شكّل استهدافها ضربة للثالوث الاستراتيجي الروسي... ما أسباب إبقاء موسكو قاذفاتها في العراء؟

استفادت أوكرانيا من هذا الانكشاف لتقضي على نحو ثلث هذه الطائرات

صورة من الأقمار الاصطناعية تم التقاطها في 27 مايو 2025 تظهر طائرات «توبوليف تو-95» في قاعدة أوكراينكا الجوية بالقرب من سيريشيفو في منطقة أمور الروسية (أ.ف.ب)
صورة من الأقمار الاصطناعية تم التقاطها في 27 مايو 2025 تظهر طائرات «توبوليف تو-95» في قاعدة أوكراينكا الجوية بالقرب من سيريشيفو في منطقة أمور الروسية (أ.ف.ب)
TT

شكّل استهدافها ضربة للثالوث الاستراتيجي الروسي... ما أسباب إبقاء موسكو قاذفاتها في العراء؟

صورة من الأقمار الاصطناعية تم التقاطها في 27 مايو 2025 تظهر طائرات «توبوليف تو-95» في قاعدة أوكراينكا الجوية بالقرب من سيريشيفو في منطقة أمور الروسية (أ.ف.ب)
صورة من الأقمار الاصطناعية تم التقاطها في 27 مايو 2025 تظهر طائرات «توبوليف تو-95» في قاعدة أوكراينكا الجوية بالقرب من سيريشيفو في منطقة أمور الروسية (أ.ف.ب)

ترتكز عقيدة الردع النووية الروسية على الثالوث الاستراتيجي المؤلّف من الصواريخ الباليستية العابرة للقارات القادرة على حمل رؤوس نووية، والغواصات النووية المسلحة بصواريخ باليستية، والقاذفات الاستراتيجية القادرة على حمل صواريخ كروز نووية.

هذا التوزيع للقدرات النووية يسمح لروسيا، ولغريمتها الولايات المتحدة التي تعتمد ثالوثاً نووياً مشابهاً، بتوزيع قدرات الردع النووي والإبقاء على فرص الرد قائمة بوجه هجوم نووي قد تتعرّض له في ضربة استباقية، على اعتبار أن احتمال الرد النووي الروسي سيبقى من المرجّح قائماً، ما يؤمن توازن رعب وضمانا لدمار شامل مشترك في أي صراع من هذا النوع، وبالتالي امتناع القوى الكبرى عن اللجوء إلى هذه الأسلحة في ضربة هجومية، تجنباً لخسائر فادحة.

تُظهر هذه الصورة الملتقطة عبر قمر اصطناعي في 9 مارس 2025 طائرات «توبوليف تو-95» و«إليوشين إيل-76» ​​روسية في قاعدة دياجيليفو الجوية في منطقة ريازان الروسية (أ.ف.ب)

ضربة كبيرة

وقد تلقّت روسيا في الأول من يونيو (حزيران)، ضربة عسكرية لأحد عناصر هذا الثالوث بعد استهداف طائرات مسيّرة أوكرانية قواعد جوية روسية، وتدميرها حوالي ثلث أسطول موسكو من القاذفات الاستراتيجية بعيدة المدى التي كانت مكشوفة في العراء حين استُهدفت. هذا الوجود المكشوف للقاذفات الروسية الاستراتيجية من دون حماية، ردّه الخبراء إلى شروط معاهدة «نيو ستارت» بين الولايات المتحدة وروسيا والتي يبدو أن الجانب الأوكراني استفاد منها لتسهيل توجيهه هذه الضربة العسكرية ضد موسكو.

ومنذ استهداف الطائرات المسيّرة الأوكرانية الرخيصة قاذفات استراتيجية روسية وتدميرها وهي موجودة في قواعد جوية مكشوفة، تساءل الكثيرون عن سبب بقاء القاذفات بعيدة المدى - التي تبلغ قيمتها مجتمعة مليارات الدولارات، والتي تُعدّ جزءاً من الثالوث النووي الروسي - في العراء كأهداف سهلة المنال، مع حماية ضئيلة أو معدومة.

علاوة على ذلك، فإن القاذفات بعيدة المدى مثل «تو-22» و«تو-95» هي طائرات قديمة من الحقبة السوفياتية لم تعد تُنتج، مما يعزز قيمتها الاستراتيجية ويجعل استبدالها شبه مستحيل، وفق موقع «يورايجن تايمز» المعني بشؤون الدفاع والعلاقات الدولية.

على الرغم من هذه الأهمية الاستراتيجية، فإن سبب عدم بقاء هذه الأهداف عالية القيمة في الملاجئ هو سؤال محيّر للكثيرين.

(من اليسار) صورة قمر اصطناعي لقاعدة إيفانوفو الجوية شرق موسكو تم التقاطها في 22 مايو 2025 قبل الضربة الأوكرانية وصورة قمر اصطناعي تم التقاطها في 2 يونيو 2025 بعد الضربة للقاعدة الجوية نفسها (أ.ف.ب)

مكشوفة وسهلة الرصد

في الواقع، بدلاً من وقوف هذه القاذفات في ملاجئ أو تحت هياكل خرسانية محمية جيداً، رُكنت هذه الطائرات على مرأى من الأقمار الاصطناعية، على مدرجات مكشوفة في أماكن محددة بوضوح، مما يسهل على أقمار التجسس الأميركية وأقمار «الناتو» اكتشافها.

