحزب باتت تأتي مباشرةً من إيران، مع تراجع هامش القرار اللبناني إلى حدوده الدنيا.

وفي هذا السياق، تتحدث فياض عن «استماتة» إيرانية للإبقاء على السفير الإيراني في بيروت، «لأن دوره يتجاوز العمل الدبلوماسي إلى مهام أمنية»، واصفةً إياه بأنه «رجل استخباراتي» تسعى طهران إلى إبقائه لاستكمال مهماته.


942 حاجزاً وبوابة عسكرية إسرائيلية تخنق الضفة الغربية

زحمة عند نقطة تفتيش إسرائيلية شمال رام الله يوم الخميس (أ.ف.ب)
زحمة عند نقطة تفتيش إسرائيلية شمال رام الله يوم الخميس (أ.ف.ب)
TT

942 حاجزاً وبوابة عسكرية إسرائيلية تخنق الضفة الغربية

زحمة عند نقطة تفتيش إسرائيلية شمال رام الله يوم الخميس (أ.ف.ب)
زحمة عند نقطة تفتيش إسرائيلية شمال رام الله يوم الخميس (أ.ف.ب)

تعمل إسرائيل باستمرار على خنق الضفة الغربية عسكرياً واستيطانياً من خلال إجراءات لا تتوقف على الأرض بحجة الحفاظ على أمنها ومنع أي هجمات، وكذلك منع إقامة أي دولة فلسطينية مستقبلاً، أو حتى منح الفلسطينيين استقلالية تامة في مناطق سكنهم وتمددهم داخل الضفة.

حواجز بالأرقام

كشفت بيانات جديدة أن هناك 942 حاجزاً وعائقاً، منها 824 حاجزاً ونقطة إغلاق ثابتة، و118 عائقاً خطياً من السواتر والخنادق وحواجز الطرق، ليصل مجموع أطوالها نحو 107.7 كيلومتر، وفق ما ذكره مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا).

مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

ويتبين من الأرقام المنشورة التي وثقتها «أوتشا» أنه في عام 2003، خلال ذروة «انتفاضة الأقصى»، كان هناك 757 حاجزاً وعائقاً منها 464 ساتراً ترابياً، وحتى عام 2008، أصبح هناك 630، قبل أن ترتفع الحصيلة إلى 705 في عام 2018، بينما منذ ذلك الحين وحتى 2024، ارتفع العدد إلى 793، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، تم توثيق 925.

ويتبين من خريطة انتشار الحواجز الثابتة تفاوت واضح بين المحافظات الفلسطينية بالضفة الغربية؛ إذ تتصدر محافظة الخليل بـ221 حاجزاً ونقطة إغلاق ثابتة، تليها رام الله والبيرة بـ160، ثم نابلس بـ120، ثم بيت لحم بـ78، والقدس بـ62، وقلقيلية بـ41، وسلفيت بـ40، وأريحا والأغوار بـ27، وجنين وطولكرم بـ26 لكل منهما، وطوباس بـ 23.

نفق يوصل مدينة القدس بمستوطنات ومناطق جنوب الضفة الغربية (الشرق الأوسط)

وتشير «هيئة مقاومة الجدار والاستيطان» الفلسطينية إلى أن هذه الأرقام المحدثة التي تظهر وجود 942 حاجزاً وعائقاً، جاءت بعد رصد مكثف جرى خلال الشهرين الماضيين لما استحدث من حواجز وعوائق وضعتها القوات الإسرائيلية في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، مبينةً أن تلك الحواجز والعوائق حولت المنطقة إلى بنية مكانية واسعة تعيد تشكيل الحيز الفلسطيني نفسه، وتفرض عليه شروطاً قهرية متزايدة.

وأكدت الهيئة في تقرير لها أن التطورات الأخيرة تظهر أن هذه المنظومة لا تزال في طور التوسع، فقد جرى خلال الشهرين الماضيين رصد 13 بوابة وحاجزاً ثابتاً جديداً أضيفت إلى قاعدة البيانات، بينها 10 بوابات في محافظة جنين وحدها؛ ما رفع حصيلة المحافظة من 16 إلى 26 نقطة ثابتة.

