تمسك ترمب بإلغاء «الجنسية بالولادة» يحيي جدل تعديل الدستور

المحكمة العليا تبتّ في القضية خلال أسابيع وسط ترقب واسع

احتجاجات أمام المحكمة العليا على قرار ترمب إلغاء حق الجنسية بالولادة في 15 مايو (أ.ف.ب)
احتجاجات أمام المحكمة العليا على قرار ترمب إلغاء حق الجنسية بالولادة في 15 مايو (أ.ف.ب)
TT

تمسك ترمب بإلغاء «الجنسية بالولادة» يحيي جدل تعديل الدستور

احتجاجات أمام المحكمة العليا على قرار ترمب إلغاء حق الجنسية بالولادة في 15 مايو (أ.ف.ب)
احتجاجات أمام المحكمة العليا على قرار ترمب إلغاء حق الجنسية بالولادة في 15 مايو (أ.ف.ب)

يحتدم الجدل في الولايات المتحدة حول حق الجنسية بالولادة. فمع إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومناصريه على إلغاء هذا الحق المدرج في التعديل الرابع عشر من الدستور الأميركي، وتحدّي المحاكم له، تنتقل المعركة إلى المحكمة العليا التي ستبُتّ في القضية الشهر المقبل.

وفيما تتوجه الأنظار إلى أعلى هيئة قضائية في الولايات المتحدة، صعّد الطرفان المواجهة وبادرا بإصدار حجج تدعم مواقفهما. وتقول الإدارة الأميركية إن إعطاء هذا الحق يشجع على الهجرة غير الشرعية، بينما يعترض المعارضون قائلين إن هذا الحق مرسخ في الدستور

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، خلفيات هذا الجدل والخيارات المطروحة أمام المحكمة العليا لتحديد مصير المولودين في أميركا لوالدين غير أميركيين.

التعديل الرابع عشر

ترمب يوقع قراراً تنفيذياً في 23 مايو 2025 (إ.ب.أ)

ولّد قرار ترمب إلغاء حق الجنسية بالولادة دعاوى قضائية ضده في 22 ولاية أميركية، وأحكاماً ضد تطبيقه من قضاة ليبراليين ومحافظين اعتبروا أن قراره التنفيذي ينتهك الدستور.

ويرى مايك فوكس، الباحث القانوني في معهد «كاتو» ومحامي الدفاع السابق العام في ولاية كولورادو، أن التعديل الرابع عشر الذي أُقرّ في عام 1868 بعد نهاية الحرب الأهلية يتضمن فقرة تُعرف بفقرة الجنسية، وأنها وضعت عمداً لمنح الجنسية بالولادة لكل من وُلد في الولايات المتحدة باستثناء أبناء السفراء وأبناء الجنود الأجانب في البلاد، من دون وجود أي استثناءات أخرى. واعتبر فوكس أن الهدف من هذه الفقرة كان ضمان حصول العبيد المولودين في الولايات المتحدة، الذين لم يكونوا مواطنين بعد وأطفالهم وأحفادهم، على الجنسية بالولادة، مضيفاً: «هذا الأمر غير قابل للتفاوض وغير قابل للنقاش. والقرار التنفيذي للرئيس الصادر في 20 يناير (كانون الثاني) غير دستوري بشكل واضح».

ويتفق أغلبية القضاة المحافظين والليبراليين مع هذا الطرح، بحسب زاك شونفيلد، مراسل الشؤون القضائية في صحيفة «ذي هيل»، الذي قال إن «بعض الباحثين القانونيين المحافظين، لا بل أغلبيتهم، لا يوافقون على تفسير ترمب للتعديل الرابع عشر وحق الجنسية بالولادة. لكن من المثير للاهتمام أن نرى كيف غيّر هذا القرار التنفيذي مجرى النقاش بين الأكاديميين القانونيين».

وتابع شونفيلد أنه منذ إصدار ترمب ذلك القرار في يناير، اشتعل الجدل داخل الأوساط القانونية المحافظة حول حق الجنسية بالولادة ليصبح أحد المواضيع الرئيسية التي يتطرقون إليها، واعتبر أن هذا بحد ذاته يعتبر نصراً لترمب؛ «لأنه حوّل نقاشاً كان هامشياً في السابق إلى نقاش أساسي في الأوساط الأميركية».

