شكّل استهدافها ضربة للثالوث الاستراتيجي الروسي... ما أسباب إبقاء موسكو قاذفاتها في العراء؟

استفادت أوكرانيا من هذا الانكشاف لتقضي على نحو ثلث هذه الطائرات

صورة من الأقمار الاصطناعية تم التقاطها في 27 مايو 2025 تظهر طائرات «توبوليف تو-95» في قاعدة أوكراينكا الجوية بالقرب من سيريشيفو في منطقة أمور الروسية (أ.ف.ب)
صورة من الأقمار الاصطناعية تم التقاطها في 27 مايو 2025 تظهر طائرات «توبوليف تو-95» في قاعدة أوكراينكا الجوية بالقرب من سيريشيفو في منطقة أمور الروسية (أ.ف.ب)
TT

شكّل استهدافها ضربة للثالوث الاستراتيجي الروسي... ما أسباب إبقاء موسكو قاذفاتها في العراء؟

صورة من الأقمار الاصطناعية تم التقاطها في 27 مايو 2025 تظهر طائرات «توبوليف تو-95» في قاعدة أوكراينكا الجوية بالقرب من سيريشيفو في منطقة أمور الروسية (أ.ف.ب)
صورة من الأقمار الاصطناعية تم التقاطها في 27 مايو 2025 تظهر طائرات «توبوليف تو-95» في قاعدة أوكراينكا الجوية بالقرب من سيريشيفو في منطقة أمور الروسية (أ.ف.ب)

ترتكز عقيدة الردع النووية الروسية على الثالوث الاستراتيجي المؤلّف من الصواريخ الباليستية العابرة للقارات القادرة على حمل رؤوس نووية، والغواصات النووية المسلحة بصواريخ باليستية، والقاذفات الاستراتيجية القادرة على حمل صواريخ كروز نووية.

هذا التوزيع للقدرات النووية يسمح لروسيا، ولغريمتها الولايات المتحدة التي تعتمد ثالوثاً نووياً مشابهاً، بتوزيع قدرات الردع النووي والإبقاء على فرص الرد قائمة بوجه هجوم نووي قد تتعرّض له في ضربة استباقية، على اعتبار أن احتمال الرد النووي الروسي سيبقى من المرجّح قائماً، ما يؤمن توازن رعب وضمانا لدمار شامل مشترك في أي صراع من هذا النوع، وبالتالي امتناع القوى الكبرى عن اللجوء إلى هذه الأسلحة في ضربة هجومية، تجنباً لخسائر فادحة.

تُظهر هذه الصورة الملتقطة عبر قمر اصطناعي في 9 مارس 2025 طائرات «توبوليف تو-95» و«إليوشين إيل-76» ​​روسية في قاعدة دياجيليفو الجوية في منطقة ريازان الروسية (أ.ف.ب)

ضربة كبيرة

وقد تلقّت روسيا في الأول من يونيو (حزيران)، ضربة عسكرية لأحد عناصر هذا الثالوث بعد استهداف طائرات مسيّرة أوكرانية قواعد جوية روسية، وتدميرها حوالي ثلث أسطول موسكو من القاذفات الاستراتيجية بعيدة المدى التي كانت مكشوفة في العراء حين استُهدفت. هذا الوجود المكشوف للقاذفات الروسية الاستراتيجية من دون حماية، ردّه الخبراء إلى شروط معاهدة «نيو ستارت» بين الولايات المتحدة وروسيا والتي يبدو أن الجانب الأوكراني استفاد منها لتسهيل توجيهه هذه الضربة العسكرية ضد موسكو.

ومنذ استهداف الطائرات المسيّرة الأوكرانية الرخيصة قاذفات استراتيجية روسية وتدميرها وهي موجودة في قواعد جوية مكشوفة، تساءل الكثيرون عن سبب بقاء القاذفات بعيدة المدى - التي تبلغ قيمتها مجتمعة مليارات الدولارات، والتي تُعدّ جزءاً من الثالوث النووي الروسي - في العراء كأهداف سهلة المنال، مع حماية ضئيلة أو معدومة.

علاوة على ذلك، فإن القاذفات بعيدة المدى مثل «تو-22» و«تو-95» هي طائرات قديمة من الحقبة السوفياتية لم تعد تُنتج، مما يعزز قيمتها الاستراتيجية ويجعل استبدالها شبه مستحيل، وفق موقع «يورايجن تايمز» المعني بشؤون الدفاع والعلاقات الدولية.

على الرغم من هذه الأهمية الاستراتيجية، فإن سبب عدم بقاء هذه الأهداف عالية القيمة في الملاجئ هو سؤال محيّر للكثيرين.