تقسيم الضفة الغربية

تقول الهيئة إن تكثيف الحواجز والبوابات والسواتر والخنادق عند مداخل المدن والبلدات والقرى وعلى الطرق الرابطة بينها، يحول التواصل الجغرافي الفلسطيني إلى شبكة من المسارات الخاضعة للتحكم، ويعيد تقسيم الضفة الغربية عملياً إلى «كانتونات» وجيوب محاصرة يمكن وصلها أو فصلها وإغلاقها في أي وقت.

وأضافت أن الحاجز العسكري لا يصبح أداة لمنع المرور فحسب، وإنما وسيلة للتحكم في الوصول إلى العمل والتعليم والعلاج والأرض الزراعية ومراكز الخدمات، بما يرفع كلفة الحياة اليومية ويضيّق إمكانات الاستقرار والحركة، ويسهم في إنتاج بيئة قهرية طاردة تجعل استمرار الحياة الفلسطينية الطبيعية أكثر صعوبة.

يهود متطرفون يصلون عند الحائط الغربي في البلدة القديمة بالقدس السبت (أ.ب)

ولفتت إلى أن التطور الأكثر دلالة في بنية الإغلاق خلال الفترة الأخيرة يتمثل في انتقال المستوطنين من الاستفادة من منظومة الحواجز العسكرية التي يقيمها جيش الاحتلال إلى إنشاء أدوات إغلاق ثابتة بأنفسهم داخل المجال الفلسطيني؛ ما يشير إلى تحول في طبيعة اعتداءاتهم من الاعتداء اللحظي على الفلسطيني أو الأرض أو الممتلكات إلى إنتاج وقائع مكانية استيطانية قابلة للاستمرار.

استنفار إسرائيلي...

ويأتي ذلك على وقع استمرار نشر الجيش الإسرائيلي لمزيد من قواته بالضفة الغربية، خشيةً من تصاعد الهجمات تزامناً مع الأعياد اليهودية، وزيادة هجمات المستوطنين بالمنطقة ضد الفلسطينيين، وقرب الانتخابات الإسرائيلية وكذلك التشريعية الفلسطينية.

فلسطينيون ينتظرون فتح بوابة عند قاعدة عسكرية إسرائيلية في الضفة الغربية يوم الجمعة (إ.ب.أ)

وذكرت «القناة 12» العبرية أنه في ظل التوترات القائمة خاصةً عشية موسم قطف الزيتون، أكملت الفرقة 98 جاهزيتها العملية خلال الأيام الماضية للانتشار وتولي المسؤولية في بعض مناطق الضفة الغربية، مشيرةً إلى أن القرار اتخذ بتوجيه من رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، في إطار توسيع نطاق جهود الدفاع والهجوم في الضفة استعداداً لعيد «العُرش».

وبينت أن هناك تنسيقاً كبيراً بين الجيش الإسرائيلي، وقوات الشرطة، وجهاز الأمن العام «الشاباك»، وتم إجراء سلسلة مناقشات أمنية استعداداً للتعامل مع أي توتر خصوصاً في ظل ازدياد الهجمات الفلسطينية خلال الأيام القليلة الماضية.

وتوجد حالياً 27 كتيبة في الضفة الغربية، منها 10 مسؤولة عن الدفاع عن خط التماس، بينما سيتم تعزيز تلك القوات، بأخرى من وحدة «ماجلان» الخاصة، بينما ستبقى وحدات وسرايا من قوات الاحتياط في قواعد التدريب لضمان جاهزيتهم للتعامل مع أي سيناريو طارئ، بينما ستكون هناك طائرات حربية وأخرى من دون طيار وأخرى لنقل سريع للقوات عند أي طارئ، بينما ستبقى جميع الكتائب النظامية في حالة تأهب حتى نهاية مدة الأعياد.