بينما يبدو الأمر غريباً، لكن ربما رُكنت القاذفات الروسية في العراء لهذا السبب تحديداً: حتى تتمكن الأقمار الاصطناعية الأميركية من رصدها.

ففي أعقاب الضربات الأوكرانية، تم التداول على مواقع التواصل الاجتماعي أن القاذفات القادرة على حمل رؤوس نووية رُكنت في العراء بموجب التزامات معاهدة ثنائية مع الولايات المتحدة.

أشار الجنرال السابق في الجيش الأميركي مايكل فلين، الذي شغل أيضاً منصب مستشار للأمن القومي في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأولى، إلى أنه كان من الممكن أن تُركن القاذفات الروسية في العراء بموجب التزامات المعاهدة النووية.

وذكر الجنرال فلين على منصة «إكس»: «للعلم، يجب أن تكون القاذفات التي تعرّضت للقصف ظاهرة للعيان تماماً نظراً للالتزامات بموجب المعاهدة النووية. وقد استغل (الرئيس الأوكراني فولوديمير) زيلينسكي ذلك».

وأثار منشوره نقاشات حادة على وسائل التواصل الاجتماعي حول ما إذا كانت الالتزامات الروسية بموجب معاهدة ثنائية مع الولايات المتحدة - في إشارة إلى معاهدة «نيو ستارت» - قد تساعد أوكرانيا في استهداف القاذفات الاستراتيجية الروسية.

فعلى ماذا نصّت معاهدة «نيو ستارت»؟

شروط معاهدة «نيو ستارت»

وُقِّعت هذه المعاهدة الثنائية لخفض الترسانات النووية الاستراتيجية للولايات المتحدة وروسيا والحد منها، مما يُعزز الأمن والاستقرار العالميين. وُقِّعت المعاهدة في 8 أبريل (نيسان) 2010 في براغ من قِبَل الرئيس الأميركي باراك أوباما والرئيس الروسي دميتري ميدفيديف، لتحل محل معاهدة «ستارت 1» المنتهية الصلاحية ومعاهدة تخفيض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية (SORT) لعام 2002.

تعزز معاهدة «نيو ستارت» المبرمة بين واشنطن وموسكو الأمن القومي للبلدين من خلال وضع حدود قابلة للتحقق على جميع الأسلحة النووية الروسية والأميركية العابرة للقارات المنتشرة. وقد اتفقت الولايات المتحدة والاتحاد الروسي على تمديد المعاهدة حتى 4 فبراير (شباط) 2026، وفق موقع وزارة الخارجية الأميركية. وقد رفضت روسيا بعد اجتياحها أوكرانيا أن تمدد الاتفاقية إلى ما بعد عام 2026، فيما هددت موسكو مراراً باستخدام السلاح النووي.

الرئيس الأميركي حينها باراك أوباما (يسار) والرئيس الروسي آنذاك دميتري ميدفيديف خلال توقيع معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية الجديدة «نيو ستارت» في براغ... 8 أبريل 2010 (رويترز)

دخلت معاهدة «نيو ستارت» حيّز التنفيذ في 5 فبراير 2011. وبحلول 5 فبراير 2018، التزم الطرفان بالحدود التالية، وفق موقع وزارة الخارجية الأميركية:

700 (حد أقصى): عدد الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والصواريخ الباليستية المطلقة من الغواصات، والقاذفات الثقيلة المجهزة للأسلحة النووية، المنتشرة.

1550: عدد الرؤوس النووية المنتشرة على الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والصواريخ الباليستية المطلقة من الغواصات، والقاذفات الثقيلة المجهزة للأسلحة النووية.

800: العدد الإجمالي للمنصات المنتشرة وغير المنتشرة، بما في ذلك منصات إطلاق الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، ومنصات إطلاق الصواريخ الباليستية المطلقة من الغواصات، والقاذفات الثقيلة المجهزة للأسلحة النووية.

هذه الحدود تهدف إلى تقليل الترسانات النووية الاستراتيجية وتعزيز الشفافية والثقة المتبادلة بين الطرفين.

وتمتلك روسيا القدرة على نشر أكثر من 1550 رأساً حربياً نووياً على صواريخها الباليستية العابرة للقارات والصواريخ الباليستية التي تُطلق من الغواصات المُحدثة، بالإضافة إلى القاذفات الثقيلة، إلا أن معاهدة «نيو ستارت» تُقيدها عن القيام بذلك.

وأنشأت المعاهدة نظاماً قوياً للتفتيش والتحقق، يشمل عمليات تفتيش في الموقع، وتبادل البيانات، وتقاسم بيانات القياس عن بُعد، لضمان الامتثال وبناء الثقة بين البلدين اللذين يمتلكان أكثر من 90 في المائة من الأسلحة النووية في العالم.

علاقة المعاهدة بالقاذفات المستهدفة

تحظر المادة العاشرة من معاهدة «نيو ستارت» استخدام تدابير الإخفاء التي تعيق التحقق بالوسائل التقنية الوطنية، مثل المراقبة عبر الأقمار الاصطناعية. ويضمن ذلك قدرة كل من روسيا والولايات المتحدة على مراقبة القوات الاستراتيجية للطرف الآخر بفعالية، بحسب نص المعاهدة.

وتنص معاهدة «نيو ستارت» على نشر القاذفات الثقيلة في القواعد الجوية فقط. وهناك العديد من القيود الأخرى على القاذفات الثقيلة في المعاهدة. على سبيل المثال:

«على كل طرف أن ينشئ قواعد لاختبار القاذفات الثقيلة في مراكز اختبار طيران القاذفات الثقيلة فقط. يجب أن تكون القاذفات الثقيلة غير المنشورة، بخلاف القاذفات الثقيلة التجريبية، موجودة فقط في مرافق إصلاح أو مرافق إنتاج القاذفات الثقيلة»، وفق موقع «يورايجن تايمز».

