احتجاجات لوس أنجليس تتصاعد مع نشر الحرس الوطني (صور)

الشرطة أعلنت منطقة «تجمع غير قانوني» في وسط المدينة

TT

احتجاجات لوس أنجليس تتصاعد مع نشر الحرس الوطني (صور)

سيارات للشرطة بعضها محطم بعد إخلاء أحد شوارع لوس أنجليس من المتظاهرين (أ.ف.ب)
سيارات للشرطة بعضها محطم بعد إخلاء أحد شوارع لوس أنجليس من المتظاهرين (أ.ف.ب)

أحرق متظاهرون سيارات واشتبكوا مع الشرطة في لوس أنجليس أمس (الأحد) مع استمرار أعمال الشغب لليوم الثالث احتجاجاً على اعتقال مهاجرين، وسط انتشار قوات الحرس الوطني التي أرسلها الرئيس دونالد ترمب في شوارع ثاني أكبر مدينة في الولايات المتحدة.

وكان من المتوقع أن تثير المداهمات التي بدأت في وضح النهار في مدينة تضم عدداً كبيراً من السكان من أصل لاتيني، ردود فعل غاضبة. لكن معارضين يقولون إن ترمب الذي جعل من القضاء على الهجرة غير الشرعية ركيزة أساسية في ولايته الثانية، كان يؤجج التوترات عمداً بنشره الحرس الوطني في كاليفورنيا، وهو جيش احتياطي عادة ما يأتمر بحاكم الولاية.

سيارة تحترق خلال الاحتجاجات في كومبتون بكاليفورنيا (أ.ب)

وكتب حاكم ولاية كاليفورنيا غافين نيوسوم على منصة «إكس»: «لم تكن لدينا مشكلة حتى تدخل ترمب»، وأضاف: «هذا انتهاك خطير لسيادة الولاية (...) إذ يؤجج التوترات بينما يتم سحب الموارد حيث هناك حاجة إليها. ألغوا الأمر. أعيدوا السيطرة إلى كاليفورنيا».

واشتعلت النيران فيما لا يقل عن ثلاث سيارات ذاتية القيادة تابعة لشركة «وايمو» بعد ظهر أمس (الأحد)، كما تعرضت اثنتان أخريان للتخريب بينما تجول المتظاهرون في منطقة محدودة في وسط مدينة لوس أنجليس. وتوقفت حركة المرور على طريق سريع رئيسي لأكثر من ساعة، بينما احتشد عشرات الأشخاص على الطريق. وقام رجال هيئة الطرق السريعة في كاليفورنيا بإبعادهم باستخدام القنابل الصوتية وقنابل الدخان، حسبما أوردت «وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن بعد مواجهة مبكرة محدودة بين عملاء فيدراليين من وزارة الأمن الداخلي وعشرات المتظاهرين في مركز احتجاز، أصبحت جميع الاشتباكات مرتبطة بأجهزة إنفاذ القانون المحلية. وبحلول فترة ما بعد الظهر، أقام ضباط شرطة لوس أنجليس خطوطاً على مسافة ما من المباني الفيدرالية، مما منع الاتصال بين المتظاهرين الغاضبين وعشرات من أفراد الحرس الوطني المسلحين من الفرقة القتالية للواء المشاة 79 الذين تجمعوا بالخوذات وملابس التمويه.

إلى ذلك، أعلنت السلطات أن وسط مدينة لوس أنجليس بأكمله هي منطقة «تجمع غير قانوني». وكتبت شرطة لوس أنجليس على منصة «إكس» في الساعات الأولى من صباح اليوم الاثنين (بالتوقيت المحلي): «عليكم مغادرة المنطقة فوراً».

وأعلنت شرطة سان فرانسيسكو أنها أوقفت حوالى 60 شخصاً ليل الأحد خلال مواجهات مع محتجين ضد سياسة ترمب المناهضة للهجرة، فيما تشهد لوس أنجليس، المدينة الكبرى الأخرى في كاليفورنيا، اشتباكات منذ الجمعة.

وذكرت الشرطة المحلية على منصة إكس أن الوضع تفاقم خلال تظاهرة عندما «أصبح العديد من المشاركين فيها عنيفين» وهاجموا مبانيَ وسيارة شرطة.
وتعهد ترمب الذي جعل من القضاء على الهجرة غير الشرعية أحد أهم أولويات ولايته الثانية، بأن يفرض الحرس الوطني «القانون والنظام»، تاركاً الباب مفتوحاً أمام إمكانية نشر جنود في مدن أخرى.

العلم الأميركي يحترق خلال الاحتجاجات في لوس أنجليس (أ.ف.ب)

قوات في كل مكان

وعندما سئل ترمب عن استخدام الحرس الوطني، ألمح إلى إمكان نشر القوات على نطاق أوسع في أجزاء أخرى من البلاد.

وقال ترمب للصحافيين إن القوات المرسلة إلى لوس أنجليس ستفرض «قانوناً ونظاماً قويين جداً»، مضيفاً: «هناك أشخاص عنيفون، ولن نسمح لهم بالإفلات (من العقاب) عن ذلك». ورداً على سؤال حول تفعيل «قانون التمرد» الذي يتيح نشر القوات المسلحة لقمع احتجاجات، قال ترمب: «ننظر بشأن القوات في كل مكان. لن نسمح بحدوث ذلك في بلدنا».

