«المنسيون بين ماءين» لليلى المطوع

حكايات البحر الكثيرة من منظور مختلف

الروائية البحرينية ليلى المطوع
الروائية البحرينية ليلى المطوع
TT

«المنسيون بين ماءين» لليلى المطوع

الروائية البحرينية ليلى المطوع
الروائية البحرينية ليلى المطوع

تتدفق في رواية «المنسيون بين ماءين» للكاتبة البحرينية ليلى المطوع (دار «رشم للنشر والتوزيع» - 2024) محفزات تثير مشاعر مختلطة لدى المتلقي، خصوصاً في أبرز عنصرين من عناصر البيئة المحلية: البحر والنخيل. وهي رواية تعيد الشعور بنشوة ارتطام الماء بالأقدام على السواحل، وتعود بنا إلى مباهج الطفولة من التقاط الأصداف. إنها تذكرنا بطعم «الخلال» اللاذع، وبأصوات العصافير وهي تلتقط الرطب الجني. وترجعنا إلى مواسم الاصطياف في بِرَك الماء الارتوازية وسط مزارع النخيل.

لقد نسجت الكاتبة بلغة رشيقة بساطاً سردياً تداخلت فيه الأزمنة وتقاطعت. وحبكت خيوطه من حكايات تربط سيرة النساء في صراعهن المرير لعيش مشاعر الأمومة، مع غموض وكرم الماء والنخيل سواء بسواء، في معالجة سردية تستمد نسغها من الفانتازيا. فتارة تقدم النذور للبحر، وأحياناً يتم الاستعانة به لقضاء الحوائج.

وتنجح المؤلفة في إصدارها الثاني هذا على إيجاد صيغة فنية وإبداعية تؤكد من خلالها الارتباط المصيري بين عنصري النخلة والبحر في هذه الرقعة الجغرافية وانعكاسهما على الإنسان، تكويناً وحياة. ورسمت داخل هذا الإطار تاريخاً مفصلاً ضارباً في القدم منذ أرض الخلود: «دلمون» ذات المياه العذبة، في شكل ينابيع وعيون فوارة بعد مباركة الإله أنكي - كما تقول الأسطورة.

تشكل الرواية جهداً لافتاً أفصح عن امتلاك الكاتبة للأدوات اللازمة لتقديم رؤية جديدة ومن منظور مختلف لحكايات البحر الكثيرة، التي قال عنها الشاعر علي عبد الله خليفة: «مَلَّها الليل ومَجَّتها الظهيرة»، النخلة، كما يقول الناقد الدكتور علوي الهاشمي للنخلة هي الأم الحقيقة، والبحر هو الأب الشرعي مانح الخير والرزق، رغم قسوته وتجهمه وغدره من ناحية أخرى.

تتحرك أحداث «المنسيون»، وفق توجيه من البطلة «ناديا»، التي تعيش في جزيرة اصطناعية، نتيجة دفن البحر وتطويقه، وإثر القضاء على الينابيع الطبيعية. وذلك بين الماضي والحاضر، في صورة قصص مستلَّة من مذكرات جدتها نجوى عاشقة البحر والنخل، التي كشف عنها زميلها (آدم)، بعد أن كانت مجهولة.

تبدأ الرواية بقصة «سليمة»، المرأة التي تمّت التضحية بابنتها الوحيدة قرباناً حتى تتدفق المياه في عيون الماء من جديد، وتصف من ثم شقاءها. وتعود بعدها إلى الماضي السحيق في حكاية «إيا ناصر» فتصور مشاهد وطقوس عبادة إله الماء، بدراما حسية، لترسيخ فكرة ارتباط النوع البشري بمصدري الحياة على الجزيرة المتمثل في الماء والنخيل.

ومع تقدم أحداث الرواية، تحيك في قصة «درويش» مسار العادات القديمة بين أهالي الجزيرة وانتقالها إلى مَن استوطنها لاحقاً. فتصور مشاهد نقل الأحجار من بناء المعابد إلى بناء المساجد لحظة دخول أهالي الجزيرة في الإسلام. وتضيف إلى ذلك بعض العادات والتقاليد مع لمسة خاصة منها، مثل إلقاء الأطفال النبتات الصغيرات التي تُزرع في سلال الخوص في البحر، للترفق بحالهم وإعادة آبائهم. وملاقاة النساء للبحر بغرض ترويضه، زجراً ورقصاً.

وفي منعطف آخر من الرواية، تتم في قصة «مهنا» إعادة رسم مشاهد المعاناة في مهنة الغوص على اللؤلؤ، وما يصاحبها من شظف، وإعياء.

لقد ضفَّرت الكاتبة روايتها بعناية من مادة التاريخ، ومواد التراث، فضلاً عن طاقة خيالية وأسطرة أسبغت على العمل أبعاداً إضافية وكأنها تسطر سفر تكوين جديد خاص بهذه اليابسة المحاطة بالماء. وتمكنت في المحصلة النهائية من تقديم رؤية بدأت مع نقطة الصفر في التاريخ حتى وصلت بحركة دائرية إلى خلق أسطورة جديدة تمثلت في انتقام الماء لنفسه، وذلك بعد الاعتداء على البحر ومحاصرته في مكانه «بحيث لا سبيل له حتى يجزر بمائه فيفرّ، ولا سبيل ليمد موجه فينتقم، أو تعود فيه الحياة» صفحة 195.

تعيد الرواية الماضي المعيش في كنف البحر والنخل، والحكايات والميثولوجيا الموثَّقة التي تداولتها ألسنة الآباء والأجداد: بودرياه، وأم السعف والليف، وأم حمار، والحوتة التي ابتلعت القمر. وتبسط الأناشيد التي لازمت مرحلة الطفولة. ولكنها لم تكتفِ بذلك، بل جعلت البطلة تأخذ بزمام الحكي وتوجهه إلى أقصى نقطة في التاريخ حتى اللحظة الراهنة، من خلال تتبع سيرة البحر والنخلة، وما يحملانه من قيمة رمزية ومادية. لتتداخل ما حملته الأجيال من عادات وتقاليد موروثة.

