إجراءات متسارعة لتفعيل قطاع السياحة في سوريا بعد ركود شهور

تخريج أول دفعة من إدارة «الشرطة السياحية» المستحدثة مؤخراً

وزارة السياحة
وزارة السياحة
TT

إجراءات متسارعة لتفعيل قطاع السياحة في سوريا بعد ركود شهور

وزارة السياحة
وزارة السياحة

تتسارع خطى وزارتي السياحة والداخلية السورية لتهيئة الأماكن السياحية، والساحل السوري في رأس قائمتها، لاستقبال الأعداد المتزايدة من زائري البلاد، سواء من السوريين المغتربين أو الأجانب والعرب، خصوصاً مع اقتراب عيد الأضحى.

وقال مدير العلاقات المحلية والدولية في الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية، مازن علوش، إنه تم الاستعجال بافتتاح معبر العريضة في محافظة طرطوس على الحدود مع لبنان، بسبب الطلبات الكثيرة من السوريين الراغبين بالقدوم إلى سوريا لقضاء عطلة العيد، وقد تم تجهيز المعبر بشكل جيد، وهناك بعض التجهيزات سيجري استكمالها بعد العيد.

في سياق الاستعداد للموسم السياحي، تم تخريج أول دفعة من إدارة «الشرطة السياحية» المستحدثة مؤخراً، في إطار الهيكلة الجديدة لوزارة الداخلية، وتتولى هذه الإدارة تأمين المواقع السياحية وزوارها، كما يدرب أفرادها على إتقان اللغات الأجنبية والتعامل مع الجنسيات المختلفة، وضمت أول دفعة نحو 45 شرطياً سياحياً جرى تدريبهم في إطار التعاون المشترك بين وزارتي الداخلية والسياحة.

يأتي هذا النشاط في مواجهة مخاوف من انكفاء حركة السياحة هذا العام على خلفية التداعيات التي خلفتها الأحداث الأمنية التي شهدتها مناطق الساحل في مارس (آذار) الماضي، إذ تعدُّ المناطق الساحلية في سوريا الوجهة الأبرز لحركة السياحة الصيفية الداخلية وإجازة عيد الأضحى.

وبدأت شركات السياحة بدمشق، قبل عشرة أيام، الإعلان عن رحلات إلى محافظتي اللاذقية وطرطوس، حسب بلال أحمد، الموظف في إحدى تلك الشركات الذي قال إن مستوى الحجوزات «جيد جداً على رحلات الساحل ومخالف للتوقعات»، لافتاً إلى حركة قدوم كبيرة للمغتربين في الأسبوع الأخير قبل العيد، ومشيراً إلى تراجع المخاوف الأمنية في غالبية مناطق الساحل، ومؤكداً على أن أسواق المدن هناك تشهد حركة كثيفة قبل العيد.

انطلاق حملة التنظيف في طرطوس (منصة أهل اللاذقية)

مؤسسة البيئة النظيفة، بالتعاون مع الفرق التطوعية والجمعيات المحلية، قامت بحملة تنظيف وتجميل وزراعة نباتات في مدينة طرطوس استعداداً للعيد والموسم السياحي، فيما قالت مصادر حكومية إن الحكومة تولي اهتماماً كبيراً بتفعيل قطاع السياحة في مناطق الساحل السوري، كجزء من حل المشكلات المعيشية وحالة البطالة، التي خلفتها إجراءات تسريح الموظفين والعسكريين، باعتبار أن معظم السكان هناك يعتمدون على الموسم السياحي مصدر رزق.

ولفتت المصادر إلى أن الحكومة تبذل جهوداً مكثفة لإعادة الأمان وفرض الأمن في المواقع والمنشآت السياحية والأسواق والأماكن المكتظة.

موقع ابن هانئ السياحي القريب من مواقع أثرية في ساحل اللاذقية

ويوجد في مناطق الساحل 32 منشأة بقدرة استيعابية إجمالية 7000 سرير. وتعمل وزارة السياحة على اتخاذ ما يلزم لضمان جودة الخدمات وضبط الأسعار، وتفعيل الشرطة السياحية لتأمين السائحين والمنشآت بالتعاون مع وزارة الداخلية، وذلك من خلال خطة متكاملة تشمل التنسيق مع الجهات المعنية لصيانة وتأهيل البنى التحتية، والترويج السياحي محلياً وخارجياً.