وجلب الجيش الإسرائيلي، مؤخراً، قوات من غزة ولبنان وسوريا إلى الضفة الغربية لتعزيز قواته هناك، حيث ارتفع تصنيف جبهة الضفة من ثانوية إلى مركزية، في ظل التوترات القائمة، وفق ما ذكرت صحيفة «معاريف» العبرية.

ويخشى الجيش الإسرائيلي من هجمات بسبب وجود ثغرات في السياج الأمني ما بين الضفة ومناطق الخط الأخضر، بينما تكلف أعمال إصلاح أجزاء منه نحو 1.2 مليار شيقل، في وقت لم تتخذ القيادة السياسية بعد قراراً بتخصيص الميزانية اللازمة لذلك.

وبينما يكثف من عمليات ملاحقة ومطاردة واعتقال الخلايا المنظمة الفلسطينية بالضفة، إلا أن الجيش الإسرائيلي يواجه تحدياً يتعلق بالمهاجمين الفرادى أو ما يطلق عليهم «الذئاب المنفردة» والتي تنفذ الهجمات وحدها من دون توجيه أو تخطيط مع آخرين، كما جرى في الهجوم الأخير برام الله قبل أكثر من أسبوع، وسط مخاوف من تقليد الهجمات الفردية.


تهريب البضائع... سبيل الغزيين لمواجهة القيود الإسرائيلية

فلسطينيون نازحون ينتظرون للحصول على وجبة طعام في مطبخ خيري بخان يونس يوم الجمعة (أ.ف.ب)
فلسطينيون نازحون ينتظرون للحصول على وجبة طعام في مطبخ خيري بخان يونس يوم الجمعة (أ.ف.ب)
TT

تهريب البضائع... سبيل الغزيين لمواجهة القيود الإسرائيلية

فلسطينيون نازحون ينتظرون للحصول على وجبة طعام في مطبخ خيري بخان يونس يوم الجمعة (أ.ف.ب)
فلسطينيون نازحون ينتظرون للحصول على وجبة طعام في مطبخ خيري بخان يونس يوم الجمعة (أ.ف.ب)

لم يكن لغزي يعيش في ظروف بائسة يتخيل وصول جهاز «آيفون برو ماكس 18»، الذي طُرح حديثاً للبيع في دول مختلفة حول العالم، في وقت تفرض فيه إسرائيل قيوداً مشددة على دخول البضائع إلى قطاع غزة، بما فيها الهواتف الجوالة الحديثة وأجهزة الكمبيوتر، فضلاً عن عشرات، إن لم يكن مئات، من الاحتياجات الأساسية والثانوية المفقودة في الأسواق.

ووصل سعر الهاتف، الذي طُرح في غزة بمبلغ كبير جداً مقارنة بأسعاره في أسواق الدول المجاورة، إلى أكثر من 28 ألف شيقل وفق آخر سعر حتى السبت، بعدما بلغ عند وصوله للمرة الأولى قبل نحو أسبوع 40 ألف شيقل، (سعر صرف الدولار 3.05 شيقل، وفق أسعار الصرف السبت). ويقارن ذلك بأقل من 6 آلاف شيقل، وهو سعر الجهاز نفسه في الضفة الغربية. وعلى الرغم من ارتفاع سعره في غزة، شهد الهاتف إقبالاً سريعاً من بعض أصحاب رؤوس الأموال والتجار وعائلاتهم.

تهريب عبر المعابر الإسرائيلية

ما يلفت الانتباه ليس فقط سعر الجهاز، لكن طريقة وصوله في ظل الحظر الشديد الذي تفرضه إسرائيل على دخول أي أجهزة. ويقول تاجر معرض للهواتف الجوالة في مدينة غزة لـ«الشرق الأوسط»، إن هذا الجهاز وصل بكميات محدودة، بعد أن تم تهريبه عبر معابر ومنافذ القطاع التي تُسيطر عليها قوات الاحتلال الإسرائيلي بشكل كامل.