امرأة تلوح بالعلم المكسيكي بينما اندلعت النيران من حاوية قمامة مشتعلة خلال احتجاج في وسط مدينة لوس أنجليس (أ.ب)

وندد حكام ولايات أميركية ينتمون إلى الحزب الديمقراطي الأحد بنشر ترمب قوات الحرس الوطني في لوس أنجليس، مشيرين إلى أن الصلاحية في هذا الشأن تعود لحاكم الولاية. وقال الحكام في بيان مشترك إن هذا التحرك «يعد إساءة استخدام للسلطة تنذر بالخطر».

وفي سياق متصل، قالت القيادة الشمالية في الجيش الأميركي، وهي جزء من وزارة الدفاع المسؤولة عن الدفاع الوطني، إن «نحو 500 من مشاة البحرية (...) على أهبة الاستعداد للانتشار إذا لزم الأمر لتعزيز ودعم العمليات الفيدرالية الجارية».

وتتم الاستعانة عادة بالحرس الوطني (وهو جيش احتياطي) لدى وقوع كوارث طبيعية على غرار حرائق لوس أنجليس، وأحياناً في حالات الاضطرابات المدنية، لكن ذلك يقترن إجمالاً بموافقة المسؤولين المحليين.

رجل يرتدي قناعاً واقياً وسط الدخان الكثيف خلال الاحتجاجات قرب مركز احتجاز بوسط مدينة لوس أنجليس (أ.ب)

تصعيد

وأكد جمهوريون وقوفهم إلى جانب ترمب في رفض تصريحات لنيوسوم وغيره من المسؤولين المحليين اعتبروا فيها أن الاحتجاجات سلمية بغالبيتها، وأن نشر الحرس الوطني من شأنه أن يفاقم التوترات. وقال رئيس مجلس النواب مايك جونسون لشبكة «إيه بي سي»: «لست قلقاً من ذلك على الإطلاق»، معتبراً أن نيوسوم «أظهر عجزاً أو عدم استعداد للقيام بما يقتضيه الأمر هناك، لذا تدخّل الرئيس». وتعليقاً على تلويح وزير الدفاع بيت هيغسيث بالاستعانة بمشاة البحرية (المارينز) لمؤازرة الحرس الوطني، قال جونسون إنه لا يرى مبالغة في ذلك، مضيفاً: «علينا أن نكون جاهزين للقيام بما يلزم».

اشتباكات بين متظاهرين وعناصر إنفاذ القانون في وسط مدينة لوس أنجليس في اليوم الثالث من الاحتجاجات (د.ب.أ)

واعتبر متظاهرون تحدّثت إليهم «وكالة الصحافة الفرنسية» أن القوات لم يتم إرسالها لحفظ النظام. وقال توماس هينينغ: «أعتقد أنه تكتيك ترهيبي». وتابع: «هذه الاحتجاجات سلمية. لا أحد يحاول إلحاق أي أذى في الوقت الراهن، مع ذلك فإن عناصر الحرس الوطني موجودون مع مخازن ممتلئة وبنادق كبيرة حول المكان في محاولة لترهيب الأميركيين من ممارسة حقوقنا التي يكفلها التعديل الأول للدستور».

وقالت إستريلا كورال إن متظاهرين عبروا عن غضبهم من توقيف عمال مهاجرين كادحين لم يرتكبوا أي خطأ على يد عناصر ملثمين تابعين لسلطات الهجرة. وتابعت: «هذا مجتمعنا ونريد أن نشعر أننا بأمان». وأضافت: «إن نشر ترمب الحرس الوطني يثير السخرية. أعتقد أنه يصعّد».

اندلع حريق في حاوية نفايات خلال احتجاجات اندلعت احتجاجاً على مداهمات لقوانين الهجرة في لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وقال مارشال غولدبرغ (78 عاماً) إن نشر أفراد الحرس الوطني جعله يشعر «بالإهانة الشديدة»، وأضاف: «نحن نكره ما فعلوه بالعمال غير المسجلين، ولكن هذا ينقل الأمر إلى مستوى آخر من سلب الحق في الاحتجاج والحق في التجمع السلمي».

ليسوا مجرمين

ومنذ توليه منصبه في يناير (كانون الثاني)، شرع ترمب في تنفيذ تعهده اتخاذ إجراءات صارمة ضد دخول المهاجرين غير المسجلين الذين شبههم بـ«الوحوش» و«الحيوانات». وأوضح الناشط الأميركي كينيث روس الذي كان رئيساً لمنظمة «هيومن رايتس ووتش»، أنها المرة الأولى منذ عام 1965 ينشر رئيس الحرس الوطني دون طلب من حاكم الولاية. ورأى أن ترمب «يقوم باستعراض ليواصل مداهمات الهجرة».

ضباط الشرطة أطلقوا الرصاص المطاطي على متظاهرين أمام مبنى البلدية في لوس أنجليس (أ.ف.ب)

والجمعة، نفّذ عناصر مسلّحون وملثّمون تابعون لأجهزة الهجرة عمليات دهم في أجزاء عدة من لوس أنجليس، مما دفع حشوداً غاضبة إلى التجمع وأدى إلى مواجهات استمرت ساعات، فيما أظهر استطلاع لشبكة «سي بي إس نيوز» أجري قبل احتجاجات لوس أنجليس أن هناك غالبية طفيفة من الأميركيين الذين ما زالوا يؤيدون الحملة ضد الهجرة.

