العاصمة الليبية تتلمس طريقها لـ«التحرر» من قبضة الميليشيات

بعد اتفاق المنفي والدبيبة على إنهاء المظاهر المسلحة في طرابلس

جانب من القوات التي تفصل بين المتقاتلين في طرابلس (شعبة الاحتياط بقوة مكافحة الإرهاب)
جانب من القوات التي تفصل بين المتقاتلين في طرابلس (شعبة الاحتياط بقوة مكافحة الإرهاب)
TT

العاصمة الليبية تتلمس طريقها لـ«التحرر» من قبضة الميليشيات

جانب من القوات التي تفصل بين المتقاتلين في طرابلس (شعبة الاحتياط بقوة مكافحة الإرهاب)
جانب من القوات التي تفصل بين المتقاتلين في طرابلس (شعبة الاحتياط بقوة مكافحة الإرهاب)

تتلمس العاصمة الليبية طريقها للخلاص و«التحرر» من التشكيلات المسلحة، بعد قرار السلطة التنفيذية في طرابلس ضرورة إنهاء المظاهر المسلحة بالمدينة، التي تشهد اشتباكات من وقت إلى آخر.

وكان عماد الطرابلسي، وزير الداخلية المكلّف بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، قد دعا خلال اجتماع للحكومة، الأسبوع الماضي، إلى حلّ الأجهزة والتشكيلات المسلحة كافة، بما في ذلك تلك التابعة للحكومة، أو المجلس الرئاسي.

عماد الطرابلسي وزير الداخلية المكلّف بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة (أ.ف.ب)

اقتراح الطرابلسي، الذي وصفه بأنه «حلّ نهائي» لمشاكل العاصمة طرابلس، تبنّاه رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، الذي أعلن على الفور استعداده للتوقيع على أي قرار يتضمن حلّ أي تشكيلات خارجة عن سلطة وزارتي الدفاع والداخلية في حكومته. كما تعهد الدبيبة بمخاطبة المجلس الرئاسي بشأن حلّ الأجهزة الأمنية التابعة له، مشيراً إلى أن القرارات والترتيبات المتعلقة بمشروع حكومته «هي لبناء الدولة والقضاء على الميليشيات».

وأثار توجه الطرابلسي والدبيبة لحلّ التشكيلات المسلحة جدلاً واسعاً حول أهدافه، وفرص تحقيقه، ودلالات توقيته، خاصة في ظل الخصومة الراهنة بين رئيس الحكومة وبعض قادة التشكيلات، وعلى رأسها «جهاز الردع».

تدمير «جهاز الردع»

الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، جلال حرشاوي، عبّر عن قناعته بأن «الهدف الواضح من هذا الطرح هو تدمير (جهاز الردع) فقط، وليس الرغبة الفعلية في تخليص العاصمة من هيمنة الميليشيات».

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، وصف حرشاوي قدرة حكومة «الوحدة الوطنية» على حلّ الميليشيات سلمياً بأنها «شبه معدومة»، مشيراً إلى أن حلّ جهاز «دعم الاستقرار» منتصف الشهر الماضي جاء عبر «عملية إعدام خارج القانون لرئيسه عبد الغني الككلي»، وأن تفكيك بعض الكتائب الكبرى بالعاصمة، مثل «كتيبة النواصي»، تم منذ نحو ثلاث سنوات عبر «مواجهات مسلحة عنيفة».

من مخلفات الاشتباكات المسلحة في العاصمة طرابلس (أ.ف.ب)

وقلّل الباحث المتخصص في الشأن الليبي من جدية دعوات الطرابلسي، مذكّراً بكثرة تعهداته منذ قرابة عام بخصوص «عودة التشكيلات المسلحة إلى ثكناتها ومقراتها خارج العاصمة»، وهو وعد لم يتحقق منه شيء على حد قوله. وتساءل حرشاوي عن مصير «بعض التشكيلات التي تصطف إلى جانب حكومة (الوحدة) في المرحلة الراهنة، وفي مقدمتها قوة العمليات المشتركة المتمركزة في مصراتة، التي يتحدر منها الدبيبة»، وعما إذا كانت ستُشمل بقرار الحل أم لا؟

وشهدت طرابلس، الشهر الماضي، عقب اغتيال الككلي، مواجهات مسلحة بين قوات تابعة لحكومة «الوحدة» و«قوات الردع» وموالين له، أسفرت عن خسائر بشرية ومادية كبيرة.

