هل يفضي التفاهم التركي - الروسي إلى حلحلة الأزمة الليبية؟

بعد لقاء لافروف وفيدان على وقع اشتباكات طرابلس الدامية

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (يسار) يصافح نظيره الروسي سيرغي لافروف خلال مؤتمر صحافي مشترك (د.ب.أ)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (يسار) يصافح نظيره الروسي سيرغي لافروف خلال مؤتمر صحافي مشترك (د.ب.أ)
TT

هل يفضي التفاهم التركي - الروسي إلى حلحلة الأزمة الليبية؟

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (يسار) يصافح نظيره الروسي سيرغي لافروف خلال مؤتمر صحافي مشترك (د.ب.أ)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (يسار) يصافح نظيره الروسي سيرغي لافروف خلال مؤتمر صحافي مشترك (د.ب.أ)

يطرح التقارب في وجهات النظر بين وزيرَي الخارجية الروسي سيرغي لافروف، والتركي هاكان فيدان، بعد الاشتباكات الأخيرة في العاصمة الليبية، طرابلس، تساؤلات جدية وكثيرة حول دور محتمل للغريمَين التقليديَّين في تفاهم حول الملف الليبي، خصوصاً بعد حديث لافروف عن نفوذهما على أطراف الصراع.

وينظر مراقبون روس وأتراك، تحدَّثت إليهم «الشرق الأوسط»، باهتمام، إلى تأثير علاقة موسكو وأنقرة على مسار الأزمة الليبية، تأسيساً على اصطفاف موسكو السابق إلى جانب «الجيش الوطني» الليبي خلال حرب طرابلس (2019 - 2020)، في مقابل دعم تركيا لقوات حكومة «الوفاق» السابقة في طرابلس.

اتفاق على استخدام النفوذ

بعد هدوء دام 5 سنوات، كان لافتاً تصريح لافروف، عقب محادثاته مع نظيره التركي في موسكو، الذي قال فيه إن البلدين «اتفقا على استخدام نفوذهما على الأطراف الليبية؛ لمنع استئناف العمليات القتالية في البلاد».

السفير الروسي لدى ليبيا أيدار أغانين ونظيره التركي غوفين بيجيتش في طرابلس (الصفحة الرسمية للسفارة الروسية)

ورغم أهمية حديث لافروف، وفق خبير مجلس الشؤون الدولية الروسي كيريل سيمينوف، فإنه يشير أيضاً إلى صعوبة التوصُّل إلى «تسوية شاملة» بين موسكو وأنقرة في الملف الليبي، مشيراً إلى اعتماد الجانبين على «تجزئة النفوذ بين غرب متحالف مع تركيا، وشرق متحالف مع روسيا».

وإذ يشدِّد الخبير الروسي لـ«الشرق الأوسط» على قدرة موسكو وأنقرة على «التدخل والتأثير في القوات الليبية، من خلال امتلاك نفوذ معين لمنع اندلاع حرب شاملة في ليبيا، وكبح جماح الأطراف المتنازعة»، فإنه قال: «يمكن وصف هذا التدخل بأنه دقيق».

ويرى سيمينوف أن «أي سلام سيشبه النموذج السوري للصراع المُجمد قبل رحيل نظام الأسد، حيث يحافظ على التعاون على النفوذ، لكنه يُحافظ أيضاً على الانقسام»، مبرزاً أن المصالحة الحقيقية «تتطلب حواراً ليبياً شاملاً، خصوصاً أن النموذج السوري غير مستدام، كما رأينا».

«حل المشكلة بيد الليبيين»

الملاحظ أن التقارب الروسي - التركي لم يتوقف عند لقاء على مستوى الوزيرَين، بل سارع أيضاً السفير الروسي لدى ليبيا أيدار أغانين، والسفير التركي غوفين بيجيتش، إلى الاجتماع في طرابلس؛ بهدف «التوصُّل إلى تقييم شامل للوضع الراهن في ليبيا».

