روسيا لا تريد جاراً نووياً... لكنها لن تضغط على طهران

موسكو مستعدة للانخراط في المفاوضات الإيرانية... وصفقة «أوكرانيا مقابل إيران» مستبعدة

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصلان لحضور حفل توقيع بعد محادثاتهما بموسكو في 17 يناير 2025 (أ.ب)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصلان لحضور حفل توقيع بعد محادثاتهما بموسكو في 17 يناير 2025 (أ.ب)
TT

روسيا لا تريد جاراً نووياً... لكنها لن تضغط على طهران

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصلان لحضور حفل توقيع بعد محادثاتهما بموسكو في 17 يناير 2025 (أ.ب)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصلان لحضور حفل توقيع بعد محادثاتهما بموسكو في 17 يناير 2025 (أ.ب)

لا يزال كثير من تفاصيل المكالمة الهاتفية بين الرئيسين الروسي والأميركي، فلاديمير بوتين ودونالد ترمب، محاطاً بالكتمان، إلا أن زعيمي البلدين -كما اتضح في بيانات الطرفين- ناقشا، إلى جانب موضوع الصراع في أوكرانيا، ملف إيران النووي، وآفاق التوصل إلى صفقة جديدة تُجنب المنطقة والعالم تصعيداً خطيراً.

واتضح بعد ذلك مباشرةً أن موسكو وواشنطن توصلتا إلى رأي متفق عليه: لا ينبغي لطهران امتلاك أسلحة نووية.

بالطبع، هناك إغراء كبير للبدء في إطلاق تكهنات نارية تصب في إطار صفقة محتملة: «ترمب أعطى أوكرانيا لبوتين مقابل إيران»، لكن في الواقع، ليس الأمر بهذه البساطة والوضوح، ليس فقط لأن سيطرة الولايات المتحدة على الوضع حول أوكرانيا محدودة بعض الشيء، وكما أظهر مسار مفاوضات واشنطن وكييف حول المعادن النادرة، فإن أوكرانيا تدافع عن مصالحها الأساسية في كل الأحوال. ثانياً، هناك أيضاً دول أوروبية لها موقفها الخاص، ويمكنها التأثير في الصراع، والتأثير على الموقف الأميركي.

وهناك أمر آخر أهم بكثير. مَن يتابع الوضع من كثب يتذكر جيداً: روسيا، سواء قبل ترمب أو قبل بدء الحرب الأوكرانية، كانت تعارض امتلاك إيران للأسلحة النووية؛ لذلك لم تحدث أي تحولات جوهرية في موقف الكرملين من هذه القضية، ويبدو أن الحديث عن صفقة «أوكرانيا مقابل إيران» مستبعد تماماً.

لكن مجرد مناقشة الموضوع الإيراني خلال المفاوضات بين بوتين وترمب أمر جدير بالاهتمام، فهو يعكس أن واشنطن ربما تكون أقرب إلى التعامل مع وساطة روسية في هذا الملف، انطلاقاً كما يقول خبراء روس، من أن ترمب رغم أنه يبدي حزماً لفظياً تجاه طهران، لكنه يفضل التوصل إلى خيارات أفضل من شن عمل عسكري واسع قد لا يمكن التكهن بنتائجه.

أولويات الكرملين

صحيح أن روسيا أعلنت أكثر من مرة في السابق رفض امتلاك إيران أسلحة نووية، لكنها دافعت طوال سنوات عن حق طهران في تطوير استخدام الطاقة الذرية للأغراض المدنية، من دون أن تظهر حساسية، خلافاً للغرب، تجاه مخاطر تحول البرنامج السلمي الإيراني إلى برنامج عسكري في وقت قصير نسبياً.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان يحضران حفل توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين في الكرملين بموسكو 17 يناير 2025 (إ.ب.أ)

ويبدو الموقف الروسي مستنداً ليس إلى مخاوف من جانب إيران نفسها بل إلى استراتيجية تقوم على رفض توسيع «النادي النووي» قبل وضع ضوابط، وآليات للرقابة، وتفاهمات جديدة مع الدول النووية الكبرى حول عمليات الانتشار وضبط التسلح. بعبارة أخرى تقاوم موسكو فكرة إطلاق العنان لـ«فوضى نووية» أكثر من أن يكون موقفها معارضاً لامتلاك إيران نفسها للسلاح النووي.