بدورها، دافعت رئيسة المكسيك كلاوديا شينباوم الأحد عن المهاجرين المقيمين في الولايات المتحدة. وقالت شينباوم إن «المكسيكيين الذين يعيشون في الولايات المتحدة هم (...) رجال ونساء نزيهون ذهبوا للبحث عن حياة أفضل وتأمين حاجات عائلاتهم. هم ليسوا مجرمين».


مقالات ذات صلة

«النواب» الليبي يؤيد رؤية بولس بخصوص معاقبة أفرقاء الأزمة السياسية

شمال افريقيا رئيس مجلس النواب خلال الاجتماع تيتيه (المجلس)

«النواب» الليبي يؤيد رؤية بولس بخصوص معاقبة أفرقاء الأزمة السياسية

انضم مجلس النواب الليبي إلى التحذيرات الأميركية بشأن معاقبة أفرقاء الأزمة السياسية من معرقلي العملية السياسية في البلاد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا عدد من المهاجرين الأفارقة في شوارع العاصمة التونسية (أ.ف.ب)

تونس تؤكد رفض تحويل أراضيها إلى بلد لتوطين المهاجرين

أكد وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج موقف بلاده الرافض لتحويل أراضيها إلى بلد عبور أو توطين للمهاجرين، أو إلى فضاء لإقامتهم.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا رئيس النيجر خلال استقبال وزير خارجية الجزائر (وزارة الخارجية الجزائرية)

جولة وزير خارجية الجزائر في النيجر وتشاد لاحتواء التوتر الإقليمي

بحث وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، خلال جولة سريعة شملت تشاد والنيجر، سبل حلِّ الأزمة الأمنية والدبلوماسية، التي اندلعت بين البلدين الشهر الماضي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الموريتاني يستقبل وزير داخلية إسبانيا في القصر الرئاسي أمس (الرئاسة الموريتانية)

موريتانيا وإسبانيا لتعزيز التعاون في محاربة الجريمة العابرة للحدود

موريتانيا بحثت مع إسبانيا جهود تعزيز التعاون في مكافحة الهجرة غير القانونية والجريمة العابرة للحدود، في إطار التعاون مع موريتانيا والاتحاد الأوروبي.

الشيخ محمد (نواكشوط)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدّث في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض يوم 30 أكتوبر 2026 في العاصمة واشنطن (أ.ب)

ترمب يدافع عن سياساته صباح انتخابات التجديد النصفي... «أعدنا بناء أميركا»

دافع ترمب عن سياساته بشأن الهجرة وإيران والرسوم الجمركية صباح انتخابات التجديد النصفي، وسط توقعات بخسارة الجمهوريين مجلس النواب ومنافسة محتدمة على مجلس الشيوخ.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«حرب تحقيقات» مرتقبة بين ترمب وخصومه

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومن خلفه مبنى «الكابيتول» وتوقعات بمعارك بين البيت الأبيض والديمقراطيين في الكونغرس (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومن خلفه مبنى «الكابيتول» وتوقعات بمعارك بين البيت الأبيض والديمقراطيين في الكونغرس (رويترز)
TT

«حرب تحقيقات» مرتقبة بين ترمب وخصومه

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومن خلفه مبنى «الكابيتول» وتوقعات بمعارك بين البيت الأبيض والديمقراطيين في الكونغرس (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومن خلفه مبنى «الكابيتول» وتوقعات بمعارك بين البيت الأبيض والديمقراطيين في الكونغرس (رويترز)

طلب الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، من وزارة العدل التحقيق فيما وصفها بـ«تهديدات» يمارسها خصومه الديمقراطيون ضد مسؤولين في إدارته، فيما بدا مؤشراً على معارك سياسية مبكرة مع خصومه قبل تسلمهم السيطرة على مجلسَي الكونغرس في يناير (كانون الثاني) المقبل.

وجاء هذا التصعيد بعد أيام من الهزيمة القاسية التي تعرض لها الجمهوريون في انتخابات التجديد النصفي، وفي وقت يستعد فيه الديمقراطيون لإطلاق سلسلة من التحقيقات البرلمانية في سياسات البيت الأبيض؛ مما ينذر بـ«حرب تحقيقات» مرتقبة بين الجانبين وتحويل العامين الأخيرين من ولاية ترمب مواجهةً مفتوحةً بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. وتزامن تحرك ترمب مع إعادة ترتيب القيادة داخل البيت الأبيض، بتعيين مستشاره المتشدد ستيفن ميلر كبيراً للموظفين خلفاً لسوزي وايلز، في خطوة عكست توجهاً نحو تشديد القبضة السياسية على الإدارة والاستعداد لمواجهة غالبية ديمقراطية لا تُخفي عزمها على استخدام صلاحيات الكونغرس في الرقابة والاستدعاء والتحقيق.

وبينما يسعى الديمقراطيون إلى استثمار انتصارهم الانتخابي في محاسبة إدارة ترمب على ملفات تمتد من الحرب مع إيران إلى سياسات الهجرة والرسوم الجمركية، فإن الرئيس يبدو مصمماً على نقل المعركة إلى أرض خصومه، مستخدماً ما يملكه من صلاحيات تنفيذية، ومراهناً على أن المواجهة المبكرة ستمنع الديمقراطيين من فرض أجندتهم السياسية عليه.

زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب، حكيم جيفريز (في الوسط)، يرد على سؤال من وسائل الإعلام خلال مؤتمر صحافي في مقر لجنة الحملة الانتخابية الديمقراطية للكونغرس (DCCC) في مبنى الكابيتول بواشنطن العاصمة، في 4 نوفمبر 2026.(ا.ب.ا)

وشكلت نتائج انتخابات الثلاثاء الماضي ضربة سياسية لترمب، بعدما انتزع الديمقراطيون السيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ، مُنهين بذلك هيمنة الجمهوريين على السلطتين التنفيذية والتشريعية. ولم تقتصر دلالات النتائج على تبدل موازين القوى داخل الكونغرس، بل حملت رسالة استياء من ارتفاع تكاليف المعيشة، وتداعيات الحرب مع إيران، والسياسات الاقتصادية التي تبنتها الإدارة. وفي البداية، أبدى ترمب استعداداً للتعاون مع القيادة الديمقراطية الجديدة، لكنه سرعان ما انتقل إلى خطاب أكبر تصعيداً، متهماً خصومه باستخدام التهديد بالتحقيقات والعزل للضغط على أعضاء إدارته.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين بعد وصوله على متن طائرة «إير فورس وان» إلى «مطار الرئيس دونالد جيه ترمب الدولي» يوم 6 نوفمبر 2026 في ويست بالم بيتش بولاية فلوريدا (أ.ف.ب)

«خطوة عملاقة إلى الوراء»

ورأى ترمب، الأحد، أن انتخابات التجديد النصفي أعادت الولايات المتحدة «خطوة عملاقة إلى الوراء في التاريخ». وقال في منشور على منصته الاجتماعية «تروث سوشيال»: «لقد تراجعت أميركا خطوة عملاقة إلى الوراء في التاريخ؛ بسبب نتائج الانتخابات الأخيرة... لكن لا تقلقوا، سنعود أكبر وأقوى من أي وقت مضى!».

ويوم السبت، أمر الرئيسُ ترمب وزارةَ العدل بالنظر في ما عدّها تهديدات صادرة عن الديمقراطيين، في خطوة أثارت تساؤلات بشأن الحدود الفاصلة بين سلطة الرئيس في توجيه السياسات التنفيذية واستقلال قرارات الملاحقة الجنائية. وتكشف هذه الخطوة عن مفارقة سياسية لافتة، فوزارة العدل التي يريد ترمب استخدامها للتحقيق مع الديمقراطيين، ستكون نفسها في مقدمة المؤسسات التي يعتزم هؤلاء إخضاعَها لرقابة برلمانية مشددة بمجرد تسلمهم رئاسة اللجان المختصة. ومن المرجح أن تصبح هذه المواجهة اختباراً مبكراً لقدرة الطرفين على استخدام صلاحياتهما الدستورية دون الانزلاق إلى أزمة مؤسساتية طويلة.

وزارة العدل في قلب المواجهة

وتشير التحركات الديمقراطية إلى أن وزارة العدل ستكون إحدى أبرز ساحات الصراع المرتقب. فقد كشفت صحيفة «واشنطن بوست»، الأحد، عن أن الوزارة تستعد لموجة من طلبات الوثائق والاستدعاءات وجلسات الاستماع، بعدما تعهد الديمقراطيون بمراجعة قرارات اتخذتها خلال العامين الأولين من ولاية ترمب الثانية، واتهموا الإدارة بتسييس أجهزة إنفاذ القانون واستخدامها لملاحقة خصوم الرئيس. وتشمل الملفات المطروحة للتحقيق ملاحقات استهدفت شخصيات معارضة لترمب، بينها مدير «مكتب التحقيقات الفيدرالي» السابق، جيمس كومي، إضافة إلى تسوياتٍ ضريبية يُشتبه في أن الرئيس وأفراداً من عائلته استفادوا منها، وقراراتِ العفو الرئاسي التي أصدرها ترمب، وطريقةِ تعامل الوزارة مع ملفات رجل الأعمال الراحل جيفري إبستين.

لكن ترمب اختار الرد قبل بدء التحقيقات. ففي منشور على منصته «تروث سوشيال»، اتهم الديمقراطيين بإرسال رسائل تهديد إلى مسؤولين وأشخاص وصفهم بالأبرياء، ورأى أن ما يفعلونه يمثل «ابتزازاً على أعلى مستوى»، داعياً إلى محاسبتهم جنائياً، دون تقديم أدلة علنية تثبت ارتكاب جرائم.

وخص الرئيسُ بالانتقاد السيناتورةَ الديمقراطية إليسا سلوتكين، التي دعت إلى مساءلة المسؤولين المتورطين في تنفيذ سياسات غير قانونية. وردت سلوتكين بأن من ينتهك القانون أو يستخدم أموال دافعي الضرائب لتحقيق مكاسب شخصية ينبغي أن يخضع للمحاسبة، مؤكدة أن مَن لم يرتكب مخالفة فليس لديه ما يخشاه. وهذه المواجهة مع سلوتكين لها خلفيات سابقة؛ إذ خضعت لتحقيق بعد مشاركتها مع مشرعين ديمقراطيين في تسجيلٍ مصور يحث العسكريين وعناصر الاستخبارات على «رفض الأوامر غير القانونية»، لكن هيئة محلفين كبرى رفضت توجيه اتهامات إليهم.

