من حفتر إلى الدبيبة... خريطة «التحكم والنفوذ» في ليبيا

جيش في الشرق وميليشيات في الغرب... و«خطوط تماس» مزّقت الدولة وأنهكت الناس

قوة العمليات الخاصة التابعة لـ«الجيش الوطني» (القيادة العامة)
قوة العمليات الخاصة التابعة لـ«الجيش الوطني» (القيادة العامة)
TT

من حفتر إلى الدبيبة... خريطة «التحكم والنفوذ» في ليبيا

قوة العمليات الخاصة التابعة لـ«الجيش الوطني» (القيادة العامة)
قوة العمليات الخاصة التابعة لـ«الجيش الوطني» (القيادة العامة)

فارت ليبيا في أعقاب الإطاحة بنظام الرئيس الراحل معمر القذافي، مثل بركان، وباتت متشظيةً تشبه الفسيفساء. الآن، وعلى مدار 14 عاماً، بدأت تتشكَّل ملامح خريطة عسكرية وأمنية وسياسية في عموم البلاد، كاشفة عن تموضعات جديدة وتمدُّد جبهةٍ وانحسار أخرى.

كان عام 2014، عندما بدأ الضابط خليفة حفتر- الذي أصبح فيما بعد قائد «الجيش الوطني» - في لمّ شتات قوات جيش القذافي المفكك... في تلك الأثناء، كان الانقسام يعصف بليبيا، وكانت غالبية المدن، ومنها طرابلس مقر حكومة عبد الحميد الدبيبة راهناً، تستقبل متشددين، كما سمح الوضع الجديد ببزوغ تيار الإسلام السياسي.

حفتر يزور مقراً للتصنيع الحربي (الجيش الوطني الليبي)

وما بين الجبهتين، إحداهما في شرق ليبيا والأخرى في غربها، وعلى مدار 14عاماً، انخرط كل فصيل في تحقيق غايته، وسعى إلى تفعيل أجندته، مستنداً إلى دعم خارجي. رافقت ذلك فوضى أمنية تقاطعت فيها الأجندات وتباينت الغايات، فانقسمت البلاد بين مشروعين: أحدهما يسعى إلى تأسيس نظام عسكري، لكنه يواجه اتهامات بـ«عسكرة ليبيا»، بينما ذاب الآخر في الميليشيات وذابت فيه.

من بنغازي إلى طرابلس، ومن حفتر إلى الدبيبة مروراً بمدن الجنوب، تراوح الأزمة الليبية مكانها، بعد أن جالت في عواصم عدة؛ بحثاً عن حل. والحاصل أن الأطراف كافة، تتشبث بالسلطة، وتُعزِّز تموضعها، وتُبقي أصابعها على زناد البندقية، مرسّمة خريطة لنفوذها ولو مؤقتاً... فإلى أي مدى تمتد هذه السيطرة؟ ومَن يحكم ماذا؟

جيش الآباء والأجداد

انشغل حفتر، عقب إسقاط القذافي، بتكوين جيش، معتمداً على عناصر من النظام السابق، ليخوض عقب ذلك حروباً مع «الجماعات الإرهابية»، قبل أن يُكلَّف من رئيس البرلمان، المستشار عقيلة صالح، (القائد الأعلى للقوات المسلحة) بمنصب القائد العام، وترقيته إلى «فريق» عام 2015، ثم إلى «مشير» في العام التالي.

عناصر تابعون لرئاسة الأركان البرية بـ«الجيش الوطني» (القيادة العامة)

ويقول متابعون لمسيرة إعادة بناء حفتر للجيش، ومن بينهم خالد الترجمان رئيس «مجموعة العمل الوطني» والمقرّب من الجيش، إنه «بدأ في استعادة المؤسسة التي أنشأها الأجداد والآباء، بنواة قوامها 310 عناصر...التعداد راهناً يفوق 120 ألف ضابط وجندي».

وأظهر استعراض عسكري، أُقيم الشهر الماضي في بنغازي، مدى التطور النوعي الذي أُدخل عليه، وما بات يحوزه من قدرات تسليحية، عدّها البعض رسالةً للخصوم تؤشر إلى تحول استراتيجي في ميزان القوى بين الأفرقاء الليبيين.

في ذلك الاستعراض، بعث حفتر بمزيد من رسائله لـ«الخصوم»، فقال: «الكلمة الفصل في اللحظة الحاسمة للجيش»، فهناك، وعلى بُعد أكثر من ألف كيلومتر من بنغازي تموج طرابلس العاصمة باضطرابات، ويسعى كل فصيل هناك إلى جمع ما لديه من قوة وحلفاء.

تظل المنطقة الشرقية كاملة، قلب نفوذ حفتر السياسي والعسكري والأمني، لكن ذلك لم يمنعه من تمدُّد قواته حتى الحدود مع السودان وتشاد وجزء من الحدود مع النيجر والجزائر بأقصى الجنوب الغربي، مروراً بسرت والجفرة (وسط البلاد).

حقل بترول في مدينة رأس لانوف شمال ليبيا (أرشفية - أ.ف.ب)

ويعد «الهلال النفطي» بشمال وسط ليبيا على الساحل الشرقي، الذي سيطر عليه حفتر بعد معارك دامية مع تنظيم «داعش»، إحدى أهم النقاط الاستراتيجية والأوراق المهمة اقتصادياً وسياسياً التي تقع تحت قبضته...ويضم مواني رأس لانوف، والسدرة، والبريقة، والزويتينة.

بدأ حفتر منذ عام 2019 في التركيز أكثر على الجنوب الليبي، فيما عدّه مراقبون التفافاً على غرمائه في العاصمة وخصماً من رصيدهم، ليبسط نفوذه على الشريط الحدودي جنوب غربي ليبيا من سبها وبراك الشاطئ وأوباري، حتى غات على مشارف الحدود مع النيجر والجزائر.

حفتر كان قد انتهى بالطبع من السيطرة على كل المناطق الحدودية بالجنوب الشرقي، مثل الكفرة والجوف والعوينات ورملة ربيانة وجبال تيبستي القريبة من الحدود مع تشاد.