ولا يجوز لأي طرف أن يُجري في أي قاعدة جوية تمركزاً مشتركاً لقاذفات ثقيلة مُجهزة بأسلحة نووية وقاذفات ثقيلة مُجهزة بأسلحة غير نووية، ما لم يتفق الطرفان على خلاف ذلك.

بموجب المعاهدة، يتعين على كلا الطرفين أيضاً نشر بيانات حول الرؤوس الحربية النووية المنشورة على القاذفات الاستراتيجية، وكذلك على القاذفات الاستراتيجية غير المنشورة.

ولأغراض التحقق والشفافية، مُنح كلا الطرفين الحق في تفتيش الأصول النووية لكل منهما. ويشمل التفتيش عمليات تفتيش في الموقع وخارجه.

ووفق الجزء السادس من «أنشطة التفتيش» الخاصة بالمعاهدة: لا يجوز للطرف الخاضع للتفتيش أن يزيل القاذفات الثقيلة من موقع التفتيش.

من الواضح أنه بموجب هذه المعاهدة، يتعين على كلا الطرفين نشر بيانات حول عدد القاذفات الثقيلة ذات القدرات النووية، وكذلك مواقعها. علاوة على ذلك، توجد قيود على الأماكن التي يُمكن أو لا يُمكن وضع هذه القاذفات الثقيلة فيها. ويحق لكلا الطرفين تفتيش البيانات المُقدمة والتحقق من صحتها.

تنص بروتوكولات التفتيش أيضاً على أنه يجب تصوير القاذفات الثقيلة دون أغطية.

وتسمح المعاهدة باستخدام وسائل التحقق التقنية الوطنية (مثل الأقمار الاصطناعية) بما يتوافق مع القانون الدولي، وتتضمن أحكاماً صريحة تحظر التدخل في الوسائل التقنية الوطنية وتحظر استخدام تدابير الإخفاء التي قد تعيق مراقبة هذه الوسائل.

صورة ملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية في 2 يونيو 2025 تظهر قاعدة ديجليفو الجوية شرق موسكو بعد الضربة الأوكرانية (أ.ف.ب)

«ممارسة شائعة»

والتحقق عبر الأقمار الاصطناعية يعني أن القاذفات الثقيلة غالباً ما كانت متوقفة في العراء، تحت أنظار أقمار التجسس. لذا، ورغم أن المعاهدة لا تشترط صراحةً ركن القاذفات الثقيلة في الخارج، فإن هذه الممارسة أصبحت شائعة.

وذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية أن «روسيا، مثل الولايات المتحدة، غالباً ما تترك قاذفاتها بعيدة المدى متوقفة في الخارج بحيث يسهل رؤيتها، لأسباب تشغيلية وكجزء من التزاماتها بموجب المعاهدة النووية».

تعني المعاهدة أيضاً أن البيانات المتعلقة بعدد القاذفات الثقيلة ومواقعها غالباً ما تكون متاحة للعامة.

مع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن روسيا علّقت مشاركتها في معاهدة «ستارت» الجديدة في فبراير 2023. ومع ذلك، ستظل المعاهدة القديمة سارية المفعول، قانونياً على الأقل، حتى 5 فبراير 2026.

لذا، من الواضح أن روسيا لم تكن مُلزمة بترك قاذفاتها الثقيلة في العراء. ومع ذلك، فإن شروط المعاهدة وبروتوكولات التفتيش المعقدة الخاصة بها جعلت ذلك ممارسة شائعة.


مقالات ذات صلة

ترمب: نجري محادثات مع روسيا والصين بشأن نزع السلاح النووي

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال استضافته مأدبة غداء في حديقة الورود بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن يوم 15 أكتوبر 2026 (رويترز)

ترمب: نجري محادثات مع روسيا والصين بشأن نزع السلاح النووي

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إنه يُجري محادثات مع روسيا والصين بشأن نزع الأسلحة النووية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا ينس ستولتنبرغ (أ.ف.ب)

النرويج قد تسمح لصندوقها السيادي بالاستثمار في شركات تصنّع أسلحة نووية

قد يُسمح مجدداً لصندوق الثروة السيادي النرويجي الذي يعد الأكبر في العالم بأصول تتجاوز 2.2 تريليون دولار، بالاستثمار في الشركات المصنّعة للأسلحة النووية.

«الشرق الأوسط» (اوسلو)
الولايات المتحدة​ تظهر في هذه الصورة التي وُزعت دون تحديد تاريخها «أم القنابل» في قاعدة «إيغلين» الجوية (رويترز)

«أم القنابل» الأميركية التي قد تضرب إيران... ماذا نعرف عنها؟

أعادت خطط عسكرية أميركية تتضمن احتمال استخدام قنبلة «أم القنابل» ضد أهداف إيرانية تسليط الضوء على أحد أكبر الأسلحة في الترسانة الأميركية... فما هي؟

لينا صالح (بيروت)
آسيا شاشة في سيول تُظهر لقطة من عملية إطلاق صاروخ كوري شمالي (أ.ف.ب) p-circle

كوريا الشمالية تختبر إطلاق صواريخ «كروز» استراتيجية من غواصات

أجرت كوريا الشمالية تجربة إطلاق لنوعين من صواريخ «كروز» استراتيجية تُطلق من غواصات، وفق ما أفادت وكالة الأنباء المركزية الكورية الشمالية، الخميس.