واختارت أن تتكئ على أساطير دلمون، من خلال ناديا البطلة والشاهدة التي سجلت على صفحة الماء، بفراته وأجاجه، حيوات متعددة لأجدادها على مر العصور. شريط ذكريات سطرها الأسلاف في علاقتهم بالبحر والعيون العذبة وحب النخيل، لتدون ذاكرة الماء وذكريات لا يمكن قراءتها إلا حين يكون دمها «نخلاوياً». دم ورثته من جدتها «نجوى» وجدها «مهنا» الذي امتهن الغوص على اللؤلؤ. لتعرض بشكل مفصّل أهوال ما يتعرض له الغاصة في رحلة «الهولو واليامال»، ولتسطر تلك المشاهد من وسط «الهيرات»، حيث تتدفق المياه العذبة والمالحة. وتدخل، من ثم، فيما يسمى في علم النفس بـ«الديجافو»، مشيرة إلى أهمية هذه الينابيع العذبة ودورها المهم لمهنة الغوص على مر العصور: «هناك ينابيع عذبة متدفقة تقع على مقربة من الجزيرة الطاهرة، هناك سر الخلود، ومكامن القوة، فامنح البحر آلهتك»، صفحة 116.

تتنقل الكاتبة إذن في روايتها بين أزمنة متفرقة، وتتلمس في هذا التجوال الإسهام المهم لينابيع المياه العذبة ودورها في استيطان الجزيرة بوصفها مقصداً مغرياً. وهو ما حدث من قبل جميع الحضارات التي تركت أثراً، كاشفة عن طقوس كل حضارة، مستعينة بخيال ميثولوجي وآخر مستمَد من ذخيرة الثقافة الشعبية «كانت الجزيرة تحوي نساء دُفِنّ تحت الرمال، وتحولن إلى عُيُون، وحين تشرب من كل عين، ستجد طعمها مختلفاً كطعم صاحبتها» صفحة 56.

وحول هذه المسألة، نلحظ التفنُّن في استنبات هذه الأساطير، مثل تقديم قرابين البنات الصغيرات كي تبتل الأرض بدموعهن ويرتوي التراب بمائهن، فتتدفق المياه ويهلل الناس فرحاً في مواسم القحط. وتعرض لوحة لفتيات يغنين لإله المطر كي تبتلّ أرضهن، ويصاحب الغناء رقص تتحرك فيها شعورهن يميناً وشمالاً. وتستحضر في سياقات أخرى الحكايات المخيفة الخاصة بالبحر، من خرافة «بودرياه» خاطف الصيادين الذي كان يعيش في العالم السفلي، إلى حكاية البحر الغدار في صورة ملك متربع على عرشه، ومن حوله ترقص النسوة ويلفحن شعورهن أمامه، لعله يعيد الغائبين، وإلى عين سمّتها «حوز»، دمجت فيها عدة أساطير معاً، فهي امرأة تخرج حين يسود الليل، تختطف الرجال والأطفال، ذات جلد يشبه الحراشف، وعين حمراء مرعبة، وشعر ذي أفاعٍ صغيرة، وقدم حيوان، دمجاً لأسطورة «ميدوزا» التي تحوِّل مَن يقع نظره عليها إلى حجر، وخرافة أم حمار، وهي من أشهر الخرافات المرتبطة بذاكرة أهل البحرين.

وسلَّطت المطوع الأضواء على الوجود المهم للنخلة بشكل موازٍ مع الماء/ البحر. فقد سنّت القوانين لحمايتها على مدى عصور، فالأرض طُوّعت لتغرس فيها جذورها، لدرجة من يقطع نخلة أو يمس سعفها يُلعن وتطارده الآلهة، لتمنحهن بذلك خلال السرد ذاكرة، ذاكرة وقوفهن على الساحل ورؤيتهن جميع الوقائع التي حدثت على هذه الأرض؛ فهن شواهد، وعمرهن يتجاوز آلاف السنوات، ولهن ذاكرة واحدة، ووجع واحد، وكل نخلة تشعر بالأخرى، وينقلن ذاكرة بعضهن إلى بعض من خلال الماء، ويُوصى سابقاً بعدم النوم على أرض لا نخلة فيها، فهن حارسات الجزيرة. «حين لم تكن الطبيعة تعترف بالتقسيمات التي وضع حدودها البشر، تتمدد الأشجار في كل الاتجاهات، جذورها في قرية وثمرها يسقط في قرية أخرى» صفحة 74.

تتقاطع «المنسيون بين ماءين» إذن بين المستقبل والماضي. وناديا البطلة تعيش حاضراً ومستقبلاً فقد اتصاله بالماء، وتعوض ذلك بحالة ولادة وانبعاث لحيوات متعددة وتجارب سابقة وذكريات بتفاصيلها، كتذكر تلك الجزيرة الصغيرة في شرق الجزيرة الأم (النبيه صالح)، التي يحذرون الجميع من مد يدهم إلى أي فاكهة تُزرَع فيها، مهما كانت رغبتهم بها كبيرة، فالبحر سيعلم وسيطالب بها، وسيقلب أي قارب يخرج من الجزيرة والفاكهة على متنه. ولترى ذاكرة الماء، تنقيباً وبحثاً، ولتسطر سيرة البحر الذي أتت الحضارة الجديدة على موجه. إلا أنه غدر بجميع من يحبونه رافضاً التوبة حتى عندما تردد له النسوة: «توب توب يا بحر». تقول الكاتبة: «عليك قراءة البحر، فلكل شيء ملامح تختلف عن ملامح البشر، ولكن عليك إجادة قراءتها، كل شيء على وجه البحر من الممكن قراءته» صفحة 26.