وبمواجهة قرارات المحاكم المعارضة لقرار ترمب التنفيذي، يقول الرئيس الأميركي إن الهدف من التعديل الرابع عشر من الدستور كان توفير الجنسية للعبيد فقط، وهي حجة تعارضها دانا لي ماركس، قاضية الهجرة المتقاعدة، التي اعتبرت أن هذا التفسير «خاطئ». ولفتت إلى مجموعة من القضايا التي طرحت أمام المحكمة العليا والتي أكدت حق المولودين في أميركا بالحصول على الجنسية، مضيفة بحزم: «التعديل الرابع عشر واضح جداً في القانون الأميركي، وينص بكل وضوح على أن كل من وُلد في الولايات المتحدة، ما لم يكن ابن دبلوماسي أو جندي من جيش احتلال، هو مواطن أميركي».

المحكمة العليا

ترمب يصافح قضاة المحكمة العليا خلال خطابه أمام الكونغرس في 4 مارس 2025 (أ.ب)

وفي خضم هذا الجدل، دفعت إدارة ترمب بهذه القضية إلى المحكمة العليا، حيث عرض القضاة فيها آراءهم في 15 مايو (أيار)، على أن تصدر قرارها النهائي في نهاية شهر يونيو (حزيران).

لكن المفارقة هنا هي أن المحكمة لن تبت بقانونية قرار ترمب التنفيذي، بل ستنظر في صلاحية قرارات القضاة في المحاكم الفرعية، وما إذا كان بإمكان هؤلاء تعميم قراراتهم لتشمل كل الولايات الأميركية. ويفسر فوكس قائلاً: «رغم أن التعديل الرابع عشر حول حق الجنسية بالولادة واضح وغير قابل للتأويل، فإن المسألة المطروحة أمام المحكمة العليا أكثر تعقيداً. فأوامر الحظر الوطنية تُمكن قاضياً واحداً من منع تنفيذ القانون أو القرار التنفيذي في كل أنحاء البلاد. وهذا يثير الكثير من الجدل حول مدى شرعية هذا الأمر، والسؤال المطروح أمام المحكمة العليا: هل هذا الأمر مناسب دائماً؟ هل هو غير مناسب أبداً؟ أم أن هناك حالات معينة قد يكون فيها مناسباً؟». وتابع: «لكن المجازفة في قرار المحكمة العليا المرتقب هي أنها قد تؤدي إلى وجود قوانين مختلفة في كل ولاية».

ويضيف فوكس: «مثلاً، إذا قرر قاضٍ في نيوجيرسي منع تنفيذ القرار لكن قاضياً في فلوريدا لم يفعل ذلك، فسيكون الشخص المولود في نيوجيرسي مواطناً أميركياً، فيما لن يحظى من ولد في فلوريدا بهذا الحق».

ويعتبر شونفيلد أن إدارة ترمب ورطت المحكمة العليا في هذه القضية؛ لأنها رفضت في السابق تناول موضوع القرارات القضائية الوطنية، مضيفاً: «يبدو أن ترمب أجبر المحكمة العليا على التدخل. بعد صدور أوامر تعليق وطنية متعددة بشأن حق الجنسية بالولادة وغيرها من سياساته، لم يعد بإمكان المحكمة تجنب هذه المسألة وأصبحت مجبرة على مواجهتها بشكل مباشر».

من ناحيتها، أعربت ماركس عن مفاجأتها من أن إدارة ترمب دفعت بالمحكمة العليا للنظر في هذه القضية؛ «لأن قانون الهجرة هو موضوع اتحادي، ويُطبق بشكل موحّد في جميع الولايات وفقاً للقانون الفيدرالي». وحول قرار المحكمة المرتقب، تقول ماركس إن النتيجة ستعتمد على اللغة التي ستستخدمها المحكمة العليا، وعلى الطريقة التي ستختار بها تقسيم الموضوع. وتفسر: «هل ستتناول القضية في سياق حق الجنسية بالولادة، أم ستوضح بشكل صريح أنها لا تصدر حكماً حول موضوع حق الجنسية بالولادة، وإنما فقط حول مسألة القرارات القضائية الوطنية؟».