«الشرق الأوسط» (سيول)
المشرق العربي  وحدات الأمن الداخلي في مدينة الحسكة تنتشر في شوارع المدينة الثلاثاء في إطار تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به وحظر إطلاق النار تحت أي ظرف (مديرية إعلام الحسكة)

الأمن الداخلي في شوارع الحسكة يطبق قرار حظر حمل السلاح وإطلاق النار

يأتي هذا الإجراء بعد أيام من التوتر على خلفية أعمال شغب نفذها مسلحون في مدينة الحسكة استدعت الاستنفار الأمني.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

متحدثة الـ5 أيام... لماذا عين ترمب كاتي زكريا ثم أقالها سريعاً؟

الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وإلى جانبه كاتي زكريا (إ.ب.أ)
الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وإلى جانبه كاتي زكريا (إ.ب.أ)
TT

متحدثة الـ5 أيام... لماذا عين ترمب كاتي زكريا ثم أقالها سريعاً؟

الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وإلى جانبه كاتي زكريا (إ.ب.أ)
الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وإلى جانبه كاتي زكريا (إ.ب.أ)

 

لم تستمر مهمة كاتي زكريا متحدثةً باسم البيت الأبيض سوى خمسة أيام، قبل أن يقرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب إقالتها، في نهاية مرتبكة لتعيين مفاجئ أثار استياء عدد من مستشاريه. وجاء القرار بعد مؤتمر صحافي أول متعثر، وتساؤلات بشأن خبرتها، وقدرتها على أداء المهمة، ثم جدل حول مؤهلاتها القانونية، وصولاً إلى مقابلات تلفزيونية زادت الضغوط عليها.

وكشفت شبكة «سي إن إن» أن تعيين زكريا جاء مدفوعاً برغبة ترمب في العثور على مدافع وفيّ عن سياساته، في وقت كان فيه الجمهوريون يواجهون صعوبات سياسية قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. لكن استعجال الرئيس في اختيارها، من دون تدقيق كافٍ في مؤهلاتها، ساهم في تحويل التعيين إلى إخفاق سريع.

ترمب أراد صوتاً يدافع عنه قبل الانتخابات

لم يُبدِ ترمب في البداية استعجالاً لملء المنصب الذي تركته كارولاين ليفيت في نهاية الصيف. وكان مستشاروه قد طرحوا أسماء عدة، لكن البحث تعثر، خصوصاً بعدما استُبعد مرشحون بسبب انتقادات سابقة وجهوها إلى الرئيس.

لكن تراجع فرص الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي، وتصاعد الانتقادات الموجهة إلى ترمب، دفعاه إلى تكثيف البحث عن شخص يتولى الدفاع عن رسالته إعلامياً. واشتكى لمستشاريه من عدم وجود أصوات كافية تدافع عنه وسط التغطية السلبية، بحسب «سي إن إن».

في هذا السياق، برز اسم كاتي زكريا، التي اعتادت الظهور على قنوات الأخبار والدفاع بحماسة عن ترمب وسياساته. وسأل الرئيس مستشاريه، ومن بينهم رئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، عن رأيهم فيها، كما طلب مشورة ليفيت.

وبحسب «سي إن إن»، لم يكن اسم كاتي مطروحاً للمنصب قبل أسبوع واحد من تعيينها. وبعد اتصال هاتفي بينها وبين ترمب، عرض عليها الرئيس الوظيفة بصورة مفاجئة، من دون حضور وايلز المحادثة، ما دفع مساعديه إلى إبلاغ رئيسة الموظفين بالقرار لاحقاً.

ووفق «سي إن إن»، كانت ناتالي هارب، مساعدة ترمب التي ترافقه باستمرار، من أبرز الداعمين لكاتي داخل البيت الأبيض.

كاتي زكريا في أول مؤتمر صحافي لها بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة (إ.ب.أ)

مؤتمر صحافي كشف ضعف استعدادها

وظهرت أولى علامات التعثر خلال المؤتمر الصحافي الأول لكاتي، الذي عُقد صباح الثلاثاء. وبعد رحلة ذهاباً وإياباً بين واشنطن وكاليفورنيا، استيقظت عند الثالثة فجراً للتحضير، لكن موادها لم تكن جاهزة إلا قبل 90 دقيقة من دخول قاعة الإحاطة.

وبدا أداؤها متعثراً حتى أثناء قراءة نص مُعد مسبقاً يشيد بسجل ترمب. وقال مسؤول كبير في الإدارة الأميركية لـ«سي إن إن» إنها لم تستطع السيطرة على القاعة، فيما تساءل مستشارون عن كيفية وصول شخص يفتقر إلى الخبرة والثقة اللازمتين إلى هذا المنصب.

وعندما بدأ الصحافيون طرح الأسئلة لم تعرف ما إذا كانت الولايات المتحدة قد أوقفت تبادل المعلومات الاستخباراتية مع أوكرانيا، رغم أن السؤال كان متوقعاً.

وتساءل أحد مستشاري ترمب بعد مشاهدته المؤتمر: «ما الذي يحدث هناك؟»، بينما لخّص آخرون مخاوفهم بسؤال مباشر: «هل تحقّق أحد من مؤهلاتها؟». وبحسب مسؤولين ومستشارين في البيت الأبيض تحدثوا إلى «سي إن إن»، لم يُجرَ التدقيق اللازم قبل تعيينها.