«المنسيون بين ماءين» رواية كُتِبت لتسطر من جديد علاقة جميع من استوطن هذه الأرض بمائه وترابه، لتعيد أمجاد اسمها المرتبط بالماءين، وتدوّن ذاكرة أديان انطلقت من معابدها، وتعيد صياغة قصة المليون نخلة على أراضيها.

تتنقل الكاتبة إذن في روايتها بين أزمنة متفرقة وتتلمس في هذا التجوال الإسهام المهم لينابيع المياه العذبة ودورها في استيطان الجزيرة


مقالات ذات صلة

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

ثقافة وفنون تمثال لسقراط

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»،

عبد الله الغذامي
ثقافة وفنون «ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية،

عمر شهريار
ثقافة وفنون سيرة سينمائية بلا ماكياج

سيرة سينمائية بلا ماكياج

في كتابه «صانع النجوم حلمي رفلة - سيرة سينمائية بلا ماكياج» الصادر عن دار «آفاق» بالقاهرة، يتتبع الشاعر جرجس شكري سيرة واحد من المؤسسين الأوائل لصناعة الفيلم

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً

عمر شهريار
ثقافة وفنون «غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية،

فارس الذهبي

«القاهرة للكتاب» يحتفي بأصوات جديدة في الإبداع والنقد والنشر

إقبال كبير على المعرض (رويترز)
إقبال كبير على المعرض (رويترز)
TT

«القاهرة للكتاب» يحتفي بأصوات جديدة في الإبداع والنقد والنشر

إقبال كبير على المعرض (رويترز)
إقبال كبير على المعرض (رويترز)

حقق معرض القاهرة الدولي للكتاب في ختام دورته الـ57 رقماً قياسياً جديداً في عدد الزوار الذين تخطوا حاجز الستة ملايين زائر على مدار 13 يوماً في الفترة من 21 يناير (كانون الثاني) حتى 3 فبراير (شباط) ليؤكد على مكانته بوصفه وجهة للثقافة العربية وعرساً للقراءة يختلط فيه الفكر بالإبداع بالأجواء الكرنفالية الاحتفالية التي يقبل عليها الجميع من الأعمار كافة.

واحتفت جوائز المعرض في دورته الأخيرة بأصوات جديدة تتسم بالموهبة والحيوية في مجالات مختلفة كالإبداع والنشر والنقد الأدبي، حيث فاز مدحت صفوت بجائزة «النقد الأدبي» عن كتابه «بلاغة الكود» مناصفة مع الدكتور صلاح السروي عن كتابه «مفهوم الرواية»، فيما ذهبت جائزة «العلوم الإنسانية - التراث والهوية» إلى الباحث حسن محمد الشافعي عن كتاب «الاغتراب والحداثة في النقد الثقافي العربي».

وفازت هناء متولي بجائزة «أفضل مجموعة قصصية» عن كتابها «ثلاث نساء في غرفة ضيقة»، كما ذهبت جائزة «أفضل ديوان شعر عامية» إلى الشاعر سعيد شحاتة عن ديوانه «فريدة... جدارية أمي اللي باعت عفشها»، بينما فازت الكتابة الشيماء رجب الشرقاوي بجائزة الرواية في فئة «الشباب» عن «ترنيمة عصفور أزرق»، فيما ذهبت جائزة «أفضل ناشر عربي» مناصفة بين مجموعة «بيت الحكمة للصناعة الثقافية» من مصر، ودار «أصالة» من لبنان.

التراث والترجمة

أما جائزة التراث، فجاءت مناصفة، حيث فاز بها كتاب «العنوان في ضبط مواليد ووفيات أهل الزمان» تحقيق الدكتور عاطف يمني، وكتاب «رسالتان في الاجتهاد والتجديد للشيخين حسن العطار ورفاعة الطهطاوي»، تحقيق الدكتور حسام عبد الظاهر، وهما صادران عن دار الكتب والوثائق القومية.

وفي مجال الفنون بالتعاون مع أكاديمية الفنون المصرية، فاز كتاب «رحلة العائلة المقدسة» للمؤلف صلاح أحمد عبد الحليم، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة.

وذهبت جائزة الترجمة لكتاب «التاريخ الإجرامي للجنس البشري» للمترجم الدكتور رفعت السيد علي، الصادر عن المركز القومي للترجمة، وفي فرع كتاب الطفل المترجم فازت موسوعة «التسلسل الزمني لكل شيء: من الحيوانات المنقرضة إلى الحروب العالمية» للمترجمة زينب عاطف سيد، الصادرة عن دار نهضة مصر.

جوائز التميز للمرة الأولى

واستحدثت إدارة المعرض هذه الدورة شكلاً جديداً من التكريم تحت اسم «جوائز التميز» بإجمالي مليوني جنيه وتم تقسيمها على عدة فئات شملت «أفضل جناح بيئي محلي» وذهبت إلى جناح حلايب وشلاتين، و«أفضل عرض فنون تشكيلية» وكانت من نصيب معرض الكاريكاتير «نجيب محفوظ بعيون العالم»، كما نالت الهيئة العامة لقصور الثقافة جائزة «أفضل جناح في تخفيض أسعار»، في حين فاز الكاتب والممثل خالد الصاوي بجائزة «أفضل حفل توقيع» لديواني «كلام مرسل» و«أجراس»، فضلاً عن رواية «أطلال»، أما الكاتب نبيل عبد الفتاح فحصد جائزة «أفضل ندوة لمحلل سياسي».

