من حفتر إلى الدبيبة... خريطة «التحكم والنفوذ» في ليبيا

جيش في الشرق وميليشيات في الغرب... و«خطوط تماس» مزّقت الدولة وأنهكت الناس

قوة العمليات الخاصة التابعة لـ«الجيش الوطني» (القيادة العامة)
قوة العمليات الخاصة التابعة لـ«الجيش الوطني» (القيادة العامة)
TT

من حفتر إلى الدبيبة... خريطة «التحكم والنفوذ» في ليبيا

قوة العمليات الخاصة التابعة لـ«الجيش الوطني» (القيادة العامة)
قوة العمليات الخاصة التابعة لـ«الجيش الوطني» (القيادة العامة)

فارت ليبيا في أعقاب الإطاحة بنظام الرئيس الراحل معمر القذافي، مثل بركان، وباتت متشظيةً تشبه الفسيفساء. الآن، وعلى مدار 14 عاماً، بدأت تتشكَّل ملامح خريطة عسكرية وأمنية وسياسية في عموم البلاد، كاشفة عن تموضعات جديدة وتمدُّد جبهةٍ وانحسار أخرى.

كان عام 2014، عندما بدأ الضابط خليفة حفتر- الذي أصبح فيما بعد قائد «الجيش الوطني» - في لمّ شتات قوات جيش القذافي المفكك... في تلك الأثناء، كان الانقسام يعصف بليبيا، وكانت غالبية المدن، ومنها طرابلس مقر حكومة عبد الحميد الدبيبة راهناً، تستقبل متشددين، كما سمح الوضع الجديد ببزوغ تيار الإسلام السياسي.

حفتر يزور مقراً للتصنيع الحربي (الجيش الوطني الليبي)

وما بين الجبهتين، إحداهما في شرق ليبيا والأخرى في غربها، وعلى مدار 14عاماً، انخرط كل فصيل في تحقيق غايته، وسعى إلى تفعيل أجندته، مستنداً إلى دعم خارجي. رافقت ذلك فوضى أمنية تقاطعت فيها الأجندات وتباينت الغايات، فانقسمت البلاد بين مشروعين: أحدهما يسعى إلى تأسيس نظام عسكري، لكنه يواجه اتهامات بـ«عسكرة ليبيا»، بينما ذاب الآخر في الميليشيات وذابت فيه.

من بنغازي إلى طرابلس، ومن حفتر إلى الدبيبة مروراً بمدن الجنوب، تراوح الأزمة الليبية مكانها، بعد أن جالت في عواصم عدة؛ بحثاً عن حل. والحاصل أن الأطراف كافة، تتشبث بالسلطة، وتُعزِّز تموضعها، وتُبقي أصابعها على زناد البندقية، مرسّمة خريطة لنفوذها ولو مؤقتاً... فإلى أي مدى تمتد هذه السيطرة؟ ومَن يحكم ماذا؟

جيش الآباء والأجداد

انشغل حفتر، عقب إسقاط القذافي، بتكوين جيش، معتمداً على عناصر من النظام السابق، ليخوض عقب ذلك حروباً مع «الجماعات الإرهابية»، قبل أن يُكلَّف من رئيس البرلمان، المستشار عقيلة صالح، (القائد الأعلى للقوات المسلحة) بمنصب القائد العام، وترقيته إلى «فريق» عام 2015، ثم إلى «مشير» في العام التالي.

عناصر تابعون لرئاسة الأركان البرية بـ«الجيش الوطني» (القيادة العامة)

ويقول متابعون لمسيرة إعادة بناء حفتر للجيش، ومن بينهم خالد الترجمان رئيس «مجموعة العمل الوطني» والمقرّب من الجيش، إنه «بدأ في استعادة المؤسسة التي أنشأها الأجداد والآباء، بنواة قوامها 310 عناصر...التعداد راهناً يفوق 120 ألف ضابط وجندي».

وأظهر استعراض عسكري، أُقيم الشهر الماضي في بنغازي، مدى التطور النوعي الذي أُدخل عليه، وما بات يحوزه من قدرات تسليحية، عدّها البعض رسالةً للخصوم تؤشر إلى تحول استراتيجي في ميزان القوى بين الأفرقاء الليبيين.

في ذلك الاستعراض، بعث حفتر بمزيد من رسائله لـ«الخصوم»، فقال: «الكلمة الفصل في اللحظة الحاسمة للجيش»، فهناك، وعلى بُعد أكثر من ألف كيلومتر من بنغازي تموج طرابلس العاصمة باضطرابات، ويسعى كل فصيل هناك إلى جمع ما لديه من قوة وحلفاء.

تظل المنطقة الشرقية كاملة، قلب نفوذ حفتر السياسي والعسكري والأمني، لكن ذلك لم يمنعه من تمدُّد قواته حتى الحدود مع السودان وتشاد وجزء من الحدود مع النيجر والجزائر بأقصى الجنوب الغربي، مروراً بسرت والجفرة (وسط البلاد).

حقل بترول في مدينة رأس لانوف شمال ليبيا (أرشفية - أ.ف.ب)

ويعد «الهلال النفطي» بشمال وسط ليبيا على الساحل الشرقي، الذي سيطر عليه حفتر بعد معارك دامية مع تنظيم «داعش»، إحدى أهم النقاط الاستراتيجية والأوراق المهمة اقتصادياً وسياسياً التي تقع تحت قبضته...ويضم مواني رأس لانوف، والسدرة، والبريقة، والزويتينة.

بدأ حفتر منذ عام 2019 في التركيز أكثر على الجنوب الليبي، فيما عدّه مراقبون التفافاً على غرمائه في العاصمة وخصماً من رصيدهم، ليبسط نفوذه على الشريط الحدودي جنوب غربي ليبيا من سبها وبراك الشاطئ وأوباري، حتى غات على مشارف الحدود مع النيجر والجزائر.

حفتر كان قد انتهى بالطبع من السيطرة على كل المناطق الحدودية بالجنوب الشرقي، مثل الكفرة والجوف والعوينات ورملة ربيانة وجبال تيبستي القريبة من الحدود مع تشاد.