ستيفن ميلر، رئيس موظفي البيت الأبيض المُعيّن، يسير برفقة الرئيس دونالد ترمب للصعود على متن طائرة «مارين ون» في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض، يوم الجمعة 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، في واشنطن. (أ. ب)

ميلر يقود البيت الأبيض إلى مرحلة التشدد

ويضيف تعيين ستيفن ميلر كبيراً لموظفي البيت الأبيض بُعداً جديداً إلى الصراع. فميلر، الذي ارتبط اسمه بالسياسات المتشددة في ملف الهجرة والدفاع عن توسيع صلاحيات الرئيس، يمثل أحد أبرز الأصوات الداعية إلى المواجهة داخل الدائرة المقربة من ترمب. ويبدو اختياره خلفاً لسوزي وايلز رسالة سياسية تتجاوز التغيير الإداري، مفادها بأن الرئيس لا يعتزم التعامل مع نتائج الانتخابات بوصفها تفويضاً لتعديل سياساته، وإنما على أنها تحدٍّ يتطلب تعزيز الانضباط داخل الإدارة وتحصين قراراتها في مواجهة الكونغرس.

ويقول محللون إن هذه الاستراتيجية قد تضع البيت الأبيض أمام اختبار صعب، خصوصاً أن الديمقراطيين سيحصلون على رئاسة اللجان البرلمانية الرئيسية، بما يمنحهم القدرة على استدعاء كبار المسؤولين، والمطالبة بوثائق داخلية، وفتح تحقيقات قد تطول أكبر الشخصيات نفوذاً في الإدارة. غير أن سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس لا تعني قدرتهم على فرض جميع مطالبهم. فالرئيس يحتفظ بحق النقض على التشريعات، بينما تستطيع الإدارة الطعن في الاستدعاءات البرلمانية أمام المحاكم، والتمسك بالامتياز التنفيذي لحجب بعض الاتصالات والوثائق. وقد تتحول هذه النزاعات معاركَ قضائيةً تستمر أشهراً، وربما سنوات.

حرب إيران تعود إلى واشنطن

ولا تقتصر المواجهة المرتقبة على التحقيقات والملفات الداخلية. فالحرب مع إيران، التي أسهمت تداعياتها الاقتصادية والسياسية في إضعاف الجمهوريين انتخابياً، مرشحةٌ لتصبح أحد أبرز ميادين الصدام بين ترمب والكونغرس الجديد. فالديمقراطيون؛ الذين استثمروا خلال حملاتهم الانتخابية في غضب الناخبين من ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة، سيواجهون ضغوطاً لترجمة وعودهم إلى إجراءات ملموسة، سواء أكانت عبر محاولة تقييد العمليات العسكرية، أم تشديد الرقابة على الإنفاق الدفاعي والقرارات المرتبطة بالحرب.

ويمتلك الكونغرس أدوات مؤثرة في هذا المجال، أبرزها سلطةُ إقرار الموازنات، وعقدُ جلسات الاستماع، ومراجعةُ الصفقات العسكرية، والمطالبةُ بتفسيرات قانونية للعمليات التي تنفذها الإدارة خارج الأراضي الأميركية. لكن قدرة الديمقراطيين على تغيير مسار السياسة الخارجية ستظل محدودة بتوازنات دستورية معقدة؛ إذ يتمتع الرئيس بصلاحيات واسعة بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، كما أن بعض القرارات المتعلقة بالعقوبات والتحركات العسكرية يمكن اتخاذها دون تشريعات جديدة.

ويتخوف المحللون من أن الصدام بشأن إيران قد يتحول مواجهةً أوسع بشأن حدود السلطة الرئاسية في اتخاذ قرارات الحرب والسلام، في وقت يخشى فيه حلفاء واشنطن وخصومها من أن يؤدي الانقسام الداخلي الأميركي إلى زيادة الغموض بشأن التزامات الولايات المتحدة الخارجية.

الديمقراطيون أمام اختبار الحكم

ومع ذلك، فإن الانتصار الانتخابي لا يخلو من المخاطر بالنسبة إلى الديمقراطيين. فرغم حصولهم على غالبية مريحة نسبياً في مجلس النواب، وما لا يقل عن 54 مقعداً في مجلس الشيوخ، فإنهم لا يمتلكون بالضرورة الأصوات الكافية لتجاوز تعطيل التشريعات في الشيوخ أو إسقاط الفيتو الرئاسي. كما أن الإفراط في التركيز على التحقيقات قد يمنح ترمب فرصة لتصوير خصومه بوصفهم منشغلين بالانتقام السياسي بدلاً من معالجة المشكلات الاقتصادية التي دفعت الناخبين إلى التصويت ضد الجمهوريين. وفي المقابل، قد يجد الرئيس نفسه أمام مأزق مماثل إذا تحولت استراتيجيته إلى سلسلة من المعارك مع الكونغرس على حساب معالجة التضخم وتكاليف الطاقة والمخاوف الاقتصادية.

وتشير نتائج الانتخابات، التي شهدت تحول عدد من المناطق الجمهورية التقليدية نحو الديمقراطيين، إلى أن قطاعات من الناخبين لم تعد تستجيب بالقدر نفسه للخطاب السياسي القائم على الاستقطاب، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالأعباء الاقتصادية اليومية.