واللافت وجود تيارين أو رأيين لدى الأوساط المقربة من الكرملين في هذا الشأن، أحدهما يتحدث علناً عن أن إيران شريك استراتيجي لموسكو، وهذه الشراكة أظهرت مستوى جديتها في المواجهة القائمة حالياً بين موسكو والغرب؛ لذلك فإن تعزيز قدرات إيران لا يخيف موسكو. والآخر يحذر من ظهور جار نووي جديد لروسيا متقلب الأهواء نوعاً ما، ويمكن أن تتغير معالم سياسته الخارجية بناءً على صفقات مع الغرب.

في هذا الإطار، بالنسبة لروسيا، تُشكل المفاوضات النشطة بين واشنطن وطهران خياراً صعباً. بشكل عام، لأن رفع العقوبات الفوري عن إيران ليس في مصلحة الكرملين، فموسكو تحشد مكاسب إضافية بالوضع الذي تُجبر فيه الجمهورية الإسلامية، بسبب عزلتها عن الغرب، على تطوير علاقاتها مع الاتحاد الروسي، وهذا يجعل إيران شريكاً موثوقاً به؛ فهي لا تُبالي بالعقوبات، ما يُتيح لها بناء مشروعات طويلة الأجل معها، لكن في حال رفع العقوبات، قد يتغير موقف طهران.

في هذا السياق، يكفي أن روسيا تحوّلت إلى أكبر مستثمر أجنبي في إيران خلال السنوات الثلاث الماضية، واستثمرت بشكل واسع في قطاعات عدة، على رأسها قطاع الغاز بقيمة تصل إلى 8 مليارات دولار.

يجب أن نضيف هنا أيضاً احتمال دخول كميات إضافية من النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية. لطالما أثار هذا الاحتمال قلق الجانب الروسي، الذي يُعد إيران منافساً رئيسياً في سوق الهيدروكربونات العالمية؛ لذا، فإن إبرام اتفاق نووي جديد بين إيران والولايات المتحدة ليس السيناريو الأمثل للكرملين.

ومع ذلك، فإن الفشل التام للمفاوضات أمرٌ خطير أيضاً؛ إذ قد تعود الولايات المتحدة إلى السيناريو العسكري، وسيؤدي القصف الأميركي حتماً إلى زعزعة استقرار إيران، لدرجة تُهدد بانهيارها، وسيترك هذا روسيا مع تدفق اللاجئين، وربما حرب أهلية في الجوار، ناهيك عن أنه سيدفن العديد من المشروعات الروسية في إيران؛ حيث استثمرت موسكو بنشاط في السنوات الأخيرة.

لذا، فإن السيناريو الأمثل لروسيا هو مفاوضات طويلة الأمد بين طهران وواشنطن من دون أي نتائج حقيقية، أو الانخراط بشكل مباشر في المفاوضات للحصول على مكاسب مهمة في حال جرى التوصل إلى صفقة.

الملاحظ هنا أنه، حتى لو أرادت روسيا تخريب أي اتفاق إيراني أميركي، فليس لديها الكثير من الفرص للتأثير على عملية المفاوضات. إذا توصلت واشنطن وطهران إلى اتفاق، فسيكون من المستحيل منعه؛ لذلك، إذا بدا الاتفاق حتمياً، فمن المرجح أن يحاول الكرملين تحقيق أفضل صيغة ممكنة، كما فعل في الاتفاق السابق في عهد الرئيس أوباما.

فرص الوساطة الروسية

تهتم كلٌّ من إيران والولايات المتحدة الآن بمشاركة روسيا. تحتاج طهران إلى وسطاء لزيادة فرص تنفيذ الاتفاق، واستبعاد احتمال انسحاب ترمب أو الرئيس الأميركي المقبل منه مجدداً خلال بضع سنوات؛ لذلك، من مصلحة إيران إشراك أكبر عدد ممكن من الأطراف في الاتفاق: الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والصين، وروسيا، بالإضافة إلى الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.