يتوقع أن تصدر المحكمة العليا قرارها نهاية شهر يونيو 2025 (أ.ب)

من جهته، يقول شونفيلد الذي كان موجوداً في المحكمة العليا لدى جلسة المرافعة حول القضية، إنه بدا من الواضح أن بعض قضاة المحكمة الذين تم تعيينهم من قبل رؤساء جمهوريين ينتقدون قرارات المحاكم الوطنية الشاملة، لكنهم في الوقت نفسه يبدون شكوكاً واضحة حول دستورية القرار التنفيذي للرئيس. وتابع: «لقد فوجئت بالفعل أن أياً من القضاة التسعة لم يتحدث في أي لحظة خلال الجلسة للدفاع عن دستورية الأمر التنفيذي. ففي الجلسة، عندما عبّر بعض القضاة الديمقراطيين عن قناعتهم بأن الأمر غير دستوري، لم يتدخل أي من القضاة المحافظين للدفاع عنه».

«تشجيع» الهجرة غير النظامية

رئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي تشارك في احتجاجات أمام المحكمة العليا في 14 مايو 2025 للدفاع عن حق الجنسية بالولادة (أ.ف.ب)

ومع إصرار ترمب وفريقه على أن التعديل الرابع عشر من الدستور يشجع على الهجرة غير النظامية، تنفي ماركس هذه الحجج، مشيرة إلى عدم وجود دراسات تثبت ذلك، كما تذكر بأن «الأطفال حتى لو كانوا يحملون الجنسية، لا يمكنهم نقلها إلى والديهم قبل سن 21». وتابعت: «يبدو لي من غير المعقول أن يأتي شخص إلى الولايات المتحدة فقط من أجل إنجاب طفل، على أمل الحصول على فائدة محتملة بعد 21 عاماً». لكن فوكس لديه مقاربة مختلفة؛ إذ يقول إن القضيتين منفصلتان، فحتى لو كان نظام الهجرة في الولايات المتحدة بحاجة لإصلاحات، فإن الدستور واضح فيما يتعلق بحق الجنسية بالولادة، وإن أي تعديل عليه يتطلب عملية قانونية واضحة لتعديل الدستور. وأضاف: «لا يمكن للرئيس ومؤيديه أن يقرروا ببساطة أنهم لا يوافقون على الدستور، ثم يصدر قراراً تنفيذياً وكأن الدستور لم يعد موجوداً. والأمر نفسه ينطبق على الكونغرس. لا يمكن للكونغرس ببساطة تمرير قانون يُلغي نصاً دستورياً. لدينا آلية لتعديل الدستور، والجميع يعلم أن هذه التعديلات لن تمر، ولهذا السبب يحاولون إيجاد وسيلة أخرى للالتفاف على العملية التقليدية».

من ناحيته، يذكر شونفيلد أن الرئيس الأميركي ركز حملته الانتخابية على قضية الهجرة، وأن ما يقوم به الآن هو تنفيذ لوعوده الانتخابية. ويشير شونفيلد إلى صعوبة تمرير أي قوانين أو تعديلات دستورية بسبب الأغلبية الجمهورية البسيطة في الكونغرس، وغياب توافق واسع بين الولايات والجهات الأخرى لتعديل الدستور. واستنتج أن «هذا هو السبب وراء اعتماد ترمب الكبير على القرارات التنفيذية. فهي فعلياً الطريقة الوحيدة المتاحة له لتمرير بعض سياساته».


مقالات ذات صلة

تحليل إخباري عام من شبه الجمود التشريعي مرّ على الكونغرس (أ.ب)

تحليل إخباري الكونغرس في عام ترمب الأول... جمود تشريعي وانقسامات حزبية

جلس المُشرّعون على مقعد المتفرج، وسط محاولات خجولة للقيام بواجباتهم التشريعية، وفي ظلّ شلل تسبّبت به الانقسامات العميقة بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري.

رنا أبتر (واشنطن)
تحليل إخباري السيناتور تيد كروز ووزير التجارة هاورد لاتنيك يحيطان بالرئيس دونالد ترمب وهو يعرض أمراً تنفيذياً مرتبطاً بالذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

تحليل إخباري من الفوضى إلى السيطرة... كيف أعاد ترمب تشكيل البيت الأبيض في 2025؟

لم يكتفِ الرئيس دونالد ترمب بتعزيز السلطة التنفيذية على حساب السلطتين التشريعية والقضائية، بل أحدث تحولات جذرية في هيكلة البيت الأبيض وأدواته.