وقال الدكتور أحمد فؤاد هنو، وزير الثقافة، إن جوائز التميز بمعرض القاهرة الدولي للكتاب تأتي ترجمة عملية لتوجهات الدولة المصرية في الاستثمار في الإنسان، وتعزيز دور الثقافة بوصفها أداة رئيسية لبناء الوعي، وتنمية القدرات الإبداعية، وترسيخ قيم الانتماء والهوية الوطنية، مشيراً إلى أن المعرض أصبح منصة ثقافية شاملة تتجاوز عرض الكتب إلى دعم المبادرات النوعية والاحتفاء بالتجارب المتميزة في مختلف مجالات العمل الثقافي.

وذكر أن «هذا الحضور الكثيف الذي بلغ 6 ملايين و200 ألف زائر يعكس المكانة الراسخة لمعرض القاهرة الدولي للكتاب في وجدان المصريين والعرب والمقيمين على أرض مصر»، مشيراً إلى أن هذه الأرقام القياسية تترجم العلاقة العميقة بين الشعب المصري والكتاب، وتؤكد أن القراءة والمعرفة تظلان في صدارة اهتمامات المواطنين رغم كل التحديات.

أيام الفاطمي المقتول

وأعلن الناقد محمد بدوي فوز الكاتب التونسي نزار شقرون بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية في دورتها الأولى، عن روايته «أيام الفاطمي المقتول»، حيث أوضح بدوي، خلال الإعلان عن الجائزة، أن الرواية الفائزة تميزت بطرح سردي عميق ورؤية فنية ناضجة، استطاعت أن توظف التاريخ والخيال في بناء روائي محكم، بما يعكس روح الجائزة وأهدافها في دعم الرواية العربية المعاصرة.

ووصل عدد الروايات المتقدمة لجائزة نجيب محفوظ إلى 108 روايات، وتشكلت لجنة التحكيم من النقاد محمد بدوي وحسين حمودة وخيري دومة والروائي محمد بدوي طه. وتأتي الجائزة بقيمة 500 ألف جنيه مصري بالإضافة إلى ميدالية ذهبية تكريماً لإرث نجيب محفوظ الأدبي، وهي ممولة بالكامل من البنك الأهلي المصري.

ومن جانبه، علق نزار شكرون على فوزه قائلاً عبر صفحته بموقع «فيسبوك»: «فخور هذه الليلة بفوزي بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية، تتويج له مذاق خاص على أرض مصر العزيزة، سعيد باقتران اسمي وعملي الروائي باسم الروائي الكبير نجيب محفوظ، هذه لحظة فارقة في حياتي الأدبية، أهدي هذا الفوز لزوجتي الحبيبة هدى وابني إياد ورائي».

وسبق أن احتفى عدد من الأدباء والنقاد المصريين برواية «أيام الفاطمي القتيل» ومنهم الكاتب إبراهيم عبد المجيد الذي علق على العمل قائلاً: «بطل الرواية هو الميت الذي يخرج من تابوته ليحكي لنا ما حدث، حتى نعرف هل مات مقتولاً في مصر، التي منها حُملت الجثة إلى مدينته البيضاء في تونس، أم كان موته عادياً. الأمر يتوسع ليشمل ما شاهده قبل موته، أو بعد دفنه وإخراج جثته لفحصها مرة أخرى. أي أن الرواية يكتبها الميت نفسه». الشعر... موعد للفرح

وازدانت أروقة المعرض بالشعر والشعراء الذين صنعوا حالة من البهجة عبر الأمسيات التي ضمت عشرات الشعراء من جميع الأجيال، فضلاً عن الندوات الفكرية التي تحدث فيها أصحاب التجارب الكبرى عن تفاصيل رحلتهم مع القصيدة، كما في اللقاء الشعري الذي أجراه الشاعر محمد الكفراوي مع الشاعر جمال القصاص.

استحدثت إدارة المعرض هذه الدورة شكلاً جديداً من التكريم تحت اسم «جوائز التميز» بإجمالي مليوني جنيه

وأشار الكفراوي إلى أنه عبر مسيرته الشعرية التي تصل إلى 65 عاماً، أمتعنا فيها جمال القصاص بأشعاره وصوره وخياله الجامح الفوّاح، منذ بداياته في «خصام الوردة» عام 1984، ومن بعد ذلك «شمس الرخام» 1990، و«ما من غيمة تشعل البئر» عام 1995، وصولاً إلى مرحلة فارقة في «السحابة التي في المرأة» 1997، ثم «من أعلى بمحاذاة الموسيقى»، و«الإسكندرية... رباعية شعرية»، وحتى ديوانه الأخير «تجرحني بخفة وتعلو».

وقال الشاعر جمال القصاص رداً على سؤال العودة إلى البدايات وممارسته الشعر: «بداياتي مع الشعر جاءت عبر انشغالي في مرحلة مبكرة جداً بالكتابة، والرسم الذي كان موهبتي الأولى، بدأت أكتب الزجل وذلك دون اقتناع مني، كان ذلك انشغالاً بالسطح لا العمق، كانت بداياتي قراءاتي للشعر، وقد نسخت بخط يدي ديوان إيليا أبو ماضي، ومن بعده درست العَروض بنفسي، وفي سن السادسة عشرة نشرت أول قصيدة لي، ومن هنا جاءت محبتي للشعر».

وتابع القصاص: «كان الشعر بمثابة بحرٍ لي، وخاصة أن الوصول إلى الشاطئ هو وصول مراوغ، ولم يأتني الشعر مباشرة، أنا من بحثت عنه واكتشفت أن في داخلي شاعراً، فالشعر بالنسبة لي تمرين يومي على الفرح، هو لحظة فرح حقيقية لا تأتي من الخارج».