ويرى متابعون أن اتجاه حفتر إلى الحدود الجنوبية جاء على خلفية انشغال السلطة في طرابلس بما تحت يدها من مراكز سيادية تتمثل في «المصرف المركزي» ومؤسسة النفط، «مكتفية بكون العاصمة وجهة المسؤولين الدوليين»، لكن تحركات حفتر جعلته يُواجَه بتهمة «محاولة عسكرة ليبيا».

صدام حفتر يتفقد تمركز قوة العمليات الخاصة «R.I.B 87» (رئاسة أركان القوات البرية)

وهنا يشير المحلل العسكري الليبي عادل عبد الكافي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الحدود الجنوبية، باستثناء أجزاء بسيطة، باتت تحت سيطرة حفتر»، متحدثاً عن تفعيل «عملية مشتركة» ترعاها أميركيا من قوات شرق ليبيا وغربها؛ لحماية الحدود والشواطئ.

لمَن السيطرة على النفط؟

إلى جانب «الهلال النفطي» الممتد على طول 205 كيلومترات من طبرق شرقاً إلى السدرة غرباً، يبسط حفتر سيطرته على عدد من الحقول المهمة في جنوب ليبيا، ما يمنحه نفوذاً اقتصادياً واستراتيجياً كبيراً، بحسب محللين.

ويعد «الشرارة» من أكبر الحقول النفطية في ليبيا، ويقع في أوباري (جنوبي غرب)، وتبلغ إنتاجيته نحو 315 ألف برميل يومياً، ثم حقل «الفيل» الواقع جنوب غربي ليبيا، وتبلغ طاقته الإنتاجية نحو 70 ألف برميل يومياً. بجانب حقول أخرى لكنها صغيرة مثل «مرزق».

وتشرف على هذه الحقول إدارياً «المؤسسة الوطنية للنفط» في طرابلس، وتتولى حمايتها قوةٌ مشتركةٌ من حرس المنشآت النفطية وبعض المجموعات المسلحة المحلية التي يتبع بعضها شكلياً، حكومة الدبيبة، وأخرى تتبع لحفتر أحياناً، أو تتعاون معه عند الحاجة.

شبكة القواعد العسكرية

يفرض حفتر نفوذه على غالبية المناطق النفطية، ولديه شبكة من القواعد العسكرية، البرية والجوية، المنتشرة في شرق ووسط وجنوب ليبيا، وتُستخدَم لأغراض استراتيجية تشمل الإمداد، والتدريب، والعمليات الجوية، وتنسيق الدعم اللوجيستي من الحلفاء الإقليميين والدوليين.

وبداية، يعتقد الترجمان في حديث إلى «الشرق الأوسط»، أنه «لا يمكن بحال عقد مقارنة بين الجيش الوطني الموجود في مناطق عدة بالبلاد، وما هو موجود في غربها حيث الميليشيات التي تمتهن السطو على مصرف ليبيا المركزي».

صورة وزّعتها القوات البرية التابعة لحفتر لإحدى دورياتها

ولدى حفتر قواعد عسكرية عدة، لعل أشهرها «الجفرة الجوية» بوسط ليبيا، وهي واحدة من 6 قواعد حيوية، وتبعد نحو 600 كيلومتر جنوب شرقي طرابلس، وكانت تُستخدَم نقطة انطلاق للعمليات الجوية في الحرب التي شنَّها الجيش على طرابلس عام 2019.

وفي شرق ليبيا هناك قاعدتان لحفتر: الأولى «الخروبة» وتعرَف أيضاً بـ«الخادم»، وتقع شرق بنغازي، وتشير تقارير إلى أنها تضم طائرات «درون»، ثم «الأبرق الجوية» بشرق بنغازي، وتُستخدَم لأغراض التدريب والدعم الجوي، إضافة إلى قاعدة «جمال عبد الناصر» الجوية أيضاً.

وهناك، وفي الجنوب وعلى بُعد قرابة 1200 كيلومتر من بنغازي، تقع قاعدة «تمنهنت الجوية» شمال شرقي مدينة سبها، في بلدية وادي البوانيس، وتُستَخدَم بوصفها مركزاً لوجيستياً لتأمين الإمدادات إلى الجنوب الليبي.

جانب من تمركز لقوة العمليات الخاصة التابعة للجيش الوطني الليبي (القيادة العامة)

كما تقع قاعدة «براك الشاطئ» جنوب غربي ليبيا، ويستخدمها الجيش في تأمين خطوط الإمداد بالجنوب. وباتت قاعدة «معطن السارة» الواقعة بمحيط منطقة الكفرة، جنوب شرقي ليبيا، تحتل أهميةً خاصةً بعدما اتخذتها روسيا معقلاً لقواتها بوصفها باباً مهماً على أفريقيا.

قوة مجلس النواب

أوراق جبهة شرق ليبيا عدة، ولا تتوقف على جيش يوصف بأنه «تَطوَّر كثيراً» لا سيما بعد حصوله على أسلحة متطورة، حسبما يقول رئيس «مجموعة العمل الوطني». لكن البُعدين السياسي والنيابي، اللذين يمثلهما مجلس النواب وحكومته، يمثلان قوةً ضاغطةً ومعطِّلةً أحياناً لمشروعات جبهة غرب ليبيا.

رئيسا البرلمان عقيلة صالح وحكومة «الاستقرار» أسامة حماد (مكتب صالح)

نعم، حكومة أسامة حمّاد غير معترف بها دولياً، لكنها تحت مظلة حفتر، وتسعى لتوطيد علاقتها مع مدن بالشرق والجنوب، من خلال ما يشيِّده «صندوق تنمية وإعمار ليبيا» الذي يترأسه بالقاسم حفتر من مشروعات.

أما مجلس النواب، الذي يعقد جلساته في بنغازي بالشرق، فلا يزال على الرغم انتهاء ولاية (شرعيته)، بحسب الأمم المتحدة، يصدر القوانين ويعمل مع فريق من «المجلس الأعلى» بطرابلس، على تشكيل «حكومة جديدة» رغم انتهاء ولاية الأخير وانقسامه أيضاً.