وزير السياحة مازن الصالحاني عدَّ تشكيل إدارة «الشرطة السياحية» لتدريب شرطة متخصصة بقطاع السياحة «خطوة ‏نوعية لتعزيز أمن الزائرين، وتقديم أعلى مستويات الخدمة». وقال خلال حفل التخريج إن وزارته تواصل جهودها لتطوير ‏القطاع السياحي وتنشيطه في سوريا، مؤكداً على أن نجاح هذه المبادرة يعتمد بشكل كبير على الدعم ‏والتعاون من المجتمعات المحلية، لتكون سوريا وجهة سياحية رائدة، ومؤكداً على أن «تضافر جهود الجهات الحكومية والمجتمعات المحلية هو مفتاح النجاح لتحقيق هذا ‏الهدف».

سوريون يحضرون حفلة موسيقية في مطعم بنت جبري في دمشق القديمة في الاثنين الماضي (أ.ف.ب)

ويعد قطاع السياحة في سوريا من أكثر القطاعات المتضررة خلال سنوات الحرب، وقدرت الخسائر بنحو 2.3 ترليون دولار منذ عام 2011، وفق أرقام حكومات النظام السابق، وتشمل الخسائر المباشرة، مثل تدمير الفنادق والمواقع الأثرية التاريخية والدينية والأضرار المادية الأخرى؛ بالإضافة إلى الخسائر غير المباشرة، مثل إغلاق الشركات وفقدان الوظائف، عدا عن تراجع واردات قطاع التجارة والخدمات.

وبعد سقوط النظام عادت حركة القادمين تنشط إلى سوريا، وبلغ عدد السوريين العائدين حتى الآن نحو 400 ألف سوري، ناهيك عن آلاف الزائرين من العرب والأجانب. وقال مدير العلاقات العامة في «الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية» السورية مازن علوش، في منشور على منصة «إكس»، الأحد، إن المنافذ الحدودية السورية تشهد ازدحاماً مع توافد آلاف السوريين القادمين من الخارج، سواء في زيارة قصيرة أو للاستقرار النهائي، إضافة إلى دخول متزايد للقادمين العرب والأجانب.

إلا أن التدفق الكثيف للقادمين إلى سوريا يواجه مشاكل عدة؛ أبرزها عدم توفر غرف فندقية مجهزة وكافية لتلبية الاحتياج، حيث لا يتجاوز عدد الفنادق المجهزة في دمشق 65 فندقاً، أغلبها متهالك وبحاجة إلى إعادة تأهيل، فيما وجدت الشركات الفندقية والسياحية نفسها فجأة أمام حركة غير مسبوقة للقادمين إلى سوريا بعد سقوط النظام، وقد وصلت نسبة الإشغال في معظم الفنادق 100 في المائة، ضمن حالة من فوضى الأسعار وتدني جودة الخدمات. ومن المتوقع ازدياد أعداد القادمين مع حلول عيد الأضحى وعطل المدارس وفصل الصيف.


مقالات ذات صلة

محاكمة أميركية متهمة بالتدرّب مع «داعش»... والدفاع يقول إن والدها استدرجها إلى سوريا

الولايات المتحدة​ حليمة سلمان تغطّي وجهها أثناء مغادرتها المحكمة الفيدرالية في حي بروكلين بمدينة نيويورك يوم 21 أكتوبر 2026 (أ.ب)

محاكمة أميركية متهمة بالتدرّب مع «داعش»... والدفاع يقول إن والدها استدرجها إلى سوريا

بدأت هيئة محلفين أميركية مداولاتها في قضية أميركية متهمة بتلقي تدريبات عسكرية مع «داعش»، فيما يقول دفاعها إن والدها استدرجها إلى سوريا.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي خلال العملية الأمنية المشتركة لقوى الأمن الداخلي السورية وجهاز الاستخبارات العامة ضد خلية «داعش» في بلدة رنكوس (قوى الأمن الداخلي)

قتلى في اشتباكات بين «الأمن» السوري وخلية لـ«داعش» بريف دمشق

كثيرٌ من بلدات وقرى القلمون الغربي المحاذية للحدود اللبنانية مهمشة وتعاني نقصاً حاداً في الخدمات وباتت بؤرة لتجار ومهربي المخدرات والسلاح والبشر وخلايا «داعش».