وأدار الناقد محمد سليم شوشة حواراً مفتوحاً مع الشاعر المغربي حسن نجمي الذي وصفه شوشة بأنه «من أبرز الأصوات الشعرية في العالم العربي»، مشيراً إلى امتداد تجربته بين الشعر كجوهر للتجربة الإنسانية، والبعد النقدي، بالإضافة إلى حضوره في الرواية. وأوضح أن «الندوة تهدف إلى الحوار والتفتيش في سيرة وتجربة الشاعر التي تستدعي التراث العربي عامة والمغربي خاصة، وتسعى إلى إعادة تشكيل القصيدة بأشكال متعددة، ما يجعله صوتاً أصيلاً ومتميزاً».

وقال نجمي إن الإنسان لا يختار أقداره بل يعيشها قدر استطاعته، مشيراً إلى أنه «لا يوجد شاعر يقرر أن يكون شاعراً»، كما أن الطريق إلى الشعر صعب ولا يمكن تعلمه بسهولة أو اختياره، فضلاً عن أن الشاعر الحقيقي لا يمنح نفسه صفة الشاعر بسهولة، مستشهداً بتجربة محمود درويش الذي لم يكن يعلن عن نفسه شاعراً، ورأى أن الانتساب لهذه الصفة صعب جداً.


الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

عمر مرزوق
عمر مرزوق
TT

الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

عمر مرزوق
عمر مرزوق

يعتبر الباحث الجزائري الدكتور عمر مرزوق أحد كبار المثقفين العرب المضيئين لعصرنا؛ عصر الظلمات الداعشية. وقد أصدر حتى الآن عدة كتب لافتة. نذكر من بينها: «هل توجد فلسفة إسلامية؟»، ثم كتابه الضخم والمهم جداً عن ابن سينا بعنوان: «ابن سينا أو إسلام الأنوار». وهذا يعني أن إسلام الأنوار كان موجوداً في تاريخنا سابقاً وليس حديث العهد، وأن ابن سينا هو أحد كبار ممثليه، بالإضافة إلى بقية العباقرة والعظماء. ومؤخراً أصدر الدكتور عمر مرزوق كتاباً جديداً بعنوان: «المعتزلة: العقل والإيمان والحرية في أرض الإسلام».

ويرى هذا المفكر الجزائري المرموق أن المؤلفات الفلسفية العربية كانت محط اهتمام بحّاثة الغرب ومستشرقيه أكثر بكثير من بحّاثة الإسلام وشيوخه. وهذا ليس تناقضياً إلا في الظاهر فقط. فالواقع أن الاستشراق العلمي الأكاديمي هو الذي نشر مخطوطاتنا وحققها وأنقذها. وأكبر دليل على الانحطاط الذي نعيشه اليوم هو أننا بدلاً من أن نشكر الاستشراق الأكاديمي الرصين على هذه الخدمات الجليلة التي قدمها لنا ولتراثنا، رحنا نشتمه ونصب جام غضبنا عليه. لماذا؟ يقول لنا عمر مرزوق في هذا الصدد ما فحواه: لا ريب في أنه يوجد غربيون كارهون لنا ولتراثنا، ولكنهم أقلية قليلة قياساً إلى كبار المستشرقين الأكاديميين المتبحرين في العلم. وبالتالي فلا ينبغي التعميم إطلاقاً. لا ينبغي أن ننكر أفضال علماء الاستشراق الكبار الذين لم يكتفوا بتحقيق مخطوطاتنا التراثية فقط، وإنما طبقوا عليها المنهج التاريخي - النقدي الحديث لأول مرة في التاريخ، فأضاءوها بشكل غير مسبوق. وإذا ما واصلنا الهجوم الغبي عليهم، فنحن سنكون الخاسر الأكبر وليس هم. هل يُعقل أن نكون أعداء للعلم فقط وأحباء للجهل؟

وفي هذا الصدد ينبغي الاعتراف بالحقيقة التالية: وهي أن الحضارة الغربية هي وحدها التي تحررت من ظلاميات العصور الوسطى وغياهبها وتكفيراتها. وهي الظلاميات والتكفيرات التي لا تزال تهيمن على جمهور المسلمين حتى الآن. ثم يردف الدكتور عمر مرزوق قائلاً: وحدها الحضارة الأوروبية الحديثة تؤمّن للمثقفين حرية البحث والنقد والتمحيص حتى في المجال العقائدي الديني الحساس جداً. وهذه الحرية تؤمّنها أيضاً للباحثين العرب والمسلمين الذين يشتغلون في جامعات الغرب. ومن دون هذه الحرية النقدية الأكاديمية لا إبداع فكري، ولا استكشافات خلّاقة. ولذلك فإن الباحثين العرب يبدعون في عواصم الغرب وليس في عواصم العرب. وهذا يعني أن الحقيقة ممنوعة الإقامة في العالم الإسلامي حتى إشعار آخر. ينبغي العلم أن المستشرقين الأكاديميين لا يرفضون الفلسفة ولا يكفّرونها، بل إنهم يحتفلون بها على عكس جهابذة الشيوخ في العالم العربي والإسلامي. وهنا يكمن الفرق الأساسي بين الساحة الثقافية العربية والساحة الثقافية الفرنسية أو الأوروبية بشكل عام. ولهذا السبب ازدهرت الفلسفة في الغرب واضمحلت حتى ماتت في الشرق؛ وذلك لأنه من دون حرية فكرية لا فلسفة ولا عقل ولا حضارة ولا من يحزنون!

