أحدث هدنة تجارية بين الصين والولايات المتحدة تُربك المستثمرين

الأسواق حذرة ومتخبطة وتنتظر المزيد من التفاصيل

أحد موظفي بورصة نيويورك يتابع الشاشات خلال ساعات العمل يوم الثلاثاء (أ.ب)
أحد موظفي بورصة نيويورك يتابع الشاشات خلال ساعات العمل يوم الثلاثاء (أ.ب)
TT

أحدث هدنة تجارية بين الصين والولايات المتحدة تُربك المستثمرين

أحد موظفي بورصة نيويورك يتابع الشاشات خلال ساعات العمل يوم الثلاثاء (أ.ب)
أحد موظفي بورصة نيويورك يتابع الشاشات خلال ساعات العمل يوم الثلاثاء (أ.ب)

منحت أحدث هدنة تجارية بين الصين والولايات المتحدة المستثمرين أملاً في التوصل إلى اتفاق نهائي يرضي القوتين العظميين المتخاصمتين، على الرغم من أن احتمال اندلاع جولة جديدة من الرسوم الجمركية لا يزال يُشكل خطراً على الأسواق.

كان رد فعل السوق الخافت دليلاً على ذلك، حيث اختتم المسؤولون الأميركيون والصينيون يوم الثلاثاء يومين من المحادثات في لندن بتعهدات بإحياء اتفاق أُبرم الشهر الماضي في جنيف، ورفع قيود التصدير الصينية على المعادن النادرة - وهي نقطة خلاف في ذلك الاتفاق.

يُظهر الترحيب الحذر من مستثمري العملات والأسهم أنه على الرغم من انتهاء الاجتماع بهدنة، فإن الأسواق كانت تأمل في المزيد، وأن نقص التفاصيل يعني أن حالة عدم اليقين ستظل مرتفعة على الأرجح.

وصرح محللون بأن أهم ما استُخلص من الاجتماع هو أن المحادثات دلت على براغماتية الجانبين.

وقال مارك دونغ، المؤسس المشارك لشركة «ماينورتي أسيت» لإدارة الأصول في هونغ كونغ: «هذه أخبار إيجابية للسوق. على الأقل الآن هناك حد أدنى لا يرغب أي من الطرفين في تجاوزه».

وارتفعت الأسهم الصينية إلى أعلى مستوياتها في ثلاثة أسابيع تقريباً، بينما انخفضت العقود الآجلة للأسهم الأميركية بشكل طفيف. وارتفع الدولار الأميركي قليلاً، واستقر اليوان الصيني.

وقال كريس ويستون، رئيس قسم الأبحاث في شركة الوساطة الأسترالية «بيبرستون»: «في الوقت الحالي، طالما أن عناوين المحادثات بين الطرفين لا تزال بناءة، فمن المتوقع أن تظل الأصول عالية المخاطر مدعومة». وأضاف: «المشكلة تكمن في التفاصيل، لكن غياب رد الفعل يشير إلى أن هذه النتيجة كانت متوقعة تماماً».

وتراجعت الأسواق بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن فرض رسوم جمركية بمناسبة «يوم التحرير» في الثاني من أبريل (نيسان) الماضي، حيث ساور المستثمرين قلق بشأن ركود اقتصادي وشيك. لكن هذه المخاوف هدأت مع تراجع ترمب عن معظم الرسوم العقابية، مما رفع أسعار الأسهم.

لانكستر هاوس في العاصمة البريطانية لندن حيث التقى وفدا التجارة الأميركية والصينية (رويترز)

وارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» القياسي بنسبة 6.5 في المائة منذ ذلك الحين، وهو على وشك استعادة مستوى قياسي مرتفع. وكان أداء الأسهم الصينية ضعيفاً، إذ يخشى المستثمرون من استمرار ضعف الاقتصاد، لكنها مع ذلك استعادت خسائرها لتعود إلى مستوى الثاني من أبريل.

وقد يبدد التوافق الإطاري الأخير في لندن لإعادة إبرام اتفاق بعض السيناريوهات القاتمة للغاية للأسواق، لكن المستثمرين سيحتاجون إلى خطوات ملموسة أكثر ليشعروا بالرضا التام. ويُلمس التأثير الواسع للرسوم الجمركية الشاملة في حرب تجارية قد تُؤدي إلى توقف 600 مليار دولار من التجارة بين البلدين، في كلا الاقتصادين.