شاحنة فلسطينية تمر عبر معبر كرم أبو سالم الحدودي في رفح (أرشيفية - أ.ف.ب)

وأوضح التاجر، الذي فضّل عدم ذكر هويته لأسباب خاصة، أنه اشترى الهاتف من كبار التجار في غزة، الذين ينشط بعضهم في تهريب بضائع معينة بطرق مختلفة. وقال إن بعض هؤلاء التجار ثبت تورطهم سابقاً في علاقات مع تجار إسرائيليين على صلة بضباط وجنود، إلى جانب ضباط في جهاز «الشاباك» الإسرائيلي، الذين سهلوا لهم خلال الحرب إدخال مواد تحظر إسرائيل دخولها، مثل الهواتف الجوالة ومعدات الطاقة الشمسية والسجائر، وغيرها من السلع التي لا يزال إدخالها ممنوعاً.

وتُشير معلومات حصلت عليها «الشرق الأوسط» من بعض التجار إلى أن هناك عمليات تهريب تتم بالتنسيق ما بين تجار من غزة وآخرين من الجانب الإسرائيلي، وأن الطرف الأخير هو مَن يقوم بدفع أموال لضباط وجنود لتسهيل وصول تلك البضائع، وأن بعض عمليات التهريب كانت تتم في بعض الأحيان عبر طائرات مسيّرة تصل من الجانب الإسرائيلي إلى القطاع، وتحمل مواد ممنوعة مثل المخدرات، وهواتف وغيره.

تهريب العصابات المسلحة

ويكشف تاجر من سكان خان يونس، جنوب قطاع غزة، ويعيش حالياً فيما باتت تُعرف بالعاصمة التجارية للقطاع، مدينة دير البلح في المنطقة الوسطى، عن أن عدد البضائع الممنوعة يتم تهريبها من قبل العصابات المسلحة الموجودة في مناطق سيطرة إسرائيل داخل القطاع باستخدام طرق احتيالية كثيرة.

وحسب التاجر الذي تحدّث لـ«الشرق الأوسط»، فإن هناك طرقاً كثيرة للالتفاف على القيود الإسرائيلية، لكن على الرغم من كل هذه الطرق فإن عمليات التهريب لا تلبي الاحتياجات الكافية واللازمة للسكان، ولا يمكن توفير كل شيء، والتركيز يتم على أجهزة الهواتف الجوالة، وبعض البضائع التكنولوجية والسجائر ومستلزماتها وغيره من المواد التي يمكن تهريبها بشكل أو بآخر.

وأوضح التاجر أن بعض المسؤولين في العصابات المسلحة تمكنوا من تزويد بعض التجار مقابل مبالغ مالية باهظة، لنقل زيوت وبطاريات للمركبات، إلى جانب شاشات هواتف جوالة وغيره، مشيراً إلى أن غالبية الأموال كانت تذهب لجيوبهم الخاصة، في وقت تأتي البضائع إليهم بأسعار بسيطة، لكن يتم بيعها للتجار بأسعار باهظة، وبدورهم عندما تعرض في الأسواق بطرق مختلفة يجري بيعها بأسعار أعلى، ما يدر ربحاً مالياً كبيراً.

ولد فلسطيني يضع طنجرة كبيرة على رأسه وهو متوجه للحصول على وجبة طعام ساخنة في مطبخ خيري بخان يونس يوم الجمعة (أ.ف.ب)

ويقول التاجر إن هناك حالة من «الفلتان» وعدم السيطرة، سواء من قبل إسرائيل أو «حماس»، لضبط الأوضاع على المعابر ودخول البضائع، يسمح بالواقع الحالي، مشيراً إلى أن هناك تورطاً واضحاً لأطراف عديدة في عمليات التهريب المستمرة، وهذا الأمر أفرز تجاراً جدداً بات يطلق عليهم «تجار الحرب»، كانوا قبلها لا يملكون المال وأصبحوا اليوم هم رؤوس الأموال بالقطاع، في حين اختفى كثير من التجار الحقيقيين بعدما أودت الحرب بتجارتهم للهاوية، وخسروا ما لديهم.