المنفي... وأدوات السلطة

مع تعقيدات الأزمة السياسية في ليبيا، يتمسَّك كل طرف بموقعه من منطلق ما تُعرف بـ«سلطة الأمر الواقع»، لكن المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه، ترى أن جميع المؤسسات الليبية قد «تجاوزت ولاياتها المتعلقة بالشرعية».

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة المؤقتة (يمين) مع محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي (الوحدة)

فـ«المجلس الرئاسي» بقيادة محمد المنفي، جاء إلى السلطة التنفيذية في طرابلس بعد «اتفاق جنيف» في أكتوبر (تشرين الأول) 2020. وهو وإن كان يتمتع بشرعية دولية، فإنه يفتقر إلى أدوات السلطة الحقيقية داخل ليبيا.

يعدّ المجلس رمزياً (القائد الأعلى للجيش الليبي)، لكن من دون سلطة تنفيذية فعلية على الجيش، خصوصاً في ظل الانقسام الحكومي، فضلاً عن أن صلاحياته محدودة في تعيين مسؤولي المناصب السيادية، إذ قصر «الاتفاق السياسي» هذا الحق، على مجلسَي النواب و«الدولة».

وليس لـ«المجلس الرئاسي»، الذي يعاني أيضاً انقساماً غير ظاهر، أي سلطان في الشرق والجنوب... أما في الغرب، حيث معقله، فتنازعه على السلطة، حكومة «الوحدة» المؤقتة بقيادة عبد الحميد الدبيبة، التي تتولى المهام التنفيذية والأمنية الفعلية.

شرعية الدبيبة

انكشف ظهر حكومة الدبيبة، إلى حد كبير، بعد الاقتتال الدامي الذي شهدته طرابلس، وأشعل موجات من الغضب في الشارع منذ منتصف مايو (أيار) الماضي، بينما تراجع ما كان معه من قوة مسلحة ودعم سياسي قبل مقتل رئيس جهاز «دعم الاستقرار»، الميليشياوي عبد الغني الككلي.

قوات تابعة لحكومة «الوحدة الوطنية» في طرابلس (رويترز)

والدبيبة، الذي جاء إلى السلطة في فبراير (شباط) 2021، سبق وسحب مجلس النواب الشرعية منه، وبات في مرمى الغاضبين بطرابلس المطالبين بعزله، لكنه يتمسَّك بالسلطة ويرفض تسليمها إلا لحكومة منتخبة، معتمداً على دعم دولي فعلي تفتقده حكومة حمّاد.

ويظل الدبيبة هو صاحب قرار الإنفاق على جميع قطاعات ومؤسسات ليبيا من الموازنة العامة للدولة، التي يطالب مجلس النواب و«المصرف المركزي» بوقف أي تمويل لها باستثناء بند الرواتب.

بماذا يقاتل الدبيبة؟

احتفظ الدبيبة لنفسه بحقيبة وزارة الدفاع، لكنه لا يمتلك جيشاً موحداً نظامياً. فرئيس أركانه الفريق أول محمد الحداد، ونائبه صلاح الدين النمروش، تنحيا جانباً بعد الاقتتال الأخير في طرابلس، كما يرصد الترجمان.

لذا، يرى الترجمان أن اعتماد الدبيبة الرئيسي هو على التشكيلات المسلحة الموالية له في مقابل ميليشيات أخرى باتت تعارضه وتريد اقتلاعه من منصبه، بعد اغتيال الككلي، الشهير بـ«غنيوة».

من مخلفات الاشتباكات المسلحة بطرابلس في مايو الماضي (إ.ب.أ)

كان الدبيبة يعتمد على قوات «دعم الاستقرار» التابعة لـ«المجلس الرئاسي»، لكنه فكَّكها بعد اغتيال الككلي، ثم أصبح في مواجهة عدائية مع جهاز «قوة الردع الخاصة»، بقيادة عبد الرؤوف كارة، الذي سعى لتفكيكه هو الآخر، قبل أن تشتعل الأوضاع بالعاصمة.

وقُتل الككلي، المعروف بـ«غنيوة»، في مايو الماضي داخل معسكر التكبالي، مقر «اللواء 444 قتال»، في عملية وصفتها «حكومة الوحدة» بـ«الأمنية المعقدة».

ويرتكز الدبيبة حالياً على قوات «اللواء 444 قتال» بقيادة اللواء محمود حمزة، رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية بغرب ليبيا، وقوة «العمليات المشتركة» في مصراتة، وعدد من التشكيلات المسلحة مثل «الكتيبة 55» التي يقودها الميليشياوي معمر الضاوي.

وتحظى قواته بدعم تركي واسع، ولديها غطاء جوي يتمثل في امتلاك مسيّرات تركية (Bayraktar TB2) ونظام رادارات محدود، وتقيم أنقرة قواعد عسكرية ومراكز تدريب في الغرب الليبي بناءً على اتفاقات مع حكومة فائز السراج السابقة.

ويعتقد كثيرون من المقربين من الدبيبة، أنه «بات في حاجة ماسة إلى تحالفات جديدة وقوية، تدعمه في مواجهة تشكيلات انقلب عليها، فانقلبت عليه».

الحداد رئيس أركان قوات غرب ليبيا خلال تدريب للواء عسكري (رئاسة الأركان)

قواعد الدبيبة العسكرية

تمتلك قوات غرب ليبيا عدداً من القواعد العسكرية، من بينها «الوطية الجوية» جنوب غربي العاصمة طرابلس، قرب الحدود مع تونس، وتُعدّ نقطةً استراتيجيةً مهمةً للتحكم في غرب البلاد.

وترجع أهمية هذه القاعدة التي كانت مركزاً رئيسياً لسلاح الجو الليبي في عهد القذافي، إلى أنها تضم مدارج طويلة ومرافق للطائرات الحربية والمروحيات، فضلاً عن أنها توفر تغطيةً جويةً كبيرةً للغرب الليبي، وحتى البحر المتوسط.