وقال لين جينغوي، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة رين تري بارتنرز، سنغافورة: «يتمتع كلا الجانبين بضغط واستعداد للتوصل إلى اتفاق. هذا إنجاز مؤقت في المحادثات، لكنه لن يُغير نمط التنافس الصيني الأميركي الدائم... لن ترفع الولايات المتحدة القيود المفروضة على صادرات الرقائق إلى الصين بشكل كامل، لكنها قد تخففها استجابةً لضغوط بكين وقطاع أشباه الموصلات المحلي».

ويتوقع الاقتصاديون أن يُلقي الضرر الناجم عن الرسوم الجمركية المتبادلة وتقلبات الأسواق المالية بظلاله على الاقتصاد العالمي لأشهر. وقال فيليب وول، كبير مسؤولي الأبحاث ومدير المحافظ الاستثمارية في «رايليانت غلوبال أدفايزرز»، إن المستثمرين الذين يعيدون شراء الأسهم إلى مستويات قياسية يُقللون بشكل كبير من شأن الضرر الناجم بالفعل عن حالة عدم اليقين هذه هذا العام. وأضاف: «أشعر الآن بحذر وترقب أكبر من التفاؤل المطلق. إذا تم التوصل إلى أي اتفاق كبير، فقد نشهد ارتفاعاً في الأسهم استجابةً لذلك، لكنني أعتقد أن هذا مجرد رد فعل في هذه المرحلة، وقد يكون هذا النشوة قصير الأمد مع ظهور مخاطر جديدة».

وأشار راي أتريل، رئيس استراتيجية الصرف الأجنبي في بنك أستراليا الوطني، إلى أنه «من السابق لأوانه القول إننا في خضم إبرام اتفاقية تجارية جديدة وحازمة بين الولايات المتحدة والصين. لقد كان العام بأكمله مليئاً بالبشائر الإيجابية بشأن التوصل إلى اتفاقيات، ثم لم نشهد تقدماً ملموساً أو تراجعاً في الأمور التي كان من المفترض الاتفاق عليها. لا نزال نرى أنه مهما تم الاتفاق عليه في الأسابيع والأشهر المقبلة، وجهة النظر الأساسية هي أننا سنصل في النهاية إلى وضع تعريفات جمركية عالمي أسوأ بكثير مما كان عليه قبل تولي ترمب الرئاسة، لذا سنظل نواجه بيئة تعريفات نعتقد أنها ستضر بالنمو العالمي».

ويحتاج الاقتصاد الصيني إلى استراحة من الرسوم الجمركية التي أثرت على صادراته، في ظل مواجهة البلاد لضغوط انكماشية عميقة وضعف الاستهلاك. علاوة على ذلك، وبينما لم يتضح بعد التأثير النهائي للحرب التجارية على التضخم الأميركي وسوق العمل، فقد أضرت الرسوم الجمركية بثقة الشركات والأسر الأميركية.

وقد أدى ذلك إلى ضغوط على الدولار، حيث انخفض بأكثر من 8 في المائة مقابل العملات الرئيسية المنافسة هذا العام، في ظل قلق المستثمرين بشأن الاقتصاد الأميركي وسلامته المالية.

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت لدى مغادرة لانكستر هاوس في العاصمة البريطانية لندن (رويترز)

وفي الوقت الحالي، يواجه ترمب تحديات كثيرة، بما في ذلك خلافه الصارخ مع أغنى رجل في العالم، إيلون ماسك، ومشروع قانون ضريبي يخضع لتدقيق مكثف، واحتجاجات شوارع في لوس أنجليس على سياسة إدارته بشأن الهجرة... ويزيد كل هذا من صعوبة المفاوضات الناجحة مع الصين، والمستثمرون ليسوا مستعدين للمراهنة على النتيجة بعد.

وقال تان شياويون، الشريك المؤسس لشركة زونسو كابيتال، قوانغدونغ: «ستستمر المحادثات في ظل الإطار المُتفق عليه، وأعتقد أن الولايات المتحدة ستُقدم تنازلات أكبر من الصين للتوصل إلى اتفاق... في ظل الظروف الحالية، يواجه الجانب الأميركي تحديات أكثر إلحاحاً، بينما يتمتع الجانب الصيني بمساحة أكبر للتنفس. كانت الصين في موقف دفاعي، لكنها تحولت إلى موقف هجومي، مستغلةً المعادن النادرة والوصول إلى الأسواق. وهذا يُمثل إعادة توازن في القوة والنفوذ».