هبة القدسي (واشنطن)
تحليل إخباري عناصر «أيس» استخدموا الغاز المسيل للدموع في موقع إطلاق نار شمالي مينيابولس يوم 14 يناير (د.ب.أ)

تحليل إخباري ترمب يُهدّد مينيسوتا بإعلان «قانون التمرد»

تشهد ولاية مينيسوتا مواجهات عنيفة ومتواصلة بين عناصر إدارة الهجرة والجمارك الأميركية ومحتجّين، ما دفع الرئيس الأميركي إلى التهديد باللجوء إلى «قانون التمرد».

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض تتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرفة برادي للإحاطات الإعلامية بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن 15 يناير 2026 (أ.ف.ب)

البيت الأبيض: وجود قوات أوروبية في غرينلاند لن يؤثر على موقف ترمب

أعلن البيت الأبيض أن وجود قوات أوروبية في غرينلاند لن يغير موقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن الجزيرة، ولن يؤثر على هدفه بالاستحواذ عليها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

وزير الخزانة الأميركي واثق بإمكان التوصل لحل مع أوروبا بشأن غرينلاند

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يتحدث في دافوس (أ.ب)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يتحدث في دافوس (أ.ب)
TT

وزير الخزانة الأميركي واثق بإمكان التوصل لحل مع أوروبا بشأن غرينلاند

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يتحدث في دافوس (أ.ب)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يتحدث في دافوس (أ.ب)

عبَّر وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الثلاثاء، ‌عن ‌ثقته ⁠ب​أن الحكومات ‌الأوروبية لن «تصعد» التوتر مع الولايات المتحدة على خلفية ⁠رغبة الأخيرة في ‌شراء غرينلاند.

وقال ‍بيسنت للصحافيين ‍على هامش أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في ​دافوس بسويسرا: «أنا واثق بأن القادة لن يصعدوا، وأن هذا الأمر سينتهي بصورة جيدة للغاية للجميع».

وهو كان قد حذّر الدول الأوروبية، الاثنين، من فرض رسوم جمركية مضادة رداً على الرسوم التي هدّد بها الرئيس دونالد ترمب من أجل الاستحواذ على إقليم غرينلاند الدنماركي.

وأعلن ترمب رغبته في السيطرة على غرينلاند التي تتمتع بحكم ذاتي، وهدد بفرض رسوم جمركية على الدول المعارضة له. ويدرس الاتحاد الأوروبي، في المقابل، اتخاذ إجراءات مضادة.

وقال بيسنت في دافوس: «أعتقد أن ذلك سيكون خطوة غير حكيمة». وأضاف أن ترمب يريد السيطرة على الإقليم الدنماركي؛ لأنه يعده «استراتيجياً»، و«لن نَكِلَ أمن نصف الكرة الأرضية الغربي لأي طرف آخر».

ورداً على سؤال حول رسالة وجهها ترمب إلى رئيس الوزراء النرويجي، وبدا فيها أنه يربط مطالبته بغرينلاند بفشله في الفوز بجائزة نوبل للسلام، أجاب بيسنت بأنه لا يعلم شيئاً عن هذه الرسالة. وقال: «لكنني أعتقد أنه من السخف الظنّ بأن الرئيس سيفعل ذلك بسبب جائزة نوبل».

وأشار ترمب في هذه الرسالة إلى أنه لم يعد مضطراً للتفكير «فقط في السلام» بعد فشله بالفوز بجائزة نوبل، مشيراً إلى أن العالم لن يكون آمناً حتى تصبح غرينلاند تحت سيطرة الولايات المتحدة.

وشنّ ترمب حملة شرسة للفوز خلال العام الفائت بجائزة نوبل للسلام مكافأة له على جهوده في إنهاء 8 حروب، بحسب قوله.

ومُنحت الجائزة للمعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو التي توجهت إلى أوسلو، الشهر الماضي، في اليوم التالي لتسليم الجائزة، بعد أن فرّت من فنزويلا على متن قارب.


