إنهاء الحروب على طريقة ترمب... دبلوماسية «اللامتوقع»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يعتمد على الكلام اللطيف الدبلوماسي والمُنمّق (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يعتمد على الكلام اللطيف الدبلوماسي والمُنمّق (أ.ب)
TT

إنهاء الحروب على طريقة ترمب... دبلوماسية «اللامتوقع»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يعتمد على الكلام اللطيف الدبلوماسي والمُنمّق (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يعتمد على الكلام اللطيف الدبلوماسي والمُنمّق (أ.ب)

في عام 1906 حصل الرئيس الأميركي، تيودور روزفلت (جمهوري)، على جائزة نوبل للسلام بسبب توسّطه في الحرب اليابانيّة الروسيّة. شكّلت هذه الحرب هزيمة مدوية لروسيا، وهي أول حرب تنتصر فيها دولة آسيويّة على دولة غربيّة في العصر الحديث.

آمن روزفلت بعقيدة الرئيس جيمس مونرو، لكنه طوّرها لرسم منطقة نفوذ أميركية في القارة الأميركيّة، كما حق التدخّل العسكري عند الحاجة. لكنه، أي روزفلت، آمن أيضاً بدور أميركا في العالم، وهو الذي أرسل الأسطول الأبيض ليجوب بحار العالم إعلاناً عن صعود أميركا بصفتها «قوة بحرية كونيّة». اعترف روزفلت بمنطقة نفوذ اليابان في شرق آسيا، الأمر الذي وضع شبه الجزيرة الكورية تحت الهيمنة اليابانيّة.

الرئيسان الصيني شي جينبينغ والأميركي دونالد ترمب خلال قمة «جي 20» في أوساكا (اليابان) في 29 يونيو 2019 (رويترز)

يسعى الرئيس دونالد ترمب (جمهوري) للحصول على جائزة نوبل للسلام، عبر سعيه لهندسة الحلول للحروب الدائرة في كل من أوكرانيا وقطاع غزة. كما يسعى لرسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية في كل من غرينلاند، وقناة بنما وكندا؛ الأمر الذي حدا بالكثير من المفكّرين إلى القول والتنظير بعودة مفهوم «مناطق النفوذ». تهيمن حالياً الصين على محيطها المُباشر، فهل سيعترف ترمب بمنطقة نفوذ صينيّة تضمّ تايوان؟

يختلف ترمب عن روزفلت في اعتماده على الجيواقتصاد بدل الجيوسياسة. كما يختلف عما قاله روزفلت حول الوسائل التي يجب على الدولة استعمالها في الدبلوماسيّة: «تحدّث بلطف، لكن احمل عصا غليظة، وسوف تذهب بعيداً». لا يعتمد ترمب على الكلام اللطيف الدبلوماسي والمُنمّق. لا بل كلامه مباشر، وجلف، وعلني، ومُهين في بعض الأوقات، ومباشر لبعض الضيوف من رؤساء الدول، وفي البيت الأبيض.

صورة مركبة للرؤساء الروسي فلاديمير بوتين والأوكراني فولوديمير زيلينسكي والأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

في الحرب الروسيّة - الصينيّة، كانت اليابان هي الرابح المُطلق. لكن في الحرب الأوكرانية وفي قطاع غزة، لم يتضح حتى الآن من هو الرابح، حتى ولو كانت الكفة تميل إلى كل إسرائيل وروسيا.

ساهمت سياسات الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان (جمهوري) في تسريع سقوط الاتحاد السوفياتي، خاصة عبر جرّ السوفيات إلى سباق التسلّح، وأهمها «مبادرة الدفاع الاستراتيجيّ» عام 1983، التي سُمّيت بـ«حرب النجوم». أعلن الرئيس ترمب مؤخراً مشروع بناء «القبّة الذهبيّة»، بهدف حماية الأرض الأميركية من الصواريخ التي تُطلق من الأعداء. تقدّر تكلفة هذه القبة بـ175 مليار دولار، وتؤمّن، وحسب ترمب، حماية أميركا بنسبة قريبة من الـ100 في المائة.

لا يسعى الرئيس ترمب إلى إسقاط روسيا الحالية. كما لا يسعى إلى ضرب الأهداف الجيوسياسيّة للرئيس فلاديمير بوتين، في أوروبا الشرقيّة، وخاصة في أوكرانيا. لا بل، يُفسّر سلوكه على أنه عملية إنقاذ للرئيس بوتين في حربه المُتعثّرة في أوكرانيا.

إطلاق قذيفة مدفعية من قبل وحدة أوكرانية باتجاه المواقع الروسية (رويترز)

هندسة الحلول

في الأزمة الكوبية، هندس الرئيس جون كينيدي الحل عبر القنوات السريّة، وليس عبر المؤسسات الدولية. فهو فعلاً فضح الخداع السوفياتي حول نشر صواريخ نوويّة في كوبا، بعد أن عرض الصور الجويّة في مجلس الأمن التي تؤكّد ذلك.

في عام 1952، هدّد الرئيس دوايت أيزنهاور باستعمال السلاح النووي، وذلك في محاولة لإنهاء الحرب الكوريّة. شكّل السلاح النووي في ذلك الوقت أكبر رادع لأعداء الولايات المتحدة الأميركيّة - الرد الشامل (Total Response)، وذلك حتى بدء الحرب الفيتنامية، حيث اعتمد مبدأ الرد المرن (Flexible Response). في الحرب الفيتنامية، هندس هنري كيسنجر الحل عبر التصعيد، كما الدبلوماسيّة في باريس، وفي الوقت نفسه عبر اعتماد استراتيجيّة «الرجل المجنون» في العلاقات الدوليّة، (Mad Man Theory)، التي تشير إلى أن «القائد غير عقلانيّ، غير مُتوقّع؛ الأمر الذي يكسب هذا القائد ميزة وتفوّقاً في التفاوض».