تحتاج طهران أيضاً إلى وسطاء ليكونوا مصادر للمراقبين. إذا اقتصر الاتفاق على الأميركيين فقط، فسيتعين منحهم حق الوصول لمراقبة المنشآت النووية الإيرانية.

وتحتاج الولايات المتحدة إلى مشاركة روسيا لحل المسائل الفنية. في الاتفاق السابق، كانت روسيا هي التي وافقت على تسلم الوقود النووي المستهلك من إيران، وهو ما لم يكن المشاركون الآخرون مستعدين للقيام به، ومن المحتمل حدوث وضع مماثل الآن.

سيتعين على إيران التخلُّص من فائض اليورانيوم في أي حال، ويبدو أن روسيا تُعدُّ الطرف المستعد لتولي هذه المهمة. أولاً، لديها القدرات التقنية اللازمة لقبوله ومعالجته. ثانياً، هذا هو الخيار الذي تُصرّ عليه طهران. ففي النهاية، سيكون من الأسهل بكثير على إيران استعادة اليورانيوم المخصب من روسيا إذا انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق مجدداً.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ونظيره الروسي سيرغي لافروف في موسكو يوم 18 أبريل 2025 (أ.ب)

ويرى الكرملين أن مثل هذا التطور يُعدّ حلّاً وسطاً مقبولاً؛ فعلى الرغم من التكاليف التي قد تترتب على رفع العقوبات عن إيران بالنسبة لروسيا، فإن تحوّل موسكو إلى وسيط لا غنى عنه بين طهران وواشنطن يمنحها شعوراً بكسر العزلة الدولية. بالإضافة إلى ذلك، يمنح هذا الجانب الروسي نفوذاً حقيقياً على العلاقات الأميركية الإيرانية. مع الإشارة إلى أن الوضع في محيط روسيا وعلاقاتها مع الغرب قد تغيّر بشكل كبير منذ عام 2015. ويُشير محللون إلى أن موسكو لم تكن تعارض سابقاً قرارات أممية ضد طهران، لكنها قد تتخذ هذه المرة موقفاً مختلفاً خلال الاجتماعات الحاسمة للوكالة الدولية للطاقة الذرية الأسبوع المقبل، ما يُرجّح احتمال معارضتها للتمديد التلقائي للعقوبات على إيران.

بوتين يزور طهران

اللافت أن هذه النقاشات تجري في وقت يعلن فيه الطرفان، الروسي والإيراني، أنهما قطعا شوطاً مهماً في تأسيس وضع الشراكة الاستراتيجية الشاملة، ما يعني أن طبيعة العلاقة الحالية يجب أن تنعكس على كل مجالات التعاون، وعلى الملفات الخارجية المرتبطة به.

وجاء الإعلان قبل يومين عن زيارة مرتقبة وقريبة يقوم بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى إيران، ليؤكد عزم الطرفين على إبقاء هذه الروابط في وقت تخوض فيه طهران مفاوضات صعبة حول برنامجها النووي، وتخوض فيه روسيا مفاوضات صعبة أيضاً لتسوية الصراع في أوكرانيا.

وقال السفير الإيراني لدى موسكو، كاظم جلالي، إن «العلاقات بين البلدين وصلت بالفعل إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، والزيارات المتبادلة والتنسيق القائم يعكسان هذا المستوى».

ولا يستبعد محللون أن يكون بين أهداف الزيارة ترتيب آلية العلاقة الروسية مع أي صفقة نووية مقبلة، وقد قال الناطق الرئاسي الروسي دميتري بيسكوف، إن بوتين «سيكون مستعداً» للانضمام إلى المحادثات الإيرانية الأميركية بشأن البرنامج النووي الإيراني.

ووفقاً له: «هذه عملية جارية هذه الأيام، وحسب الحاجة (...) حوارنا مع كل من طهران وواشنطن مستمر عبر قنوات مختلفة؛ لذلك، عند الحاجة، سيتمكن الرئيس الروسي من الانضمام، وسيتمكن الجانب الروسي من الانضمام». مذكراً بكلمات بوتين نفسه حول: «إننا مستعدون لاستخدام هذا المستوى من الشراكة مع طهران لتسهيل المحادثات الجارية لحل مشكلة الملف النووي الإيراني والمساهمة فيها».