عراقيل التنفيذ

رغم أن المقترح يُظهر نية لتفكيك التشكيلات المسلحة، فإن مراقبين لفتوا إلى وجود عدد من العوامل التي قد تحول دون تنفيذه، فضلاً عن شكوك في أهدافه الحقيقية، خصوصاً مع الاتهامات الموجهة للحكومة بالسعي لتصفية خصومها فقط.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة المؤقتة (الوحدة)

في هذا السياق، يرى المحلل السياسي محمد محفوظ أن «حالة الاحتقان الراهنة في العاصمة، بعد ما شهدته من توترات أمنية، قد تعوق بدرجة كبيرة فرص تطبيق سياسات أمنية فعالة، رغم مطالبات الليبيين المستمرة منذ سنوات، وفي مقدمتها حلّ الميليشيات مع ضمان فرص عمل لمنتسبيها».

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أشار محفوظ إلى وجود تباين في الرؤى بين المجلس الرئاسي والحكومة بشأن الترتيبات الأمنية للعاصمة. وأوضح أن المنفي أصدر مؤخراً قراراً بتشكيل لجنة للترتيبات الأمنية والعسكرية في طرابلس، تضم ممثلين عن وزارتي الدفاع والداخلية بحكومة «الوحدة»، إلى جانب ممثل عن جهاز «الردع» الذي أمر الدبيبة بحلّه.

وأضاف محفوظ موضحاً أن «بيان المجلس الرئاسي تحدّث فقط عن ضمان إخلاء المدينة من كل المظاهر المسلحة، دون الإشارة بأي شكل إلى حلّ الميليشيات. وقد تم الترحيب بهذا القرار من مختلف الأطراف».

وأكد بيان «الرئاسي» أن قرار تشكيل «اللجنة المؤقتة للترتيبات الأمنية والعسكرية» جاء استناداً إلى «ما عرضه رئيس حكومة الوحدة الوطنية، وما تقتضيه متطلبات المرحلة من إجراءات لترسيخ الأمن والاستقرار في العاصمة طرابلس».

وفسّرت بعض الأصوات السياسية هذا القرار بأنه تراجع تكتيكي يهدف إلى تجنيب العاصمة جولة جديدة من المواجهات المسلحة بين قوات حكومة «الوحدة» وقوات «الردع».

محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي (رويترز)

ويُعد ملف الاتهامات الموجهة لقادة وعناصر الأجهزة المسلحة، بشأن ارتكاب انتهاكات وجرائم تعذيب وقتل، وضلوعها في تهريب البشر والوقود، عائقاً إضافياً، وبهذا الخصوص يرى محفوظ «ضرورة معالجة هذه القضايا قبل الحديث عن دمج العناصر في المؤسستين الأمنية والعسكرية». وقال إن «الأمر ليس عشوائياً، بل يحتاج إلى خطط تنظيمية؛ فهناك آلاف العناصر المنضوية تحت تلك التشكيلات، والحل المنطقي هو دمجها بالمؤسسات الرسمية»، لافتاً إلى ضرورة الفصل بين من تُوجّه لهم اتهامات، وهم في الغالب قيادات الصف الأول والثاني، وبين بقية العناصر التي انضمت بدافع تأمين سبل معيشتهم.

من جانبه، انتقد وزير الدفاع الأسبق، محمد البرغثي، ما وصفه بـ«التهوين في التعاطي مع ملف حلّ الميليشيات». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الطرح المقدم من الطرابلسي تغافل الإجابة على تساؤلات جوهرية، مثل مصير ترسانة السلاح لدى كل ميليشيا، ومدى تغلغل هذه المجموعات في النسيج الاجتماعي، وتكوينها حواضن شعبية في مناطق تمركزها ببعض مدن الغرب الليبي»؛ مشيراً إلى أن «سيطرة تلك الميليشيات على مؤسسات أو معابر استراتيجية لسنوات، جعل منها ذراعاً اقتصادية يتربّح منها بعض السكان، إضافة إلى اعتبارها ذراعاً عسكرية لبعض القبائل، مما ينذر باعتراضات مجتمعية على قرار الحل».