ورغم أن ترمب لم يعتبر أداءها سيئاً للغاية في البداية، فإنه شعر لاحقاً بالإحراج من التغطية الإعلامية السلبية للمؤتمر.

تجاهلت تفضيلات ترمب وأثارت انزعاج فريقه

ظهرت مؤشرات إضافية على قلة خبرة كاتي خلال زيارة ترمب إلى ألاسكا. فقد أخبرت مسؤولين في البيت الأبيض بأنها رتّبت مقابلة للرئيس مع مراسل من «فوكس نيوز» بعد تجمع انتخابي، رغم أن فريقه يعرف أنه لا يحب إجراء مقابلات بعد فعالياته، خصوصاً عندما يكون قد أمضى وقتاً طويلاً أمام الجمهور.

وأصرت كاتي على أن المقابلة فكرة جيدة، مشيرة إلى أن المراسل صديق لها. لكن ترمب أبدى انزعاجه عندما أبلغته بالخطة بعد انتهاء التجمع، وقال إنه لن يجري المقابلة، قبل أن يوافق عليها في نهاية المطاف.

كما أثار ظهورها في مقابلة مع «فوكس نيوز» بالتزامن مع تجمع انتخابي لترمب استياء بعض مستشاريه القدامى، الذين رأوا أن منافسة الرئيس على الاهتمام الإعلامي خلال فعالياته تصرف غير مناسب من أحد مرؤوسيه.

كاتي زكريا وإلى جانبها مساعدة البيت الأبيض ناتالي هارب ودانييل ألفاريز (أ.ب)

وعندما استطلع ترمب آراء كبار مساعديه بشأن أدائها، لم تجد كاتي كثيرين مستعدين للدفاع عنها، رغم أن بعضهم كان قد أشاد بها أمامها. وقال شخص مطلع على تعليقات الرئيس لـ«سي إن إن» إنه بدأ يتساءل عما إذا كانت «غير مستعدة للظهور على المسرح الكبير».

أزمة المؤهلات القانونية عجّلت بالإقالة

وتحولت مؤهلات كاتي القانونية إلى مشكلة إضافية. فقد كانت قد قدمت نفسها بوصفها محامية، من دون وجود دليل علني على اجتيازها امتحان مزاولة المهنة. ثم أفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» بأنها رسبت في الامتحان، وهو ما أكدته كاتي لاحقاً، مدعية أنها أُبلغت بإمكان وصف نفسها بأنها «محامية» حتى إن لم يكن من حقها استخدام وصف «محامية ممارسة للمهنة».

لكن منشورات سابقة لها على وسائل التواصل الاجتماعي كانت قد كررت وصفها بأنها محامية، ما زاد التساؤلات بشأن دقة ما أعلنته، ومصداقيته. وبدلاً من احتواء الأزمة، ساهم دفاعها العلني عن نفسها في إبقاء القضية في دائرة الاهتمام، وسط انطباع بأنها لا تملك الخبرة اللازمة للتعامل مع التدقيق الإعلامي.

وبعد سلسلة من المقابلات الحادة على «فوكس نيوز»، بلغت الضغوط ذروتها خلال مقابلة مساء الخميس مع شون هانيتي، صديق ترمب، الذي استجوبها بشأن مؤهلاتها القانونية. وخلص الرئيس إلى أن استمرارها في المنصب لم يعد ممكناً.

ترمب أنهى المهمة بعد أيام

لم يبلغ ترمب كاتي بقراره إلا يوم الجمعة. وحتى خلال ظهور تلفزيوني آخر في ذلك اليوم، قالت إنها تعتقد أنها لا تزال تحظى بثقته، قبل أن تؤكد للصحافيين لدى عودتها إلى البيت الأبيض أنها تتطلع إلى العمل معهم.

وبعد ساعات أبلغها ترمب بأنه يرى أن عليها إعادة التفكير في الاستمرار بالمنصب. وقال لاحقاً: «سألتها: هل هذا المنصب مناسب لك يا كاتي؟ لأنك، بصراحة، لست بحاجة إلى ذلك».

ورغم الإقالة، قال مصدر مقرب من ترمب وفق «سي إن إن» إنه لا يزال يحترم كاتي، ويحبها على المستوى الشخصي. كما تناولت هي وعائلتها العشاء مع نائب الرئيس جي دي فانس مساء الجمعة، في إشارة إلى أنها لا تزال تحظى بتقدير بعض المسؤولين في الإدارة.

لكن ترمب عاد إلى نقطة البداية، من دون متحدث رسمي رئيس في مرحلة حساسة تسبق الانتخابات. وقال إن كثيرين يرغبون في تولي الوظيفة، من دون أن يكشف عن اسم مرشح محدد.

وتشير تفاصيل الواقعة إلى أن الإقالة لم تكن نتيجة زلة واحدة، بل حصيلة تعيين متسرّع، وضعف في الاستعداد للمؤتمر الصحافي، وسوء تقدير لتفضيلات الرئيس، ثم أزمة مؤهلات قانونية، ومقابلات تلفزيونية زادت الشكوك في قدرتها على أداء أحد أكثر المناصب الإعلامية حساسية في البيت الأبيض.