تقرير: ترمب يعيد تشكيل النظام السياسي الأميركي ويُضعف مبدأ التوازن بين السلطات

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة خلال حفل توقيع في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض... واشنطن 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة خلال حفل توقيع في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض... واشنطن 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)
TT

تقرير: ترمب يعيد تشكيل النظام السياسي الأميركي ويُضعف مبدأ التوازن بين السلطات

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة خلال حفل توقيع في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض... واشنطن 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة خلال حفل توقيع في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض... واشنطن 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

خلال عام واحد فقط من ولايته الثانية، أحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحوّلات عميقة في بنية النظام السياسي للولايات المتحدة، تمثّلت في توسّع غير مسبوق في صلاحيات الرئاسة، وتراجع واضح في استقلالية المؤسسات الدستورية، وعلى رأسها الكونغرس ووزارة العدل وأجهزة الأمن الفيدرالية، وفق تقرير لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، اليوم الثلاثاء.

اعتمد ترمب منذ عودته إلى البيت الأبيض على فريق من المقرّبين والموالين، بدل الشخصيات الجمهورية التقليدية، ما سمح له بإحكام السيطرة على مفاصل الدولة التنفيذية. وقد ترافق ذلك مع إصدار كثيف للأوامر التنفيذية، مكّنته من فرض إرادته على الإدارات الفيدرالية وتقليص أي معارضة داخلية محتملة.

وشمل هذا التوسّع في النفوذ إخضاع وزارة العدل، والتأثير المباشر في عمل مكتب التحقيقات الفيدرالي، إضافة إلى توسيع صلاحيات الرئاسة في مجالات لم يسبق لرؤساء أميركيين أن تدخلوا فيها بهذا الشكل خلال فترات السلم.

صورة من جلسة للكونغرس الأميركي (رويترز - أرشيفية)

تراجع دور الكونغرس

شهد الكونغرس تهميشاً غير مسبوق، حيث باتت جلساته تُعلّق لتفادي النقاشات، بينما تحوّل مجلس الشيوخ إلى مؤسسة ضعيفة التأثير، مع بقاء عدد محدود فقط من الأصوات الجمهورية المنتقدة دون قدرة فعلية على تعطيل قرارات البيت الأبيض.

استخدام الطوارئ

وسّع ترمب صلاحياته عبر إعلان حالات طوارئ اقتصادية سمحت له بفرض رسوم جمركية واسعة على دول عدة، ما أجبر شركاء واشنطن، بمن فيهم حلفاء تقليديون، على الدخول في مفاوضات تجارية جديدة بشروط أميركية.

كما جرى استخدام القوة الفيدرالية ضد ولايات أميركية يُسيطر عليها الديمقراطيون، من خلال نشر الحرس الوطني وتوسيع دور وكالة الهجرة والجمارك، التي أصبحت لاعباً أمنياً أساسياً داخل المدن الأميركية، مع هامش واسع للتحرّك وقيود قانونية أقل.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة خلال فعالية للإعلان عن تعريفات جمركية جديدة في «حديقة الورود» بالبيت الأبيض في واشنطن... 2 أبريل 2025 (أ.ب)

الضغوط على الإعلام والجامعات والاقتصاد

شهدت وسائل الإعلام تراجعاً في قدرتها على المواجهة، وسط ضغوط سياسية وقضائية ومالية متزايدة. كما طالت الإجراءات الجامعات الكبرى عبر تقليص التمويل الفيدرالي، في إطار إعادة ضبط ما يُعتبر معاقل فكرية معارضة.

وفي المجال الاقتصادي، تم تجاوز قواعد التجارة الحرة التقليدية، مع تدخل مباشر للرئاسة في توجيه السوق وفرض قيود حمائية واسعة.

عناصر إنفاذ القانون يحرسون مبنى في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا الأميركية... في 17 يناير 2026 (رويترز)

مرحلة سياسية شديدة الحساسية

مع دخول السنة الثانية من ولاية ترمب، تتزايد المخاوف من غياب آليات فعالة لكبح قرارات الرئيس أو مراجعتها، في ظل ضعف المؤسسات الرقابية. ويأمل الديمقراطيون في استعادة جزء من السيطرة عبر انتخابات الكونغرس المقبلة هذا العام، لكن هناك مخاوف من احتمال الطعن في نتائجها أو تعطيل مسارها.