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي توغل قوات الاحتلال الإسرائيلي في القنيطرة (أرشيفية - سانا)

إسرائيل تقتل شاباً من ذوي الاحتياجات الخاصة في ريف درعا

دمشق تدين بشدة جريمة الاحتلال الإسرائيلي بقتله شاباً بريف درعا الغربي، وتقول إن هذه الاعتداءات لن تُغيّر من تمسك سوريا بسيادتها وحقوقها المشروعة.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي توغل قوات الاحتلال الإسرائيلي بريف درعا (أرشيفية - سانا)

مقتل رجل من ذوي الاحتياجات الخاصة بنيران إسرائيلية جنوب سوريا

قُتل رجل من ذوي الاحتياجات الخاصة بنيران إسرائيلية، الخميس، في جنوب سوريا.

«الشرق الأوسط»
المشرق العربي  «تل قليب» بريف محافظة السويداء السورية (أرشيفية - وكالة سانا)

مصدر درزي ينفي لـ«الشرق الأوسط» التحضير لإقامة قاعدة إسرائيلية في ريف السويداء

«كانت هناك تحضيرات خجولة لشن هجوم على نقاط لقوى الأمن الداخلي لكن لم يتم تنفيذه»

موفق محمد (دمشق)

بغداد تخشى انخراط فصائل في حرب محتملة بين واشنطن وطهران

عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد بمناسبة انسحاب القوات الأميركية 30 سبتمبر الماضي (إ.ب.أ)
عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد بمناسبة انسحاب القوات الأميركية 30 سبتمبر الماضي (إ.ب.أ)
TT

بغداد تخشى انخراط فصائل في حرب محتملة بين واشنطن وطهران

عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد بمناسبة انسحاب القوات الأميركية 30 سبتمبر الماضي (إ.ب.أ)
عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد بمناسبة انسحاب القوات الأميركية 30 سبتمبر الماضي (إ.ب.أ)

تواجه الحكومة العراقية اختباراً لجهودها في حصر السلاح بيد الدولة، مع تزايد المخاوف من تجدد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، واحتمال انخراط فصائل مسلحة فيها، بما يهدد مساعي بغداد لإبعاد البلاد عن صراع إقليمي.

تأتي هذه المخاوف في وقت تتحدث فيه تقارير أميركية وإسرائيلية عن إعداد خطط لاستئناف الضربات على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في 3 نوفمبر (تشرين الثاني)، في ظل تعثر الجهود الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار.

ويضع هذا الاحتمال حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي أمام معادلة معقدة؛ منع استخدام الأراضي العراقية في أي مواجهة جديدة، والحفاظ على العلاقات مع واشنطن، في وقت لا تزال فيه فصائل تحتفظ بقدرات عسكرية وقرار عملياتي مستقل عن الحكومة، وفق مراقبين.

كان الزيدي قد عرض، في مقابلة مع صحيفة «نيويورك تايمز» خلال زيارته نيويورك في سبتمبر (أيلول) الماضي، خطة مرحلية لحصر السلاح بيد الدولة، تنتهي في 30 يونيو (حزيران) 2027، بعدما كان الموعد السابق المحدد لذلك هو 30 سبتمبر 2026.

وتقوم الخطة، وفق ما أعلنه الزيدي، على مرحلة أولى تمتد 90 يوماً، تمتنع خلالها الفصائل عن مهاجمة المصالح الأميركية أو دول الجوار، مقابل امتناع القوات الأميركية عن استهدافها، قبل الانتقال إلى تسليم الأسلحة تدريجياً خلال الأشهر الستة التالية.