يقول الخبراء إن هناك نمطاً أصبح واضحاً ومعروفاً لسلوك الرئيس ترمب في علاقاته الدولية، ألا وهو «اللامُتوقّع»، (Unpredictability)، لكن من دون مبدأ «الرجل المجنون»، الذي يتطلّب التهديد بالقوّة العسكريّة. لكن تكرار السلوك غير المتوقّع، سيؤدّي حكماً إلى تظهّر نمط واضح، ليصبح اللامتوقع متوقّعاً.

دمار في غزة جراء الحرب الإسرائيلية (أ.ب)

وإذا صدقت مقولة «إن على كل حرب أن تنتهي»، فمن الضروري إذن هندسة الحلول. تنتهي الحرب إما بانتصار فريق على آخر، أو عبر التفاوض، خاصة إذا أصبحت الحرب مُكلفة، وبعد أن وصلت إلى امتدادها الأقصى. عند الهندسة، يجب إرضاء الأفرقاء المتقاتلة. فالمهمّ هو في الصورة، وفي كيفيّة إخراج الحل. وهنا قد تُطرح الكثير من الأسئلة حول الحرب الأوكرانيّة، وهي:

تعتبر الحرب لأوكرانيا على أنها مسألة حياة أو موت. فهل ستتخلى عن الشرق الأوكراني حيث الثروات الطبيعيّة، ووحدة الأرض؟ فما هو الحد الأدنى الذي من الممكن أن تقبل به أوكرانيا؟ وكيف سيتم إخراج صورة الحل؟ خاصة أن التفاوض حول إنهاء الحرب يحصل علناً، ومع تسريب من وقت إلى آخر لخرائط عن التنازلات الأوكرانية لصالح روسيا. هذا بالإضافة إلى غياب البعد العسكري (عصا روزفلت) الأميركي تجاه روسيا، ومحاولة إضعاف الحليف الأوكراني عبر حرمانه من العصا العسكريّة.

تعتبر أوكرانيا في العقل الروسي على أنها روسيا الصغرى. وهي جزء أساسي وحيوي من الأمن القومي الروسي. وحسب المفكّر الأميركي الراحل زبيغنيو بريجينسكي، لا يمكن لروسيا استعادة موقعها باعتبارها قوة عظمى من دون السيطرة على أوكرانيا.


مقالات ذات صلة

ترمب يوقف تصعيداً كبيراً ضد إيران وسط مخاوف مستشاريه

شؤون إقليمية جنود أميركيون يقفون بجوار بطارية صواريخ «باتريوت» (أرشيف-أ.ب) p-circle

ترمب يوقف تصعيداً كبيراً ضد إيران وسط مخاوف مستشاريه

أرجأ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خططاً لتصعيد الهجوم ضد إيران، بعدما أبدى كبار مستشاريه وقادة الجيش مخاوف من أن يؤدي التصعيد لاستنزاف مخزون صواريخ الدفاع الجوي.

إريك شميت (واشنطن) جوناثان سوان (واشنطن)
أميركا اللاتينية صورة مجمعة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والبرازيلي لولا دا سيلفا (أ.ف.ب)

البرازيل ترفض منح تأشيرات لوفد أميركي يعتزم لقاء السلطات الانتخابية

رفضت البرازيل الجمعة منح تأشيرات دخول لمسؤولَين أميركيين كانا يرغبان في لقاء ممثلين للسلطات الانتخابية قبل أقل من ثلاثة أشهر من الانتخابات الرئاسية

«الشرق الأوسط» (ساو باولو)
العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب أثناء لقائهما في يناير الماضي بمنتدي دافوس (الرئاسة المصرية)

مصر وأميركا… علاقات متوازنة وسط أزمات إقليمية معقدة

بينما يصف المسؤولون في مصر والولايات المتحدة العلاقات بين البلدين بـ«الاستراتيجية» و«الراسخة»، تكشف الأزمات الإقليمية المعقدة تبايناً في بعض المواقف السياسية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
تحليل إخباري لقطة من فيديو لجندي أميركي على متن مروحية وهو يوجّه تحذيراً إلى سفينة إيرانية قرب مضيق هرمز في أبريل الماضي (سنتكوم) p-circle

تحليل إخباري المواجهة الأميركية - الإيرانية... سيناريوهات التصعيد

إذا كانت الاستراتيجيات تُشكّل خارطة الطريق لخوض الحرب، فهي حتماً تتمتّع بديناميكية متحرّكة متبدلة خاصة بها. فالقويُّ يبدأ الحرب، وينهيها الأضعفُ.

المحلل العسكري
تكنولوجيا شعار تطبيق «أوبن إيه آي» (رويترز)

بعد فقدان «أوبن إيه آي» السيطرة على أحد نماذجها... مشرعون يطالبون بـ«مفتاح إيقاف»

أعاد إعلان شركة «أوبن إيه آي» فقدان السيطرة على أحد نماذجها التجريبية خلال الاختبارات إشعال الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن المخاطر المحتملة للذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)