التكنولوجيا والإنسان: تعزيز للحريات أم زنزانة رقمية؟

التكنولوجيا... عصر الحرية أم السيطرة؟ (رويترز)
التكنولوجيا... عصر الحرية أم السيطرة؟ (رويترز)
TT

التكنولوجيا والإنسان: تعزيز للحريات أم زنزانة رقمية؟

التكنولوجيا... عصر الحرية أم السيطرة؟ (رويترز)
التكنولوجيا... عصر الحرية أم السيطرة؟ (رويترز)

لم يسبق للإنسان أن امتلك إمكانات الوصول إلى هذا المقدار من المعرفة والقدرة على التواصل، ولم يسبق له، في المقابل، أن وضع جزءاً كبيراً من حياته وقراراته في أيدي أنظمة تكنولوجية لا يعرف كيف تعمل، ولا من يحدد قواعدها. بضغطة واحدة، يستطيع الوصول إلى مكتبات العالم، ومتابعة الأحداث لحظة وقوعها، والتواصل مع أشخاص تفصلهم عنه آلاف الكيلومترات، لكنه يستطيع أيضاً أن يجد نفسه أسيراً لشاشة تستحوذ على وقته، وخوارزميات ترسم له ملامح العالم الذي يراه وحدوده.

هنا تكمن تناقضات العصر الرقمي: كلما اتسعت قدرتنا على الوصول إلى الخيارات، ازدادت قدرة الآخرين على التأثير في خياراتنا. فهل جعلتنا التكنولوجيا أكثر حرية، أم أنها أعادت صَوغ وسائل السيطرة علينا؟

الروبوت يصبّ شراباً خلال تجربة في هونغ كونغ (أ.ف.ب)

*عصر الذكاء الاصطناعي

في عصر الذكاء الاصطناعي، تبدو المفارقة أكثر حدةً. يستطيع الإنسان تطوير تقنيات تنتج الصور والموسيقى والنصوص، وتساعده على إنجاز مهامّ معقدة، لكنه لا يزال عاجزاً عن معالجة أزمات إنسانية تدفع ملايين الأشخاص إلى الجوع والنزوح والحرمان والموت! وبينما تتسابق قوى المجتمع والشركات والدول على امتلاك أحدث التقنيات، تتراجع أحياناً أبسط أشكال التضامن الإنساني. ليست المشكلة في التكنولوجيا نفسها، بل في الأولويات التي تحكم استخدامها، وفي الفجوة بين ما يستطيع الإنسان إنجازه تقنياً وما هو مستعدّ للقيام به من أجل الآخرين، ومن أجل الهدف الأسمى: السلام.

لا تقتصر تداعيات هذا التحول على السياسة والاقتصاد، بل تمتد إلى العلاقات الإنسانية، فالتواصل الذي أصبح متاحاً على مدار الساعة لا يعني بالضرورة أننا أصبحنا أكثر قرباً بعضنا من بعض. فالفرد قد يكون محاطاً بمئات الأصدقاء الافتراضيين، لكنه يفتقر إلى محادثة حقيقية أو علاقة إنسانية تمنحه الشعور بالانتماء.

*الوحدة في عصر الازدحام

يصف بعض الباحثين هذه الظاهرة بمفاهيم مثل «الوحدة التكنولوجية» أو «الاتصال من دون تواصل». فالتفاعل الرقمي، على الرغم من مزاياه، قد يحلّ تدريجياً محل اللقاءات المباشرة والعلاقات التي تتطلب الإصغاء والتعاطف والحضور الفعلي. وقد أُثيرت أيضاً مخاوف بشأن القلق والضيق المرتبطين بفقدان الوصول إلى الأجهزة والتطبيقات. لكن الأهم ليس في إطلاق أحكام عامة على التكنولوجيا، بل في فهم كيف يمكن أن تتحول أداة صُممت لتسهيل حياتنا إلى مصدر للاتكالية والضغط والعزلة.

*تهديد الحرية؟

تتجاوز المسألة حدود العلاقات الشخصية لتصل إلى حرية الإنسان نفسها. فشبكة الإنترنت التي فتحت أبواب المعرفة أمام الجميع أوجدت، في الوقت نفسه، سوقاً ضخمة للتنافس على «الانتباه»، فلم تعد المسألة مجرّد عرض للمعلومات، بل تحديد ما يستحق أن يظهر أمام المستخدم وفق اهتماماته وميوله، وما ينبغي أن يبقى بعيداً عن نظره.

الهاتف الذكيّ أداة أساسية في العصر الرقمي (رويترز)

تعمل منصات رقمية كثيرة وفق أنظمة توصية تُحلل اهتمامات المستخدمين وسلوكهم، ثم تُقدم لهم محتوى لتُبقيهم متصلين مدة أطول. وقد تكون لهذه الآليات فوائد واضحة، إذ تساعد على اكتشاف مواد تتناسب مع اهتماماتنا، لكنها قد تحصرنا أيضاً في دوائر مغلقة تعيد إنتاج أفكارنا ومواقفنا، وتقلل فرص الاطلاع على آراء مختلفة.