ويرى متابعون أن اتجاه حفتر إلى الحدود الجنوبية جاء على خلفية انشغال السلطة في طرابلس بما تحت يدها من مراكز سيادية تتمثل في «المصرف المركزي» ومؤسسة النفط، «مكتفية بكون العاصمة وجهة المسؤولين الدوليين»، لكن تحركات حفتر جعلته يُواجَه بتهمة «محاولة عسكرة ليبيا».

صدام حفتر يتفقد تمركز قوة العمليات الخاصة «R.I.B 87» (رئاسة أركان القوات البرية)

وهنا يشير المحلل العسكري الليبي عادل عبد الكافي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الحدود الجنوبية، باستثناء أجزاء بسيطة، باتت تحت سيطرة حفتر»، متحدثاً عن تفعيل «عملية مشتركة» ترعاها أميركيا من قوات شرق ليبيا وغربها؛ لحماية الحدود والشواطئ.

لمَن السيطرة على النفط؟

إلى جانب «الهلال النفطي» الممتد على طول 205 كيلومترات من طبرق شرقاً إلى السدرة غرباً، يبسط حفتر سيطرته على عدد من الحقول المهمة في جنوب ليبيا، ما يمنحه نفوذاً اقتصادياً واستراتيجياً كبيراً، بحسب محللين.

ويعد «الشرارة» من أكبر الحقول النفطية في ليبيا، ويقع في أوباري (جنوبي غرب)، وتبلغ إنتاجيته نحو 315 ألف برميل يومياً، ثم حقل «الفيل» الواقع جنوب غربي ليبيا، وتبلغ طاقته الإنتاجية نحو 70 ألف برميل يومياً. بجانب حقول أخرى لكنها صغيرة مثل «مرزق».

وتشرف على هذه الحقول إدارياً «المؤسسة الوطنية للنفط» في طرابلس، وتتولى حمايتها قوةٌ مشتركةٌ من حرس المنشآت النفطية وبعض المجموعات المسلحة المحلية التي يتبع بعضها شكلياً، حكومة الدبيبة، وأخرى تتبع لحفتر أحياناً، أو تتعاون معه عند الحاجة.

شبكة القواعد العسكرية

يفرض حفتر نفوذه على غالبية المناطق النفطية، ولديه شبكة من القواعد العسكرية، البرية والجوية، المنتشرة في شرق ووسط وجنوب ليبيا، وتُستخدَم لأغراض استراتيجية تشمل الإمداد، والتدريب، والعمليات الجوية، وتنسيق الدعم اللوجيستي من الحلفاء الإقليميين والدوليين.

وبداية، يعتقد الترجمان في حديث إلى «الشرق الأوسط»، أنه «لا يمكن بحال عقد مقارنة بين الجيش الوطني الموجود في مناطق عدة بالبلاد، وما هو موجود في غربها حيث الميليشيات التي تمتهن السطو على مصرف ليبيا المركزي».

صورة وزّعتها القوات البرية التابعة لحفتر لإحدى دورياتها

ولدى حفتر قواعد عسكرية عدة، لعل أشهرها «الجفرة الجوية» بوسط ليبيا، وهي واحدة من 6 قواعد حيوية، وتبعد نحو 600 كيلومتر جنوب شرقي طرابلس، وكانت تُستخدَم نقطة انطلاق للعمليات الجوية في الحرب التي شنَّها الجيش على طرابلس عام 2019.

وفي شرق ليبيا هناك قاعدتان لحفتر: الأولى «الخروبة» وتعرَف أيضاً بـ«الخادم»، وتقع شرق بنغازي، وتشير تقارير إلى أنها تضم طائرات «درون»، ثم «الأبرق الجوية» بشرق بنغازي، وتُستخدَم لأغراض التدريب والدعم الجوي، إضافة إلى قاعدة «جمال عبد الناصر» الجوية أيضاً.

وهناك، وفي الجنوب وعلى بُعد قرابة 1200 كيلومتر من بنغازي، تقع قاعدة «تمنهنت الجوية» شمال شرقي مدينة سبها، في بلدية وادي البوانيس، وتُستَخدَم بوصفها مركزاً لوجيستياً لتأمين الإمدادات إلى الجنوب الليبي.

جانب من تمركز لقوة العمليات الخاصة التابعة للجيش الوطني الليبي (القيادة العامة)

كما تقع قاعدة «براك الشاطئ» جنوب غربي ليبيا، ويستخدمها الجيش في تأمين خطوط الإمداد بالجنوب. وباتت قاعدة «معطن السارة» الواقعة بمحيط منطقة الكفرة، جنوب شرقي ليبيا، تحتل أهميةً خاصةً بعدما اتخذتها روسيا معقلاً لقواتها بوصفها باباً مهماً على أفريقيا.

قوة مجلس النواب

أوراق جبهة شرق ليبيا عدة، ولا تتوقف على جيش يوصف بأنه «تَطوَّر كثيراً» لا سيما بعد حصوله على أسلحة متطورة، حسبما يقول رئيس «مجموعة العمل الوطني». لكن البُعدين السياسي والنيابي، اللذين يمثلهما مجلس النواب وحكومته، يمثلان قوةً ضاغطةً ومعطِّلةً أحياناً لمشروعات جبهة غرب ليبيا.

رئيسا البرلمان عقيلة صالح وحكومة «الاستقرار» أسامة حماد (مكتب صالح)

نعم، حكومة أسامة حمّاد غير معترف بها دولياً، لكنها تحت مظلة حفتر، وتسعى لتوطيد علاقتها مع مدن بالشرق والجنوب، من خلال ما يشيِّده «صندوق تنمية وإعمار ليبيا» الذي يترأسه بالقاسم حفتر من مشروعات.

أما مجلس النواب، الذي يعقد جلساته في بنغازي بالشرق، فلا يزال على الرغم انتهاء ولاية (شرعيته)، بحسب الأمم المتحدة، يصدر القوانين ويعمل مع فريق من «المجلس الأعلى» بطرابلس، على تشكيل «حكومة جديدة» رغم انتهاء ولاية الأخير وانقسامه أيضاً.