وتأتي قاعدة «معيتيقة الجوية» في قلب طرابلس، التي تضم مطاراً مدنياً وعسكرياً، لكنها تحت سيطرة جهاز «قوة الردع» بقيادة كارة، الذي حوَّله الدبيبة من صديق وداعم إلى معارض يسعى لإزاحته، مدعوماً بمنطقة سوق الجمعة.

ثم قاعدة «أبو ستة البحرية» بطرابلس، وهي المقر الرسمي لقيادة الأركان العامة لحكومة «الوحدة» برئاسة الحداد، وتوجد بها أرصفة بحرية عسكرية محدودة تُستخدَم في التعاون البحري مع تركيا (ضمن اتفاق 2019).

وهناك قاعدة «مصراتة الجوية» (200 كيلومتر من طرابلس) التي توصف بأنها «واحدة من أقوى القواعد الجوية في ليبيا»، وتستخدمها القوات التركية الموجودة بالبلاد، وتقع تحت نفوذ قوات مصراتة.

خلال تدريب «اللواء 222 مجحفل» بقوات غرب ليبيا (رئاسة الأركان)

يلي ذلك «معسكر اليرموك» بطرابلس، ويعدُّ قاعدةً كبرى داخل العاصمة، ظلت قوات «بركان الغضب» تتخذه مقراً خلال حرب (2019 - 2020)، إلى أن سيطرت عليه لاحقاً تشكيلات مسلحة... وتقيم فيه عناصر من «المرتزقة» السوريين.

كما تضم قوات غرب ليبيا «معسكر 7 أبريل» الواقع في باب بن غشير بطرابلس، ويحتوي على مقار أمنية وتدريبية تابعة لجهازَي «الأمن الداخلي» و«الدعم المركزي»، إلى جانب قاعدة «الخمس البحرية» شرق طرابلس، وهي ميناء عسكري محدود قرب مدينة الخمس.

وتظل العاصمة محل أنظار الأفرقاء كافة، ففيها مؤسسات الدولة وتضم إلى جانب حكومة «الوحدة»، مقار مجلسَي «الرئاسي» و«الأعلى للدولة»، وأجهزة رقابية، منها «ديوان المحاسبة»، و«المصرف المركزي» و«المؤسسة الوطنية للنفط».

من حدود سرت حتى تونس

لا تزال لسلطات غرب ليبيا سيطرة محدودة ومتغيرة على المناطق المتاخمة للحدود مع تونس والجزائر وأجزاء من الحدود مع النيجر، خصوصاً في مناطق وجود الطوارق والتبو في أوباري وغات، بالإضافة إلى مرزق.

قيادات بـ«الجيش الوطني» يتفقدون نقاط تمركز الوحدات العسكرية على خطوط الدفاع الأمامية غرب سرت (القيادة العامة)

ومنذ انتهاء الحرب على طرابلس منتصف 2020، بقيت القوتان على خطوط تماس في سرت: قوات حفتر تُسيطر على المدينة بالكامل، بينما تتمركز قوات الدبيبة في المناطق الغربية منها، المحاذية لمصراتة.

وتُعدُّ المنطقة الواقعة بين سرت ومصراتة، خصوصاً عند بويرات الحسون، خط التماس الرئيسي بين القوات المتنازعة. وتشهد هذه المنطقة أحياناً توترات وتحركات عسكرية من الطرفين، في ظل مخاوف وهواجس أحياناً تسيطر على جبهة غرب ليبيا من «حرب مرتقبة».


مقالات ذات صلة

«النواب» الليبي يكلّف أبو خزام محافظاً للمصرف المركزي

شمال افريقيا لقاء الدبيبة مع أبو خزام في طرابلس يوم الاثنين (حكومة الوحدة)

«النواب» الليبي يكلّف أبو خزام محافظاً للمصرف المركزي

كلف مجلس النواب الليبي خلال جلسة رسمية في مدينة سبها بجنوب البلاد، الاثنين، فوزي أبو خزام محافظاً لمصرف ليبيا المركزي، ورفع سن التجنيد في الجيش.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا وقفة احتجاجية لنقابة العاملين بالتدريس الجامعي في جامعة طرابلس الأحد (صفحة النقابة)

«فجوات الرواتب» تثير انتقادات داخل قطاعات حكومية في ليبيا

أعاد مشروع قانون لزيادة الأجور بليبيا فتح ملف التفاوت في الرواتب بين العاملين بالدولة، بعدما كشفت أرقام متداولة لمسودته الأولية التي أعدها البرلمان وجود فجوات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا اجتماع سابق لصدام حفتر مع بولس ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أرشيفية)

بولس يتحدث عن تقدم باتجاه توحيد الجيش الليبي

تحدث مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس عن «إحراز تقدم في مسار التعاون العسكري بين شرق ليبيا وغربها»

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا ليبيات خلال المشاركة في «الحوار المهيكل» يناير الماضي (البعثة الأممية)

مطالب متصاعدة بمشاركة أوسع للمرأة الليبية في الحياة السياسية

يتسع حضور المرأة الليبية تدريجياً في مواقع القيادة والعمل البرلماني مع اختراقات لافتة حققتها أخيراً بالمجالس البلدية إلى جانب مشاركتها بالحوار السياسي

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا جانب من ظاهرة «حراك معلمي ومعلمات جنزور» غرب ليبيا الشهر الماضي (النقابة العامة للمعلمين)

معلمو ليبيا يواصلون الإضراب وسط قلق بشأن مستقبل الطلاب

يواصل معلمو ليبيا الإضراب المستمر منذ منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي وسط قلق بشأن مستقبل الطلاب.