وفي تحليله للموقف بشكل عام، يقول شارو تشانانا، كبير استراتيجيي الاستثمار في «ساكسو بنك» بسنغافورة: «من المرجح أن تُرحّب الأسواق بتحول اللهجة من المواجهة إلى التنسيق. ولكن مع عدم وجود اجتماعات أخرى مُجدولة، لم نخرج من المأزق بعد. تعتمد الخطوة التالية على تأييد ترمب وشي للإطار المُقترح وتطبيقهما له. من المهم ألا يُساء فهم هذا التهدئة التكتيكية على أنها تراجع كامل عن الانفصال الاستراتيجي. لا تزال المنافسة الأساسية حول التكنولوجيا وسلاسل التوريد والأمن القومي قائمة إلى حد كبير. يمكن أن تظهر قضايا جديدة دائماً، وسيكون الاختبار الحقيقي هو مدى تطبيق هذه (الصفقة القديمة الجديدة)».


مقالات ذات صلة

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

الاقتصاد محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

قال محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، إن حالة عدم اليقين العالمي الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي متحدثاً في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» (الشرق الأوسط)

محافظ بنك إنجلترا من العلا: الاقتصاد العالمي يتماسك رغم تصاعد المخاطر

قال محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، إن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد وزير المالية الصيني متحدثاً في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وزير المالية الصيني يحذر من تباطؤ النمو واتساع فجوة التنمية عالمياً

قال وزير المالية الصيني، إن الاقتصادات الناشئة تواجه ثلاث تحديات رئيسية، تشمل ضعف زخم النمو، واتساع فجوات التنمية وتزايد أوجه القصور في الحوكمة العالمية.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد فقد القطاع الصناعي الألماني الذي يُعدُّ عصب الاقتصاد عوامل دعم مهمة بسبب رسوم ترمب الجمركية (رويترز)

ألمانيا تخسر تريليون دولار منذ 2020 جرَّاء الأزمات الاقتصادية

بلغت التكلفة الاقتصادية لسلسلة الأزمات التي شهدتها ألمانيا خلال السنوات الماضية قرابة تريليون يورو (1.18 تريليون دولار)، حسب تقديرات معهد الاقتصاد الألماني.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد قطعة نقدية من فئة 2 يورو إلى جانب ورقة نقدية من فئة 10 جنيهات إسترلينية في صورة توضيحية (رويترز)

«المركزي الأوروبي»: تأخير «اليورو الرقمي» يعزز هيمنة شركات التكنولوجيا الأجنبية

دعا البنك المركزي الأوروبي، الاتحادَ الأوروبي، إلى تسريع اعتماد «اليورو الرقمي»، محذراً من أن أي تأخير قد يعمّق اعتماد القارة على شركات التكنولوجيا الأجنبية.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
TT

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)

قال محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، إن حالة عدم اليقين العالمي الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية، مشيراً إلى 4 أسباب رئيسية لذلك؛ تتمثل في التجزؤ الجيوسياسي، والتسارع الكبير في التطورات التكنولوجية -ولا سيما الذكاء الاصطناعي- وتقلبات أسعار السلع، إضافة إلى النمو المتزايد للوساطة المالية غير المصرفية.

وخلال مشاركته في «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة»، أوضح السياري أن آليات انتقال السياسات النقدية التقليدية بدأت تظهر علامات ضعف مع تراجع دور القنوات المصرفية التقليدية، في وقت تجاوزت فيه أصول الوساطة المالية غير المصرفية 51 في المائة من إجمالي الأصول المالية العالمية، ما أدّى إلى زيادة حساسية الأسواق لتقلبات السيولة، وظهور ضغوط متكررة عبر آليات مثل طلبات تغطية الهوامش وخصومات الضمانات وعمليات خفض المديونية المتزامنة.

وأشار إلى أن الصدمات التي تواجه النظام المالي العالمي أصبحت متعددة الأبعاد وأكثر تكراراً، وغالباً ما تكون خارجية بالنسبة للاقتصادات الناشئة التي تعاني أصلاً تحديات داخلية تزيد من حدة التقلبات، مضيفاً أن هذه الاقتصادات تواجه هشاشة هيكلية ومؤسسية تحد من قدرتها على امتصاص الصدمات، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتجزؤ التجارة وارتفاع مستويات الدين وتكاليفه.