المنفي... وأدوات السلطة

مع تعقيدات الأزمة السياسية في ليبيا، يتمسَّك كل طرف بموقعه من منطلق ما تُعرف بـ«سلطة الأمر الواقع»، لكن المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه، ترى أن جميع المؤسسات الليبية قد «تجاوزت ولاياتها المتعلقة بالشرعية».

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة المؤقتة (يمين) مع محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي (الوحدة)

فـ«المجلس الرئاسي» بقيادة محمد المنفي، جاء إلى السلطة التنفيذية في طرابلس بعد «اتفاق جنيف» في أكتوبر (تشرين الأول) 2020. وهو وإن كان يتمتع بشرعية دولية، فإنه يفتقر إلى أدوات السلطة الحقيقية داخل ليبيا.

يعدّ المجلس رمزياً (القائد الأعلى للجيش الليبي)، لكن من دون سلطة تنفيذية فعلية على الجيش، خصوصاً في ظل الانقسام الحكومي، فضلاً عن أن صلاحياته محدودة في تعيين مسؤولي المناصب السيادية، إذ قصر «الاتفاق السياسي» هذا الحق، على مجلسَي النواب و«الدولة».

وليس لـ«المجلس الرئاسي»، الذي يعاني أيضاً انقساماً غير ظاهر، أي سلطان في الشرق والجنوب... أما في الغرب، حيث معقله، فتنازعه على السلطة، حكومة «الوحدة» المؤقتة بقيادة عبد الحميد الدبيبة، التي تتولى المهام التنفيذية والأمنية الفعلية.

شرعية الدبيبة

انكشف ظهر حكومة الدبيبة، إلى حد كبير، بعد الاقتتال الدامي الذي شهدته طرابلس، وأشعل موجات من الغضب في الشارع منذ منتصف مايو (أيار) الماضي، بينما تراجع ما كان معه من قوة مسلحة ودعم سياسي قبل مقتل رئيس جهاز «دعم الاستقرار»، الميليشياوي عبد الغني الككلي.

قوات تابعة لحكومة «الوحدة الوطنية» في طرابلس (رويترز)

والدبيبة، الذي جاء إلى السلطة في فبراير (شباط) 2021، سبق وسحب مجلس النواب الشرعية منه، وبات في مرمى الغاضبين بطرابلس المطالبين بعزله، لكنه يتمسَّك بالسلطة ويرفض تسليمها إلا لحكومة منتخبة، معتمداً على دعم دولي فعلي تفتقده حكومة حمّاد.

ويظل الدبيبة هو صاحب قرار الإنفاق على جميع قطاعات ومؤسسات ليبيا من الموازنة العامة للدولة، التي يطالب مجلس النواب و«المصرف المركزي» بوقف أي تمويل لها باستثناء بند الرواتب.

بماذا يقاتل الدبيبة؟

احتفظ الدبيبة لنفسه بحقيبة وزارة الدفاع، لكنه لا يمتلك جيشاً موحداً نظامياً. فرئيس أركانه الفريق أول محمد الحداد، ونائبه صلاح الدين النمروش، تنحيا جانباً بعد الاقتتال الأخير في طرابلس، كما يرصد الترجمان.

لذا، يرى الترجمان أن اعتماد الدبيبة الرئيسي هو على التشكيلات المسلحة الموالية له في مقابل ميليشيات أخرى باتت تعارضه وتريد اقتلاعه من منصبه، بعد اغتيال الككلي، الشهير بـ«غنيوة».

من مخلفات الاشتباكات المسلحة بطرابلس في مايو الماضي (إ.ب.أ)

كان الدبيبة يعتمد على قوات «دعم الاستقرار» التابعة لـ«المجلس الرئاسي»، لكنه فكَّكها بعد اغتيال الككلي، ثم أصبح في مواجهة عدائية مع جهاز «قوة الردع الخاصة»، بقيادة عبد الرؤوف كارة، الذي سعى لتفكيكه هو الآخر، قبل أن تشتعل الأوضاع بالعاصمة.

وقُتل الككلي، المعروف بـ«غنيوة»، في مايو الماضي داخل معسكر التكبالي، مقر «اللواء 444 قتال»، في عملية وصفتها «حكومة الوحدة» بـ«الأمنية المعقدة».

ويرتكز الدبيبة حالياً على قوات «اللواء 444 قتال» بقيادة اللواء محمود حمزة، رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية بغرب ليبيا، وقوة «العمليات المشتركة» في مصراتة، وعدد من التشكيلات المسلحة مثل «الكتيبة 55» التي يقودها الميليشياوي معمر الضاوي.

وتحظى قواته بدعم تركي واسع، ولديها غطاء جوي يتمثل في امتلاك مسيّرات تركية (Bayraktar TB2) ونظام رادارات محدود، وتقيم أنقرة قواعد عسكرية ومراكز تدريب في الغرب الليبي بناءً على اتفاقات مع حكومة فائز السراج السابقة.

ويعتقد كثيرون من المقربين من الدبيبة، أنه «بات في حاجة ماسة إلى تحالفات جديدة وقوية، تدعمه في مواجهة تشكيلات انقلب عليها، فانقلبت عليه».

الحداد رئيس أركان قوات غرب ليبيا خلال تدريب للواء عسكري (رئاسة الأركان)

قواعد الدبيبة العسكرية

تمتلك قوات غرب ليبيا عدداً من القواعد العسكرية، من بينها «الوطية الجوية» جنوب غربي العاصمة طرابلس، قرب الحدود مع تونس، وتُعدّ نقطةً استراتيجيةً مهمةً للتحكم في غرب البلاد.

وترجع أهمية هذه القاعدة التي كانت مركزاً رئيسياً لسلاح الجو الليبي في عهد القذافي، إلى أنها تضم مدارج طويلة ومرافق للطائرات الحربية والمروحيات، فضلاً عن أنها توفر تغطيةً جويةً كبيرةً للغرب الليبي، وحتى البحر المتوسط.

وتأتي قاعدة «معيتيقة الجوية» في قلب طرابلس، التي تضم مطاراً مدنياً وعسكرياً، لكنها تحت سيطرة جهاز «قوة الردع» بقيادة كارة، الذي حوَّله الدبيبة من صديق وداعم إلى معارض يسعى لإزاحته، مدعوماً بمنطقة سوق الجمعة.