(من اليسار) صورة قمر اصطناعي لقاعدة إيفانوفو الجوية شرق موسكو تم التقاطها في 22 مايو 2025 قبل الضربة الأوكرانية وصورة قمر اصطناعي تم التقاطها في 2 يونيو 2025 بعد الضربة للقاعدة الجوية نفسها (أ.ف.ب)

مكشوفة وسهلة الرصد

في الواقع، بدلاً من وقوف هذه القاذفات في ملاجئ أو تحت هياكل خرسانية محمية جيداً، رُكنت هذه الطائرات على مرأى من الأقمار الاصطناعية، على مدرجات مكشوفة في أماكن محددة بوضوح، مما يسهل على أقمار التجسس الأميركية وأقمار «الناتو» اكتشافها.

بينما يبدو الأمر غريباً، لكن ربما رُكنت القاذفات الروسية في العراء لهذا السبب تحديداً: حتى تتمكن الأقمار الاصطناعية الأميركية من رصدها.

ففي أعقاب الضربات الأوكرانية، تم التداول على مواقع التواصل الاجتماعي أن القاذفات القادرة على حمل رؤوس نووية رُكنت في العراء بموجب التزامات معاهدة ثنائية مع الولايات المتحدة.

أشار الجنرال السابق في الجيش الأميركي مايكل فلين، الذي شغل أيضاً منصب مستشار للأمن القومي في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأولى، إلى أنه كان من الممكن أن تُركن القاذفات الروسية في العراء بموجب التزامات المعاهدة النووية.

وذكر الجنرال فلين على منصة «إكس»: «للعلم، يجب أن تكون القاذفات التي تعرّضت للقصف ظاهرة للعيان تماماً نظراً للالتزامات بموجب المعاهدة النووية. وقد استغل (الرئيس الأوكراني فولوديمير) زيلينسكي ذلك».

وأثار منشوره نقاشات حادة على وسائل التواصل الاجتماعي حول ما إذا كانت الالتزامات الروسية بموجب معاهدة ثنائية مع الولايات المتحدة - في إشارة إلى معاهدة «نيو ستارت» - قد تساعد أوكرانيا في استهداف القاذفات الاستراتيجية الروسية.

فعلى ماذا نصّت معاهدة «نيو ستارت»؟

شروط معاهدة «نيو ستارت»

وُقِّعت هذه المعاهدة الثنائية لخفض الترسانات النووية الاستراتيجية للولايات المتحدة وروسيا والحد منها، مما يُعزز الأمن والاستقرار العالميين. وُقِّعت المعاهدة في 8 أبريل (نيسان) 2010 في براغ من قِبَل الرئيس الأميركي باراك أوباما والرئيس الروسي دميتري ميدفيديف، لتحل محل معاهدة «ستارت 1» المنتهية الصلاحية ومعاهدة تخفيض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية (SORT) لعام 2002.

تعزز معاهدة «نيو ستارت» المبرمة بين واشنطن وموسكو الأمن القومي للبلدين من خلال وضع حدود قابلة للتحقق على جميع الأسلحة النووية الروسية والأميركية العابرة للقارات المنتشرة. وقد اتفقت الولايات المتحدة والاتحاد الروسي على تمديد المعاهدة حتى 4 فبراير (شباط) 2026، وفق موقع وزارة الخارجية الأميركية. وقد رفضت روسيا بعد اجتياحها أوكرانيا أن تمدد الاتفاقية إلى ما بعد عام 2026، فيما هددت موسكو مراراً باستخدام السلاح النووي.

الرئيس الأميركي حينها باراك أوباما (يسار) والرئيس الروسي آنذاك دميتري ميدفيديف خلال توقيع معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية الجديدة «نيو ستارت» في براغ... 8 أبريل 2010 (رويترز)

دخلت معاهدة «نيو ستارت» حيّز التنفيذ في 5 فبراير 2011. وبحلول 5 فبراير 2018، التزم الطرفان بالحدود التالية، وفق موقع وزارة الخارجية الأميركية:

700 (حد أقصى): عدد الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والصواريخ الباليستية المطلقة من الغواصات، والقاذفات الثقيلة المجهزة للأسلحة النووية، المنتشرة.

1550: عدد الرؤوس النووية المنتشرة على الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والصواريخ الباليستية المطلقة من الغواصات، والقاذفات الثقيلة المجهزة للأسلحة النووية.

800: العدد الإجمالي للمنصات المنتشرة وغير المنتشرة، بما في ذلك منصات إطلاق الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، ومنصات إطلاق الصواريخ الباليستية المطلقة من الغواصات، والقاذفات الثقيلة المجهزة للأسلحة النووية.