زلزال «أميركا أولاً» في البنتاغون

ترمب وهيغسيث في اجتماع الجنرالات بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)
ترمب وهيغسيث في اجتماع الجنرالات بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)
TT

زلزال «أميركا أولاً» في البنتاغون

ترمب وهيغسيث في اجتماع الجنرالات بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)
ترمب وهيغسيث في اجتماع الجنرالات بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)

بعد مرور عام كامل على عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، لم تعُد المؤسسة العسكرية الأميركية هي ذاتها التي عرفها العالم لعقود. لم يكتفِ ترمب بتغيير القيادات، بل أحدث انقلاباً جذرياً في فلسفة القوة، مُحوّلاً البنتاغونمن حارس للنظام العالمي إلى أداة لتعزيز الهيمنة الأميركية. وتحت شعارات «تفكيك البيروقراطية» وإعادة «عقيدة المحارب»، شهد عام 2025 تحوّلات بنيوية في الميزانية والتسليح والانتشار العسكري، أعادت رسم خريطة النفوذ الأميركي.

من «الدفاع» إلى «الحرب»

كانت الخطوة الأولى في أجندة ترمب هي إعادة تعريف هوية المؤسسة العسكرية. وبتعيينه بيت هيغسيث وزيراً للحرب، بدأت عملية «تطهير» آيديولوجي واسعة النطاق، حيث تم إلغاء جميع مكاتب «التنوع والإنصاف والشمول»، التي استُحدثت في عهد الرئيس السابق جو بايدن، وعُدّت «سموماً أضعفت الروح القتالية».

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث متحدّثاً خلال مناسبة في البنتاغون 19 سبتمبر 2025 (رويترز)

وأحيا ترمب «عقيدة المحارب»، وهي رؤية عسكرية تركز حصراً على «الفتك» والانتصار في الميدان، بعيداً عن القضايا الاجتماعية. أدّى ذلك إلى تقاعد قسري لعشرات الجنرالات الذين وُصفوا بـ«المُسيّسين»، واستبدال قادة شباب يتبنّون رؤية ترمب القومية بهم. هذا التحول لم يكن إدارياً فحسب، بل كان إعلاناً عن عودة «وزارة الحرب» - بدل وزارة الدفاع - بمفهومها الهجومي الصريح، حيث الغاية هي التفوق الساحق، وليست «إدارة النزاعات».

خصخصة «التفوق العسكري»

رغم توجّهه نحو خفض الإنفاق الحكومي، استثنى ترمب المؤسّسة العسكرية، دافعاً بميزانية دفاعية لعام 2026 حطّمت الأرقام القياسية باقترابها من حاجز تريليون دولار.

ترمب لدى استقباله الجنرال غريغوري غيو قائد قيادة الدفاع الجوي لأميركا الشمالية في البيت الأبيض 15 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

واقترح سيد البيت الأبيض ميزانية لعام 2027 بقيمة 1.5 تريليون دولار؛ بهدف تشكيل «جيش الأحلام» عبر موارد مالية ضخمة مستمَدة من إيرادات الرسوم الجمركية المتنامية. هذه الميزانية لا تموِّل فقط العمليات التشغيلية، بل تغطي توسّعاً كبيراً في الصناعات الدفاعية، وأنظمة الأسلحة المتقدمة، والقدرات النووية، إضافة إلى الضغط على مقاولي الدفاع للاستثمار في الإنتاج وليس توزيع الأرباح على المساهمين. كما انتقلت الميزانية من تمويل «الوجود الدائم» في الخارج إلى تعزيز «التفوق التكنولوجي».

وحظي مشروع «القبة الذهبية» لبناء درع صاروخية متطورة وشاملة لحماية المدن الأميركية بحصة الأسد من الميزانية، في محاكاة لبرنامج «حرب النجوم» في عهد الرئيس رونالد ريغان، ولكن بتقنيات الذكاء الاصطناعي المعاصر. كما تم الاستغناء عن «الخردة المُكلفة»، حيث ألغى البنتاغون مشروعات لبناء حاملات طائرات عملاقة وتطوير مقاتلات جيل سادس مأهولة، عادّاً إياها «أهدافاً سهلة» في حروب المستقبل، مقابل الاستثمار في «أسراب المُسيّرات الانتحارية» التي يمكن إنتاجها بكميات هائلة داخل المصانع الأميركية المؤتمتة. وهو ما يراه البيت الأبيض «ديمقراطية القوة» التي تمنح واشنطن تفوقاً كاسحاً بتكلفة أقل. وقام بتعزيز «قوة الفضاء» لتُصبح الفرع الأكثر نمواً، مع التركيز على حماية الأقمار الاصطناعية التجارية والعسكرية من الهجمات السيبرانية والصينية.