ثم ينبهنا الدكتور عمر مرزوق إلى الحقيقة التالية: وهي أن ثقافتنا التراثية التقليدية لا تهتم بالعلوم الإنسانية ولا بالفلسفة، بل تحتقرهما احتقاراً شديداً. ولماذا تهتم بهما إذا كانت تعتقد في قرارة نفسها أنها تمتلك الحقيقة المطلقة التي لا حقيقة بعدها؟ ولذلك تطغى علينا الجهالات القروسطية. انظروا إلى مدارسنا وجامعاتنا إلا ما رحم ربك. انظروا إلى برامج تعليمنا، وبخاصة فيما يتعلق بمادة التربية الدينية. شيء مخيف. انظروا إلى فضائياتنا وظلامياتنا. شيء مرعب. انظروا كيف يتحدثون عن الأديان الأخرى ويزدرونها. حياتنا كلها مليئة بتصورات تراثية تكرارية واجترارية عقيمة لا تقدم ولا تؤخر، بل قل تؤخّر وتجمّد حركة التاريخ. إنها تعرقل تقدمنا وتطورنا؛ وذلك لأنها تصورات متكلسة ومتحنطة جداً. لقد أكل عليها الدهر وشرب. نحن في وادٍ والعالم المتقدم كله في وادٍ آخر. وعلى الرغم من وجود عباقرة عرب ومسلمين على مدار التاريخ، فإنهم كانوا منبوذين أو مشبوهين من قبل أساطين الأصوليين المهيمنين على عامة الشعب. الشارع دائماً لهم قديماً وحديثاً، بل كان عباقرتنا معتبرين بمثابة زنادقة خارجين على الملة والدين. لذلك لم تزدهر الفلسفة والعلوم العقلانية عندنا كما ازدهرت في أوروبا والغرب عموماً. فكبار الفلاسفة من أمثال الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد وسواهم كانوا مكفّرين من قبل الأصوليين. كل أساطين الأصولية كانوا يكرهون الفلسفة ويحذرون منها ومن مخاطرها على العقيدة والدين. كلهم هاجموا الفلسفة واعتبروها ذات طابع وثني. لقد اعتبروها كعلم دخيل لا يمكن أن تؤدي إلا إلى الكفر والإلحاد. كيف يمكن أن تزدهر حضارة عربية في مثل هذا الجو؟ وعندما نقول الفلسفة نقصد العقل لا النقل. النقل شبعنا منه. هل يمكن أن تزدهر حضارة ما من دون فكر عقلاني وعلم نوراني يشق غياهب الظلمات؟

ثم يستدرك عمر مرزوق هنا قائلاً: ولكن من الظلم أن نتهم شيوخ الإسلام وحدهم بمعاداة الفلسفة. فالواقع أن الأصوليين المسيحيين في أوروبا كانوا يفعلون ذات الشيء. وكانوا يرعبون العلماء والفلاسفة من أمثال غاليليو وديكارت وسبينوزا وعشرات الآخرين. كانت سيوف محاكم التفتيش مسلطة على رؤوس الجميع. ولكن الفرق بين العالم العربي وأوروبا هو أن محاكم التفتيش انتهت عندهم منذ زمن طويل، في حين أنها لا تزال مسلطة على رقابنا حتى الآن. لا يزال قمع الفلسفة (أي الفكر العقلاني الحر) متواصلاً منذ ألف سنة؛ أي منذ تكفيرها على يد الإمام الغزالي. وكذلك منذ اضطهاد الفقهاء المتشددين لابن رشد في قرطبة. هذا ناهيك بعبقري العباقرة ابن سينا الذي عاش مشرداً مرعوباً ملاحقاً من قبل فقهاء عصره الناقمين عليه والمكفّرين له، بل تعرض للسجن والإهانات، وربما مات مسموماً في نهاية المطاف وهو في عز الشباب: 57 سنة. هل اغتالوه؟ شبه مؤكد. ولا ننسَ مقتل السهروردي على يد صلاح الدين الأيوبي بعد أن وشى به شيوخ حلب المتشددون... إلخ. ولا ننسَ ولا ننسَ... لهذا السبب ماتت الفلسفة وانقرضت في أرض الإسلام، في حين أنها انتعشت كل الانتعاش في أوروبا، بل صعدت بشكل صاروخي منذ القرن السادس عشر حتى اليوم. ثم بعد كل ذلك يسألونك: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ إذا عُرف السبب بطل العجب. ولكن الأنوار العربية قادمة لا ريب فيها، وإلا فعلى الدنيا السلام!


«برميل سارتر»... استعادة «متأخرة» لسرديات الوجودية

كامو
كامو
TT

«برميل سارتر»... استعادة «متأخرة» لسرديات الوجودية

كامو
كامو

في «برميل سارتر: مغامرات الوجودية من الإخوة كارامازوف إلى اللامنتمي» - دار الرافدين: بغداد، 2025 - للكاتب الصحافي العراقي علي حسين، نكون إزاء تأويلين أساسيين لأحد أهم التيارات الثقافية الفكرية العالمية، وهي الوجودية. الأول، تمثِّله صورة سارتر وبرميله المضخم، عربياً وعراقياً. والثاني، التأويل المعرفي - الفلسفي للوجودية في سياقها العالمي. هل ثمة فارق بين السياقين؟ لا شك؛ فهذا من نافلة القول، سوى أن «سارتر» كان في الطليعة في الحالتين! وهذا أحد كشوفات العنوان، المعلنة سلفاً، أو سواها. فـ«برميل سارتر» ذو قصدية فائقة؛ بانطوائها على دلالات مختلفة، وربما متعارضة. ففي لحظة تشييع «سارتر» تستعيد رفيقة دربه سيمون دي بوفوار أحد خطب رفيقها الراحل، وقد صعد على «برميل» ليتحدث أمام حشد من الطلبة والعمال عن الدور المفترض للمثقف، فهو «منحاز» للشعب. وعليه، من ثمَّ، أن يعرف أزمنة «البيانات»، و«الندوات» الصاخبة، ومثلها «المقالات» المنشورة بالصحف «الإصلاحية»، كل هذا «قد ولَّى». هذا محدد رئيس لدلالة «البرميل» وصاحبه «سارتر»، ولا ينبغي تركه يمضي في سبيله من دون «ضبط»؛ وهكذا فعل علي حسين ذاته بعنوان كتابه، ثم باستعادة مشهد صورة سارتر واقفاً على البرميل ذاته، فكانت الصورة عتبة أساسية توطئ للكتاب وتعيد توجيهه.