هذه الحدود تهدف إلى تقليل الترسانات النووية الاستراتيجية وتعزيز الشفافية والثقة المتبادلة بين الطرفين.

وتمتلك روسيا القدرة على نشر أكثر من 1550 رأساً حربياً نووياً على صواريخها الباليستية العابرة للقارات والصواريخ الباليستية التي تُطلق من الغواصات المُحدثة، بالإضافة إلى القاذفات الثقيلة، إلا أن معاهدة «نيو ستارت» تُقيدها عن القيام بذلك.

وأنشأت المعاهدة نظاماً قوياً للتفتيش والتحقق، يشمل عمليات تفتيش في الموقع، وتبادل البيانات، وتقاسم بيانات القياس عن بُعد، لضمان الامتثال وبناء الثقة بين البلدين اللذين يمتلكان أكثر من 90 في المائة من الأسلحة النووية في العالم.

علاقة المعاهدة بالقاذفات المستهدفة

تحظر المادة العاشرة من معاهدة «نيو ستارت» استخدام تدابير الإخفاء التي تعيق التحقق بالوسائل التقنية الوطنية، مثل المراقبة عبر الأقمار الاصطناعية. ويضمن ذلك قدرة كل من روسيا والولايات المتحدة على مراقبة القوات الاستراتيجية للطرف الآخر بفعالية، بحسب نص المعاهدة.

وتنص معاهدة «نيو ستارت» على نشر القاذفات الثقيلة في القواعد الجوية فقط. وهناك العديد من القيود الأخرى على القاذفات الثقيلة في المعاهدة. على سبيل المثال:

«على كل طرف أن ينشئ قواعد لاختبار القاذفات الثقيلة في مراكز اختبار طيران القاذفات الثقيلة فقط. يجب أن تكون القاذفات الثقيلة غير المنشورة، بخلاف القاذفات الثقيلة التجريبية، موجودة فقط في مرافق إصلاح أو مرافق إنتاج القاذفات الثقيلة»، وفق موقع «يورايجن تايمز».

ولا يجوز لأي طرف أن يُجري في أي قاعدة جوية تمركزاً مشتركاً لقاذفات ثقيلة مُجهزة بأسلحة نووية وقاذفات ثقيلة مُجهزة بأسلحة غير نووية، ما لم يتفق الطرفان على خلاف ذلك.

بموجب المعاهدة، يتعين على كلا الطرفين أيضاً نشر بيانات حول الرؤوس الحربية النووية المنشورة على القاذفات الاستراتيجية، وكذلك على القاذفات الاستراتيجية غير المنشورة.

ولأغراض التحقق والشفافية، مُنح كلا الطرفين الحق في تفتيش الأصول النووية لكل منهما. ويشمل التفتيش عمليات تفتيش في الموقع وخارجه.

ووفق الجزء السادس من «أنشطة التفتيش» الخاصة بالمعاهدة: لا يجوز للطرف الخاضع للتفتيش أن يزيل القاذفات الثقيلة من موقع التفتيش.

من الواضح أنه بموجب هذه المعاهدة، يتعين على كلا الطرفين نشر بيانات حول عدد القاذفات الثقيلة ذات القدرات النووية، وكذلك مواقعها. علاوة على ذلك، توجد قيود على الأماكن التي يُمكن أو لا يُمكن وضع هذه القاذفات الثقيلة فيها. ويحق لكلا الطرفين تفتيش البيانات المُقدمة والتحقق من صحتها.

تنص بروتوكولات التفتيش أيضاً على أنه يجب تصوير القاذفات الثقيلة دون أغطية.

وتسمح المعاهدة باستخدام وسائل التحقق التقنية الوطنية (مثل الأقمار الاصطناعية) بما يتوافق مع القانون الدولي، وتتضمن أحكاماً صريحة تحظر التدخل في الوسائل التقنية الوطنية وتحظر استخدام تدابير الإخفاء التي قد تعيق مراقبة هذه الوسائل.

صورة ملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية في 2 يونيو 2025 تظهر قاعدة ديجليفو الجوية شرق موسكو بعد الضربة الأوكرانية (أ.ف.ب)

«ممارسة شائعة»

والتحقق عبر الأقمار الاصطناعية يعني أن القاذفات الثقيلة غالباً ما كانت متوقفة في العراء، تحت أنظار أقمار التجسس. لذا، ورغم أن المعاهدة لا تشترط صراحةً ركن القاذفات الثقيلة في الخارج، فإن هذه الممارسة أصبحت شائعة.

وذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية أن «روسيا، مثل الولايات المتحدة، غالباً ما تترك قاذفاتها بعيدة المدى متوقفة في الخارج بحيث يسهل رؤيتها، لأسباب تشغيلية وكجزء من التزاماتها بموجب المعاهدة النووية».

تعني المعاهدة أيضاً أن البيانات المتعلقة بعدد القاذفات الثقيلة ومواقعها غالباً ما تكون متاحة للعامة.

مع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن روسيا علّقت مشاركتها في معاهدة «ستارت» الجديدة في فبراير 2023. ومع ذلك، ستظل المعاهدة القديمة سارية المفعول، قانونياً على الأقل، حتى 5 فبراير 2026.

لذا، من الواضح أن روسيا لم تكن مُلزمة بترك قاذفاتها الثقيلة في العراء. ومع ذلك، فإن شروط المعاهدة وبروتوكولات التفتيش المعقدة الخاصة بها جعلت ذلك ممارسة شائعة.


مقالات ذات صلة

أوجلان يدعو أكراد المنطقة لأساليب جديدة بدل السعي لـ«الاستيلاء على السلطة»

شؤون إقليمية زعيم «حزب العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان كما ظهر في رسالة فيديو يوم 9 يوليو 2025 دعا فيها أعضاء الحزب لإلقاء الأسلحة والإعلان عن الانتقال إلى النضال الديمقراطي في إطار قانوني (أ.ف.ب)

أوجلان يدعو أكراد المنطقة لأساليب جديدة بدل السعي لـ«الاستيلاء على السلطة»

دعا زعيم «حزب العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان الأكراد في المنطقة إلى اتباع أساليب جديدة تقوم على المساواة والاعتراف الديمقراطي وليس على السعي إلى السلطة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية نفَّذ 25 من مسلحي حزب «العمال» الكردستاني انسحاباً من تركيا إلى شمال العراق في 26 أكتوبر الماضي (رويترز)

تركيا: السلام مع الأكراد يواجه موقفاً متشدداً من الحكومة

تنتهي اللجنة المكلفة بوضع الأساس القانوني لنزع أسلحة «العمال» الكردستاني من تقريرها النهائي خلال الأسبوع المقبل، وسط معلومات عن خلوه من مطالب الأكراد والمعارضة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال مؤتمر صحافي في بروكسل الأربعاء (رويترز)

المفوضية الأوروبية تكشف خطة دعم لأوكرانيا بـ90 مليار يورو

كشفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، الأربعاء، عن تفاصيل دعم الاتحاد الأوروبي لأوكرانيا بـ90 مليار يورو على مدار العامين المقبلين.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الولايات المتحدة​ لقطة لقارب استهدفته غارة أميركية في الكاريبي (أرشيفية - رويترز) play-circle

أميركا استخدمت طائرة سرية بتمويه يجعلها تبدو مدنية لاستهداف قارب في الكاريبي

ذكرت تقارير إعلامية أن الجيش الأميركي استخدم طائرة سرية تم طلاؤها لتبدو كطائرة مدنية في أول هجوم على قارب يشتبه في قيامه بتهريب المخدرات في الكاريبي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شؤون إقليمية قائد الوحدة الصاروخية في الحرس الثوري الإيراني أمير علي حاجي زاده يقدّم شرحاً إلى وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو في معرض الصواريخ الإيراني 20 سبتمبر 2023 (إرنا)

مسؤول غربي: إيران باعت روسيا عتاداً عسكرياً بـ4 مليارات دولار منذ عام 2021

ذكرت شبكة «بلومبرغ»، الاثنين، نقلاً عن مسؤول أمني غربي، أن إيران باعت روسيا عتاداً عسكرياً بأكثر من 4 مليارات دولار لدعم حربها على أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ترمب يتعهّد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يتعهّد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

تعهّد ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (السبت)، بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة على الحلفاء ‌الأوروبيين ‌حتى ‌يُسمح ⁠لواشنطن ​بشراء غرينلاند.

وفي ‌منشور على منصته «تروث سوشيال»، قال ترمب إن الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة ⁠ستدخل حيز ‌التنفيذ في الأول من فبراير (شباط) المقبل على الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا.

وأضاف ترمب ​أن هذه الرسوم سترتفع إلى ⁠25 في المائة في الأول من يونيو (حزيران) المقبل، وستستمر حتى يتم التوصل إلى اتفاق يسمح بشراء الولايات المتحدة الجزيرة ذات الحكم الذاتي.

واتهم الرئيس الأميركي الدول الأوروبية بممارسة «لعبة بالغة الخطورة» بشأن غرينلاند، عادّاً «السلام العالمي على المحك». وقال إن الدول التي فرض عليها الرسوم الجمركية «قامت بمجازفة غير مقبولة».