جاكلين زاهر (القاهرة )

«قيم الأسرة» تلاحق صُنّاع المحتوى في مصر

وزير الدولة المصري للإعلام ضياء رشوان (الوزارة)
وزير الدولة المصري للإعلام ضياء رشوان (الوزارة)
TT

«قيم الأسرة» تلاحق صُنّاع المحتوى في مصر

وزير الدولة المصري للإعلام ضياء رشوان (الوزارة)
وزير الدولة المصري للإعلام ضياء رشوان (الوزارة)

تُلاحق أجهزة الأمن المصرية المئات من صناع المحتوى بعدة تهم أشهرها «التعدي على قيم الأسرة المصرية»، والتي تتضمن في غالبيتها نشر مقاطع رقص، أو الخروج في بث مباشر بملابس كاشفة وجريئة، أو التلفظ بألفاظ نابية، وهي قضايا تثير جدلاً واسعاً بين مؤيدين لـ«الضربات الأمنية»، ومعارضين يعدونها «انتقائية ومطاطة»، وتحمل «تمييزاً ضد فئات بعينها».

وللمرة الأولى يفتح صُناع محتوى هذا الملف خلال لقاء مع وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان، مطالبين بوضع تعريف محدد لهذه القيم، فيما بدا أنه قلق من أن تطولهم هذه التهمة يوماً، حتى لو وصفتهم الحكومة في بيان رسمي لها بـ«الجادين».

والتقى رشوان، الأحد، «نخبة من أبرز المؤثرين وصناع المحتوى الرقمي ضمت نحو 70 متخصصاً في المحتوى الجاد بأنواعه، السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعلمي والتكنولوجي، ممن يبلغ إجمالي متابعيهم الدائمين على وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من 500 مليون متابع»، في إطار لقاءات يعقدها مع جميع أطراف منظومة الصحافة والإعلام والوسائل الرقمية المؤثرة في الرأي العام، وفق بيان لوزارة الدولة للإعلام.

عدد من «صناع المحتوى» خلال لقائهم وزير الدولة للإعلام مطلع الشهر (الوزارة)

وبينما أقر وزير الدولة للإعلام بقدرة المحتوى الرقمي على التأثير في الرأي العام، مبدياً رغبة الحكومة في التواصل مع صُناع المحتوى والاستماع إلى مقترحاتهم ومشكلاتهم و«سبل توفير الدعم الذي يؤدي إلى تطوير الأداء والنهوض بهذا القطاع المهم»، طلب صُناع المحتوى، ومن بينهم ريهام عياد وسامح سند وإسلام فوزي وغيرهم، عدة مطالب من بينها «وضع تعريف محدد لبعض المصطلحات التي يعاقَب صناع المحتوى بسبب الخروج عليها، مثل قيم الأسرة المصرية وغيرها».

واستحدث القانون المصري تهمة الخروج على قيم الأسرة المصرية خلال قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018.

«قيم الأسرة»

وقال المحامي حسن شومان إن «النص «فضفاض، لكن المشرِّع قصد ذلك لاستيعاب أشكال المحتوى المختلفة والمتجددة التي تظهر كل فترة»، لافتاً إلى أن «عدم وجود نص محدد بقيم الأسرة لا يعني أنها غير معرفة، فبالرجوع إلى الدستور الذي ينص على أن الشريعة الإسلامية مصدر التشريع نفهم أن مخالفة قيم الأسرة هي ارتكاب الأفعال المخالفة للفقه والتي يشمئز منها المجتمع، وترفضها أعرافه».

وتنشر وزارة الداخلية المصرية بشكل شبه يومي بياناً عن توقيف عدد من صُناع المحتوى لمخالفتهم قيم الأسرة المصرية، آخرها توقيف صانعة محتوى في الإسكندرية لقيامها «بنشر مقاطع فيديو على صفحتها بمواقع التواصل الاجتماعى تتضمن قيامها بالرقص بطريقة خادشة للحياء، والتلفظ بألفاظ خارجة تتنافى مع القيم المجتمعية» وفق بيان الداخلية، الاثنين. كما أعلنت في بيان آخر توقيف صانعة محتوى أخرى «لقيامها بالرقص بطريقة خادشة للحياء تتنافى مع القيم المجتمعية».

ولم يؤيد شومان في حديثه إلى «الشرق الأوسط» مطلب صُناع المحتوى بتحديد «قيم الأسرة المصرية»، بما قد يفتح الباب لإفلات البعض من العقاب رغم ارتكابهم أشياء تثير استياء المجتمع.

في المقابل، ينتقد المحامي الحقوقي في مؤسسة «قضايا المرأة»، أحمد مختار، المواد الفضفاضة الخاصة بقيم الأسرة، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «من المفترض في القوانين أن تكون محكمة ومحددة، وأن يعلم من يحاكم بها ما الخطأ الذي ارتكبه على وجه الدقة، كمواد العقوبات على السرقة مثلاً، أما (قيم الأسرة) فمفهوم فضفاض وقابل للتأويل بطرق مختلفة، ووفق سياقات متعددة، ويحتاج إلى تعديل».

واستشهد باستمرار انتشار المحتوى الذي تصنفه قوات الأمن مخالفاً لقيم الأسرة رغم عشرات القضايا أسبوعياً، معتبراً أن الأوضاع الاقتصادية تعد الدافع الرئيسي لانتشار مثل هذا المحتوى الذي لم تنجح المواجهة الأمنية في السيطرة عليه أو تقليله.

وطالب المؤثرون في اجتماع وزير الإعلام أيضاً بإطار قانوني يميزهم عمن يقومون بالنشر على وسائل التواصل الاجتماعي بهدف الانتشار؛ وكان رد رشوان أنه لا توجد دولة في العالم استحدثت مثل هذا الكيان، ودعا المؤثرين إلى الاعتماد على أنفسهم في إيجاد مثل هذه الآلية.

«الإشكاليات القانونية»

وأثار لقاء وزير الدولة للإعلام بصناع المحتوى، بالتوازي مع مضي قوات الأمن في مواجهة الخارجين منهم عن القيم الأسرية، تساؤلات حول علاقة الحكومة بهذا الملف، وما إذا كان هذا اللقاء جاء بعد تغير في موقف الدولة من صناع المحتوى.

ورأى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، معتز نادي، أن لقاء رشوان مع صناع المحتوى مؤشر على تطور في فهم المؤسسات الرسمية لطبيعة الاتصال الرقمي، وإدراك أن صورتها الذهنية تتشكل أيضاً خارج قنواتها التقليدية عبر شخصيات يفترض أن تمتلك القدرة على الوصول إلى الجمهور والتأثير فيه، بشرط ألا يكون فقط عدد المتابعة هو معيار جودة محتواهم.