لكن هنا تبرز قناعة لدى أوساط روسية بأن بوتين لن يذهب لـ«الضغط على إيران» ووفقاً لبوريس دولغوف، الباحث البارز في مركز الدراسات العربية والإسلامية: «من الطبيعي أن يسعى ترمب إلى استغلال علاقات الشراكة بين إيران وروسيا لخدمة مصالحه، وتحديداً مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل. لكن لن يمارس الرئيس الروسي، إلى حدّ ما، ضغوطاً أو مفاوضات مع القيادة الإيرانية في هذا الاتجاه، لتسهيل أو دعم موقف الولايات المتحدة وإسرائيل».

وأكد الخبير أن منع انتشار الأسلحة النووية في العالم موقفٌ معروفٌ للجانب الروسي، لكن «روسيا لن تضغط على إيران لإرضاء الولايات المتحدة، وهي مع ذلك، تُعدّ طرفاً فاعلاً مهماً في سياق المفاوضات ذات الصلة، وأن وساطتها ستكون مُثمرة لإيران وللعملية برمتها».


مقالات ذات صلة

سردار آزمون يعود لمنتخب إيران بعد استبعاده «المثير للجدل»

رياضة عالمية المهاجم الإيراني سردار آزمون (رويترز)

سردار آزمون يعود لمنتخب إيران بعد استبعاده «المثير للجدل»

عاد المهاجم الإيراني سردار آزمون مجددا لمنتخب بلاده، الأثنين، وذلك بعد أربعة أشهر من استبعاده المثير للجدل من قائمة الفريق المشارك في كأس العالم.

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ (يمين) يصافح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قبل مشاوراتهما في نيويورك... 20 سبتمبر 2026 (أ.ب)

واشنطن تصعّد الضغط على إيران... وتلوّح بخنق طيرانها

تكثف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضغوطها الاقتصادية على إيران، بالتزامن مع استمرار التوتر حول مضيق هرمز وتعثر المسار السياسي بين واشنطن وطهران.

«الشرق الأوسط» (لندن- واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً تحت قبة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال العام الماضي (الأمم المتحدة)

ترقب لقاءات الأمم المتحدة لخفض التصعيد في المنطقة

تتجه الأنظار إلى نيويورك مع بدء اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة حيث يترقب المجتمع الدولي سلسلة لقاءات يجريها الرئيس دونالد ترمب على هامش الاجتماعات.

«الشرق الأوسط» (عواصم )
شؤون إقليمية القوات الأميركية قالت إنها ساعدت أكثر من 2000 سفينة تجارية على عبور مضيق هرمز (سنتكوم)

تباطؤ الملاحة في هرمز مع استمرار التهديدات بالتصعيد العسكري

تشهد حركة الملاحة عبر مضيق هرمز أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم تباطؤاً ملحوظاً مع استمرار حالة التوتر في الشرق الأوسط والجمود بين واشنطن وطهران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يلقي خطاباً في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أرشيفية - الأمم المتحدة)

واشنطن ترفض منح تأشيرات لأعضاء في وفد الرئيس الإيراني بالأمم المتحدة

سيسافر الرئيس مسعود بزشكيان جواً إلى نيويورك غداً (الثلاثاء) للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

أروقة نيويورك ترسم مسار الحرب

سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم في سلطنة عُمان (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم في سلطنة عُمان (رويترز)
TT

أروقة نيويورك ترسم مسار الحرب

سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم في سلطنة عُمان (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم في سلطنة عُمان (رويترز)

تتجه الأنظار إلى أروقة نيويورك مع بدء اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، اليوم، حيث يترقب العالم كلمة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وسلسلة اللقاءات التي يُتوقع أن يجريها على هامش الاجتماعات، وذلك بالتزامن مع تكثيف الجهود الدبلوماسية لاحتواء التوتر مع إيران ومنع انزلاق المنطقة مجدداً إلى مواجهة عسكرية واسعة.