وأوضح أن التمييز بين الاقتصادات الأكثر مرونة وتلك الأكثر هشاشة يرتكز على عاملين أساسيين: أولهما وجود أطر سياسات محلية متماسكة نقدية ومالية وتنظيمية تدعم الاستجابات المعاكسة للدورات الاقتصادية، وتحد من تقلب تدفقات رؤوس الأموال، وثانيهما توفر «ممتصات صدمات» فعالة، وفي مقدمتها احتياطيات كافية من النقد الأجنبي، إلى جانب عمق الأسواق المالية، بما في ذلك أسواق الدين ورأس المال وأسواق النقد.

وتطرق السياري إلى تجربة المملكة، موضحاً أنها اعتمدت على هوامش احتياطية للحفاظ على الاستقرار المالي والأسواق، وأظهرت أهمية السياسات المعاكسة للدورات الاقتصادية في الحد من التقلبات، مشيراً إلى أن تراكم الاحتياطيات خلال فترات النمو يستخدم استراتيجياً لدعم ميزان المدفوعات وتخفيف أثر تقلبات أسعار السلع.

وأضاف أن ربط الريال بالدولار الأميركي أسهم في ترسيخ استقرار الأسعار، لافتاً إلى أن متوسط التضخم خلال السنوات الخمس الماضية ظل دون مستوى 3 في المائة.

وأكد أن التعاون الدولي يظل عنصراً محورياً في مواجهة مواطن الضعف المستجدة، مشيراً إلى التقدم الملحوظ الذي حققه صانعو السياسات عالمياً، وأهمية تبادل الخبرات لتعزيز الجاهزية الرقابية والتنظيمية بما يدعم الاستقرار المالي العالمي.

واختتم السياري كلمته عبر تأكيده 3 أولويات للتعاون الدولي: تعزيز تبادل البيانات عبر الحدود لدعم الرقابة وتقييم مواطن الضعف، وتحقيق قدر أكبر من المواءمة والتشغيل البيني في تبني التقنيات الناشئة، بما يحفظ الاستقرار المالي، وتسريع تبادل المعرفة لتحديث الأطر الرقابية والإشرافية.


أبرز منظّري التجارة الدولية في «هارفارد»: السعودية تملك «شيفرة» النجاح في عالم مجزأ

البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
TT

أبرز منظّري التجارة الدولية في «هارفارد»: السعودية تملك «شيفرة» النجاح في عالم مجزأ

البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، البروفسور بول أنتراس، أن السعودية تقدِّم نموذجاً استثنائياً في مشهد التحولات التجارية العالمية، يختلف جذرياً عن القوالب التقليدية للأسواق الناشئة. وعدّ أن العولمة لم تنتهِ، بل أعادت تشكيل نفسها فيما أسماه «التكامل المجزأ». وفي حديثه إلى «الشرق الأوسط»، على هامش مؤتمر العلا، أشار أنتراس إلى أن رؤية السعودية وإصلاحاتها الهيكلية تضعانها في موقع متميز للاستفادة من «التكامل المجزأ» الذي يشهده العالم، مشدداً على أن رهان المملكة على التحول اللوجيستي والذكاء الاصطناعي هو المحرك الحقيقي لنمو مستدام يتجاوز ضجيج الأزمات العالمية.

يُعدُّ البروفسور بول أنتراس واحداً من أبرز المنظرين الاقتصاديين في العصر الحديث، وهو أستاذ كرسي «روبرت برينكتون» للاقتصاد في جامعة هارفارد. تتركز أبحاثه التي غيَّرت مفاهيم التجارة الدولية حول «سلاسل القيمة العالمية» وكيفية تنظيم الشركات إنتاجها عبر الحدود. ويعدّ أنتراس مرجعاً عالمياً في فهم كيفية تأثير القوانين والتكنولوجيا على تدفق السلع السعودية وتحدي «الصناديق الجاهزة».