وأضاف نادي لـ«الشرق الأوسط»: «طرح قضية قيم الأسرة المصرية خلال اللقاء يمثل نقطة مهمة؛ لأنه ينقل النقاش من الحديث عن أهمية صناع المحتوى إلى الإشكاليات القانونية التي تواجههم بالفعل»، لافتاً إلى ضرورة التفرقة بين «تنظيم صناعة المحتوى وتجريم بعض الممارسات، فمن حق المجتمع أن تكون هناك ضوابط تحمي الخصوصية وتواجه التشهير والتحريض والمخالفات القانونية، لكن ينبغي أن تكون هذه الضوابط واضحة بالدستور والقانون، ولا خلاف عليها، وألا يصبح الاختلاف مع طبيعة المحتوى أو عدم استحسانه سبباً كافياً للعقاب».

وعادة ما تشير بيانات وزارة الداخلية عن صُناع المحتوى الموقوفين أنهم «اعترفوا بنشر هذه المقاطع (المخالفة للقيم الأسرية) بهدف زيادة نسب المشاهدة وتحقيق أرباح مالية».

وقال نادي: «الأمر يستحق نقاشاً مجتمعياً توافقياً عبر دراسة قانونية، لأن وضوح المصطلحات يساعد صانع المحتوى على معرفة حقوقه والتزاماته، ويحد من تفاوت التفسيرات».


لماذا تتعقد محاولات تفكيك الميليشيات في غرب ليبيا؟

الدبيبة خلال لقاء مع قادة قبليين وزعماء ميليشيات من الزاوية بمصراتة الشهر الماضي (حكومة الوحدة الليبية)
الدبيبة خلال لقاء مع قادة قبليين وزعماء ميليشيات من الزاوية بمصراتة الشهر الماضي (حكومة الوحدة الليبية)
TT

لماذا تتعقد محاولات تفكيك الميليشيات في غرب ليبيا؟

الدبيبة خلال لقاء مع قادة قبليين وزعماء ميليشيات من الزاوية بمصراتة الشهر الماضي (حكومة الوحدة الليبية)
الدبيبة خلال لقاء مع قادة قبليين وزعماء ميليشيات من الزاوية بمصراتة الشهر الماضي (حكومة الوحدة الليبية)

بعد أكثر من 15 عاماً على انتشار الميليشيات في غرب ليبيا، تبدو محاولات تفكيكها وإنهاء نفوذها أمام معادلة أكثر تعقيداً من مجرد نزع السلاح أو حل تشكيلات بعينها؛ فقد نجحت الحكومات الليبية المتعاقبة في إدماج أعداد كبيرة من عناصر هذه المجموعات في مؤسسات الدولة، وتوفير مصادر تمويل رسمية لها، لكنها لم تتمكن من إنهاء استقلالية القرار والسلاح لدى كثير منها.

ومع تحول الملف الأمني إلى ما يشبه «الحلقة المفرغة» في عدد من مدن غرب ليبيا، يبرز تساؤل حول ما إذا كان تفكيك الميليشيات أصبح هدفاً تجاوزته الوقائع على الأرض ودخل مرحلة «اللاعودة» أم أن نفوذها لا يزال قابلاً لإعادة التنظيم والاحتواء وصولاً إلى إنهائه؟

وتبرز مدينة الزاوية مثالاً واضحاً على هذه المعضلة، مع تكرر الاشتباكات بين مجموعات مسلحة فيها؛ ما دفع رئيس حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» عبد الحميد الدبيبة إلى عقد لقاءين، الشهر الماضي، مع قيادات مسلحة، مع الدعوة لوقف الاقتتال «فوراً ونهائياً» والالتزام بالانضباطية العسكرية.

وتعكس علاقة الدبيبة بمجموعات الزاوية، كما هو الحال في مدن أخرى من الغرب الليبي، مقاربة براغماتية قائمة على المصالح المتبادلة، إذ استفادت حكومته من ثقل بعضها العسكري، مقابل دمج عناصر وقيادات في أجهزة الدولة، وتوفير الدعم والغطاء الرسمي لها، بحسب مراقبين.

لكن المراقبين يؤكدون أن هذا التفاهم يظل عرضة للتراجع عندما تتعارض مصالح الحكومة مع حسابات الميليشيات، أو تتجدد المنافسة على النفوذ والموارد، بما يكشف حدود سياسة الاحتواء وصعوبة الانتقال من استيعاب هذه التشكيلات إلى تفكيكها.

ولا يرى «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية» أن مشهد الميليشيات في غرب ليبيا دخل مرحلة «اللاعودة»، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن المعضلة الأساسية تكمن في أن هذه المجموعات «دخلت بالفعل في منظومة الدولة، وأصبح لها حضور داخل مؤسسات اقتصادية وسياسية وعسكرية وأمنية».

ويقول مدير المركز، شريف بوفردة، لـ«الشرق الأوسط» إن عدداً من عناصر هذه التشكيلات «اكتسب شرعية رسمية من خلال الانضمام إلى مؤسسات أمنية أو عسكرية والحصول على مرتبات من الدولة».

من مخلفات اشتباكات الميليشيات المسلحة في طرابلس (أ.ف.ب)

وهذا التشابك، وفق بوفردة، «جعل معالجة الملف أكثر صعوبة، إذ لم تعد الميليشيات كيانات منفصلة بالكامل عن الدولة، وإنما أصبحت، في بعض الحالات، جزءاً من بنيتها ومصالحها وشبكاتها الاقتصادية».

ويعتقد الباحث المتخصص في الشؤون الأمنية إبراهيم الأصيفر أن المشكلة لا تتعلق بشرعنة السلاح وحدها، وإنما أيضاً بـ«شبكات النفوذ والمصالح والارتباطات المحلية التي نشأت خلال سنوات الانقسام ومع تعاقب الحكومات».