وأضاف: «بعد قرون، حان الوقت لترد الدنمارك (غرينلاند)... السلام العالمي على المحك. الصين وروسيا تريدان غرينلاند، والدنمارك عاجزة عن القيام بأي شيء في هذا الصدد».

جاء ذلك بعد أيام من نشر الدنمارك ودول أوروبية أخرى أعضاء في «حلف شمال الأطلسي» (ناتو)، قوات في الجزيرة القطبية الغنية بالمعادن. ويصر القادة الأوروبيون على أن الدنمارك وغرينلاند فقط هما من تقرران الشؤون المتعلقة بالإقليم.

غضب أوروبي

ورداً على تعهّد ترمب، قال الرئيس الفرنسي ​إيمانويل ماكرون إن تهديد الرئيس الأميركي بفرض رسوم جمركية ‌«⁠أمر ​غير مقبول»، ‌وإنه في حال تأكيده سترد أوروبا بشكل منسّق.

وأضاف ماكرون: «لن يؤثر علينا ⁠أي ترهيب أو ‌تهديد، لا في أوكرانيا ولا في غرينلاند ولا في أي مكان آخر في العالم، عندما نواجه ​مثل هذه المواقف».

بدوره، قال وزير خارجية الدنمارك، لارس لوكه راسموسن، إن إعلان ترمب فرض رسوم جمركية بسبب غرينلاند «كان مفاجئاً». وأشار إلى أن الوجود العسكري في الجزيرة يهدف إلى تعزيز الأمن في القطب الشمالي.

وأكد رئيس الحكومة السويدية، أولف كريسترسون، أنّ بلاده ترفض تصريحات ترمب. وقال في رسالة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لن نخضع للترهيب. وحدهما الدنمارك وغرينلاند تقرّران بشأن القضايا التي تخصّهما. سأدافع دائماً عن بلادي وعن جيراننا الحلفاء».

وأضاف: «تُجري السويد حالياً محادثات مكثفة مع دول أخرى في الاتحاد الأوروبي والنرويج وبريطانيا، من أجل التوصل إلى رد مشترك».

وفي بريطانيا، اعتبر رئيس الوزراء كير ستارمر أنّ «فرض رسوم جمركية على الحلفاء الذين يسعون إلى تحقيق الأمن المشترك لأعضاء (الناتو) أمر خاطئ تماماً»، مضيفاً: «سنتابع هذا الأمر بشكل مباشر مع الإدارة الأميركية».

«دوامة خطيرة»

وحذر الاتحاد الأوروبي من «دوامة خطيرة» بعد إعلان الرئيس الأميركي.

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، في بيان مشترك، إنّ «فرض رسوم جمركية سيضعف العلاقات عبر الأطلسي، كما يهدد بدخول العالم في دوامة انحدارية خطيرة».

وأكدا أنّ «أوروبا ستبقى موحّدة ومنسّقة وملتزمة بالدفاع عن سيادتها». وصدر هذا الموقف بعد أيام من إجراء مسؤولين دنماركيين ومن غرينلاند محادثات في واشنطن بشأن سعي ترمب لضم غرينلاند، دون التوصل إلى اتفاق.

وأضافت فون دير لاين وكوستا: «يبدي الاتحاد الأوروبي تضامناً كاملاً مع الدنمارك وشعب غرينلاند. يبقى الحوار أساسياً، ونحن ملتزمون بالبناء على العملية التي بدأت الأسبوع الماضي بين مملكة الدنمارك والولايات المتحدة».

امتنان للموقف الأوروبي

أشادت وزيرة الموارد المعدنية في حكومة غرينلاند ناجا ناثانييلسن، السبت، برد فعل الدول الأوروبية على تهديد ترمب بفرض رسوم جمركية جديدة عليها لمعارضتها جهوده للاستحواذ على غرينلاند.

محتجون على سياسة ترمب تجاه الجزيرة يحملون لافتة «غرينلاند ليست للبيع» في مسيرة باتجاه القنصلية الأميركية في غرينلاند (ا.ب)

وقالت الوزيرة في رسالة نشرتها على موقع «لينكد إن»: «أذهلتني ردود الفعل الأولية من الدول المستهدفة. أنا ممتنة ومتفائلة بكون الدبلوماسية والتحالفات ستنتصر».


الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)

قال الجيش ​الصيني، عبر حسابه الرسمي على موقع «وي تشات»، اليوم (السبت)، إنه ‌تابع ورصد ‌عبور مدمرة ‌الصواريخ ⁠الموجهة ​الأميركية «فين» وسفينة «ماري سيرز» لمسح المحيطات عبر مضيق تايوان يومَي 16 و17 ⁠يناير (كانون ‌الثاني).