بدأ أنتراس حديثه بانتقاد الطريقة التقليدية في تصنيف الاقتصادات، قائلاً: «من الصعب جداً تقديم عبارات عامة حول كيفية استفادة الأسواق الناشئة من التحول التجاري الدولي، والسبب هو أننا غالباً ما نحب وضع الدول في صناديق أو سلال واحدة كما نفعل مع القارات». وأوضح أنتراس أن مصطلح «الأسواق الناشئة» يخفي خلفه هياكل صناعية متباينة تماماً، مبيِّناً الفرق الجوهري للحالة السعودية: «هناك اقتصادات تعتمد بشكل مكثف على تصدير الصناعات التحويلية، وهذه يمثل التكامل التجاري والوصول للأسواق شريان حياة لها، وهي الأكثر قلقاً من ضغوط المنافسة الصينية التي بدأت بالانزياح من السوق الأميركية نحو أسواقهم. لكن في المقابل، نجد اقتصاداً مثل السعودية، يُصدِّر كثيراً، ولكنه يواجه منافسةً ضئيلةً جداً من جانب الصين في سلعته الأساسية». ويرى أنتراس أن هذا الوضع يخلق فرصةً ذهبيةً للمملكة. فـ«بالنسبة للسعودية، هذا الوقت هو فرصة للحصول على سلع من الصين بتكلفة أرخص من السابق، أو الحصول على تشكيلة متنوعة من البضائع التي لم تكن متاحةً لها لأنها كانت تتدفق بالكامل نحو السوق الأميركية».

وحول كيفية تعامل الأسواق الناشئة مع ضغوط «الإغراق» والمنافسة، وجَّه أنتراس نصيحةً صريحةً: «أعتقد أن على الأسواق الناشئة إظهار أقل قدر ممكن من الميول الحمائية. لن يكون الأمر سهلاً؛ لأن نمو الصادرات الصينية سيؤثر حتماً على بعض المنتجين المحليين، مما سيخلق ضغوطاً سياسية لحمايتهم. لكن الطريق الصحيح للمستقبل هو أن تسوِّق نفسك بوصفك اقتصاداً ملتزماً بنظام متعدد الأطراف، اقتصاداً يسمح للمنتجين الأجانب بالبيع في سوقك، ويشجع منتجيك في الوقت ذاته على استكشاف الأسواق الخارجية. يجب أن نتجنَّب تماماً محاكاة ما تفعله الدول الكبيرة مثل الولايات المتحدة». وعند سؤاله عن حماية الصناعات المحلية المتضررة، أضاف: «نعم، الإغراق الصيني يمثل قلقاً جدياً لبعض الدول التي تمتلك قاعدة تصنيع محلية تتنافس مباشرة مع الصين، ولكن بالنسبة للسعودية، القلق أقل لأنها لا تملك تلك القاعدة التي تتصادم مباشرة مع المنتجات الصينية. في الواقع، الواردات الرخيصة قد تفيد المستهلك السعودي. وإذا وُجد قطاع متضرر، فهناك طرق أفضل لحماية الناس من الحمائية، مثل تقديم خطط ائتمان، أو إعانات، أو مساعدة الشركات على إعادة التفكير في نماذج أعمالها وتطويرها».

العولمة لم تمت... بل أصبحت «مجتزأة»

ورداً على السؤال الجدلي حول نهاية العولمة، صاغ أنتراس مفهوماً جديداً، قائلاً: «لا أظن أن العولمة قد انتهت، بل أسميها (التكامل المجزأ - Fragmented Integration). سنستمر في التكامل، لكن الاتفاقات التجارية ستُبرَم بطرق مختلفة. لم يعد بإمكاننا الاعتماد فقط على المفاوضات متعددة الأطراف للوصول إلى الأسواق، لأن الشعور بالالتزام بتلك الاتفاقات تَراجَع عالمياً. الصفقات ستظل تُوقَّع، لكنها ستكون أكثر تعقيداً، وسيبقى عدم اليقين هو العنوان الأبرز».

الفائدة والذكاء الاصطناعي: الوجه الآخر للعملة

وعن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على خطط الدول الناشئة للتحول نحو الصناعات المعقدة، قال أنتراس: «أسعار الفائدة المرتفعة، مضافةً إليها علاوة المخاطر التي تواجهها الأسواق الناشئة، تحد دون شك من الاستثمارات. التصدير يتطلب ائتماناً واستثماراً وتحسيناً للجودة. ولكن، الفائدة ارتفعت لسبب جوهري، وهو أنها تعكس توقعات نمو عالية ناتجة عن الذكاء الاصطناعي والتغيُّر التكنولوجي».