وتكتسب التحركات واللقاءات في أروقة الأمم المتحدة أهمية خاصة العام الحالي في ظل تصاعد التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران خلال اليومين الماضيين، بالتزامن مع تحركات تقودها باكستان ودول أخرى لإحياء المسار الدبلوماسي المتعثر.

وأعلن المتحدث باسم «الحرس الثوري» حسين محبي أن طهران ستغيّر «جغرافيا الحرب وتسليحها»، في حال وقوع عدوان جديد عليها، مؤكداً استعداد طهران لخوض صراع طويل الأمد، وذلك غداة تصريحات ترمب بأنه قريب جداً من اتخاذ «قرار حاسم بشأن إيران».

في غضون ذلك، شهد مضيق هرمز حادثتين؛ إذ أعلن «الحرس الثوري» تدمير طائرة مسيّرة أميركية من طراز «إم كيو - 1» في أجواء المضيق، فيما قالت شركة الأمن البحري البريطانية «فانغارد» إن الناقلة «لا ستيفاني»، التي ترفع العلم البريطاني، تعرضت لهجوم بطائرة مسيّرة أثناء عبورها المضيق، مؤكدة إصابة اثنين من أفراد الطاقم بجروح طفيفة.


واشنطن تصعّد الضغط على إيران... وتلوّح بخنق طيرانها

نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ (يمين) يصافح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قبل مشاوراتهما في نيويورك... 20 سبتمبر 2026 (أ.ب)
نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ (يمين) يصافح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قبل مشاوراتهما في نيويورك... 20 سبتمبر 2026 (أ.ب)
TT

واشنطن تصعّد الضغط على إيران... وتلوّح بخنق طيرانها

نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ (يمين) يصافح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قبل مشاوراتهما في نيويورك... 20 سبتمبر 2026 (أ.ب)
نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ (يمين) يصافح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قبل مشاوراتهما في نيويورك... 20 سبتمبر 2026 (أ.ب)

تكثف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضغوطها الاقتصادية على إيران، بالتزامن مع استمرار التوتر حول مضيق هرمز وتعثر المسار السياسي بين واشنطن وطهران. وفي أحدث خطوات التصعيد، أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن شركات الطيران الإيرانية ستواجه عزلة دولية اعتباراً من 23 سبتمبر (أيلول)، محذراً الشركات والمطارات التي تقدم لها خدمات من التعرض لعقوبات ثانوية.

وقال بيسنت، الاثنين، إن الولايات المتحدة ترى أن مسؤولين ماليين صينيين «منخرطون بشكل كبير» في حملة الضغوط الاقتصادية الأميركية على إيران، في مؤشر إلى اتساع نطاق المساعي الأميركية لتقييد قنوات تعامل طهران مع النظام المالي العالمي.

واشنطن تستهدف الطيران الإيراني

وأوضح بيسنت، في مقابلة مع شبكة «سي إن بي سي»، أن شركات الطيران الإيرانية ستواجه صعوبة في مواصلة عملياتها الدولية اعتباراً من الأربعاء، بسبب التهديد بمعاقبة مقدمي الخدمات الجوية لها.

وقال إن الطائرات الإيرانية، إذا هبطت في مطارات أجنبية، لن يكون من الممكن تزويدها بالوقود أو تقديم خدمات الهبوط أو بيع تذاكرها، من دون أن يواجه مقدمو هذه الخدمات خطر الاستبعاد من النظام المالي القائم على الدولار.

وجاءت تصريحات بيسنت بعد محادثات أجراها الأحد مع نائب رئيس الوزراء الصيني خه لي فنغ. وقال الوزير الأميركي إن واشنطن تجري «مناقشات إيجابية» مع السلطات المالية الصينية، بما في ذلك محافظ بنك الشعب الصيني بان قونغ شنغ، بشأن الالتزام بالعقوبات الأميركية المفروضة على إيران. ويأتي الضغط على قطاع الطيران ضمن حملة أوسع تستهدف تقليص قدرة إيران على الوصول إلى الخدمات والموارد المرتبطة بالنظام المالي الدولي.