وقال متحدث باسم قيادة المسرح الشرقي لجيش التحرير الشعبي الصيني، في البيان، إن الجيش ​لا يزال «في حالة تأهب ⁠قصوى في جميع الأوقات... للدفاع بحزم عن السيادة والأمن الوطنيين».

ولم يصدر بعد تعليق من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) على بيان الجيش الصيني.


هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
TT

هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)

كندا، الدنمارك (تمثل غرينلاند أيضاً)، فنلندا، آيسلندا، النرويج، روسيا، السويد، الولايات المتحدة.

تشكل الدول الثماني «مجلس المنطقة القطبية الشمالية» الذي اتفقت على إنشائه في 1991، وأعلنت ولادته رسمياً بعد خمس سنوات، بهدف التعاون في حماية البيئة الهشة في الأركتيك (Arctic)، وهي كلمة يونانية الأصل (Arktos) وتعني الدب. ويرجع ذلك إلى موقع كوكبة نجوم «أورسا مايجر»، (الدب الأكبر)، فوق منطقة القطب الشمالي.

جندي دنماركي خارج مقر قيادة القطب الشمالي في نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

أصرت الولايات المتحدة قبل توقيع معاهدة إنشاء المجلس (تُعرف بـ«إعلان أوتاوا») على أن تُدرجَ في النص جملة تقول: «لا يجوز لمجلس القطب الشمالي أن يتعامل مع المسائل المتعلقة بالأمن العسكري». إلا أن الجغرافيا الشمالية كانت على الدوام محطَّ تنافس ومطامع. وأسهم صعود الصين القريبة جغرافياً من القطب الشمالي، والعسكرة الروسية لمياه المنطقة، والتقارب بين روسيا والصين، والأهم الاحترار المناخي، في وضع المنطقة في صلب التجاذب والطموحات الجيوسياسية والجيواقتصادية.

عسكرة القطب الشمالي... صراعات استراتيجية «حامية» على «صفيح بارد»

أدى الاحترار المناخي -ولا يزال- إلى ذوبان مساحات ضخمة من الجليد في القطب الشمالي، وبالتالي انفتاح ممرات مائية كانت عصيَّة على السفن، وهذا يعني وجود ممرات جديدة للتجارة البحرية، وإمكان الوصول إلى الموارد الطبيعية التي تختزنها الأرض البيضاء. من هنا رأينا خطوات العسكرة تتسارع في المنطقة التي قال عنها وزير الخارجية الأميركي سابقاً، مايك بومبيو، في عام 2019، إن ظروفها تغيرت و«أصبحت ساحة للنفوذ والتنافس. يجب على دول القطب الشمالي الثماني التكيف مع المستقبل الجديد». وفي المقابل قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بعد ذلك بسنتين، قبيل اجتماع للمجلس القطبي في ريكيافيك عاصمة آيسلندا، إن القطب الشمالي هو منطقة نفوذ روسي.

زورق الدورية «كنود راسموسن» التابع للبحرية الدنماركية يرسو في مرفأ نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

غرينلاند والقطب

تعود هذه المسألة إلى الواجهة بقوة مع كل المعمعة المحيطة بقضية أكبر جزيرة في العالم: غرينلاند التي يريدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، غيرَ مكتفٍ بالقاعدة العسكرية الأميركية الموجودة فيها، وغير واثق بقدرة الدنمارك، صاحبة السيادة على الجزيرة، على الدفاع عنها، ولا بقدرة حلف شمال الأطلسي (ناتو) على الوقوف في وجه روسيا والصين.

كان غريباً ما قاله ترمب لصحيفة «نيويورك تايمز» تفسيراً لرغبته في الاستحواذ على غرينلاند، فالأمر «مطلوب نفسياً لتحقيق النجاح». وقد ورد في تعليق لصحيفة «لوموند» الفرنسية على هذا الكلام أن «من بين كل المبررات التي يمكن أن تقال لتسويغ انتهاك سيادة دولة حليفة، بدءاً من التهديدات الجيوسياسية الروسية والصينية، مروراً بوفرة المعادن الاستراتيجية (في الجزيرة)، وصولاً إلى إنشاء درع مضادة للصواريخ لحماية الولايات المتحدة، يبدو هذا السبب الأكثر انسجاماً مع طبيعة هذا الرئيس، وهو ما يجعله مقلقاً على نحو خاص».