نائب وزير الدفاع الروسي يونس بك يفكيروف رفقة وفد رفيع المستوى من الحكومة الروسية في زيارة سابقة إلى مطار بنينا الدولي بمدينة بنغازي (د.ب.أ)

لكن عمر قرقماز، كبير مستشاري رئيس الوزراء التركي السابق، عدَّ أن «التفاهم التركي -الروسي لا يكفي»، مشيراً لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه «كلما تأخَّر الحل في ليبيا ازدادت إمكانية التدخلات الخارجية». وخلص إلى أن «حل المشكلة في يد الليبيين».

وعلى نحو أكثر تفصيلاً، فإن مدير «مركز أورسام» للأبحاث الأكاديمي التركي، أحمد أويصال، وإن كان يقرُّ بمدى «أهمية وتأثير دور كل من موسكو وأنقرة في إيجاد حل دائم في الملف الليبي»، فإنه يرى أن «الحل الدائم يبدأ من الاتفاق بين الليبيين والمجتمع الدولي والفاعلين الدوليين والإقليميين».

وبحسب أويصال، فإن «ليبيا أشبه ما تكون تحت الوصاية الدولية»، وفق تعبيره، الذي عزاه إلى «إشراف الأمم المتحدة الكامل على العملية السياسية، وتشكيل الحكومة، والحوارات بين الأطراف»، إلى جانب تعقيدات خارجية أخرى «تتصل بدور أميركا والأوروبيين وبعض الدول الإقليمية» في هذا الملف.

رئيس الأركان التركي متين غوراك خلال زيارة تفقدية سابقة للسفينة الحربية التركية «تي جي جي كمال رئيس» في مصراتة (وزارة الدفاع التركية)

وهنا يبدو بصيص الأمل من منظور الباحث التركي، عبر «وجود تفاهم بين الرئيسين الأميركي دونالد ترمب، والروسي فلاديمير بوتين، واهتمام الإدارة الأميركية الحالية بليبيا، وهذا قد يسهِّل وجود تفاهم تركي - روسي».

أما من منظور ليبي فلا تتوقَّع عضوة لجنة الدفاع والأمن القومي بالبرلمان الليبي، ربيعة بوراص، حلاً قريباً، مبرزة أن «العلاقة بين روسيا وتركيا في الملف الليبي تجسِّد مثالاً معقداً لما يُعرف بـ(التعاون التنافسي) أو (التعاون العدائي)».

وأوضحت بوراص لـ«الشرق الأوسط» وجهة نظرها قائلة: «يتداخل التنافس على النفوذ والمصالح، مع الحرص على تجنب الانزلاق نحو مواجهة عسكرية شاملة»، معتقدة أن «هذا التوازن الهش أسهم منذ عام 2020 في تجميد العمليات العسكرية الواسعة، لكنه عمَّق أيضاً الانقسامات السياسية والعسكرية داخل ليبيا، ما أعاق أي تقدم حقيقي نحو تسوية شاملة».

إردوغان في لقاء سابق مع عقيلة صالح رئيس البرلمان الليبي بحضور رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش بالقصر الرئاسي في أنقرة (الخارجية التركية)

وعدَّدت النائبة الليبية تحديات أمام حل سياسي في ليبيا، أهمها «تضارب مصالح الفاعلين المحليين والدوليين، وتراجع الزخم الدولي، وانعدام الثقة بين الأطراف الليبية ذاتها».

ومع ذلك، تعتقد البرلمانية الليبية أن «أي حل واقعي ومستدام لا يمكن أن يُبنَى إلا على إرادة وطنية خالصة، تسعى لتوحيد مؤسسات الدولة، وتحقيق توزيع عادل للثروات، وإصلاح عميق للمنظومة الأمنية، بدعم دولي منسق، لا يتغذى على الانقسامات، بل يساعد على ردمها».

علاقة الوجود العسكري بالتسوية الشاملة

ليس بعيداً عن الاهتمام التركي - الروسي بجبهة ليبيا، تبقى للحديث عن الوجود العسكري للبلدين أهميته في الحديث عن مستقبل التسوية الشاملة.

وفي هذا السياق لم تنقطع التقارير الغربية، التي تتحدَّث عن نقل بعض العتاد الروسي بعد سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، من سوريا إلى شرق ليبيا، الخاضع لنفوذ القائد العام لـ«الجيش الوطني»، المشير خليفة حفتر، بل ذهبت إلى حديث عن تحركات موسكو بالتنسيق مع حفتر لإنشاء قاعدة عسكرية بـ«معطن السارة» جنوب ليبيا.