الصين في مرمى الضغوط الأميركية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب وخلفه إلى يسار الصورة نائبه جي دي فانس (رويترز)

وتكتسب الإشارة الأميركية إلى الدور الصيني أهمية خاصة في ظل مساعي واشنطن إلى تضييق القنوات التي تستخدمها طهران للالتفاف على العقوبات.

وقال بيسنت إن المسؤولين الصينيين «منخرطون بشكل كبير» في حملة الضغوط الاقتصادية على إيران، في وقت تسعى فيه الإدارة الأميركية إلى دفع مزيد من الجهات الدولية إلى الالتزام بالعقوبات الأميركية.

وتزامنت هذه التصريحات مع استمرار الاتصالات المالية الأميركية - الصينية، في إطار محادثات أوسع بين البلدين، بينما يبقى ملف علاقة الصين بإيران أحد الملفات المطروحة في النقاش بين واشنطن وبكين. وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد أعلنت في وقت سابق أن بيسنت سيبحث مع نظيره الصيني العلاقات المالية بين بكين وطهران.

فانس: النفط لا يزال يعبر هرمز

وفي ملف الملاحة والطاقة، قال نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إن كميات كبيرة من النفط والغاز لا تزال تمر عبر مضيق هرمز، رغم استمرار التوترات التي تصفها واشنطن بأنها تهديد للملاحة الدولية.

وقال فانس، في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»، إن إدارة ترمب ستواصل مواجهة ما وصفه بالتحركات الإيرانية التي تستهدف حركة السفن التجارية.

وتأتي تصريحاته في وقت تشهد فيه حركة الملاحة عبر المضيق اضطراباً واضحاً. وأظهرت بيانات نقلتها «رويترز» الاثنين عبور 17 سفينة للسلع الأساسية المضيق خلال عطلة نهاية الأسبوع، مقارنة بـ37 سفينة في الأسبوع السابق، وأقل بكثير من المتوسط اليومي قبل الحرب البالغ نحو 125 سفينة.

وفي المقابل، أشار تقرير منفصل إلى أن صادرات النفط من بعض دول المنطقة لا تزال مستمرة، مع استخدام ناقلات ومسارات بديلة وعمليات نقل من سفينة إلى أخرى لتجاوز القيود الناجمة عن الأزمة. وكان قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر قد أشار إلى ارتفاع حركة النفط عبر هرمز إلى أعلى مستوياتها في ستة أشهر، في وقت تراجعت فيه أسعار الخام.

الملف النووي في صلب المواجهة

محطة «بوشهر» النووية الإيرانية (رويترز)

وربط فانس بين التوتر في مضيق هرمز والملف النووي الإيراني، قائلاً إن موقف ترمب واضح في أن إيران «لا يمكن أن تمتلك سلاحاً نووياً»، وإن الإدارة الأميركية اتخذت إجراءات لمنع ذلك.

وبحسب الرواية الأميركية، جاء استهداف الملاحة الدولية رداً إيرانياً على الضغوط العسكرية والسياسية. وكانت واشنطن قد اتهمت طهران مراراً باستهداف سفن تجارية في منطقة الخليج، بينما قال فانس سابقاً إن الولايات المتحدة لن تضع جدولاً زمنياً لإنهاء المواجهة طالما استمرت الهجمات على السفن.

وربط نائب الرئيس الأميركي كذلك بين اضطراب حركة الملاحة وارتفاع تكاليف الطاقة داخل الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن استمرار المخاطر في هرمز ينعكس على أسعار الوقود.

وتواجه سوق نقل الطاقة بدورها ارتفاعاً في تكاليف الشحن ونقصاً في ناقلات النفط، مع بلوغ تكلفة استئجار بعض الناقلات العملاقة أكثر من مليون دولار يومياً، وفق تقارير اقتصادية.

ويأتي التصعيد الاقتصادي والعسكري بينما تبرز إشارات إلى تحرك دبلوماسي محتمل في نيويورك، مع مشاركة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وقال حبيب الله عباسي، المدير العام للعلاقات العامة في مكتب الرئيس الإيراني، إن بزشكيان سيتوجه جواً إلى نيويورك الثلاثاء للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة، وفق وكالة «إرنا».