وهكذا، لا يعود السؤال مقتصراً على ما إذا كنا نملك حرية الاختيار، بل يصبح متعلقاً بمَن يحدد الخيارات التي تظهر أمامنا، وبالمعايير التي تتحكم في ترتيبها، وبالتالي في سُلّم أولويات لم نضعه بأنفسنا. فإذا كان ما نقرؤه ونشاهده يتأثر بخوارزميات لا نعرف آليات عملها، فإلى أي مدى تبقى قراراتنا مستقلة؟

يحذر دان غيلمور، الأستاذ المتخصص في محو الأمية الإعلامية الرقمية والمؤسس المشارك لمبادرة «نيوز كو/لاب» بجامعة ولاية أريزونا الأميركية، من استخدام الحكومات وشركات التكنولوجيا أدوات المراقبة والخوارزميات غير الخاضعة للمساءلة، بما يهدّد الحريات العامة. ويرى أن المؤسسات المنوط بها أن تحمي هذه الحريات، ومنها وسائل الإعلام، لا تؤدي دائماً دورها المطلوب في مواجهة هذه التجاوزات.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة في المجال الديمقراطي. فالتقنيات الرقمية تتيح للمواطنين التعبير عن آرائهم، وتنظيم الحملات، والوصول إلى المعلومات، ومساءلة السلطات، لكنها قد تُستخدم أيضاً للمراقبة والرقابة والتلاعب بالرأي العام.

ويحذر ميغيل مورينو، أستاذ الفلسفة بجامعة غرناطة الإسبانية والمتخصص في أخلاقيات التكنولوجيا، من أخطار الانحياز والتلاعب والمراقبة التعسفية، سواء مارستها جهات حكومية أم خاصة.

تدريب للجيش البرتغالي تهاجم خلاله طائرة مسيّرة دبابة (أ.ف.ب)

*الجيوسياسة الرقمية وسلاح التكنولوجيا

لا تتوقف أخطار هذا التحول عند حدود الأفراد ومجتمعاتهم، بل تتجاوزها لتصبح محركاً أساسياً للجيوسياسة العالمية. فقد غدت التكنولوجيا، وخاصة الذكاء الاصطناعي وشرائح المعالجة والبيانات الضخمة، الميدان الجديد للتنافس بين القوى الكبرى والتكتلات الدولية. فلم تعد السيادة تُقاس بالجغرافيا والحدود العسكرية الميدانية فحسب، بل بمدى امتلاك الدولة «السيادة الرقمية» واستقلالها في إدارة بِنيتها التكنولوجية.

وفي هذا السياق، لم تعد الخوارزميات والمنصات الرقمية مجرد وسائل للتواصل، بل تحولت إلى أدوات للنفوذ الجيوسياسي، تُستخدم لخوض الحروب السيبرانية، وتشكيل الرأي العام العالمي، وتوجيه السرديات الإقليمية والدولية بما يخدم مصالح الدول القوية. ويضع هذا الواقعُ الدول النامية والمجتمعات الأقل امتلاكاً للتكنولوجيا أمام خطر مضاعف؛ إذ تجد نفسها ساحةً لصراعات نفوذ لا تملك أدواتها، وعُرضةً لنوع جديد من «الاستعمار الرقمي»، الذي يُعيد صَوغ موازين القوى العالمية ويُهمّش إرادة الشعوب ومكتسباتها الوطنية.

*ماذا تقول الأمم المتحدة؟

تقول الأمم المتحدة إن التقنيات الرقمية تؤثر في حقوق الإنسان، المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فهي تتيح وسائل جديدة للدفاع عن الحقوق وممارستها، لكنها قد تصبح أدواتٍ لانتهاكها، عبر المراقبة والرقابة والخوارزميات «المُغرِضة» والقرارات الآلية التمييزية. وغالباً ما تتحمل الفئات المهمّشة العبء الأكبر من هذه الممارسات.

المشكلة، إذاً، ليست في أن التكنولوجيا تملك إرادة مستقلة تسعى للسيطرة على الإنسان، بل أن القوة التي تمنحها البيانات والخوارزميات تتركز في أيدي عدد محدود من الجهات، في حين تبقى قدرة المستخدم على فهم آليات التأثير ومقاومتها محدودة، بمعنى أنه يكون في غالب الأحيان مجرّد متلقٍّ.

ولا يعني ذلك أن الحل يكمن في رفض التكنولوجيا أو العودة (المستحيلة) إلى عالم ما قبل الإنترنت، فقد أتاحت الأدوات الرقمية فرصاً غير مسبوقة للتعلم والعمل والتواصل، ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يُعزز قدرات الإنسان، بدلاً من أن ينتقص منها. لكن تحقيق هذه الإمكانات يتطلب شفافية أكبر، ومساءلة للجهات التي تدير المنصات، وحماية للبيانات الشخصية، وتعزيزاً لقدرة الأفراد على فهم سُبل توجيه المحتوى الذي يصل إليهم. باختصار، يمكن القول إن الأمر بكلّيته يحتاج إلى «نية حسنة».

مَن صاحب القرار في وجهة الذكاء الاصطناعي؟ (رويترز)

فالحرية لا تُقاس فحسب بعدد الخيارات المتاحة أمامنا، بل بقدرتنا على الاختيار الواعي، ومعرفة البدائل، وفهم القوى التي تؤثر في قراراتنا. وقد لا تكون السيطرة في العصر الرقمي قائمة على منع الإنسان من رؤية العالم، بل على تقديم عالم محدد له، وإقناعه بأنه العالم «الحقيقي».