لكن الإعلان عن الجدول الزمني لم ينهِ الخلافات بشأن آليات التنفيذ، خصوصاً مع استمرار رفض فصائل نافذة التخلي عن سلاحها، وربط بعضها ذلك بانتهاء الوجود العسكري الأجنبي. كما أن المواقف المعلنة بشأن حصر السلاح لا تعني بالضرورة التوصل إلى اتفاق ملزم على تسليم الأسلحة الثقيلة أو الصواريخ والطائرات المسيّرة.

دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (موقع الحشد الشعبي)

احتمالات التصعيد

يقول طالب محمد كريم، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية، لـ«الشرق الأوسط»، إن طبيعة الضربة الأميركية ومدى مشاركة إسرائيل فيها سيكونان عاملين حاسمين في تحديد مستوى انخراط الفصائل العراقية.

ويضيف أن اتساع الحرب ليشمل ضربات إسرائيلية مباشرة ضد إيران سيجعل انتقال بعض الفصائل من استهداف المصالح والقواعد الأميركية في المنطقة إلى استهداف العمق الإسرائيلي «أكثر جدية»، بما قد يفتح الباب أمام عمليات متبادلة وتوسع جغرافي للمواجهة.

ويرى كريم أن مسؤولية الحكومة لا تقتصر على ضبط الفصائل، بل تشمل منع استخدام الأراضي العراقية في الحرب وحماية السيادة والمصالح الوطنية وفقاً للدستور.

من جهته، يرجح غالب الدعمي، أستاذ الإعلام في الجامعة المستنصرية، أن يكون تدخل الفصائل، إذا تجددت الحرب، غير مباشر في البداية، عبر استهداف المصالح الأميركية في الخليج العربي.

ويقول الدعمي لـ«الشرق الأوسط» إن الفصائل أعلنت استعدادها للمشاركة إلى جانب إيران إذا اندلعت الحرب مجدداً، لكنها قد تجد نفسها في «ورطة» إذا اختارت المشاركة الصريحة والمعلنة.

أما عبد الرحمن الجبوري، المتخصص في الشأن الأميركي، فيرى أن حسابات الفصائل لا تتطابق بالضرورة مع حسابات الحكومة العراقية، مشيراً إلى أن «كتائب حزب الله» تعمل وفق عقيدتها السياسية المرتبطة بشكل مباشر بالمرشد الإيراني.

ويعتبر الجبوري أن «موقف الزيدي لا يلزم هذه الجماعات، وأن بعضها يؤكد التزامه بالهدنة، لكنه لم يغير نظرته إلى الولايات المتحدة بوصفها عدواً».

الفصائل العراقية تضع شروطاً لحصر السلاح (إكس)

تباين داخل الفصائل

لا يتوقع باسل حسين، رئيس مركز «كلواذا» للدراسات السياسية، أن تتعامل الفصائل العراقية مع أي تجدد للحرب بين واشنطن وطهران بموقف موحد.

ويقول حسين لـ«الشرق الأوسط» إن الفصائل الأوثق صلة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، وفي مقدمتها «كتائب حزب الله» وحركة «النجباء»، قد تربط قرارها بحسابات طهران، وتوسع عملياتها لتشمل المصالح الأميركية ومنشآت الطاقة في المنطقة.

ويرجح حسين أن تنأى بنفسها الفصائل التي أعلنت التزامها بحصر السلاح بيد الدولة، ومنها «عصائب أهل الحق» و«كتائب الإمام علي»، وإن كان ذلك لا يحسم وحده طبيعة موقفها إذا اتسعت الحرب.

ويضيف أن الاختبار الأصعب سيواجه حكومة الزيدي، لأن تجدد المواجهة قد يمنح الفصائل الرافضة للتخلي عن سلاحها ذريعة إضافية للتمسك به، فضلاً عن تعريض العراق لردود أميركية وإقليمية.

من جانبه، يطرح عباس عبود، الباحث والأكاديمي، مسارين محتملين أمام الفصائل: الالتزام بالاتفاق مع الحكومة، الذي يقوم على حصر السلاح أولاً بيد القائد العام للقوات المسلحة، ثم تسليمه على مراحل، أو الانخراط في عمليات تستهدف المصالح الأميركية داخل العراق أو خارجه.