مئات الأشخاص يسيرون في وسط مانهاتن خلال مسيرة احتجاجية دعماً للديمقراطية ومعارضةً لسياسات إدارة ترمب، وذلك في 7 نوفمبر 2026 في مدينة نيويورك. (أ ف ب)

معركة مبكرة على انتخابات 2028

وتتجاوز تداعيات المواجهة الحالية العامين المتبقيين من ولاية ترمب، لتُلقي بظلالها على الانتخابات الرئاسية عام 2028. فالديمقراطيون سيحاولون استخدام سيطرتهم على الكونغرس لإظهار قدرتهم على كبح السلطة التنفيذية، بينما يسعى ترمب إلى الحفاظ على تماسك قاعدته الانتخابية ومنع تحول الهزيمة التشريعية تراجعاً طويل الأمد في نفوذ الحزب الجمهوري.

ومن شأن التحقيقات البرلمانية أن تضع كبار مسؤولي الإدارة أمام اختبارات سياسية وقانونية متكررة، لكنها قد تمنح ترمب أيضاً مادة جديدة لتعبئة أنصاره عبر اتهام الديمقراطيين بمحاولة شل حكومته.

وبين هذين المسارين، تبدو واشنطن مقبلة على مرحلة من الحكم المنقسم، تتراجع فيها فرص التسويات التشريعية الكبرى، وتتقدم المواجهات بشأن الصلاحيات والرقابة والإنفاق العام. والسؤال الذي ستجيب عنه الأشهر المقبلة ليس فقط ما إذا كان الديمقراطيون قادرين على محاصرة ترمب، بل ما إذا كان الرئيس سيستطيع تحويل معركته معهم وسيلةً لاستعادة المبادرة السياسية بعد الهزيمة الانتخابية. فإذا كانت انتخابات الثلاثاء الماضي قد أنهت هيمنة الجمهوريين على الكونغرس، فإنها لم تُنهِ قدرة ترمب على فرض إيقاع المواجهة في واشنطن. فعلى العكس؛ تشير خطواته الأولى إلى أن الرئيس اختار خوض المعركة قبل وصول خصومه إلى السلطة التشريعية، في مواجهة قد تحدد ليس فقط مستقبل إدارته، وإنما أيضاً حدود العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس خلال النصف الثاني من ولايته.


ترمب: نتائج الانتخابات أعادت الولايات المتحدة «خطوة عملاقة إلى الوراء»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب: نتائج الانتخابات أعادت الولايات المتحدة «خطوة عملاقة إلى الوراء»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

اعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (الأحد)، أن انتخابات التجديد النصفي التي فقد فيها حزبه الجمهوري السيطرة على الكونغرس، أعادت الولايات المتحدة «خطوة عملاقة إلى الوراء في التاريخ».

وقال في منشور على منصته الاجتماعية «تروث سوشيال»: «لقد تراجعت أميركا خطوة عملاقة إلى الوراء في التاريخ بسبب نتائج الانتخابات الأخيرة»، مضيفاً: «لكن لا تقلقوا، سنعود، أكبر وأقوى من أي وقت مضى!».

وعزّز الرئيس ترمب قبضته على البيت الأبيض، أمس، بتعيين مستشاره المقرّب ستيفن ميلر كبيراً لموظفيه، خلفاً لسوزي وايلز، في أول تعديل كبير بإدارته بعد الهزيمة المدوّية للجمهوريين في الانتخابات النصفية. ويعكس التعيين، بحسب منتقدي الرئيس، تمسّكه بنهج المواجهة مع الديمقراطيين الذين انتزعوا الأغلبية في مجلسَي الكونغرس. وعزّز ترمب هذه الرسالة بنشر صورة لنفسه تحمل عبارة «السيد فيتو»، في إشارة إلى استعداده لاستخدام صلاحياته لعرقلة أجندة الأغلبية الجديدة.

ويأتي القرار وسط تصاعد الانقسامات داخل الحزب الجمهوري بشأن مستقبل ترمب السياسي. ورغم سيطرتهم على الكونغرس، فإن الديمقراطيين سيجدون صعوبة في تمرير تشريعاتهم، وتجاوز «الفيتو» الرئاسي، لكن أغلبيتهم تمنحهم أدوات لفتح تحقيقات مع الإدارة وتقييد الإنفاق الحكومي.


الكونغرس الجديد يختبر سلطة ترمب ووحدة الجمهوريين

الرئيس ترمب في البيت الأبيض بعد نتائج الانتخابات النصفية يوم 5 نوفمبر 2026 (أ.ب)
الرئيس ترمب في البيت الأبيض بعد نتائج الانتخابات النصفية يوم 5 نوفمبر 2026 (أ.ب)
TT

الكونغرس الجديد يختبر سلطة ترمب ووحدة الجمهوريين

الرئيس ترمب في البيت الأبيض بعد نتائج الانتخابات النصفية يوم 5 نوفمبر 2026 (أ.ب)
الرئيس ترمب في البيت الأبيض بعد نتائج الانتخابات النصفية يوم 5 نوفمبر 2026 (أ.ب)

بعد انقشاع غبار الزلزال الانتخابي الذي أحدثته الانتخابات النصفية الأميركية، تتجه الأنظار إلى الكونغرس بتركيبته الجديدة ووجوهه المتنوعة. فالديمقراطيون، الذين أغدقوا الوعود على الناخبين، يواجهون اختبار ترجمتها إلى سياسات وتشريعات، في حين يسعى الجمهوريون، بعد هزيمتهم المدوّية، إلى التكيّف مع انتقالهم إلى صفوف الأقلية. غير أن شهرين يفصلان الكونغرس الجديد عن تسلّم مهامه مطلع العام المقبل، وهي فترة قد يسعى الجمهوريون خلالها إلى استغلال ما تبقّى من أغلبيتهم لتمرير أكبر قدر ممكن من أولوياتهم التشريعية وأجندة الرئيس دونالد ترمب.

ويستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وشبكة «الشرق»، حدود قدرة الكونغرس الجديد على كبح سياسات ترمب، واحتمالات تمرّد الجمهوريين عليه بعد الهزيمة الانتخابية، فضلاً عن أبرز الملفات المطروحة على جدول أعمال الكونغرس خلال فترة «البطة العرجاء».

أغلبية لا تكفي لمواجهة ترمب

رغم سيطرتهم على مجلسَي الكونغرس، لن يتمكن الديمقراطيون من تمرير أجندتهم التشريعية من دون تعاون الجمهوريين. فمعظم التشريعات الخاضعة لقاعدة إنهاء النقاش في مجلس الشيوخ تحتاج إلى موافقة ستين عضواً، في حين يتطلب تجاوز «الفيتو» الرئاسي أغلبية الثلثين في المجلسين.

ويوضح نائب رئيس معهد بليموث في مؤسسة «أميركان فريدوم» المحافظة، ريتشارد ستيرن، أن الديمقراطيين «سيحظون بأغلبية كبيرة جداً، لكنهم لن يصلوا إلى العدد المطلوب البالغ ستين صوتاً». ويضيف: «لذا سيتعين إجراء بعض المفاوضات بين الديمقراطيين والجمهوريين في الكونغرس بشأن أي إجراء يتخذونه، ناهيك بحقيقة أنهم لن يمتلكوا ثلثَي الأصوات اللازمة لإلغاء (الفيتو) الرئاسي. لذلك أعتقد أننا سنشهد إغلاقاً حكوميًّا محتملاً بسبب المفاوضات حول الأنشطة العسكرية التي سيتم تمويلها».

الأغلبية الجديدة في الكونغرس غير كافية لكسر «الفيتو» الرئاسي (رويترز)

ومع ذلك، تمنح السيطرة على الكونغرس الديمقراطيين أدوات رقابية وسياسية واسعة لمواجهة ترمب، أبرزها رئاسة اللجان وسلطة استدعاء مسؤولي الإدارة وإجراء التحقيقات، إضافة إلى التحكم في التشريعات المتعلقة بالإنفاق الحكومي والمصادقة على التعيينات في مجلس الشيوخ.

ويتوقع الصحافي الاستقصائي مارك ألبرت أن يطلق الديمقراطيون موجة واسعة من التحقيقات في قضايا الفساد وتضارب المصالح، مشيراً إلى أن الناخبين طالبوا بمحاسبة الإدارة، ما سيجعل المساءلة في صدارة أولويات الكونغرس الجديد.

أما المسؤول السابق في لجنة الحملة الانتخابية الديمقراطية للكونغرس، إيان راسل، فيرجّح أن تفضي هذه التحقيقات إلى تغييرات في صفوف الإدارة، قائلاً: «أعتقد أن أيام وزير الحرب بيت هيغسيث أصبحت معدودة»، ومتوقعاً تعديلات وزارية أخرى، مع التشديد على ضرورة محاسبة المسؤولين بصرف النظر عن انتماءاتهم الحزبية.

وتبرز حرب إيران بوصفها أحد أكثر الملفات تعقيداً في المواجهة المرتقبة بين الكونغرس والبيت الأبيض. فبينما يحتفظ الرئيس بصلاحيات واسعة في إدارة العمليات العسكرية، يمتلك الكونغرس سلطة إقرار التمويل، ما يمنح الديمقراطيين ورقة ضغط لمحاولة تقييد الإنفاق على الحرب. ويقر راسل بصعوبة استخدام هذه الورقة مع اقتراب مناقشة الموازنة الدفاعية، في ظل حساسية أي قرار قد ينعكس على القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة.

هل ينقلب الجمهوريون على ترمب؟

قد تأتي أبرز التحديات التي تواجه ترمب من داخل صفوف حزبه نفسه. فقد أثارت تصريحات نائبه جي دي فانس، الذي حمّل الحرب مع إيران مسؤولية الخسارة الانتخابية، تساؤلات بشأن احتمال تصدّع العلاقة بين الرجلين. ويرى راسل أن فانس «يحاول إيجاد طريقة لخلق مسافة بينه وبين الرئيس»، تمهيداً لاستحقاق الانتخابات الرئاسية المقبلة.