وحذّر البرغثي من أن «الحديث عن دمج عناصر الميليشيات، دون الالتزام بالخطط المعروفة للتسريح وإعادة الدمج، وشروط الالتحاق بالمؤسسة العسكرية من حيث المؤهل الدراسي، والتدريب والانضباط؛ يعني محاولة إجهاض تلك المؤسسة بدلاً من تقويتها».


مقالات ذات صلة

رئاسة «النواب» الليبي الجديدة أمام خيار أولويات صعب

شمال افريقيا الصالحين عبد النبي رئيس مجلس النواب الليبي الجديد (المجلس)

رئاسة «النواب» الليبي الجديدة أمام خيار أولويات صعب

تواجه الرئاسة الجديدة لمجلس النواب الليبي تحدياً مزدوجاً بين الدفع نحو تسوية سياسية تنهي الانقسام المستمر، والاستجابة للأزمات المعيشية المتفاقمة.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من ظاهرة حراك معلمي ومعلمات جنزور غرب ليبيا يوم الأحد (النقابة العامة للمعلمين)

«حراك المعلمين» في ليبيا يهدد بمواصلة تعطيل الدراسة

استمر إضراب المعلمين في مناطق ليبية عديدة، مهدداً بمزيد من تعطيل الدراسة، وسط تعثر جهود الحكومة والنقابة لاحتواء الأزمة، وتمسك الحراك بمطالبه المالية والوظيفية.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا صدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي مستقبلاً وزير خارجية سوريا أسعد الشيباني في مقر القيادة ببنغازي الأحد (القيادة العامة)

صدام حفتر يؤكد للشيباني استعداد «القيادة العامة» لدعم الشعب السوري

في أول زيارة له إلى بنغازي، بحث وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، عدداً من الملفات الأمنية.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا أطباء ليبيون يجرون عملية جراحية في ظل نقص المعدات الضرورية (وزارة الصحة في غرب ليبيا)

تصاعد أزمات قطاع الصحة يثير غضب الليبيين

يثير تصاعد الأزمات داخل القطاع الصحي الليبي مخاوف حول استمرار تقديم الخدمات العلاجية، في ظلِّ تواصل اعتصام أطباء بمرافق صحية متعددة في غرب ليبيا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا عناصر تابعة للجيش الوطني الليبي عقب ضبط شحنة مخدرات مهربة في الكفرة الليبية السبت (إعلام القيادة العامة)

«الوطني الليبي» يضبط أكثر من 1.3 مليون حبة مخدرة

واصل الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، تضييق الخناق على شبكات تهريب المخدرات في جنوب البلاد.

خالد محمود (القاهرة )

مخاوف من أزمة جديدة بعد توقيف الجزائر 61 مغربياً

جماهير ترفع العلمين المغربي والجزائري (أ.ف.ب)
جماهير ترفع العلمين المغربي والجزائري (أ.ف.ب)
TT

مخاوف من أزمة جديدة بعد توقيف الجزائر 61 مغربياً

جماهير ترفع العلمين المغربي والجزائري (أ.ف.ب)
جماهير ترفع العلمين المغربي والجزائري (أ.ف.ب)

أعلنت الشرطة الجزائرية، الأحد، توقيف 61 مغربياً في مدينة وهران، بشمال غربي البلاد، بتهمة التخطيط «لارتكاب أعمال تخريبية»، في خطوة تثير مخاوف من تفاقم التوتر القائم بين البلدين في ظل علاقات دبلوماسية مقطوعة.

وذكر بيان للمديرية العامة للأمن الوطني نشرته وسائل الإعلام الرسمية بالجزائر، الأحد، أن الشرطة قامت في بداية أكتوبر (تشرين الأول) الحالي بـ«تفكيك شبكة إجرامية دولية مغربية ينشط أعضاؤها داخل التراب الوطني، مع توقيف 61 شخصاً من جنسية مغربية كانوا بصدد التحضير لارتكاب أعمال تخريبية تمس بالأمن والنظام العام داخل الوطن».

وفي المغرب، أثار الإعلان الجزائري موجة من التشكيك في أوساط إعلامية، وسط غياب رد رسمي من الرباط حتى الآن.