ويحذر عبود من أن المسار الثاني قد ينسف برنامج الحكومة الأساسي، قائلاً إن دخول الفصائل الحرب إلى جانب إيران ضد الولايات المتحدة سيضع بغداد أمام تداعيات أمنية وسياسية كبيرة، وقد يجر البلاد إلى المواجهة «رغماً عنها وعن قرارها السياسي».

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال التصويت على حكومته بمقر البرلمان في بغداد يوم 14 مايو 2026 (رويترز)

ضغوط اقتصادية وسيادية

وفي المقابل، يرى هاني عاشور، الباحث السياسي، أن «تأكيد الزيدي حصر السلاح بيد الدولة وإسناد قرار الحرب والسلم إلى مؤسساتها الدستورية يعكس الموقف الرسمي العراقي الرامي إلى تجنب الدخول في أي مواجهة إقليمية جديدة».

ويقول عاشور لـ«الشرق الأوسط» إن الحرب الأميركية ـ الإيرانية تهدد بخلط الأوراق في المنطقة، بينما يحاول العراق النأي بنفسه عنها قدر الإمكان، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها.

ويضيف أن الحكومة لن تسمح، وفق تقديره، بانخراط الفصائل في الحرب تحت أي ذريعة، مشيراً إلى أن عدداً منها أعلن بالفعل حصر سلاحه بيد الدولة.

لكن هذا التقدير يبقى رهناً بقدرة الحكومة على تحويل المواقف السياسية إلى إجراءات فعلية، في ظل تفاوت مواقف الفصائل بشأن تسليم السلاح، واستمرار الخلاف على توقيت التنفيذ وشروطه.

وفي هذا السياق، يرى فلاح المشعل، الباحث في الشأن السياسي، أن إنذارات الحكومة الموجهة إلى من يروجون للسلاح خارج نطاق الدولة تنسجم مع المنهاج الوزاري للزيدي، مشيراً إلى أن الإجراءات القانونية المتعلقة بالتحريض أو الأفعال الإرهابية قد تصل عقوباتها إلى الإعدام، وفقاً للقوانين النافذة.


لبنان: مذكرات قضائية تُطارد المتورطين في متفجرات «حزب الله»

المحكمة العسكرية في لبنان (الوكالة الوطنية)
المحكمة العسكرية في لبنان (الوكالة الوطنية)
TT

لبنان: مذكرات قضائية تُطارد المتورطين في متفجرات «حزب الله»

المحكمة العسكرية في لبنان (الوكالة الوطنية)
المحكمة العسكرية في لبنان (الوكالة الوطنية)

توسّعت دائرة الملاحقات القضائية في ملف شحنة المتفجرات التابعة لـ«حزب الله»، مع صدور مذكرتي بحث وتحرٍّ بحق شخصين تواريا عن الأنظار بعد استدعائهما للتحقيق، فيما تواصل مخابرات الجيش وشعبة المعلومات تدقيق المعطيات المستخرجة من هواتف مرتبطة بالقضية، وسط استمرار تعذّر إحضار مسؤولين في الحزب سبق أن صدرت بحقهما مذكرتا إحضار، ورفض الحزب تسليم المطلوبين ومطالبته باستعادة الشاحنة وحمولتها.

مذكرتا بحث وتحرٍّ وأسماء جديدة

وتترافق التحقيقات الأولية مع قرارات تتناسب مع مستجداتها، وكشف مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط»، أن مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، القاضي كلود غانم، «سطّر مذكرتي بحث وتحرٍّ بحق زوجة الموقوف هيثم أمهز، وصاحب الشاحنة التي نقلت المتفجرات، بعدما جرى استدعاؤهما للتحقيق أمام مديرية المخابرات في الجيش اللبناني، لكنهما امتنعا عن الحضور، وتواريا عن الأنظار». وأكد أن التحقيق «شهد تقدماً في مسألة تحديد أسماء جديدة للاشتباه في علاقتها بشحنة المتفجرات».