ترمب مع نائبه جي دي فانس في واشنطن يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

أما ستيرن، فيعتبر أن نائب الرئيس يسعى إلى النأي بنفسه عن قرارات شارك في صنعها، لكنه يحمّل ترمب نفسه مسؤولية تآكل ثقة الأميركيين بإدارته. ويقول ستيرن إن الرئيس، بعد سياساته الجمركية ومواجهاته مع خصومه، قد «كسر تلك الثقة» عندما طلب من الأميركيين تأييد الحرب مع إيران. وقد يكون وزير الحرب بيت هيغسيث من أوائل ضحايا التصدّعات داخل الحزب الجمهوري. فقد تعهّد النائب الجمهوري توماس ماسي بتقديم قرار لعزله خلال دورة الكونغرس الحالية، وسط توقعات بأن يحظى بدعم من الحزبين. ويشير راسل إلى توتر علاقة ترمب بعدد من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين الذين خسروا الانتخابات التمهيدية بسبب تدخّله ضدهم، مرجّحاً أن يدعموا عزل هيغسيث، الذي قد يتحوّل إلى «كبش فداء سهل»، على حد تعبيره.

رئيس مجلس النواب المنتهية ولايته مايك جونسون في الكونغرس يوم 30 أبريل 2024 (أ.ب)

ويتوقع ستيرن أن يتزايد عدد الجمهوريين المستعدين لتحدّي الرئيس علناً، لكنه يستبعد تمرّداً جماعياً عليه، في ظل حسابات السباق الرئاسي لعام 2028، التي قد تدفع كثيرين إلى التريّث.

وفي خضمّ مساعي الحزب لإعادة ترتيب صفوفه، يرى ستيرن أن الهزيمة قد تتيح للجمهوريين فرصة لإعادة تعريف هويتهم السياسية، متحدثاً عن إمكانية بروز «ريغان جديد»، على حد تعبيره. ويرجّح أن يكون ماركو روبيو من أبرز المتنافسين على ترشيح الحزب للرئاسة عام 2028، إلى جانب فانس وشخصيات أخرى قد تبرز خلال العامين المقبلين.

فرصة أخيرة أم مواجهة مبكرة؟

قبل تسلّم الديمقراطيين زمام السلطة التشريعية مطلع العام المقبل، يحتفظ الجمهوريون بأغلبيتهم في مجلسَي الكونغرس حتى انتهاء ولايته الحالية، ما يمنحهم فرصة أخيرة لتمرير تشريعات والمصادقة على تعيينات قد يصعب إقرارها بعد انتقالهم إلى صفوف الأقلية.

ومن بين السيناريوهات المطروحة استبدال وزير الحرب بيت هيغسيث، والمصادقة على تعيين خلف له قبل يناير (كانون الثاني)، وإن كان ستيرن يرى أن الحديث عن هذا الاحتمال لا يزال سابقاً لأوانه.

وزير الحرب بيت هيغسيث في واشنطن يوم 5 نوفمبر 2026 (رويترز)

أما الاختبار الأكثر إلحاحاً فيتعلق بأزمة التمويل الحكومي، مع انتهاء التمويل الحالي في 11 ديسمبر (كانون الأول). ويطرح ألبرت احتمالين: إقرار تمويل مؤقت يجنّب البلاد الإغلاق الحكومي حتى انعقاد الكونغرس الجديد، أو الدخول في مواجهة سياسية يسعى خلالها الديمقراطيون إلى انتزاع تنازلات مقابل دعمهم. ويقول إن الديمقراطيين «سيطلبون ثمناً باهظاً للغاية مقابل منح أصواتهم»، لافتاً إلى أن إقرار قانون تفويض الدفاع الوطني يشكّل بدوره أولوية تشريعية خلال هذه الفترة. غير أن التصعيد ليس حتمياً؛ إذ يرى ألبرت مجالاً للتوافق بين الحزبين في عدد من الملفات، بينها إصلاح نظام التراخيص والرسوم الجمركية، وربما تقييد صلاحيات الرئيس في شن الحروب. وفي نهاية المطاف، قد يتوقف مسار العلاقة بين الكونغرس والبيت الأبيض على حسابات ترمب نفسه. ويتساءل ألبرت: «هل يريد أن يغادر البيت الأبيض باعتباره رئيساً يستخدم (الفيتو) باستمرار، أو يفضّل تحقيق إنجازات تشريعية مشتركة تعزز إرثه السياسي؟».

اختبار وعود الديمقراطيين

في المقابل، يواجه الديمقراطيون اختباراً لا يقل صعوبة عن معركة انتزاع الأغلبية، يتمثّل في الوفاء بوعودهم الانتخابية. فزعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، تعهّد بخفض تكاليف المعيشة ومكافحة الفساد، لكن ستيرن يشكك في أن يكون فوز الحزب تفويضاً شعبياً لتطبيق أجندته.

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر في واشنطن يوم 5 نوفمبر 2026 (أ.ب)

ويقول: «الديمقراطيون لم يفوزوا فعلياً في هذه الانتخابات، بل إن الجمهوريين هم من خسروها»، معتبراً أن تصويت الناخبين كان أقرب إلى معاقبة ترمب على سياساته منه إلى تبنّي برنامج الديمقراطيين.

في المقابل، يختلف راسل مع هذا التوصيف، مؤكداً أن الديمقراطيين خاضوا حملة انتخابية منضبطة جعلت خفض تكاليف المعيشة في صدارة أولوياتها. لكنه يقرّ بأن الانتقال من الوعود إلى التشريع لن يكون سهلاً، في ظل تباينات داخل الحزب بشأن سبل تنفيذ أجندته، خصوصاً مع تنامي نفوذ الجناح التقدمي، وبدء التنافس المبكر على الانتخابات الرئاسية المقبلة.