وتركزت الانتقادات على افتقار الرواية الجزائرية إلى أدلة مادية معلنة تسند الاتهامات، إذ لم يكشف البيان الأمني عن طبيعة الأعمال التخريبية المفترضة أو أهدافها أو الوسائل التي كان الموقوفون يعتزمون استخدامها. وأثارت أوساط إعلامية مغربية تساؤلات بشأن اعتبار جوازات السفر والمبالغ المالية المضبوطة قرائن على التخطيط لأعمال تخريبية، وربطت توقيت الإعلان بالتوتر السياسي المستمر بين البلدين منذ قطع العلاقات الدبلوماسية عام 2021. وفي حين شككت بعض التعليقات في دوافع الإعلان الجزائري، ظل التحقق المستقل من صحة الاتهامات متعذراً في ضوء المعلومات المتاحة.

ولم يوضح البيان الجزائري الرسمي طبيعة الأعمال المفترض أن الموقوفين كانوا يستعدون للقيام بها، غير أنه أورد أن من بين الموقوفين عسكرياً سابقاً، وأن المجموعة انتقلت من المغرب إلى تونس جواً، في ظل غياب طيران مباشر مع الجزائر، ثم دخلت البلاد براً حتى وصلت إلى وهران؛ حيث تم توقيف عناصرها ومصادرة جوازات سفرهم ومبالغ مالية.

وأضاف البيان أن الموقوفين «تسللوا إلى التراب الوطني مستغلين المسالك الجبلية الوعرة والممرات الغابية المعزولة بمنطقة القالة بولاية الطارف المتاخمة للحدود التونسية».

وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها توقيف مواطنين مغاربة في الجزائر بتهم تتعلق بتهريب المخدرات أو الهجرة غير الشرعية أو حتى الإرهاب، حسبما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية»، لكن من دون أن يصل العدد إلى 61 شخصاً دفعة واحدة.

وأشارت الوكالة الفرنسية إلى أن الجيش الجزائري أعلن في يوليو (تموز) الماضي توقيف ستة أشخاص في منطقة تيزي وزو بوسط البلاد، بينهم أربعة من الجنسية المغربية ينتمون إلى «حركة تقرير مصير منطقة القبائل» المصنفة إرهابية من قبل السلطات الجزائرية.

وتم اتهام المجموعة بالتشويش على الانتخابات التشريعية آنذاك والتحريض على «عدم المشاركة فيها».

وفي 2021، قررت الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الرباط بعد سنوات من التوتر بسبب نزاع الصحراء. ويشار أيضاً إلى أن الحدود البرية بين البلدين مغلقة منذ 1994.


البرهان يأمر بالتحقيق في ملابسات قصف منقّبين عن الذهب

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان أمر بفتح تحقيق في حادث مقتل المنقبين عن الذهب (أرشيفية - رويترز)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان أمر بفتح تحقيق في حادث مقتل المنقبين عن الذهب (أرشيفية - رويترز)
TT

البرهان يأمر بالتحقيق في ملابسات قصف منقّبين عن الذهب

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان أمر بفتح تحقيق في حادث مقتل المنقبين عن الذهب (أرشيفية - رويترز)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان أمر بفتح تحقيق في حادث مقتل المنقبين عن الذهب (أرشيفية - رويترز)

ارتفعت تقديرات أعداد ضحايا القصف الجوي الذي استهدف مواقع لتعدين الذهب قرب الحدود السودانية - المصرية، إلى أكثر من 200 قتيل وعشرات الجرحى والمفقودين. ووسط تضارب في حصيلة عدد الضحايا وازدياد الغموض بشأن أعداد المفقودين، أعلن مجلس السيادة الانتقالي السوداني، الاثنين، تشكيل لجنة للتحقيق في الواقعة.

وقدّر كل من «حزب الأمة القومي» ومنظمة «مناصرة ضحايا دارفور» الخسائر بنحو 200 قتيل و120 جريحاً، فيما أعلنت هيئة «محامو الطوارئ» مقتل 72 منقّباً عن المعادن. أما شبكة أطباء السودان فأشارت إلى مقتل 13 شخصاً وإصابة 28 آخرين، في وقت لم يصدر فيه إحصاء رسمي بالأعداد الفعلية للضحايا.