ويُمثل هذا الإجراء تطوراً جديداً بمسار التحقيق الأمني، الذي لا تزال يلاحق المعلومات المتصلة بالشحنة والأشخاص المرتبطين بنقلها. كما يضيف اسمين إلى دائرة المطلوبين، في وقت لم تُنفذ فيه مذكرتا الإحضار الصادرتان بحق مسؤولين في الحزب يُعرفان باسمَي «ساجد» و«ذو الفقار».

مناصرون لـ«حزب الله» في مسيرة ببيروت اعتراضاً على توقيف الضالعين بنقل المتفجرات (المركزية)

رفض تسليم المطلوبين والمطالبة باستعادة المتفجرات

ورغم التطورات التي تشهدها القضية، لا يزال الحزب يُطالب الدولة بإعادة الشاحنة وحمولتها من المتفجرات، بالتوازي مع رفضه إتاحة مثول مسؤوليه وعناصره المطلوبين أمام التحقيق. ولا يكتفي بهذا الرفض، بل رفع مستوى تحدّيه للدولة اللبنانية، إذ اعتبر أن «أي محاولة لتوقيف مسؤول أو عنصر تابع له سيجري التعامل معها بوصفها عدواناً إسرائيلياً».

في المقابل، أكد المصدر القضائي أن التحقيق الأولي «مستمر في المسارين المعتمدين، أمام مخابرات الجيش اللبناني وشعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، بما يُشير إلى مواصلة العمل على الملف رغم عدم حضور الأشخاص المستدعين». ولم يربط المصدر استمرار التحقيق بتسليم المطلوبين، بل شدد على أن «الإجراءات لا تزال جارية حتى نهايتها».

تدقيق في الهواتف والاتصالات

وأوضح أن تفريغ هواتف الموقوفين علي الكردي وهيثم أمهز، إضافة إلى هاتف زوجة الأخير «وفّر معلومات يجري التحقق منها ومقاطعتها مع معطيات محددة». وقال: «تبقى هذه المعلومات في إطار التدقيق، من دون إعلان نتائج نهائية بشأنها، أو تحديد ما يمكن أن يترتب عليها من إجراءات لاحقة».

ويكتسب فحص الهواتف أهمية، في ضوء تعذّر الاستماع إلى المطلوبين. وأشار المصدر إلى أن أهميتها «تكمن في مضمون الاتصالات أو طبيعة الصلات التي يبحث فيها المحققون». وأضاف «لا شكّ في أن هناك معلومات مهمة توفرت وهي قيد التدقيق، لتحديد مسؤولية كل شخص له علاقة أو صلة معينة بهذه الشحنة».

أنصار لـ«حزب الله» يلوِّحون بأعلام الجماعة في الضاحية الجنوبية لبيروت يوم 27 سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)


إحالة متفجرات «حزب الله» إلى «المجلس العدلي» تنتظر انتهاء التحقيقات

مدخل وزارة العدل في لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)
مدخل وزارة العدل في لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

إحالة متفجرات «حزب الله» إلى «المجلس العدلي» تنتظر انتهاء التحقيقات

مدخل وزارة العدل في لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)
مدخل وزارة العدل في لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

أبقى مجلس الوزراء اللبناني طلب إحالة ملف المتفجرات العائدة إلى «حزب الله» المضبوطة في ضهر البيدر ومنطقة القصر إلى المجلس العدلي قيد البحث، في انتظار تقدم التحقيقات القضائية، فيما تحدث مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط» عن تفاهم سياسي بين رئيس الجمهورية جوزيف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، سبق الجلسة الحكومية وأسهم في التوصل إلى هذا المخرج الذي لم يمنع انسحاب وزراء «القوات اللبنانية»، كما لم يمنع تصاعد الانتقادات السياسية لعدم حسم الإحالة.

وكشف مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط» عن أن «تفاهماً سياسياً سبق جلسة مجلس الوزراء، وأسهم في تمرير النقاش بشأن إحالة الملف إلى المجلس العدلي من دون إشكالات»، مشيراً إلى أن «اتصالات ومشاورات جرت بين رئيس الجمهورية جوزيف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، وأفضت إلى توافق على كيفية مقاربة الملف والتعامل معه داخل مجلس الوزراء».