ثم قاعدة «أبو ستة البحرية» بطرابلس، وهي المقر الرسمي لقيادة الأركان العامة لحكومة «الوحدة» برئاسة الحداد، وتوجد بها أرصفة بحرية عسكرية محدودة تُستخدَم في التعاون البحري مع تركيا (ضمن اتفاق 2019).

وهناك قاعدة «مصراتة الجوية» (200 كيلومتر من طرابلس) التي توصف بأنها «واحدة من أقوى القواعد الجوية في ليبيا»، وتستخدمها القوات التركية الموجودة بالبلاد، وتقع تحت نفوذ قوات مصراتة.

خلال تدريب «اللواء 222 مجحفل» بقوات غرب ليبيا (رئاسة الأركان)

يلي ذلك «معسكر اليرموك» بطرابلس، ويعدُّ قاعدةً كبرى داخل العاصمة، ظلت قوات «بركان الغضب» تتخذه مقراً خلال حرب (2019 - 2020)، إلى أن سيطرت عليه لاحقاً تشكيلات مسلحة... وتقيم فيه عناصر من «المرتزقة» السوريين.

كما تضم قوات غرب ليبيا «معسكر 7 أبريل» الواقع في باب بن غشير بطرابلس، ويحتوي على مقار أمنية وتدريبية تابعة لجهازَي «الأمن الداخلي» و«الدعم المركزي»، إلى جانب قاعدة «الخمس البحرية» شرق طرابلس، وهي ميناء عسكري محدود قرب مدينة الخمس.

وتظل العاصمة محل أنظار الأفرقاء كافة، ففيها مؤسسات الدولة وتضم إلى جانب حكومة «الوحدة»، مقار مجلسَي «الرئاسي» و«الأعلى للدولة»، وأجهزة رقابية، منها «ديوان المحاسبة»، و«المصرف المركزي» و«المؤسسة الوطنية للنفط».

من حدود سرت حتى تونس

لا تزال لسلطات غرب ليبيا سيطرة محدودة ومتغيرة على المناطق المتاخمة للحدود مع تونس والجزائر وأجزاء من الحدود مع النيجر، خصوصاً في مناطق وجود الطوارق والتبو في أوباري وغات، بالإضافة إلى مرزق.

قيادات بـ«الجيش الوطني» يتفقدون نقاط تمركز الوحدات العسكرية على خطوط الدفاع الأمامية غرب سرت (القيادة العامة)

ومنذ انتهاء الحرب على طرابلس منتصف 2020، بقيت القوتان على خطوط تماس في سرت: قوات حفتر تُسيطر على المدينة بالكامل، بينما تتمركز قوات الدبيبة في المناطق الغربية منها، المحاذية لمصراتة.

وتُعدُّ المنطقة الواقعة بين سرت ومصراتة، خصوصاً عند بويرات الحسون، خط التماس الرئيسي بين القوات المتنازعة. وتشهد هذه المنطقة أحياناً توترات وتحركات عسكرية من الطرفين، في ظل مخاوف وهواجس أحياناً تسيطر على جبهة غرب ليبيا من «حرب مرتقبة».


مقالات ذات صلة

ليبيا: «مجلس الحكماء والأعيان» يدخل على خط «أزمة القضاء»

شمال افريقيا بدء فرز نتائج الانتخابات البلدية (مفوضية الانتخابات)

ليبيا: «مجلس الحكماء والأعيان» يدخل على خط «أزمة القضاء»

أيد «المجلس الأعلى لحكماء وأعيان ليبيا» أحكام الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا «بعدم دستورية بعض القوانين والقرارات الصادرة عن مجلس النواب»

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا منفذ «التوم» على الحدود بين ليبيا والنيجر (إعلام القيادة العامة)

«شرق ليبيا» ترفض «تحريض» الغرياني على قتال «الجيش الوطني»

رفضت "اللجنة العليا للإفتاء"، التابعة للحكومة الليبية المكلفة من مجلس النواب، دعوات تحريضية دعا فيها الغرياني إلى "مداهمة" مواقع تابعة لـ"الجيش الوطني".

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الزبير البكوش بعد وصوله إلى أميركا السبت (مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي كاش باتيل «إكس»)

عائلة الليبي البكوش تكشف كواليس اعتقاله وتسليمه لواشنطن

قالت أسرة المواطن الليبي، البكوش، الموقوف في أميركا لاتهامه بالتورط في الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي 2012 إن ضباطا أميركيين حققوا معه عام 2021.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)

ليبيا: «الأعلى للقضاء» يرفع تصعيده ضد قرارات «الدستورية»

رفع «المجلس الأعلى للقضاء» في ليبيا سقف التصعيد ضد قرارات الدائرة الدستورية في «المحكمة العليا» في طرابلس، بتحذير صارم من «محاولات تسييس الجهاز القضائي»

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا الزبير البكوش مرتدياً ملابس الكشافة (صورة متداولة على صفحات ليبية)

الليبي «الزبير البكوش»... من حبال الكشافة إلى العنف المسلح

تمثل حياة المتهم الليبي الزبير البكوش الموقوف في الولايات المتحدة للاشتباه بتورطه في الهجوم على القنصلية الأميركية بمدينة بنغازي عام 2012، نموذجاً حياً للتناقض.

علاء حموده (القاهرة)

محمية «السنط» الطبيعية السودانية تتعرض لاعتداء بيئي بشع

مشهد لما تبقى من أشجار السنط التي كانت تشكل محمية طبيعية للخرطوم (الشرق الأوسط)
مشهد لما تبقى من أشجار السنط التي كانت تشكل محمية طبيعية للخرطوم (الشرق الأوسط)
TT

محمية «السنط» الطبيعية السودانية تتعرض لاعتداء بيئي بشع

مشهد لما تبقى من أشجار السنط التي كانت تشكل محمية طبيعية للخرطوم (الشرق الأوسط)
مشهد لما تبقى من أشجار السنط التي كانت تشكل محمية طبيعية للخرطوم (الشرق الأوسط)

في الأشهر الأولى لاندلاع الحرب منتصف أبريل (نيسان) 2023، شهدت «غابة السنط»، وهي محمية طبيعية تقع على ضفاف النيل الأبيض بالعاصمة الخرطوم، لعملية إبادة جماعية وقطع جائر للأشجار لإنتاج الأخشاب التي أصبحت المصدر الوحيد لطهي الطعام وتشغيل أفران الخبز بعد نفاد مصادر الطاقة وانقطاع الكهرباء وانقطاع إمداد سلاسل غاز الطبخ.