وكان ترمب قد أعلن أنه منفتح على لقاء بزشكيان في نيويورك، ما يفتح الباب أمام احتمال إجراء اتصالات مباشرة أو غير مباشرة بين الجانبين على هامش الاجتماعات الدولية، رغم استمرار الخلافات بشأن الملف النووي والعقوبات والملاحة في مضيق هرمز.


ترقب لقاءات الأمم المتحدة لخفض التصعيد في المنطقة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً تحت قبة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال العام الماضي (الأمم المتحدة)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً تحت قبة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال العام الماضي (الأمم المتحدة)
TT

ترقب لقاءات الأمم المتحدة لخفض التصعيد في المنطقة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً تحت قبة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال العام الماضي (الأمم المتحدة)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً تحت قبة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال العام الماضي (الأمم المتحدة)

تتجه الأنظار إلى نيويورك مع بدء اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث يترقب المجتمع الدولي سلسلة لقاءات يجريها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على هامش الاجتماعات، في وقت تتكثف فيه الجهود الدبلوماسية لاحتواء التوتر مع إيران ومنع انزلاق المنطقة مجدداً إلى مواجهة عسكرية واسعة.

وتكتسب لقاءات ترمب المرتقبة أهمية خاصة مع تصاعد التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران، بالتزامن مع تحركات تقودها باكستان ودول أخرى لإحياء المسار الدبلوماسي المتعثر. وكان ترمب قد قال إنه منفتح على فكرة لقاء الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في نيويورك.

تهديدات إيرانية برد «مختلف»

وفي مقابل التحركات الدبلوماسية، تصاعدت اللهجة الإيرانية حيال احتمال استئناف العمليات العسكرية. وقال المتحدث باسم «الحرس الثوري» الإيراني حسين محبي، الاثنين، إن بلاده ستستخدم أسلحة جديدة، وستستهدف مواقع لم تتعرض لهجمات من قبل إذا شنت الولايات المتحدة هجوماً جديداً.

ونقلت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن محبي قوله إن طهران ستغيّر، في حال وقوع «عدوان جديد»، طبيعة تسليحها للحرب وجغرافيتها، مؤكداً استعداد إيران لخوض صراع طويل الأمد.

وجاء ذلك بعد إعلان القيادة القتالية الموحدة للقوات المسلحة الإيرانية، الأحد، أنها تلقت معلومات تفيد بأن الولايات المتحدة تستعد لاستئناف العمليات القتالية.

وتعكس هذه التصريحات ارتفاع منسوب التوتر، في وقت لم تنجح فيه الاتصالات الدبلوماسية حتى الآن في إزالة الخلافات التي حالت دون استئناف المفاوضات.

باكستان تكثف جهود الوساطة

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يستقبل وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي (الرئاسة الإيرانية - أرشيفية)

وفي موازاة التصعيد، أكدت باكستان تمسكها بمواصلة وساطتها بين واشنطن وطهران، داعية إلى معالجة القضايا العالقة عبر الحوار والدبلوماسية.

وقالت وزارة الخارجية الباكستانية، الاثنين، إن إسلام آباد ملتزمة بدورها في الوساطة والعمل من أجل التوصل إلى حل سلمي للصراع بين إيران والولايات المتحدة، مشيرة إلى أن علاقاتها الجيدة مع الأطراف المعنية تتيح لها مواصلة هذا الدور.

وتزامن الموقف الباكستاني مع زيارة وزير الداخلية محسن نقوي إلى طهران، حيث التقى نظيره الإيراني إسكندر مؤمني. وأفادت مصادر حكومية باكستانية بأن المحادثات تناولت التطورات الإقليمية والعلاقات الثنائية، إلى جانب الجهود الرامية إلى إحياء المفاوضات المتعثرة بين طهران وواشنطن.

وفي المقابل، قالت مصادر إيرانية إن زيارة نقوي تركز على العلاقات الثنائية والتعاون بين البلدين، وإن الوزير الباكستاني لا يحمل رسالة أميركية إلى طهران، ولن ينقل رسالة إيرانية إلى واشنطن، وفق وكالة «تسنيم».