ومن هنا، تراوحت سياسة حكومة «الوحدة» خلال السنوات الأخيرة بين احتواء مجموعات مسلحة ومواجهة أخرى، من بينها جهازا «دعم الاستقرار» و«الردع» في طرابلس، من دون إنهاء دور القوى المسلحة في المشهدين الأمني والسياسي.

ويشير الأصيفر خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الدولة استطاعت خلال السنوات الماضية احتواء جزء كبير من هذه التشكيلات، وربط بعضها بمؤسسات رسمية، لكن ذلك لم يؤدِّ حتى الآن إلى إنهاء استقلالية القرار والسلاح لدى جميع المجموعات.

كما يرى أن لقاءات الحكومة مع قيادات الميليشيات، ومنها اللقاء الأخير في الزاوية، تعكس سياسة تقوم على «الاحتواء ومنع التصعيد والحفاظ على الاستقرار»، لكنه يرى أن هذا النهج «لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن بناء مؤسسة أمنية وعسكرية موحدة».

قادة ميليشيات من الزاوية خلال ملتقى اجتماعي في مصراتة الشهر الماضي (حكومة الوحدة)

وكان الدبيبة قد أطلق قبل أكثر من عام عملية عسكرية ضد ما وصفه بـ«عصابات التهريب» في الزاوية، قبل أن تنتهي العملية من دون حسم واضح، ليعود لاحقاً إلى سياسة التهدئة، وفتح قنوات التواصل مع مجموعات مسلحة. ورغم ذلك، عاد في يوليو (تموز) الماضي إلى الحديث عن تفكيك الميليشيات.

ولا يغيب العامل الخارجي عن المشهد؛ إذ يقول بوفردة إن «هناك أطرافاً دولية تتعامل مع بعض التشكيلات المسلحة وفقاً لمصالحها على الأرض»، مشيراً إلى مجموعات في الزاوية وغرب طرابلس يقول إنها «تنشط في تهريب البشر والمهاجرين».

ومع ذلك، فإنه يستبعد تحول الميليشيات إلى أمر واقع دائم، مستشهداً بانتهاء دور تشكيلات سابقة مثل «ثوار طرابلس» و«القعقاع»، وتحجيم دور «جهاز دعم الاستقرار» بعد مقتل قائده عبد الغني الككلي، المعروف بـ«غنيوة»، في مايو (أيار) 2025. ويرى أن ارتباط كثير من التشكيلات بقياداتها «يجعل فقدان القائد عاملاً قد يؤدي إلى تفكك التشكيل نفسه».

عناصر من ميليشيات تابعة لحكومة «الوحدة» في عملية لتعزيز الأمن بطرابلس (رويترز)

في المقابل، يرى الأصيفر أن تفكيك هذه المجموعات لا يحتاج إلى مواجهة عسكرية جديدة، وإنما إلى عملية تدريجية تشمل «إعادة التنظيم والدمج» وضبط التمويل والقرار الأمني، محذراً من أن استخدام القوة وحدها «قد يؤدي إلى إعادة إنتاج المشكلة في شكل آخر».

ويقترح تحويل الميليشيات «من مراكز قوة مستقلة إلى جزء من الدولة»، عبر مشروع واضح يجعل حاملي السلاح جزءاً من مؤسسة رسمية واحدة «وفق قانون واحد وقيادة واحدة».

أما بوفردة فيرى أن تفكيك نفوذ هذه المجموعات يتطلب رفع الغطاء الرسمي عنها، وتجفيف مصادر التمويل الحكومي، وتفعيل الرقابة والتحقيق في الجرائم، إلى جانب دور دولي من خلال مجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية، وفرض عقوبات على المعرقلين.


مصر تلوح باتفاقية الدفاع المشترك لعدم تجاوز «الخطوط الحمراء» في السودان

جانب من الجولة الثالثة لمشاورات آلية (2+2) الاثنين لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
جانب من الجولة الثالثة لمشاورات آلية (2+2) الاثنين لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
TT

مصر تلوح باتفاقية الدفاع المشترك لعدم تجاوز «الخطوط الحمراء» في السودان

جانب من الجولة الثالثة لمشاورات آلية (2+2) الاثنين لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
جانب من الجولة الثالثة لمشاورات آلية (2+2) الاثنين لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

احتضنت القاهرة اجتماعاً رباعياً مصرياً - سودانياً برئاسة وزراء الخارجية والري بالبلدين، وسط توترات مع إثيوبيا غداة شكوى تقدمت بها الخرطوم ضد أديس أبابا بعد اتهامها باستهداف أراضيها بالمُسيرات دعماً لقوات «الدعم السريع».

ويحمل الاجتماع رسائل مصرية - سودانية عديدة، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أبرزها استمرار التنسيق والشراكة بعد أسابيع من حادثة حدودية، وتوجيه رسالة لإثيوبيا لوقف الاعتداءات على السيادة السودانية أو حقوق المياه بالنسبة للقاهرة والخرطوم.

ويعد ذلك أرفع اجتماع بين البلدين منذ أزمة مقتل عدد من المُعدِّنين السودانيين، الذين يُطلق عليهم «الدهابة»، بالمنطقة الحدودية بين مصر والسودان منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

ووفق بيان مشترك، الاثنين، فإن «أواصر البلدين تضرب في جذور التاريخ مُحصنة تماماً ضد أي محاولات خبيثة واهية تسعي للإيقاع بين أبناء وادي النيل». وحذر البيان من «الانجرار خلف دعاة الفتنة الذين يسعون لبث السموم في العلاقات الأزلية».

والأحد، قالت الخرطوم إنها تقدمت بشكوى ضد إثيوبيا أمام مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن الأفريقي، على خلفية ما وصفته بـ«الاعتداء السافر» على مرافق مدنية بطائرات مسيرة انطلقت من الأراضي الإثيوبية، بحسب بيان لوزارة الخارجية السودانية.

وتتهم الخرطوم أديس أبابا بالوقوف إلى جانب «قوات الدعم السريع»، في حين تتهم إثيوبيا السودان بدعم متمردي إقليم تيغراي.