عبد الحميد الدبيبة الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة في لقاء سابق مع الوزير فيدال في طرابلس (الخارجية التركية)

لكن الخبير الروسي كيريل سيمينوف نفى وجود أي اتفاق لبلاده بشأن قواعد عسكرية في ليبيا، مؤكداً أنه «لا حديث عن وجود دائم ما دام اتفاق رسمي بشأن القواعد لم يُبرم»، مستنداً في ذلك إلى «عدم وجود جهة لتوقيع مثل هذه الاتفاقية في بلدٍ يتعارض فيه البرلمان والحكومة».

في المقابل، يرى سيمينوف أن «روسيا تحتاج إلى منافذ لوجيستية إلى منطقة الساحل، التي تربطها بدولها اتفاقيات عسكرية، وليبيا مهمة لروسيا من هذا المنظور»، مبرزاً أن «موسكو لا تنوي التدخل في الشؤون الداخلية لليبيا، بل تهتم بالجوانب اللوجيستية».

الرئيس التركي في لقاء سابق مع رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة بحضور رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش (الرئاسة التركية)

أما على صعيد الوجود العسكري التركي في ليبيا، فإنه بحسب الباحث التركي «سيستمر في الأمدين القريب والمتوسط، خصوصاً أنه وُجد بقرار من الليبيين، وتركيا لا تفرض قواتها... وسنحت لنا مصالح اقتصادية وتجارية وبحرية في ليبيا، علاوة على الأمن والدفاع».

وإبان حرب طرابلس، أرسلت تركيا قوات إلى غرب ليبيا، إلى جانب آلاف المرتزقة من عناصر الفصائل السورية المسلحة الموالية لها، كما أنشأت قيادةً عسكريةً مشتركةً في طرابلس.


مقالات ذات صلة

حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

شمال افريقيا المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

نقلت القيادة العامة أن المشير خليفة حفتر أكد دعمه لجهود بعثة الأمم المتحدة ومساعيها الرامية إلى الدفع بالعملية السياسية للأمام، وصولاً إلى إجراء الانتخابات.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا جميلة اللواطي خلال تأدية اليمين عميدة لبلدية سلوق في شرق ليبيا الأحد (وزارة المرأة في غرب ليبيا)

ثاني رئيسة بلدية في ليبيا... تمكين للمرأة واختبار جديد للتحديات

ينظر سياسيون ومراقبون ليبيون إلى فوز امرأة بمنصب رئيسة بلدية بوصفه «خطوة مهمة» في مسار تمكين المرأة و«اختباراً جديداً لقدرتها على مواجهة التحديات».

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا ​مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)

نجاة امرأتين وفقدان عشرات المهاجرين... مأساة جديدة قبالة سواحل ليبيا

قال متحدث باسم المنظمة الدولية للهجرة، الاثنين، إن 53 مهاجراً بينهم رضيعان لقوا حتفهم أو فُقدوا إثر انقلاب قارب مطاطي كان يقل 55 شخصاً قبالة السواحل الليبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي مهاجرون على متن قارب مطاطي يتلقون سترات نجاة في حين يقوم أفراد طاقم سفينة بعملية إنقاذ قبالة المياه الدولية لليبيا 16 يناير 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)

53 مهاجراً في عداد القتلى أو المفقودين إثر غرق قارب قبالة ليبيا

أعلنت المنظمة الدولية للهجرة، الاثنين، أن 53 شخصاً لقوا حتفهم أو فُقد أثرهم إثر غرق قارب في المتوسط قبالة السواحل الليبية، في حين لم ينجُ سوى شخصين.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا بدء فرز نتائج الانتخابات البلدية (مفوضية الانتخابات)

ليبيا: «مجلس الحكماء والأعيان» يدخل على خط «أزمة القضاء»

أيد «المجلس الأعلى لحكماء وأعيان ليبيا» أحكام الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا «بعدم دستورية بعض القوانين والقرارات الصادرة عن مجلس النواب»

خالد محمود (القاهرة)

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.