في النهاية، لا يتمثل التحدي الحقيقي في جعل الآلة أكثر ذكاءً، بل في ضمان ألا يصبح الإنسان أقل استقلالية أو أقل إنسانية كلما ازدادت الآلة «ذكاءً». فالتقدم التكنولوجي، مهما بلغ، لا يمكن أن يكون بديلاً عن الحرية والتعاطف والتضامن، وعن الإنسان. وإذا كانت الخوارزميات قادرة على التأثير فيما نراه ونفكر فيه ونختاره، فإن استعادة قرارنا الحر تبدأ بسؤال بسيط: هل نستخدم التكنولوجيا لتوسيع حريتنا، أم نسمح لها بأن ترمينا في زنزانة التبعية والسيطرة؟


ترمب يهاجم زيلينسكي... والبيت الأبيض يقيّد نظام «ستارشيلد» في أوكرانيا

مبنى مدمر في أعقاب هجوم روسي في أوديسا بأوكرانيا (أ.ف.ب)
مبنى مدمر في أعقاب هجوم روسي في أوديسا بأوكرانيا (أ.ف.ب)
TT

ترمب يهاجم زيلينسكي... والبيت الأبيض يقيّد نظام «ستارشيلد» في أوكرانيا

مبنى مدمر في أعقاب هجوم روسي في أوديسا بأوكرانيا (أ.ف.ب)
مبنى مدمر في أعقاب هجوم روسي في أوديسا بأوكرانيا (أ.ف.ب)

وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب استئناف أوكرانيا ضرباتها على مصافي النفط الروسية بأنها «مخزية»، فيما ذكرت مصادر أن قرار الحد من قدرات نظام للأقمار الصناعية تستخدمه كييف في حربها ضد موسكو جاء من داخل البيت الأبيض.

وفي مقابلة نُشرت، الخميس، قال ترمب لقناة «نيوزماكس» لدى سؤاله عن هذه الهجمات: «حسناً، أعتقد أن هذا أمر مخز»، مضيفاً أنها تُسهم في ارتفاع أسعار الطاقة العالمية.

ووجّه الرئيس الأميركي انتقادات إلى نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، معتبراً أنه أقل استعداداً من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للتوصل إلى تسوية تنهي الحرب.

وقال ترمب: «يجب أن تتوقف هذه الحرب قريباً. أعتقد أن كليهما يرغبان فعلاً في إنهائها». وأضاف: «لكنني أجد أن التعامل مع زيلينسكي أكثر صعوبة من التعامل مع بوتين»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

رسالة بإبطاء خدمة «ستارشيلد»

بدورها، نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤولَين أميركيين ومسؤول غربي أن قرار الحد من قدرات نظام الأقمار الصناعية الذي تستخدمه أوكرانيا للاتصالات في ساحة المعركة وعمليات الطائرات المسيّرة جاء من داخل البيت الأبيض.

وقال المسؤولون إن قادة وزارة الحرب تلقوا رسالة تفيد بضرورة إبطاء خدمة «ستارشيلد» التابعة لشركة «سبيس إكس» ويستخدمها الجيش الأوكراني.

ولم يحدد المسؤولون، الذين طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم، من الذي اتخذ القرار في البيت الأبيض أو من المسؤول عن تنفيذ الأمر. وتعد وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) أكبر عملاء «ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية من خدمة «ستارلينك».

وقال مسؤولون أوكرانيون هذا الأسبوع إن أجهزة استقبال «ستارلينك» ذات المواصفات العسكرية توقفت عن العمل في أوكرانيا عند تركيبها على أجسام سريعة الحركة، مما أثر على أداء الطائرات المسيّرة الأوكرانية المعتمدة عليها في أنظمة التوجيه المدمجة فيها فوق الأراضي الأوكرانية.

وقال مصدر في وزارة الدفاع الأوكرانية، الخميس، إن أجهزة الاستقبال تعمل حالياً في أثناء الحركة، لكن فقط عند سرعات تصل إلى 160 كيلومتراً في الساعة.

ضغط لوقف هجمات المصافي

حدث الحد من قدرات نظام الاتصالات الحيوي مؤقتاً في وقت يمارس فيه الرئيس دونالد ترمب ضغوطاً على كييف لوقف هجماتها على المصافي الروسية، التي قال إنها السبب في ارتفاع أسعار الطاقة الذي تهدد فرص الحزب الجمهوري المنتمي إليه في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

لكن الخبراء يقولون إن الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة ناتج بشكل رئيسي عن الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران، التي بدورها استهدفت منشآت للطاقة وجعلت مضيق هرمز الحيوي في حكم المغلق.

ورداً على طلب للتعليق بشأن الأمر بتقييد نظام «ستارشيلد»، قال مسؤول أميركي كبير: «لم يصدر عن الرئيس طلب من هذا القبيل قط».

ولم يرد البيت الأبيض على الأسئلة المتعلقة بما إذا كان مسؤولون آخرون في الإدارة قد قدموا هذا الطلب.

وطورت شركة «سبيس إكس» نظام «ستارشيلد» خصيصاً لعملاء الحكومة والجهات ذات الصلة بالأمن القومي، لا سيما البنتاغون. ويعتمد نظام «ستارشيلد» على مجموعة أقمار «ستارلينك» الصناعية.

وقال مسؤولون أوكرانيون إن هذه القيود عرقلت مهام الضربات ضد القوات الروسية وعملياتها اللوجستية في الأراضي المحتلة، وأبطأت طائرات مسيّرة اعتراضية تُستخدم لإسقاط الطائرات من طراز «شاهد» التي تُطلقها روسيا.

وقال إيلون ماسك الرئيس التنفيذي لـ«سبيس إكس»، الأربعاء، على منصة «إكس» إن أنظمة «ستارشيلد» مملوكة للحكومة الأميركية وتخضع لسيطرتها، لذا فإن أي قيود على السرعة أو الاستخدام يقررها الجيش الأميركي أو الرئيس.

ولم ترد «سبيس إكس» على طلب للتعليق. كما لم يرد البنتاغون ولا السفارة الأوكرانية لدى واشنطن على طلبات للتعليق.