ورصدت «الشرق الأوسط«» حجم التخريب والدمار والقطع العشوائي والاحتطاب داخل الغابة، وهي واحدة من أعرق وأكبر المحميات الطبيعية داخل العاصمة الخرطوم، وقد أُدرجت رسمياً ضمن منظومة المحميات منذ عام 1939.

تُعَدُّ غابة «السنط» القريبة من مقرن النيلين، من أعرق المساحات الخضراء الطبيعية في الخرطوم؛ فهي واقعة على الضفة الشرقية للنيل الأبيض قرب ملتقى النيلين، وهي غابة مركزية محجوزة مساحتها 34.482 فدان موزعة على النحو الآتي: مساحة المرابيع المزروعة حوالي 25 مربوعاً تساوي 45.453 فدان؛ الطرق والشوارع 39.8 فدان، والحديقة الشجرية والمشتل 50.20 فدان.

وتساهم الغابة في امتصاص الغازات التي تنبعث من المصانع وعوادم السيارات والمنشآت الصناعية، والكثافة السكانية الناتجة عن عمليات النزوح والهجرات الجماعية بسبب الحروب والجفاف.

جريمة بشعة

أطلقت الأيام الماضية مبادرة رصد التعديات البيئية وتعزيز وعي المجتمع بقضايا الطبيعة، فوجهت نداءً عاجلاً لوقف الاعتداء على غابة «السنط»، والوقف الفوري لأعمال قطع الأشجار والتجريف الجارية في المنطقة.

ويقول رئيس السابق للمجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية بولاية الخرطوم بشرى حامد: «ما شهدته غابة السنط يعد واحداً من أبشع الجرائم البيئية في تاريخ ولاية الخرطوم، وتحتاج إلى توثيق ودراسة شاملة وتحديد تكلفة الضرر ووضع خطة وبرنامج ومشروع عملي علمي بيئي قابل للتمويل والتنفيذ وفق خطة زمنية محددة».

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أوضح: «قطع الأشجار يؤثر سلباً على هجرة الطيور بالنسبة للعالم والبيئة، وهجرة الطيور حال توقفها فهذا يعني توقف مسألة التنوع الحيوي والإحيائي في العالم ما يؤثر على البيئة بصورة كبيرة جداً».

وتعد «الغابة» موئلاً لكثير من الكائنات الحية التي تلعب دوراً كبيراً في البيئة من خلال تفاعلها مع بعضها البعض وتشكيل البيئة الحيوية الموجودة في تلك المنطقة».

خسارة التنوع الحيوي

سبق أن نفذت الإدارة العامة للمباحث الجنائية المركزية حملة كبرى لحماية غابة السنط بالخرطوم من الأنشطة السالبة، مثل الحرق والإتلاف والقطع الجائر الذي تعرضت له الغابة خلال الفترة الماضية.

وقال خبير البيئة وتغيرات المناخ نور الدين أحمد لـ«الشرق الأوسط»: «غابة السنط تتمثل أهميتها في أنها بيئية وعلمية وثقافية وسياحية، والطيور المهاجرة من أوروبا تستريح في تلك الغابة لتميزها، وهي موئل بيئي متميز لملايين الكائنات الحية، وتعد من أعرق المساحات الخضراء في الخرطوم».

وأضاف: «بعد اشتعال الحرب وانعدام مصادر الطاقة، لجأ الناس إلى الغابة وقطع الأخشاب لطهي الطعام وتشغيل الأفران لإنتاج الخبز، فحدثت إبادة بيئية، ينتظر أن تكون لها عواقب بيئية وفقدان التنوع الحيوي للطبيعة».

وشدد الخبير البيئي على «أهمية وقف التعديات على غابة السنط، وإعادة الحياة إليها مرة أخرى للحفاظ على التوازن الطبيعي والتقليل من وتيرة التغير المناخي المحلي».

محمية محجوزة

اكتسبت الغابة اسمها من أشجار «السنط» التي كانت تنمو فيها بكثافة، وتلعب دوراً تعليمياً مهماً، فقد أنشئت مدرسة خبراء الغابات منذ عام 1946 لتدريب كوادر الغابات من الخبراء والملاحظين على تقنيات وإدارة وزراعة الغابات.

وخرجت المدرسة الرعيل الأول من فنيّ الغابات الذين كان لهم الدور العظيم في زراعة الغابات في كل مناطق السودان، من جبال وهضاب وأودية وسهول وصحارٍ.

وأوضح أستاذ الغابات والموارد الطبيعية بروفسور طلعت دفع الله أن «غابة السنط» واحدة من أكبر المساحات الطبيعية على الضفة الشرقية للنيل الأبيض، وقريبة من ملتقى النيلين وهي غابة مركزية محجوزة».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الغابة مسجلة في الجريدة الرسمية (الغازيتا) بالرقم 563 بتاريخ 15 يونيو (حزيران) 1932، وهو العام الذي صادف أول سياسة للغابات في السودان، وصدور قانون الغابات المركزية وقانون غابات المديريات.

وأكد أن «الغابة تكتسب أهميتها التعليمية وأنشئت بها مدرسة خبراء الغابات عام 1946 وتدريب أول كوادر لخبراء الغابات وتخريج الرعيل الأول من فنيي الغابات والملاحظين الذين استزرعوا غابات السودان في الجبال والهضاب والأودية والسهول والصحاري في البلاد».

ووفقاً للأكاديمي المختص، فإن الغابة تعد ملاذاً للتنوع الإحيائي، تعمل عليها كل من المراكز البحثية: «مجلس الطيور العالمي، الإدارة العامة للحياة البرية، مركز الحياة البرية، كليات الموارد الطبيعية بالجامعات السودانية، جمعية الحياة البرية»، وترصد حركة الطيور المهاجرة والمستوطنة التي تغشى الغابة بأعداد كبيرة.