سارتر أم الوجودية؟

أفكر أن هناك «صورة» مسبقة أعدت باحترافية عن الفيلسوف الوجودي، وعن الوجودية كلها، كما أتصوَّر. وقد أفترض أن روافد كثيرة قد تضافرت معاً على تكوينها، في المقدمة منها المنطق الشعبي بأصوله الفولكلورية؛ حيث «البرميل» بديلاً عن «منصة» الجامعة أو القاعات الفخمة، حتى المقهى الشهير. ولقد أحسن الكاتب علي حسين اختيار عنوان كتابه، بل كان موفقاً في «استعادته» مشهد الوجودية في أصولها العالمية، وبظلالها العربية والعراقية المميزة.

لا أحد من فلاسفة القرن العشرين الكثيرين، وهو القرن الأشهر بأحداثه المتفجِّرة وكوارثه الكبرى، يمكن له أن يمثّل «الوجود» وفلسفته سوى سارتر ورفيقة دربه «سيمون دي بوفوار». وقد أجزم أن أي مؤرخ سينحاز، مجبراً، لمنطق سارتر وبرميله. وكأننا، هنا، إزاء قدرية لا مفرَّ منها ترغم الجميع على هذا التأويل والتاريخ المعدُّ سلفاً، بانتظام عجيب. ولكن لماذا «سارتر» وحده؛ «كامو»، أو «كيركغارد»، حتى نيتشه، وغيرهم ممن حقَّقوا شهرة عريضة، وأنجزوا منظومات فلسفية فكرية كبرى تتفوق كثيراً، ربما على «فلسفة» سارتر وبرميله، شأن الألماني هايدجر، لا تُذكر أسماؤهم في سياق التأسيس للفلسفة الأكثر تأثيراً في السياق العالمي بعيد الحرب العالمية الثانية! لا ينشغل كتاب «برميل سارتر»، ولا مؤلفه، بهذا الجدل، فهما معنيان بالدلالة الأولى للعنوان، مثلما أنهما، كما يظهر لنا من الكتاب نفسه، مشغولان بتتبُّع ورصد التحولات الكبرى التي أحدثتها الوجودية بصفتيها: الفلسفية - المعرفية والسياسية. وتبدو القيمة الفلسفية مترسِّخة وذات قيمة أساسية، وهي ما يهتم بها الكتاب، بينما تتوارى القيمة السياسية خلف مظاهر التفلسف.

في تقديم الكتاب ذي العنوان الاتهامي، ربما: «أنت المسؤول عن قراءة هذا الكتاب»، لا يشرح لنا علي حسين الكثير عن صاحبنا سارتر، ولا عن الوجودية. إنما يمضي في تلمُّس العذر له، أولاً؛ لأنه عاكف على قراءة كتب فلاسفة الوجودية، بقصد تأليف كتاب «متأخر»، ولا شك، عن الوجودية، الفلسفة الأكثر صخباً، بعد الماركسية وأحزابها السياسية، ويترك الأمر برمته، من ثمّ، للقارئ بأن يلقي على عاتقه مسؤولية القراءة والفهم، وربما تقدير إشكالية الكتابة، مجدداً، عن «فلسفة» صارت من الماضي «المجيد» في عصر الذكاء الصناعي. فهل هذا الأمر كافٍ لتسويغ الكتابة عن الوجودية وفلاسفتها بعيداً عن حاضرها التاريخي؟ هذا السؤال، في حقيقة الأمر، لا قيمة له في سياق الكتابة السيرية النقدية لشخصية فلسفية كبرى، أو لفلسفة أساسية كما هو شأن كتاب «برميل سارتر». وهذا مما نجد صداه في تقديم علي حسين لكتابه، لكنه يعرف أن المزاج الشخصي للمثقفين العراقيين، وهل يختلف العرب هنا! تتحكم به «الموضة» المنهجية والفكرية، وقد مضى زمن الوجودية وموضتها، فلا يحفل كثيراً باعتراضات بعض مثقفينا المشبعين بمنطق الموضة الثقافية.

كيركغارد

الوجودية، هنا، ليست محض «فلسفة» أو «اتجاه» فكري وسياسي ساد ثم باد، إنما هي بعض ماضي المؤلف ذاته، فالكتاب ليس عرضاً ثقافياً لفلسفة معينة فحسب، إنما هو «سيرة» مضمرة للكاتب علي حسين نفسه. في الأقل تتحدَّث عن «قراءات» المؤلف لكتب الفلاسفة الوجوديين. ولعل هذا المنطق السيري، ربما سوَّغ للكاتب أن يخوض بالأسئلة الكبرى التي واجهتها الوجودية بنسختها العربية، وقد ظهرت بمناخ «ثقافي» تآمري يعتاش على أسئلة المؤامرة والشك. فمن هو الوجودي؟ سؤال بصيغة عالمية ولا شك، يندر أن تخلو منه ثقافة عالمية، لكنه يصطدم عندنا بإشكالات الوجود كله، وبالصدارة منها الإشكالية السياسية. وبرغم ذلك، يظل سؤال الوجود ذا منطق متفرد وإشكالي. فالوجودي يُفهم، كما يجادل الكاتب ذاته في مواضع مختلفة من كتابه، على أنه «العبثي»، وهو «الملحد»، وربما هو «المنحل» أخلاقياً، مثلما قد يكون رداً متأخراً على تقديم «الماهية» على الوجود، كما يُفهم من مقولة ديكارت الشهيرة: «أنا أفكر إذن أنا موجود»، بما جرى لها على يد الأب الروحي للوجودية الفيلسوف الدنماركي «كيركغارد» بتبريز الوجود على الماهية؛ بقوله: «أنا أفكر، فأنا إذن لست موجوداً». ولا أدري لماذا لا أستعيد، هنا، مقولة الكاتب ذاته، في ردِّه على المعترضين على راهنية الوجودية؛ لتسويغ الكتابة عنها؛ فهو يرى أن الرفض الحالي للوجودية بوصفها فلسفة هو بذاته موقف وجودي؛ لماذا؟ لأن الرفض يعبر عن الاختيار، وهذا واقع في «صميم» السؤال الفلسفي للوجودية.