ترمب خلال إعلانه عن درع الدفاع الصاروخية «القبة الذهبية» في واشنطن 20 مايو 2025 (رويترز)

غير أن التطور الأبرز كان الاندماج غير المسبوق بين البنتاغون وعمالقة التكنولوجيا في «سيليكون فالي». فالعقود العسكرية الكبرى لم تعُد تذهب حصراً لشركات السلاح التقليدية مثل «بوينغ» أو «لوكهيد مارتن»، بل برزت شركات مثل «أندوريل» و«بالانتير» و«سبايس إكس» بوصفها أعمدة للأمن القومي. وتحت ما يُسمى برنامج «المنتقم الرقمي»، وقَّعت الإدارة عقوداً بمليارات الدولارات لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على اتخاذ قرارات قتالية في أجزاء من الثانية. وهو ما يعكس رغبة ترمب في جيش «أصغر حجماً، وأكثر ذكاءً، وأقل تكلفة بشرية».

إحياء «عقيدة مونرو»

أحدث ترمب صدمةً جيوسياسيةً بإعلانه الرسمي إحياء «عقيدة مونرو» لعام 1823، ولكن بنسخة القرن الحادي والعشرين، أو ما أُطلق عليها «عقيدة دونرو» تيمّناً باسمه (دونالد).

ترمب وهيغسيث في اجتماع الجنرالات بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)

تقوم هذه العقيدة على مبدأ «أميركا للأميركيين»؛ ما يعني عدّ أي تدخل أجنبي (صيني أو روسي) في نصف الكرة الغربي تهديداً مباشراً. وقد أدّى ذلك إلى إعادة توزيع القوات بشكل غير مسبوق؛ بهدف الانسحاب من «المستنقعات». وتمّ سحب آلاف الجنود من ألمانيا وأفريقيا وأجزاء من الشرق الأوسط، وإعادتهم إلى القواعد داخل الولايات المتحدة أو نشرهم في «المحيط الحيوي» القريب.

وعلى الجبهة الجنوبية، تحوَّلت الحدود مع المكسيك «منطقة عسكرية»، واستخدم ترمب القوات النظامية لمواجهة كارتلات المخدرات، عادّاً إياها «قوات معادية غير نظامية». وشنَّ ضربات مميتة على «قوارب المخدرات» في الكاريبي، وفرض حصاراً على فنزويلا ممهداً للعملية العسكرية الخاطفة التي أدت إلى اعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى نيويورك للمحاكمة. هذا التغيير أعاد تعريف دور الجيش الأميركي ليكون «حارساً للحدود»، قبل أن يكون «ضامناً للأمن الإقليمي» في القارات البعيدة.

تكلفة الحماية

لم يعد الانتشار العسكري الأميركي يعتمد على المعاهدات القديمة بقدر ما يعتمد على «عقود الحماية». في العام الأول من ولايته الثانية، فرض ترمب على حلفاء «ناتو» واليابان وكوريا الجنوبية دفع كامل تكاليف الوجود العسكري الأميركي، مُهدّداً بالانسحاب التام.

جنديان أميركيان خارج قاعدة عسكرية في كركوك مارس 2020 (د.ب.أ)

وشهدت خريطة الانتشار العسكري الأميركي تحوّلاً نحو «نقاط الارتكاز الذكية» في آسيا والمحيط الهادئ، حيث ظلّ التركيز على تطويق الصين قائماً، لكن عبر تعزيز القواعد في غوام وأستراليا، مع تقليل الاعتماد على القواعد في الدول التي «تتردّد» في الانحياز الكامل لواشنطن. وفي الشرق الأوسط، تقلّص الوجود التقليدي لصالح «القوة عن بعد»، مع الاعتماد على التحالفات الإقليمية للقيام بمهام حفظ التوازن، بينما يكتفي الجيش الأميركي بحماية الممرات المائية الحيوية للتجارة.

تستند جميع هذه التغييرات إلى رؤية ترمب الفلسفية التي ترفض «العولمة العسكرية». إذ يعتقد ترمب أن قوة أميركا تكمن في «الغموض الاستراتيجي» و«الضربة القاضية»، وليس في الوجود الاستنزافي. وبدا أن إحياء «عقيدة المحارب» يهدف إلى فصل الجيش عن الجدل السياسي الداخلي، وتحويله قوة فاعلة تنفذ أوامر القائد الأعلى دون تردد.