وأشار دفع الله إلى أن الخرطوم ازدحمت بالمصانع والسيارات ما أدى إلى تلوث بيئي، والغابة تعتبر مستودعاً لامتصاص الغازات الكربونية وتساهم في امتصاص السموم باعتبارها الغابة الطبيعية الموجودة وسط الخرطوم.

وقال: «القيمة السياحية للغابة تقدم خدمة جليلة للشعب السوداني وهي الرئة الوحيدة لتنفس الهواء بعد إزالة حزام الخرطوم الأخضر، بالتالي هي متنفس طبيعي لسكان الخرطوم والزوار أثناء قضاء الرحلات والعطلات الرسمية والأعياد، والغابة تتمتع بإطلالة مباشرة على النيل الأبيض، وتصدح الطيور فوق الأشجار وتضفي أجواء رائعة».

ودعا الجمعية السودانية لحماية البيئة لإنقاذ هذه الغابة باعتبارها إحدى المقتنيات التراثية السودانية، وبحكم تاريخها القوي في التصدي والمناصرة. ووفقاً لخبراء الغابات والبيئة، فإن تجريف وتدمير «غابة السنط» بالقطع العشوائي للأشجار إعلان موت بطيء للنظام الذي يحمي الخرطوم، وما جاورها من أخطار التلوث والغازات السامة التي تخنق رئة المنطقة الحيوية التي يسكنها ملايين المواطنين.


«القبول المجتمعي» يعرقل عمليات التبرع بأعضاء المتوفين في مصر

بنايات في وسط العاصمة القاهرة (الشرق الأوسط)
بنايات في وسط العاصمة القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

«القبول المجتمعي» يعرقل عمليات التبرع بأعضاء المتوفين في مصر

بنايات في وسط العاصمة القاهرة (الشرق الأوسط)
بنايات في وسط العاصمة القاهرة (الشرق الأوسط)

في وقت دعم فيه مشاهير مقترحاً برلمانياً مصرياً بشأن تأسيس «بنك وطني للأنسجة البشرية»، تحدث مسؤول حكومي عن أن «القبول المجتمعي» هو إحدى الإشكاليات الكبرى التي تعرقل التبرع بأعضاء المتوفين.

وما زالت أصداء المقترح الذي تقدمت به عضو مجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان)، أميرة صابر، ودعت فيه إلى «تيسير إجراءات التبرع بالأنسجة بعد الوفاة»، تتواصل وسط انقسام بين مؤيد ومعارض، خصوصاً بعد عودة التباينات حول «التبرع بالأعضاء كاملة» للمشهد.

ورغم صدور تشريع مصري ينظم «زرع الأعضاء البشرية» منذ ما يقرب من 16 عاماً فإنه «معطل» بحسب مراقبين.

وطفا مصطلح «القبول المجتمعي» على الواجهة خلال الساعات الماضية، بعدما قال متحدث وزارة الصحة المصرية، الدكتور حسام عبد الغفار، إن «القبول المجتمعي هو إحدى الإشكاليات الكبرى أمام التبرع بالأعضاء». وأضاف في تصريحات متلفزة، مساء السبت، أنه «حتى الآن لم يتم تنفيذ أي حالة تبرع لنقل عضو من شخص متوفى إلى شخص حي».

وأشار إلى أن «القانون الصادر سنة 2010 يبيح نقل الأعضاء من المتوفين إذا ثبتت الوفاة طبياً، وبشرط الموافقة الموثقة».

كما لفت متحدث باسم وزارة الصحة إلى أن «الوزارة تعمل منذ أكثر من عامين على تطوير منظومة متكاملة تشمل مدينة النيل الطبية التي ستضم أكبر مركز لزراعة الأعضاء».

أيضاً الإعلامي المصري، عمرو أديب تحدث عن فكرة «القبول المجتمعي»، حيث قال في برنامجه «الحكاية» على قناة «إم بي سي مصر»، مساء السبت، إن «الشعب المصري لم يتقبل حتى الآن فكرة التبرع بالأعضاء بعد الوفاة، رغم وجود قانون ينظم ذلك».

وأوضح أن «المواطن المصري غير مستوعب لفكرة أن يتبرع بأعضائه»، مؤكداً أنه «حتى الآن لم يُسجل أي مواطن موافقة صريحة على التبرع بأعضائه بعد الوفاة، وأن الكلام يبدو رومانسياً؛ لكن الواقع مختلف تماماً».

وبحسب أديب فإن «المصريين يتحدثون بسهولة عن التبرع في الكلام العام، لكنهم يتراجعون عند الجد»، لافتاً إلى أن «المجتمع تجاوز مرحلة الجدل الديني، لكن العائق الرئيسي يبقى نفسياً وثقافياً»، مشدداً على أن «الفهم الحقيقي يحتاج إلى وقت وتوعية مكثفة».

أستاذة علم النفس السياسي بـ«المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية»، الدكتورة سوسن فايد، ترى أن «القبول المجتمعي» لـ«التبرع بالأعضاء» مرتبط بثقافة المصريين؛ لأنها قضية تتعلق بالوفاة، وهو أمر لدى البعض «الحديث فيه مكروه»، و«يجب عدم الاقتراب من جثمان المتوفى وأخذ أجزاء منه»، كما أنه مرتبط أيضاً باستعداد كل شخص وقدرته على التبرع وشعور أهله بالرضا.

ودعت إلى «العمل على تدشين مشروع ثقافي يوضح للناس أن التبرع بالأعضاء لن يؤثر في المتوفى بعد وفاته، بل إنه سوف يحصل على الثواب»، وهنا «الثقافة الدينية ستلعب دوراً كبيراً، بحيث تجعل الأفكار تتغير بالإقناع».

مواطنون مصريون في منطقة العتبة بوسط القاهرة (الشرق الأوسط)

وتضيف فايد لـ«الشرق الأوسط»، أن «التبرع بالأعضاء من المسائل التي لم يتم التطرق لها بشكل جيد، حتى يحدث تغيير ثقافي حول القضية». وتفسر: «يتم ذلك عبر مناقشة أبعاد الموضوع لتوسيع الفكر، وقد يتحول شخص رافض له إلى قبوله، وهذا يحتاج إلى جهود وتحركات على الأرض مع الناس وليس على السوشيال ميديا».