فلنترك الراهن قليلاً ونرجع إلى سجل الماضي:

التوسُّع الإقليمي للولايات المتحدة وبعض عمليات الشراء

ليست رغبة واشنطن في ضم غرينلاند بالأمر الجديد؛ بل يحفل تاريخ الولايات المتحدة بالتوسع الجغرافي:

- في عام 1803، اشترت الولايات المتحدة من فرنسا منطقة لويزيانا، مقابل 15 مليون دولار، فتضاعفت مساحة البلاد.

- في 1819 عُقدت صفقة شراء فلوريدا من إسبانيا عبر تسوية ديون، وأصبحت إقليماً أميركياً عام 1821.

- في 1845 ضمَّ الأميركيون جمهورية تكساس المستقلة، وهذا ما أدى لاحقاً إلى الحرب الأميركية المكسيكية.

- في 1848 تنازلت المكسيك لجارتها الشمالية عن كاليفورنيا وأجزاء من الغرب الأميركي مقابل 15 مليون دولار.

- في 1867 اشترت الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا مقابل 7.2 مليون دولار، بهدف تحقيق توسُّع استراتيجي واقتصادي. وصار هذا الإقليم ولاية في عام 1959. وقد اكتُشف النفط فيها في عام 1968، وبلغ الإنتاج ذروته في الثمانينات، مع وجود احتياطات كبيرة لم تُستغلّ بعد.

- ضمَّت أميركا هاواي في عام 1898 بعد إسقاط الملَكية بدعم أميركي، وأصبحت ولاية في 1959.

- شراء الفلبين وغوام وبورتوريكو في 1898 من إسبانيا مقابل 20 مليون دولار، بعد الحرب الأميركية الإسبانية، وقد استقلت الفلبين في عام 1946.

- اشترت الولايات المتحدة جزر فيرجن (الجزر العذراء) من الدنمارك في عام 1917 مقابل 25 مليون دولار ذهباً. وكانت وراء ذلك أسباب استراتيجية وعسكرية؛ إذ خشيت واشنطن أن تستولي ألمانيا على الجزر أثناء الحرب العالمية الأولى، فتتعرض للخطر خطوط الملاحة في البحر الكاريبي؛ خصوصاً قناة بنما التي تربط هذا البحر بالمحيط الهادئ. ومُنح سكان الجزر الجنسية الأميركية عام 1927، في عهد الرئيس وودرو ويلسون.

- في عام 1946 حاول الرئيس هاري ترومان شراء غرينلاند من الدنمارك بمبلغ 100 مليون دولار ذهباً لأسباب عسكرية واستراتيجية خلال بدايات الحرب الباردة، ولكن الدنمارك رفضت البيع. وحافظت الولايات المتحدة على وجود عسكري قوي هناك بالاتفاق مع الدنمارك.

جنود ألمان هبطت طائرتهم العسكرية في غرينلاند حيث سيتمركزون تعزيزاً لدفاعات الإقليم التابع للدنمارك (أ.ف.ب)

ثروات غرينلاند

تبلغ مساحة غرينلاند مليونين و160 ألف كيلومتر مربع، يعيش فيها أقل من 57 ألف نسمة، نحو 50 ألفاً منهم من السكان الأصليين. ويتركز أكبر تجمع سكاني في العاصمة نوك (نحو 20 ألف نسمة).

بقيت الجزيرة مستعمرة دنماركية من 1721 إلى 1953 حين أُدخلت تعديلات على الدستور الدنماركي، صارت بموجبها غرينلاند إقليماً ذا حكم ذاتي.

تتمتع غرينلاند بثروة كبيرة من الموارد الطبيعية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الثروة لا يزال غير مستغل بشكل كبير بسبب موقعها النائي، ومناخها القاسي في المنطقة القطبية، والمخاوف البيئية.

وتحتوي الجزيرة على بعض أكبر احتياطيات العالم من المعادن النادرة التي تُعد أساسية في مجالات الإلكترونيات والطاقة المتجددة والتقنيات العسكرية. ويُعد مشروع كفانيفيلد (Kvanefjeld) المتوقف حالياً من أهم المشاريع الغربية في هذا المجال، إلا أنه يحتاج إلى مخطط واضح وتمويل كبير.