وكان مجلس السيادة الانتقالي في السودان الذي يرأسه قائد الجيش عبد الفتاح البرهان قد قال إن «أكثر من 180 طائرة مسيرة هاجمت السودان خلال العام الحالي انطلقت من داخل الأراضي الإثيوبية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، الاثنين.

ووفق بيان مشترك نقلته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، عقد وزراء الخارجية والري بالبلدين، بدر عبد العاطي وهاني سويلم من مصر، ومحيي الدين سالم وعصمت قرشي من السودان، اجتماعاً تناول سُبل تطوير العلاقات في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والمائية والثقافية والاجتماعية والإنسانية.

ويمثل هذا الاجتماع الجولة الثالثة لاجتماعات آلية «2+2» التشاورية لوزراء الخارجية والري، وسبقته الجولة الثانية في سبتمبر (أيلول) 2025، في حين عُقدت الجولة الأولى في الشهر نفسه.

وزير الخارجية المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة الاثنين (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، السفير صلاح حليمة، أن الاجتماع الرباعي «يكتسب أهمية بالغة في توقيت استثنائي، لا سيما أنه يعقب تحركات سودانية رسمية ضد إثيوبيا».

بينما يعتقد خبير الشؤون الأفريقية بـ«المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط»، حسين البحيري، أن الاجتماع يهدف إلى إيصال مجموعة من الرسائل السياسية المهمة، أولاها «التأكيد على استمرار التنسيق المصري - السوداني على المستوى السياسي والدبلوماسي، خصوصاً فيما يتعلق بملف المياه، ورفض السياسات والممارسات العدائية الإثيوبية أحادية الجانب في ملف النيل».

ويرى البحيري أن الاجتماع يحمل رسائل للداخل السوداني تتمثل في «محورية الدعم السياسي والاقتصادي والأمني المصري للأشقاء في السودان».

وشددت مصر والسودان على رفضهما أي تهديد لوحدة وسلامة السودان، و«عزمهما على تعزيز التنسيق المشترك من أجل استعادة الاستقرار في السودان».

وأكدت مصر «الرفض القاطع لإنشاء أي كيانات موازية أو الاعتراف بها على أساس أن ذلك يمس وحدة السودان وسلامة أراضيه»، كما أكدت استعدادها الكامل «لاتخاذ جميع التدابير والإجراءات اللازمة التي يكفلها القانون الدولي واتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين الشقيقين لدعم السودان، وضمان عدم المساس بهذه الخطوط الحمراء أو تجاوزها.

واستعرض الجانبان التطورات في ملف نهر النيل، وشددا على «ترابط الأمن المائي السوداني والمصري كجسم واحد لا يتجزأ»، واتفقا على ضرورة الدفاع عن الأمن المائي لدولتي مصب نهر النيل.

واتفق الجانبان على أن السد الإثيوبي «يترتب عنه آثار جسيمة، ويمثل تهديداً مستمراً لدولتي مصب نهر النيل»، وطالبا إثيوبيا بتغيير سياستها الأحادية واستعادة التعاون.

توقيع مذكرة تفاهم بين مصر والسودان الاثنين لتنفيذ مشروعات تنموية في الموارد المائية (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

وجرت مفاوضات بين القاهرة والخرطوم وأديس أبابا على مدى عقد تقريباً بشأن «سد النهضة» الإثيوبي، ثم تجمدت 3 أعوام قبل استئنافها في 2023. وتجمدت المفاوضات مجدَّداً في 2024، وسط رفض إثيوبيا إبرام اتفاق، وتأكيدها أنها لا تضر بمصر ولا السودان، دولتَي المصب.

وبالنسبة للبحر الأحمر، أكدت مصر والسودان «ضرورة احترام مبدأ حرية الملاحة»، وأن حوكمة البحر الأحمر مسؤولية حصرية لدوله المشاطئة وفقاً لقواعد القانون الدولي.

وشدد البلدان على الرفض التام لأي نفاذ بحري لأي دولة غير مشاطئة للبحر الأحمر على حساب سيادة الدول المشاطئة ووحدتها وسلامة أراضيها وموانيها، ورفض أي محاولات لاستغلال الأوضاع الإقليمية لعسكرة البحر الأحمر أو اتخاذ إجراءات أحادية تمس سيادة ووحدة أراضي دول الإقليم.

وزير الخارجية المصري يلتقي نظيره السوداني الاثنين (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

ويرتكز الاجتماع على مسارين رئيسيين متكاملين بحسب حليمة «أولهما الملف الأمني والعسكري ومواجهة التهديدات الإثيوبية والاعتداءات المستمرة التي تمس السيادة السودانية بدعم الأطراف المناوئة للدولة».

وقال: «يأتي الملف المائي والجيوسياسي (النيل والبحر الأحمر) كمسار ثانٍ بهدف تنسيق المواقف المشتركة حيال ملف مياه النيل، فضلاً عن رفض الأطماع والادعاءات الإثيوبية الأحادية والباطلة بشأن السعي للتواجد على البحر الأحمر بالقوة المسلحة».

وأشار إلى أن التقارب المصري - السوداني وصل إلى مستوى متقدم من التطابق والتشابه والتماثل في المواقف والتوجهات والإجراءات الاستراتيجية.

من جهته، قال البحيري إن مصر «رقم مهم في معادلة توازنات القوى بمنطقة شرق أفريقيا، ولا يمكن عقد أي ترتيبات أو مفاوضات تخص الأزمة السودانية دون المشاركة المصرية في هذه المفاوضات».

وأضاف: «الاجتماعات المصرية - السودانية رسالة مهمة بأن هناك تنسيقاً مصرياً - سودانياً ضد التوجهات الإثيوبية، مع ترجيح أن تقوم الدولتان بتحركات دبلوماسية مكثفة خلال الفترة المقبلة على جميع المستويات الإقليمية والدولية للتأكيد على حقوقهما في مياه نهر النيل من جهة، ورفض التدخلات الإثيوبية في الصراع السوداني وتأجيجه من جهة أخرى».