وكانت دار الإفتاء المصرية قد حسمت الجدل الفقهي مراراً في وقت سابق، مؤكدة أن «التبرع بالأعضاء والأنسجة بعد الوفاة جائز شرعاً، إذا توافرت الضرورة الطبية، والتزم النقل بالضوابط الشرعية والقانونية، وبعيداً عن أي صورة من صور التجارة أو الاستغلال».

أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر، قالت لـ«الشرق الأوسط» إن «القبول المجتمعي حول التبرع بالأعضاء يتوقف على الأسرة والإنسان نفسه، فهناك من يرفض التبرع، وآخر يرحب به ويقبله، لكن ليس هناك توجه موحد يتحدث عن أن التبرع أمر مفيد؛ لأن الفكرة ببساطة هي أن إنساناً يموت وآخر يحتاج إلى عضو يجعله يعيش بشكل أفضل».

وتوضح أننا «لم نتعامل مع قضية التبرع بالأعضاء بشكل ديني واجتماعي كبيرين؛ لذا سنجد من يحرمه أو يؤيده، ولا بد من محاولة تقريب الأفكار في الأمر عبر النقاش، وهذا لم يحدث، فقط ما يحدث هو أن البعض يعلن نيته في التبرع، ويوصى بها، والآخر يرفض ويعترض؛ لذا تحدث البلبلة من وقت لآخر».

بنايات في وسط العاصمة القاهرة (الشرق الأوسط)

ودعت خضر إلى «مناقشة القضية بطريقة هادئة أو كحوار مجتمعي بين الأطباء وعلماء الدين الإسلامي والمسيحي ومختصين على مستوى عالٍ في الحوار، عبر طرح وجهتي النظر، وقد نصل وقتها إلى القبول المجتمعي للأمر».

وتشير إلى أنه «يجب حصول توافق ديني ومجتمعي وطبي حول جدوى التبرع، وأنه ممكن أن يسعد شخصاً يعاني»، موضحة أن «التبرع بالأعضاء أمر إنساني مهم، لكننا لم نستطع أن ندخله في دائرة العواطف الإنسانية».

في سياق ذلك، دعم مشاهير مقترح «التبرع بالجلد» وكذا الأعضاء بعد الوفاة، بينما يتواصل الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي بين انتقاد «التبرع بالأعضاء» وقبوله بوصفه «سوف ينقذ مرضى».

دعوات للعمل على تدشين مشروع ثقافي يؤصل لـ«التبرع بالأعضاء» (الشرق الأوسط)

وأعلن الإعلامي المصري، أحمد سالم، عبر حسابه على «فسيبوك» استعداده للتبرع بأعضائه بعد وفاته، وقالت الإعلامية والفنانة المصرية، منى عبد الغني، خلال برنامجها إنها «قررت التبرع بأعضائها بعد الوفاة». وكان عدد من الفنانين قد أعلنوا في وقت سابق موافقتهم على التبرع بأعضائهم، من بينهم إلهام شاهين.

كما استغل جراح القلب العالمي، الدكتور مجدي يعقوب، ظهوره في برنامج متلفز، الشهر الحالي، ليدعو إلى «الإسراع بتفعيل وتقنين منظومة زراعة الأعضاء».

وشدد حينها على أن «الخوف السائد من التبرع بعد الوفاة يعود بالأساس إلى هواجس شعبية عن الاتجار بالأعضاء، رغم وجود ضمانات قانونية وطبية صارمة تحول دون أي تلاعب»، مطالباً بضرورة «موافقة المجتمع نفسه بوصفه الطرف المتبرع وصاحب القرار وصاحب المخاوف أيضاً».


ليبيا: «مجلس الحكماء والأعيان» يدخل على خط «أزمة القضاء»

بدء فرز نتائج الانتخابات البلدية (مفوضية الانتخابات)
بدء فرز نتائج الانتخابات البلدية (مفوضية الانتخابات)
TT

ليبيا: «مجلس الحكماء والأعيان» يدخل على خط «أزمة القضاء»

بدء فرز نتائج الانتخابات البلدية (مفوضية الانتخابات)
بدء فرز نتائج الانتخابات البلدية (مفوضية الانتخابات)

دخل «المجلس الأعلى لحكماء وأعيان ليبيا» على خط النزاع حول القضاء بين مجلسي النواب و«الدولة»، فيما جددت وزارة الداخلية بحكومة «الوحدة» المؤقتة تعهداتها بالقدرة على تأمين الانتخابات المقبلة، بمناسبة «نجاح الانتخابات البلدية»، التي أظهرت نتائجها الأولية، خسارة قوائم موالية لرئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، والصادق الغرياني مفتي البلاد الذي سبق وأقاله البرلمان من منصبه.

وأيد «المجلس الأعلى لحكماء وأعيان ليبيا»، في بيان الأحد، أحكام الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا «بعدم دستورية بعض القوانين والقرارات الصادرة عن مجلس النواب»، وعدّها «خطوة وطنية مهمة في اتجاه ترسيخ هيبة الدولة وسيادة القانون، وحماية حقوق الضحايا والمتضررين، بما يحقق العدالة ويصون السلم الاجتماعي ويعيد الثقة في مؤسسات الدولة».

وشدد على أن «المصالحة الوطنية الحقيقية لا تبنى على طمس الحقائق أو تجاوز حقوق الناس، بل تقوم على العدالة، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، والمحاسبة وفق القانون بعيداً عن الانتقام أو التسييس».

ورأى المجلس، أن «ما قامت به المحكمة العليا، يدخل في صميم ولايتها واختصاصها الأصيل، ولا يعد بأي حال من الأحوال، تدخلاً في عمل السلطات التشريعية، بل يمثل تطبيقاً صحيحاً لمبدأ الفصل بين السلطات وضماناً لسيادة القانون».