وبرزت باكستان خلال الأشهر الماضية بوصفها أحد الوسطاء الرئيسيين بين الطرفين. وأجرى نقوي عدة زيارات إلى طهران منذ مايو (أيار) الماضي، كان آخرها في أغسطس (آب)، لبحث سبل احتواء التوتر ودفع الحلول الدبلوماسية.

وتأتي هذه التحركات في ظل تعثر اتفاق أولي بين واشنطن وطهران تم التوصل إليه في يونيو (حزيران)، قبل أن ينهار بسبب خلافات حول عدد من الملفات، من بينها مسألة مضيق هرمز وإدارته.

ومنذ ذلك الحين، استؤنفت الضربات الأميركية على مواقع وسفن إيرانية، بالتزامن مع استمرار الحصار البحري للموانئ الإيرانية وتشديد العقوبات الأميركية.

وبعد فترة من الهدوء النسبي الذي أعقب الحرب التي اندلعت في 28 فبراير (شباط)، عاد التصعيد العسكري مع تبادل الضربات، بينما بقي المسار الدبلوماسي عالقاً.

مسيّرة أميركية ومخاطر الملاحة

سفن في مضيق هرمز (رويترز)

ميدانياً، أعلن «الحرس الثوري» الإيراني، الاثنين، اعتراض وتدمير طائرة مسيّرة أميركية من طراز «إم كيو-1» في أجواء مضيق هرمز، وقال إن إسقاطها تم بواسطة منظومة دفاع جوي حديثة ضمن شبكة الدفاع الجوي الموحدة.

وقال «الحرس الثوري» إن الطائرة، التي وصفها بأنها من الطائرات القديمة نسبياً في الترسانة الأميركية، عادت إلى الاستخدام بعد إخراجها سابقاً من التنظيم القتالي للقوات البحرية والجوية الأميركية وإحلال طائرات «إم كيو-9» محلها.

ويأتي الإعلان الإيراني في وقت تظل فيه حركة الملاحة في مضيق هرمز عرضة لمخاطر كبيرة، في ظل التوتر العسكري بين الطرفين.

وفي أحدث مؤشر على ذلك، أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إصابة ناقلة بمقذوف مجهول المصدر أثناء عبورها المضيق، ما أدى إلى إصابة اثنين من أفراد طاقمها بجروح طفيفة. وأفادت الهيئة بأن السفينة واصلت إبحارها إلى ميناء التوقف التالي.

وقالت شركة الأمن البحري البريطانية «فانغارد» إن الناقلة «لا ستيفاني»، التي ترفع العلم البريطاني، تعرضت لهجوم بطائرة مسيّرة أثناء عبورها المضيق، مؤكدة إصابة اثنين من أفراد الطاقم بجروح طفيفة.

وفي حادث منفصل، أفادت الهيئة البريطانية بتعرض ناقلة غاز نفطي مسال لشظايا مقذوفات مجهولة المصدر أثناء مغادرتها مضيق هرمز، من دون إصابات بين أفراد الطاقم أو تسجيل آثار بيئية.

هرمز في قلب المواجهة

وتشكل التطورات في مضيق هرمز أحد أبرز مصادر القلق في ظل أهميته لحركة إمدادات الطاقة العالمية. وكانت إيران قد أعلنت في وقت سابق من هذا الشهر توسيع «المنطقة المحظورة» التي فرضتها إلى خارج الممر المائي الاستراتيجي، لتشمل أجزاء من خليج عمان وبحر العرب.

وبينما تتواصل التحركات الباكستانية وغيرها لإعادة فتح قنوات الحوار، يضع التصعيد الميداني والتهديدات المتبادلة المساعي الدبلوماسية أمام اختبار صعب.

وفي هذا السياق، تكتسب لقاءات ترمب في نيويورك أهمية إضافية، إذ يمكن أن توفر اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة مساحة لاتصالات مباشرة وغير مباشرة بشأن الأزمة، في وقت يسعى فيه الوسطاء إلى كسر الجمود ومنع عودة المواجهة العسكرية على نطاق واسع.