في المقابل، فإن «عقيدة دونرو» تمنح واشنطن شرعيةً أخلاقيةً وقانونيةً - من وجهة نظر الإدارة - للتدخل في أميركا اللاتينية، ومنع الصين من بناء موانٍ أو قواعد عسكرية هناك؛ ما يغلق «الفناء الخلفي» لأميركا أمام المنافسين.

«ناتو»... الدفع أو الرحيل

عاش حلف شمال الأطلسي (ناتو) أصعب عام له منذ تأسيسه في عام 1949. فقد طبّق ترمب حرفياً مبدأ «الحماية مقابل الرسوم».

وبما يشبه نموذج «الاشتراك الأمني»، أبلغت واشنطن بروكسل رسمياً بأن القوات الأميركية لن تدافع عن أي دولة لا تخصِّص 3 في المائة على الأقل من ناتجها المحلي للدفاع. وهو ما أدّى إلى انقسام الحلف لطبقتين؛ دول «الدرجة الأولى» (مثل بولندا ودول البلطيق) التي سارعت لرفع ميزانياتها، ودول «الدرجة الثانية» التي بدأت تبحث عن بدائل دفاعية أوروبية مستقلة.

ترمب يتوسّط قادة أوروبيين وأمين عام «ناتو» في ختام مفاوضات لإنهاء الحرب الروسية - الأوكرانية بالبيت الأبيض 18 أغسطس 2025 (رويترز)

كما بدأ تنفيذ خطة لسحب 30 ألف جندي أميركي من ألمانيا وإعادة نشرهم في بولندا (القريبة من الجبهة الروسية والمستعدة للدفع)، أو إعادتهم إلى الأراضي الأميركية. هذا التحول أدّى إلى تراجع دور ألمانيا بوصفها قاعدة انطلاق رئيسية للعمليات الأميركية في العالم.

ومن خلال التهديد بوقف المساعدات العسكرية، يدفع ترمب نحو «اتفاقية سلام» تؤدّي إلى تجميد الحرب الأوكرانية - الروسية وفق خطوط التماس الحالية. وهو ما عدّه الأوروبيون طعنةً لمفهوم «وحدة الأراضي»، بينما عدّه ترمب «توفيراً لمليارات الدولارات الأميركية في حرب لا نهاية لها».

نظام إقليمي جديد

أدى انسحاب «الشرطي الأميركي» من مناطق النزاع التقليدية إلى ولادة نظام عالمي جديد يقوم على «الأقطاب الإقليمية». فقد شجّع ترمب على تشكيل «ناتو إقليمي» في الشرق الأوسط، يضمّ حلفاء واشنطن، يتولى مسؤولية التصدي للنفوذ الإيراني، مع تقديم واشنطن الدعم الاستخباري والتقني فقط، مقابل عقود شراء سلاح ضخمة تضمن بقاء المصانع الأميركية تعمل بكامل طاقتها.

صورة للقادة العسكريين في اجتماع شارك فيه جميع الجنرالات الأميركيين بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (رويترز)

وفي شرق آسيا، تحوَّل التحالف مع اليابان «شراكة مُسلّحة»، حيث سُمح لطوكيو بتطوير قدرات هجومية بعيدة المدى لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، لتكون هي «خطّ الدفاع الأول» ضدّ الصين، بدلاً من الاعتماد الكلي على الأساطيل الأميركية.

بعد عام من ولاية ترمب الثانية، بدت الولايات المتحدة وكأنها دولة تتجه نحو الانعزالية وتعتمد على قوة عسكرية وتكنولوجية غير مسبوقة، تعيد تعريف مفهوم «السلام من خلال القوة». ومع ذلك، يبقى هذا السلام هشاً في عالم متغير، حيث تراجع دور التدخل الأميركي المباشر وأصبح أمن البلاد مرتبطاً فقط بمصالحها الأساسية.

علاوة على ذلك، فإن «عسكرة الداخل» واستخدام الجيش في مهام إنفاذ القانون والحدود أثار مخاوف حقوقية ودستورية لم تشهدها الولايات المتحدة منذ عقود، حيث يخشى البعض من تحول الجيش أداةً سياسية في يد السلطة التنفيذية.