ويرى أنتراس أن هذا النمو هو المُخرج، فـ«إذا تحقَّقت إمكانات النمو هذه، فستتحسَّن الإنتاجية بشكل كبير، مما يساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على التنبؤ بالطلب بشكل أفضل والعثور على أسواق لم يتم استغلالها من قبل. لذا، نعم، الفائدة قوة سلبية، لكن إذا كانت مدفوعةً بإمكانات نمو حقيقية، فقد لا يكون الأمر بهذا السوء».

قلق الوظائف... والتدخل الحكومي

لم يخفِ أنتراس قلقه العميق تجاه سوق العمل، حيث عدّ أن التحدي المقبل مزدوج وخطير؛ فهو يجمع بين مطرقة المنافسة الصينية وسندان الأتمتة عبر الذكاء الاصطناعي. وقال أنتراس بلهجة تحذيرية: «أنا قلق جداً بشأن مستقبل العمالة؛ فالمنافسة الشرسة من الصادرات الصينية، إذا تزامنت مع أتمتة الوظائف عبر الذكاء الاصطناعي، قد تؤدي إلى اضطرابات حادة في سوق العمل، وتحديداً بين أوساط العمال الشباب».

وأكد أنتراس أن هذا المشهد لا يمكن تركه لقوى السوق وحدها، بل يتطلب استراتيجيةً استباقيةً. «هنا تبرز الحاجة الماسة لتدخُّل الحكومات، وهو تدخُّل يتطلب موارد مالية ضخمة، واستعداداً عالي المستوى». ويرى أنتراس أن المَخرَج الوحيد هو «شرط الإنتاجية»؛ فإذا أثبتت التقنيات الجديدة قدرتها على رفع الإنتاجية بالقدر المأمول، فإن هذا النمو سيوفر للحكومات «الحيز المالي» اللازم لتعويض المتضررين وإعادة تأهيل الكوادر البشرية. واختتم هذه النقطة بالتأكيد على أن النجاح يكمن في «إيجاد توازن دقيق بين معالجة الآثار السلبية قصيرة المدى، والاستثمار في المكاسب الاستراتيجية طويلة الأجل».


الهند وماليزيا تتعهّدان التعاون في مجال الرقائق الإلكترونية

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)
TT

الهند وماليزيا تتعهّدان التعاون في مجال الرقائق الإلكترونية

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)

جدَّد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا ​مودي، ونظيره الماليزي أنور إبراهيم، الأحد، تعهداتهما بتعزيز التجارة، واستكشاف أوجه التعاون المحتملة في مجالات أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية والدفاع وغيرها.

جاء ذلك في إطار زيارة يقوم بها مودي لماليزيا تستغرق ‌يومين، وهي الأولى ‌له منذ أن رفع ‌البلدان ⁠مستوى ​العلاقات ‌إلى «شراكة استراتيجية شاملة» في أغسطس (آب) 2024.

وقال أنور إن الشراكة تشمل تعاوناً عميقاً في مجالات متعددة، منها التجارة، والاستثمار، والأمن الغذائي، والدفاع، والرعاية الصحية، والسياحة.

وأضاف في مؤتمر ⁠صحافي بعد استضافة مودي في مقر ‌إقامته الرسمي في العاصمة الإدارية بوتراجايا: «إنها (شراكة) شاملة حقاً، ونعتقد أنه يمكننا المضي قدماً في هذا الأمر وتنفيذه بسرعة بفضل التزام حكومتينا».

وعقب اجتماعهما، شهد أنور ومودي توقيع 11 ​اتفاقية تعاون، شملت مجالات أشباه الموصلات، وإدارة الكوارث، وحفظ السلام.

وقال ⁠أنور إن الهند وماليزيا ستواصلان جهودهما لتعزيز استخدام العملة المحلية في تسوية المعاملات عبر الحدود، وعبَّر عن أمله في أن يتجاوز حجم التجارة الثنائية 18.6 مليار دولار، وهو الرقم الذي سُجِّل العام الماضي.

وأضاف أنور أن ماليزيا ستدعم أيضاً جهود الهند ‌لفتح قنصلية لها في ولاية صباح الماليزية بجزيرة بورنيو.