بضائع ترفيهية على حساب الأساسية

وتدفع القيود الإسرائيلية كثيراً من التجار إلى البحث عن طرق لتهريب ما يمكن تهريبه، في محاولة لتعويض سكان القطاع عن بعض ما يفتقدونه. إلا أن غالبية ما يدخل بهذه الطرق يندرج ضمن السلع الثانوية أو الكمالية، رغم حاجة السكان إليها، مثل الهواتف الجوالة والسجائر، في وقت يفتقدون فيه كثيراً من الاحتياجات الأساسية، ومنها الخضار والفاكهة واللحوم التي لا تدخل بصورة منتظمة. وتتذبذب أسعار هذه السلع ارتفاعاً وانخفاضاً تبعاً للسماح بإدخالها أو منعها من الجانب الإسرائيلي، فيما ظلت أسعارها أعلى من مستويات ما قبل الحرب، ما حرم كثيراً من الفئات المهمشة من القدرة على الحصول عليها.

كما تمنع إسرائيل كثيراً من الأساسيات، مثل المواد الطبية والأدوية اللازمة لأصحاب الأمراض المزمنة كالسكري والقلب وغيره، في وقت يمنع أيضاً دخول المصاحف، وسكاكين المطابخ ومعداتها، والكتب الدراسية للمراحل التعليمية المختلفة. فيما تسمح بإدخال مواد وبضائع ترفيهية وثانوية مثل المشروبات بأنواعها المختلفة، والشوكولاته بمختلف الأنواع، والمكياج والعطور وغيرها من الاحتياجات الثانوية، لكنها في الوقت نفسه تفرض على هذه المعدات مبالغ مالية هائلة لتنسيق إدخالها، كما أنها في بعض الأحيان توقف إدخالها لإيجاد أزمات قبل أن تسمح بإدخالها مجدداً.

شاحنات مصرية تحمل مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة بعد خضوعها للتفتيش ​​عند معبر «كيرم شالوم» (إ.ب.أ)

ويواجه سكان غزة نقصاً حاداً في الخيام والشوادر والأخشاب والحديد وغيرها من المستلزمات اللازمة لتوفير مساكن مؤقتة؛ إذ يُسمح أحياناً بإدخال بعض الخيام والشوادر، سواء لمؤسسات أو لتجار يبيعونها بأسعار باهظة. كما لا يتوفر الدقيق (الطحين) بصورة منتظمة، ما يؤدي إلى تذبذب أسعاره صعوداً وهبوطاً تبعاً لحجم الكميات التي يُسمح بإدخالها. ويعاني السكان كذلك نقصاً حاداً في الزيوت والفلاتر والمحروقات وسائر المستلزمات المرتبطة بتشغيل المركبات والمولدات الكهربائية، التي تمنع إسرائيل إدخالها بالكامل، ما يدفع بعض التجار إلى تهريب كميات منها بطرق مختلفة وبيعها بأسعار مرتفعة. وقد أسهم ذلك في زيادة تكاليف المواصلات وأسعار الكهرباء التي توفرها المولدات التجارية، ما زاد من أعباء المعيشة على السكان.

وفي يوليو (تموز) من العام الماضي، كشفت «الشرق الأوسط» عن تلقي ضباط إسرائيليين رشى مقابل إدخال بضائع يحظر الجانب الإسرائيلي دخولها إلى قطاع غزة، الذي كان يعاني آنذاك أزمات شديدة، قبل الإعلان لاحقاً عن وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه. وبعد أشهر من كشف «الشرق الأوسط»، أظهرت تحقيقات إسرائيلية عن تورط ضباط كبار، بينهم شقيق رئيس جهاز «الشاباك» الإسرائيلي دافيد زيني، في عمليات تهريب، ما أدى إلى توجيه لوائح اتهام وفرض عقوبات على المتورطين.