التحقيقات تحسم الإحالة

وأوضح المصدر أن «مجلس الوزراء ارتأى، رغم معارضة وزراء (القوات اللبنانية)، إبقاء التحقيق في عهدة القضاء العسكري الذي يتولى الملف حالياً، على أن يُبنى أي قرار لاحق بشأن إحالته إلى المجلس العدلي على النتائج التي يتوصل إليها التحقيق»، مؤكداً أن «خيار الإحالة إلى المجلس العدلي لم يُلغَ أو يُستبعد من الحسابات، وإنما تُرك مفتوحاً في انتظار اتضاح المعطيات القضائية».

وشدد على أن «التفاهم السياسي الذي حصل لا يعني صرف النظر عن المجلس العدلي، بل يقوم على إعطاء القضاء العسكري المجال لاستكمال تحقيقاته، فإذا أظهرت النتائج ما يستوجب إحالة القضية إلى المجلس العدلي، يُصار إلى اتخاذ القرار المناسب، أما إذا لم تظهر معطيات تستدعي ذلك فسيبقى الملف ضمن مساره القضائي الحالي».

واعتبر مجلس الوزراء أن القضية تهدد أمن البلاد وسلامة المواطنين، وقرر مواصلة التحقيقات وفق القانون، ومتابعة البحث في طلب وزارة العدل إحالتها إلى المجلس العدلي، وفق تقدم التحقيق. وأوضح وزير الإعلام بول مرقص أن الملف لم يُطوَ، مشيراً إلى نقاش قانوني بشأن اكتمال الإجراءات وجدوى الإحالة حالياً.

صورة تُظهر قصر العدل في بيروت (متداول)

صلاحيات استثنائية

ويختص المجلس العدلي، بوصفه هيئة قضائية جزائية استثنائية، بجرائم محددة تمسّ أمن الدولة الداخلي والخارجي وبعض الجرائم الماسّة بالسلامة العامة. وتتم الإحالة إليه بمرسوم يتخذه مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير العدل. ولا تقبل أحكامه طرق المراجعة العادية وغير العادية، باستثناء الاعتراض وإعادة المحاكمة، وفقاً للمادة «366» من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

ويتألّف المجلس من الرئيس الأول لمحكمة التمييز وأربعة قضاة من المحكمة نفسها يُعيّنون بمرسوم حكومي باقتراح وزير العدل وموافقة مجلس القضاء الأعلى. ويتولى الادعاء النائب العام التمييزي أو أحد معاونيه، في حين يتولى التحقيق «المحقق العدلي» الذي يعيّنه وزير العدل بموافقة مجلس القضاء الأعلى، ويجمع صلاحيات قاضي التحقيق والهيئة الاتهامية، ويصدر القرار الاتهامي مباشرة تمهيداً للمحاكمة، من دون المرور بهيئة اتهامية مستقلة.

مجلس الوزراء اللبناني مجتمعاً في القصر الجمهوري (أرشيفية - أ.ف.ب)

اعتراض «القوات» وتمسّك نصار

وانسحب وزراء «القوات اللبنانية» احتجاجاً على عدم الإحالة الفورية. واعتبر وزير الصناعة جو عيسى الخوري أن انتظار التحقيقات غير مبرر، خصوصاً أن الجهة المعنية أعلنت مسؤوليتها عن المتفجرات.

وعن الاعتراض، استبعد المصدر الوزاري أن «يؤدي هذا الاعتراض إلى تغيير المسار المتفق عليه في المرحلة الراهنة»، موضحاً أن «خيار المجلس العدلي لا يزال قائماً، لكن لا يمكن اتخاذ قرار بالإحالة قبل توافر نتائج التحقيق والمعطيات التي تبرر هذه الخطوة».

وأكد أن «المسألة تبقى مرتبطة بما يتوصل إليه القضاء العسكري، ولا سيما النيابة العامة العسكرية ومفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، على أن تتحدد الخطوات اللاحقة في ضوء نتائج التحقيق، وبما يتيح لمجلس الوزراء اتخاذ القرار المناسب بشأن الإحالة إلى المجلس العدلي».