ودعا المجلس، الجهات الرسمية والمؤسسات ذات العلاقة «إلى احترام أحكام القضاء والالتزام بها بوصفها ملزمة وواجبة النفاذ دون تعطيل أو انتقالية، ودعم مسار العدالة الانتقالية بما يضمن حقوق الجميع، بالإضافة إلى توحيد الجهود لإنهاء مظاهر الفوضى وترسيخ دولة المؤسسات».

وشهد مجمعا المحاكم في مدينتي طرابلس ومصراتة، وقفة تضامنية، الأحد، دعت إليها مجموعة من الأكاديميين وأساتذة القانون والمتقاعدين بسلك القضاء والنيابة العامة، لحماية الهوية ومكافحة التزوير.

وأشاد بيان صادر عن مجموعة المتضامنين «بجهود مكتب النائب العام في ملف حماية الهوية»، مشدداً على أن «دعمه بات واجباً وطنياً لحماية حاضر البلاد ومستقبلها».

وكشف البيان عن تعرض «المجلس الأعلى للقضاء»، وعلى رأسه النائب العام، لـ«حرب شعواء»، مشيراً إلى أن هذه الهجمات تصاعدت بشكل مباشر عقب فتح الملف الشائك المتعلق بتزوير الأرقام الوطنية، محذراً من محاولات بعض «المؤدلجين»، العبث بالمؤسسة القضائية «لخدمة مصالح ضيقة تضر بالأمن القومي».

تأتي هذه التحركات، في ظل أزمة سياسية حادة تضرب استقلال القضاء، ناتجة عن التنازع المستمر بين مجلسي النواب و«الدولة» بسبب محاولات فرض تعديلات قانونية تمنح مجلس النواب سلطة أوسع في تعيين القيادات القضائية، وهو ما يرفضه «مجلس الدولة»، عادّاً إياه «مساساً بمبدأ الفصل بين السلطات».

وتصاعد الجدل القانوني بعد اعتماد مجلس النواب لقانون إنشاء محكمة دستورية في بنغازي بشرق البلاد، في خطوة أحدثت انقساماً قانونياً كبيراً وصفته قوى سياسية في طرابلس، بأنه «تسييس للقضاء ويهدد وحدة المؤسسة القضائية» التي ظلت متماسكة طوال سنوات الانقسام.

المنفي مع وفد من غدامس (المجلس الرئاسي)

بدوره، أكد رئيس «المجلس الرئاسي»، محمد المنفي، خلال اجتماعه الأحد في العاصمة طرابلس مع وفد من بلدية غدامس، على أهمية دور البلديات والمكونات الاجتماعية في دعم الاستقرار، مشدداً على «التزام المجلس الرئاسي بمواصلة جهوده في ترسيخ المصالحة الوطنية، ودعم المبادرات التي تخدم المواطنين، وتحقق التنمية المتوازنة في مختلف المدن والمناطق».

ونقل المنفي عن الوفد، دعمه لمسار المصالحة الوطنية الذي يقوده، «وضرورة مواصلة العمل به بوصفه ركيزة أساسية لتعزيز السلم الاجتماعي وتدعيم وحدة الصف الوطني».

في شـأن آخر يتعلق بالانتخابات البلدية، استغلت وزارة الداخلية بحكومة «الوحدة»، ما وصفته بنجاح جهودها في تأمين المرحلة الثالثة من انتخابات المجالس البلدية لتاجوراء والصياد والحشان، لتؤكد مجدداً «استعدادها الكامل لتأمين الاستحقاقات الانتخابية المقبلة كافة، بما يضمن تعزيز الأمن والاستقرار ودعم المسار الديمقراطي».

وأشادت الوزارة في بيان بجهود عناصرها «لتأمين العملية الانتخابية بصورة جيدة ومنظمة وآمنة، من خلال تأمين الناخبين، ومراكز الاقتراع، وصناديق الاقتراع، بما يعكس جاهزية الأجهزة الأمنية وكفاءتها في أداء مهامها».

وأوضحت أن مديريات الأمن بالمناطق الواقعة ضمن نطاق اختصاصها بالتعاون مع أجهزتها «نفّذت الخطة المعتمدة لتأمين الاستحقاقات الانتخابية في البلديات، عبر انتشار أمني مكثف، وتفعيل الدوريات والتمركزات بمحيط مراكز الاقتراع، بهدف حفظ الأمن، وتنظيم الحركة، وتوفير البيئة الملائمة للناخبين لممارسة حقهم الانتخابي بكل يسر وسلامة، في إطار الجهود المبذولة لضمان سير العملية الانتخابية في أجواء آمنة ومنظمة».

المنسقة الأممية تتفقد مركز اقتراع تاجوراء (البعثة الأممية)

وأعلنت مفوضية الانتخابات، افتتاح مركز العدّ والإحصاء بالمفوضية لفرز استمارات نتائج الاقتراع بمقرها الرئيسي في طرابلس، عقب تسلم صناديق استمارات النتائج من البلديات التي جرت فيها عملية الاقتراع، مشيرة إلى «مباشرة إدخال البيانات ومطابقتها وفق الإجراءات الفنية والمعايير المعتمدة، بما يضمن أعلى درجات الشفافية والدقة في رصد النتائج الأولية».

وتفقدت المنسقة الأممية المقيمة أولريكا ريتشاردسون مراكز الاقتراع في تاجوراء، وأشادت «بالانطلاقة السلمية ليوم التصويت وبالانطباعات الإيجابية الأولية حول النظام البيومتري التجريبي، الذي يُعد خطوة مشجعة نحو تعزيز مصداقية الانتخابات المحلية».

ووفقاً لمفوضية الانتخابات، بلغت نسبة المشاركة الأولية 72 في المائة، بينما بلغ عدد المقترعين 11 ألفاً و645 ناخباً من إجمالي المسجلين الذين تسلموا بطاقاتهم الانتخابية ويحق لهم التصويت.

ورغم عدم الإعلان رسمياً عن النتائج، رصدت وسائل إعلام محلية مشاهد احتفال في تاجوراء مساء السبت، بعد معلومات عن تقدم وفوز «قائمة الإعمار»، وخسارة القوائم الموالية لتيار الصادق الغرياني المقال من منصبه، والدبيبة.