إضافة إلى المعادن، ثمة احتياطيات محتملة من النفط والغاز الطبيعي في المياه البحرية؛ خصوصاً في المناطق الغربية والشرقية، ولكن عمليات الحفر والتنقيب مكلفة ومثيرة للجدل بسبب الهشاشة البيئية. وعلاوة على ذلك، لا توجد خارج العاصمة نوك أي بنية تحتية للطرق تقريباً في غرينلاند، كما أن المرافئ العميقة المحدودة لا تستوعب الناقلات الكبيرة وسفن الحاويات.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أخطار ورهانات

أورد موقع المعهد البحري الأميركي -وهو منظمة مستقلة مكرَّسة لدراسة الشؤون البحرية والملاحية- أن «القطب الشمالي كان مختلفاً عن أي مكان آخر من الكرة الأرضية. فقد كان ملاذاً للبحث العلمي؛ حيث تعاونت الدول القطبية الثماني (بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة) تعاوناً سلمياً. غير أن كل ذلك تلاشى في السنوات الأخيرة بفعل التسارع الكبير في ذوبان الجليد القطبي، وما ترتب عليه من فتح الباب واسعاً أمام مختلف الأنشطة التجارية؛ وكذلك بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا؛ وتنامي الاهتمام الصيني بطريق الحرير القطبي».

ويضيف الموقع: «يبدو أن التحوُّل في الطرق البحرية الشمالية -بما يتيح للسفن التجارية عبور أقصر طريق يربط بين المحيطين الهادئ والأطلسي- مرشَّح لأن يصبح واقعاً خلال عقد من الزمن. كما أن نحو نصف احتياطيات العالم من النفط والغاز تقع تحت أرض القطب الشمالي ومياهه، إضافة إلى كميات معتبَرة من المعادن النادرة الحيوية التي تُعد مكونات أساسية في كل كومبيوتر وهاتف محمول، وسيارة تعمل بالبطاريات».

يلخص ترمب نظرته إلى غرينلاند بقوله: «امتلاك غرينلاند أمرٌ حيوي لأمن الولايات المتحدة، ولأمنها الاقتصادي. إنه ضرورة مطلقة، ولا أستطيع أن أؤكد أننا لن نلجأ إلى استخدام وسائل الإكراه العسكري أو الاقتصادي».

لا شك في أن ترمب والصين يراقبان بشغف ثروات غرينلاند. فاحتكار الصين شبه العالمي لنحو 50 من أصناف «المعادن الحيوية» يواجه تحدياً من غرينلاند التي يمكنها توفير 30 منها من خلال اثنين من أكبر مناجم العناصر الأرضية النادرة في العالم. وهنا تبدو الصين والولايات المتحدة على حد سواء متحمستين لتقديم الخبرات والاستثمارات المطلوبة في تلك الأرض الجليدية.

ومع كون روسيا المستفيد الأول من الطرق البحرية الموعودة في القطب، يمكن فهم حماستها ولغتها الحاسمة والجازمة حيال القوى الأطلسية. وفي السياق، قال الرئيس فلاديمير بوتين في خطاب ألقاه في 27 مارس (آذار) 2025، خلال زيارته مدينة مورمانسك بمناسبة تدشين غواصة نووية جديدة، إن «الولايات المتحدة ستواصل دفع مصالحها الجيواستراتيجية والعسكرية- السياسية والاقتصادية في القطب الشمالي. كما أن التنافس الجيوسياسي والصراع على النفوذ في هذه المنطقة يتصاعدان». وأعرب عن قلقه «إزاء ازدياد وتيرة عمل دول (الناتو) على جعل أقصى الشمال منصة محتملة لنزاعات مستقبلية، وتدربها على استخدام القوات العسكرية في هذه الظروف. سنرد على كل ذلك».

مقر القنصلية الأميركية في نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

وسط «المعمعة» الأميركية– الصينية– الروسية، يبدو الموقف الأوروبي نابعاً من الهلع: أولاً من حرب محتملة في تلك المساحات البيضاء، وثانياً من جدية ترمب وعزمه تملُّك غرينلاند غير آبه بحلفائه في «الناتو» ولا بأصدقائه الأوروبيين الذي لا يؤمن بقدرتهم على ضمان أمن غرينلاند، مع ما يعنيه ذلك من تخلي الولايات المتحدة عن «العائلة الغربية» التقليدية، راسمة خطوطاً جديدة في الخريطة الجيوسياسة العالمية.

لعلَّ ما يجسِّد الخوف الأوروبي ما قالته إيبَّا بوش، نائبة رئيس وزراء السويد التي أبدت خشيتها من أن يأتي دور بلادها الغنية بالموارد الطبيعية بعد غرينلاند. وإذا كانت السويد قلقة فماذا عن كندا التي تعرضت قبل أشهر لهجوم كلامي من ترمب، حضها فيه بقوة على الانضمام إلى الولايات المتحدة!

إنه عالم جديد فعلاً ترتسم ملامحه بسرعة، ويرتفع فيه منسوب التوتر وعدم اليقين، وتغلظ لهجة التخاطب السياسي مع قرقعة سلاح في خلفية المشهد... على أمل التعقُّل.