وفي المقابل، يتمسّك وزير العدل عادل نصار بالإحالة، لاعتباره أن نقل المتفجرات وتخزينها يمسّان الأمن القومي.

انتقادات سياسية

وانتقد عضو تكتل «الجمهورية القوية» النائب غياث يزبك، عدم الإحالة، وكتب عبر منصة «إكس»: «ما لم تلجأ الحكومة إلى تنفيذ قرار نزع السلاح من حزب إيران (حزب الله)، سيظل لبنان دولة مع وقف التنفيذ أو سيكون مصيره الزوال»، محذراً من أن تراجع الدولة أمام تهديدات الحزب يضعف مؤسساتها ويفسح المجال لشرعيات غير قانونية.

بدوره، أكد عضو كتلة «الكتائب» النائب سليم الصايغ، في حديث تلفزيوني، وجود تأييد شعبي واسع للإحالة، مشيراً إلى أن نصار تقدم بالطلب انطلاقاً من قناعته الشخصية وموقف «الكتائب». ورأى أن تبني «حزب الله» الشحنة وإعلانه تخصيصها لمواجهة إسرائيل يرتّبان مسؤولية سياسية تتجاوز نقل المتفجرات، وتستدعي توسيع التحقيق. ورفض التريث، محذراً من تهديدات الحزب لمعارضيه، وداعياً الحكومة إلى إنهاء النشاط العسكري والأمني خارج سلطتها، ومصارحة المجتمع الدولي إذا عجزت عن بسط سيادتها.

https://x.com/GhayathYazbeck/status/2113507650952397188?s=20

وأعرب عضو تكتل «القوات» النائب غسان حاصباني، في حديث تلفزيوني، عن أسفه لعدم حسم الإحالة رغم وعود سابقة، مشيراً إلى أن رئيسَي الجمهورية والحكومة طلبا مواصلة البحث دون تحديد موعد للإحالة. وأكد إمكان استمرار التحقيقات بعد الإحالة. وتساءل عما إذا كانت الحكومة تعرّضت لضغوط من «حزب الله» و«الثنائي الشيعي»، معتبراً انسحاب وزراء «القوات» خطوة اعتراض أولى قد تتبعها خطوات أخرى. وطالب بترجمة قرار الحكومة الصادر في مارس (آذار) بشأن عدم قانونية العمليات العسكرية للحزب إلى إجراءات عملية.

«حزب الله»... تريث محمود

وفي المقابل، رحّبت كتلة «الوفاء للمقاومة» النيابية بقرار الحكومة تأجيل إحالة ملف سيارة المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر إلى المجلس العدلي، معتبرةً، في بيان عقب اجتماعها الدوري، أن «قرار الحكومة بالأمس تأجيل إحالة ملف سيارة ضهر البيدر إلى المجلس العدلي تريث محمود بانتظار استكمال معالجته في الاتجاه الصحيح».

ورأت الكتلة أن ثمة «استهدافاً سياسياً فاضحاً» لا تستطيع القرارات والإجراءات تغطيته أو تبرير أهدافه، معتبرةً أنه لا يخدم الاستقرار الداخلي. ودعت الحكومة والقوى السياسية إلى تخفيف التوترات الداخلية وتحمّل المسؤولية الوطنية، محذّرةً من تداعيات الانقسامات في ظل التطورات الإقليمية.

خلفية القضية

وتعود القضية إلى ضبط متفجرات في ضهر البيدر ومنطقة القصر بمحافظة بعلبك الهرمل. وكان النائب حسن فضل الله قد أعلن في 15 أكتوبر (تشرين الأول) أن شاحنة ضهر البيدر تعود إلى «حزب الله»، وأن حمولتها مخصصة لمواجهة إسرائيل، مطالباً بإعادتها والإفراج عن الموقوفين. وجدد رئيس الحكومة نواف سلام خلال الجلسة تأكيد حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة، فيما ثمّن الرئيس عون دعوة بري إلى حماية الجيش والحفاظ على السلم الأهلي والحوار.