الوجودية تستعيد آباءها

لكن البحث عن المسوغات اللازمة لتأمل الوجودية بوصفها فلسفة كبرى هو بذاته مسوغ كافٍ للبحث في الأصل الفلسفي للوجودية. ولا مسوِّغ لأمر ما أصلح من «اختراع» تاريخ له. هكذا سيجد علي حسين أن سؤال الوجود يفرض عليه بصفته مؤرخ الوجودية الحالي، أو الأخير، البحث في الأصول الأولى للوجودية؛ لماذا لا أقول إن التاريخ، هنا، ليس سوى محاولة أولى للبحث عن الأب المؤسس؟ والأب الأول هو بروتاغوراس اليوناني، المولود في أسرة فقيرة في جزيرة «أيديرا»، إحدى الجزر اليونانية، وقد كانت، وقتذاك، مقراً لديمقريطس، مؤسس المدرسة الذرية. وبروتاغوراس ذاته صاحب مقولة «الإنسان مقياس كل شيء»، وهي المقولة المنفتحة على إرث السفسطائيين، الذين يعدهم بعض المؤرخين الآباء الأوائل المؤسسيين للوجودية، ولا سيَّما بروتاغوراس وسقراط. وسيكتب كيركغارد لاحقاً أن بروتاغورس هو «أول من تفلسف حول الإنسان، وأن الفلسفة التي انبثقت عنه هي فلسفة للحياة». وسيغدو «التفلسف» حول الإنسان، أو ما سُمي لاحقاً بفلسفة الوجود وسؤالها المتفرِّد، هو النقيض الفلسفي لمنطق الفلسفة الأول وأسئلتها الخاصة بالميتافيزيقيا والظواهر المجاورة. وهو ما نهضت به الصياغات الأساسية الكبرى لفلاسفة الوجودية، كما عرض لها الكاتب علي حسين في كتابه.

لماذا نستعيد الوجودية في عصر مختلف جذرياً عن عصرها الذهبي؟

وقد يكون من المناسب حقاً، أن نقف عند قضيتين أساسيتين. تتعلَّق الأولى بالإحاطة الموسعة التي يجدها القارئ متجسِّدة في كتابة السير الموجزة للفلاسفة الكثيرين الذين عرض المؤلف لحياتهم ومساهمتهم في الفلسفة الوجودية. وهذا أمر يُحسب كثيراً لعلي حسين؛ فقد تضمن كتابه عرضاً لحياة ومساهمة أكثر من 25 فيلسوفاً وكاتباً أساسياً ممن أسهموا في صياغة الفلسفة الوجودية. ويدخل في صميم هذه الإجادة ما نجده من إفاضة وتوسع في ذكر المصادر بأصولها العالمية وترجماتها العربية المختلفة. وللكتاب سمة أو قضية ثانية لا ينبغي إغفالها، وهي أن الكتاب يقترح مساهمة عربية أساسية في الفلسفة الوجودية، وهذا مما لا نجده، ربما منفرداً بفصل أو فقرة خاصة لدى غيره ممن كتبوا عن الوجودية وفلاسفتها الأساسيين. نتحدث عما أورده المؤلف عن الفيلسوف المصري الدكتور عبد الرحمن بدوي ومساهمته الفاعلة في التأسيس للفلسفة الوجودية في العالم العربي. وقد يعنيني كثيراً، في هذا المقام، أن أطمح بأن أقرأ، قريباً، كتاباً مماثلاً من تأليف الكاتب نفسه، لنقل جزءاً متمماً ثانياً لبرميل سارتر، موضوعه الصياغة العربية للوجودية، لنسميها الأثر الوجودي في الثقافة العربية، ولا سيَّما العراق، البلاد التي شهدت تجذُّراً مختلفاً لليسار السياسي. وأزعم أن العرب قد قدموا فهماً مختلفاً عن الوجودية.

والآن؛ لماذا نستعيد الوجودية في عصر مختلف جذرياً عن عصرها الذهبي؟ أفكر أن هذا من نافلة القول، وكتاب برميل سارتر يفارق منطق «الموضة» في سياق الفكر العربي وما يسود فيه من اتجاهات ومقولات فكرية. الأصل، كما يقول لنا علي حسين، وكما نفترض معه، أن سؤال الوجود هو سؤال الإنسان في مخاضاته المختلفة. وهو سؤال تاريخي يكرره الإنسان كلما استجده لديه جديد. وأزعم أننا في هذه المنطقة من العالم بحاجة ماسة لأن نتخلص من سلطان «الموضة» وسردياتها المنهجية الثقافية المكرَّرة، وهي سلطة تجعل من المعرفة العلمية ومناهجها المختلفة سلعة تُستبدل كلما جدَّ فيها جديد. وهذا بعض ما يفعله كتاب برميل سارتر بتقديم قراءة جديدة لفلسفة شغلت العالم لعقود متعدِّدة. وحبذا لو سعى آخرون لإضاءة آليات اشتغال الفكر العربي وخطاباته في ضوء أنظمة الموضة المنهجية الأخرى، مثل البنيوية أو التفكيكية حتى خطاب ما بعد الاستعمار. حقاً؛ إنه عمل مفيد، بل متفرد، يكسر دورة الموضة ويبطئ من فاعلية سردياتها المدمِّرة.