ووفق روايات الشهود، استهدفت الغارات منطقة شمال الوادي وجبل العقيدات قرب سوق الأنصاري داخل الحدود السودانية، صباح السبت 10 أكتوبر (تشرين الأول). وقال ناجون، في تصريحات إعلامية، إن القصف أصاب مخيمات العمال وآبار التنقيب، وتسبب في انهيار بعضها على العاملين داخلها، بينما فر آخرون إلى الجبال والكهوف المحيطة. ولم يتم التحقق بصورة مستقلة من هوية الطائرات أو الموقع الدقيق للهجوم. ولم تُنشر حصيلة موثوقة للمفقودين، مع انقطاع الاتصال بالمنقبين وتشتت الناجين.

وفي أول موقف رسمي سوداني معلن، أعلن مجلس السيادة الذي يرأسه قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، ترحمه على الضحايا وقدّم تعازيه في «المواطنين السودانيين الذين قضوا في الحادث الأليم الذي تعرّض له عدد من المعدّنين السودانيين بالمنطقة الحدودية بين السودان وجمهورية مصر العربية»، معلناً في بيان، أن رئيسه «أصدر قراراً بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق... للتحقيق في ملابسات الحادث، والوقوف على جميع الظروف والوقائع المرتبطة به، ورفع تقرير بنتائج التحقيق».

وأكد المجلس مسؤولية الدولة عن حماية المواطنين وضرورة كشف الحقائق و«حماية واحترام الحدود»، وقال في بيان، إن قيادتي السودان ومصر ظلتا على تواصل منذ وقوع الحادث، لحماية الأرواح ومعرفة ملابساته وإطلاع الرأي العام، مع الحفاظ على العلاقة بين الشعبين.

وعلى الرغم من الانتقادات السياسية والحقوقية والشعبية للصمت الرسمي الذي وُصف بأنه «طال»، اكتفى البيان بوصف الواقعة بأنها «حادث أليم»، دون ذكر قصف جوي أو تحديد المسؤول عنه، كما لم يعلن حصيلة للضحايا أو موعد إنجاز التحقيق.

وشعبياً، تداول ناشطون سودانيون مقاطع قالوا إنها توثق آثار القصف، وانتقد معدنون غياب الحماية والمساعدة رغم دفع الضرائب والرسوم، فيما أدانت تنظيمات سياسية ونقابية وشعبية الغارات وطالبت بتحقيق مستقل، منتقدةً صمت السلطات السودانية قبل صدور بيان مجلس السيادة.


موريتانيا: وزراء في الحكومة السابقة يوجهون رسائل وداع وولاء

وزير الداخلية الموريتاني السابق (يمين) يوجه رسالة مطولة يعرض فيها حصيلته ويودع موظفي القطاع (وزارة الداخلية)
وزير الداخلية الموريتاني السابق (يمين) يوجه رسالة مطولة يعرض فيها حصيلته ويودع موظفي القطاع (وزارة الداخلية)
TT

موريتانيا: وزراء في الحكومة السابقة يوجهون رسائل وداع وولاء

وزير الداخلية الموريتاني السابق (يمين) يوجه رسالة مطولة يعرض فيها حصيلته ويودع موظفي القطاع (وزارة الداخلية)
وزير الداخلية الموريتاني السابق (يمين) يوجه رسالة مطولة يعرض فيها حصيلته ويودع موظفي القطاع (وزارة الداخلية)

في خطوة غير مألوفة بالحياة السياسية في موريتانيا، خاطب عدد من الوزراء الذين غادروا الحكومة الرأي العام برسائل وداع نُشرت عبر الإعلام المحلي، وجرى تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأثارت ردود فعل واسعة.

وأجمعت رسائل الوزراء الخارجين من الحكومة على تأكيد وتجديد الولاء للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني وبرنامجه الانتخابي «طموحي للوطن»، دونما الإشارة إلى أي أسباب ربما كانت وراء قرار الإقالة.

الرسالة الأطول

كانت رسالة وزير الداخلية السابق محمد أحمد ولد محمد الأمين، الذي تولى الحقيبة منذ أبريل (نيسان) 2022، الأطول والأكثر تفصيلاً، وأثارت نقاشاً واسعاً بعد نشرها مساء الأحد.

وخاطب ولد محمد أحمد، في رسالته التي سمّاها «رسالة شكر وتقدير»، قادة الأجهزة الأمنية والولاة والحكام والعمد، ثم عرض حصيلة قطاعه في الأمن والإدارة الإقليمية والحريات العامة والحالة المدنية واللامركزية.

وذكر من بين ما عدّه إنجازات قانوناً جديداً للأحزاب، وثلاثة حوارات سياسية، وتمكين الجاليات من انتخاب ممثلين في البرلمان للمرة الأولى، وتجاوُز نسبة القيد في السجل السكاني 95 في المائة، واستحداث 19 بلدية، ومضاعفة مخصصات الصندوق الجهوي للتنمية.

وقال إن «تعاقب المسؤولين على المواقع الإدارية لا يعني تغير الأهداف الوطنية الكبرى»، وهنّأ خلفه المختار ولد أحمد بوسيف، وشكر الرئيس على «ثقة كبيرة وعناية كريمة وتوجيهات نيّرة».

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

وبعد رسالته المطوّلة، استقبل ولد محمد الأمين في منزله بالعاصمة نواكشوط العشرات من الشخصيات السياسية والثقافية، حيث عبَّروا له عن تقديرهم للعمل الذي أنجزه خلال فترته في وزارة الداخلية.

ومن أبرز الحاضرين وزيرة التجارة والسياحة زينب بنت أحمدناه، التي ظهرت في مقطع فيديو قالت فيه إن ولد محمد الأمين حقق نتائج كبيرة في ملفات محاربة الهجرة غير النظامية ومواجهة خطاب الكراهية والعنصرية، وإصلاح الحالة المدنية.

تعهدات بالوفاء

أما وزير التنمية الحيوانية سيد أحمد ولد محمد، الذي قال إن مساره الوزاري بدأ عام 2019، فكتب أقصر الرسائل، ووصف النهاية بأنها «مشرِّفة رغم استحالة التمام للبشر»، وتعهد بالوفاء للرئيس ولنهجه.

وجاءت رسالة وزير الصحة، الشيخ التيجاني تيام، الذي تولى حقيبته في مارس (آذار) الماضي، بنبرة شخصية، فبدأها بشكر الرئيس على «الثقة الغالية»، وأكد أن مغادرته «لا تعني أبداً مغادرة مسار الالتزام والوفاء»، وأن «خدمة الوطن لا ترتبط بمنصب»، قبل أن يُحيِّي العاملين في قطاع الصحة.

وكان الوزير الأول، المختار ولد أجاي، قد قال بعد تقديم استقالة حكومته، الجمعة، إنه يتحمّل مسؤولية أي نقص، ثم أُعيد تكليفه خلال ساعات، إذ أعلن أن الحكومة الجديدة ستكون قائمة على «الكفاءة السياسية والفنية».

الحكومة الجديدة

كانت الأمينة العامة للرئاسة، عيساتا با يحيى، قد أعلنت الحكومة الجديدة مساء السبت، بعد أقل من 24 ساعة على تجديد الثقة بولد أجاي، وإعادة تكليفه بتشكيل الحكومة.

الأمينة العامة للرئاسة الموريتانية عيساتا با يحيى (الرئاسة)

وشملت التشكيلة 29 وزيراً، بينهم وزير منتدب، واحتفظ 17 وزيراً بحقائبهم، وانتقل ثلاثة إلى وزارات أخرى، ودخل على التشكيل عشرة وجوه جديدة.

ولكن المفاجأة كانت مغادرة وزير الدفاع اللواء المتقاعد حننه ولد سيدي بعد سبع سنوات في المنصب، ومغادرة ولد محمد الأمين وزارة الداخلية، بالإضافة إلى خروج الوزير الأمين العام لرئاسة الجمهورية مولاي ولد محمد لغظف، وهو وزير أول سابق.

وتشكّلت الحكومة في مناخ يغلب عليه حوار وطني لم تكتمل لجنة إشرافه، وجدل حول المأمورية الثالثة المحتملة للرئيس ولد الغزواني، وغلاء في الأسعار، وأولويات أعلنها الوزير الأول تتمثل في الحماية الاجتماعية، وتشغيل الشباب، والتنمية المحلية.

كما أنها تأتي بعد تسلم ولد الغزواني تقرير لجنة التحقيق المستقلة في حريقي محطتي الكهرباء في نواكشوط يومي 21 و22 أغسطس (آب) الماضي، اللذين قطعا التيار عن أحياء من العاصمة من ثلاثة إلى خمسة أيام. وربط التقرير الحريقين بثلاث وصلات جديدة.