تونس بين اضطرابات ليبيا وأزمات الجزائر

وسط مؤشرات على استفحال مشاكل الاقتصاد و«المهاجرين الأفارقة»

من تظاهرات ليبيا الأخيرة (روينرز)
من تظاهرات ليبيا الأخيرة (روينرز)
TT

تونس بين اضطرابات ليبيا وأزمات الجزائر

من تظاهرات ليبيا الأخيرة (روينرز)
من تظاهرات ليبيا الأخيرة (روينرز)

خرجت تونس عن تحفّظها المعهود عند اندلاع أزمات أمنية وسياسية في ليبيا وبلدان الجوار، وبادر وزير خارجيتها محمد علي النفطي إلى إصدار بلاغ رسمي وصف المستجدات الأمنية في العاصمة الليبية بـ«الخطيرة». وكشف البلاغ التونسي عن تخوّفات من مضاعفات التصعيد الأمني والسياسي في ليبيا على تونس والمنطقة، وأيضاً على عشرات آلاف العمال والتجار التونسيين وأكثر من مليون من المهاجرين الأفارقة المقيمين في ليبيا. ومن جانبه، عرض الرئيس التونسي قيس سعيّد، في كلمة ألقاها نيابة عنه النفطي في القمة العربية ببغداد، أن تستضيف تونس مجدّداً حواراً ليبياً - ليبياً بإشراف بعثة الأمم المتحدة لاحتواء الأزمة الجديدة، مع توقع توسع رقعة تأثيرها، وتسببها بإرباك أكبر للأوضاع في تونس والمنطقة... اقتصادياً وأمنياً وسياسياً.

بالتوازي مع التخوّف التونسي من التداعيات المقلقة للوضع في ليبيا، تتعاقب مؤشرات على «تعقيدات جديدة» في علاقات الجزائر مع الدول المجاورة. إذ صرح أحمد عطّاف، وزير خارجية الجزائر، عند زيارته تونس، بأن «الأوضاع في البلدان المحيطة بتونس والجزائر إقليمياً ودولياً لا تبشر بالخير»، وهذا في إشارة إلى تضخم أعداد المهاجرين من أفارقة جنوب الصحراء المتسللين إلى الجزائر وتونس، والتوترات الأمنية في علاقات الجزائر بعدد من الدول المجاورة لها وبقيادات مسلحة في ليبيا، بعضها مرتبط بروسيا من جهة، وبعضها الآخر بفرنسا وحلفائها الإقليميين.

تداعيات محتملة

من جهة ثانية، توقّعت تقارير اقتصادية وأمنية إقليمية وتونسية جديدة أن يؤثّر التصعيد الجديد داخل ليبيا، وأيضاً أزمات الجزائر مع جيرانها، سلباً على اقتصاد تونس الذي يعتمد منذ عقود على مداخيل تأتي من إنفاق بين 4 و 6 ملايين سائح ليبي وجزائري، يزيد سنوياً بأضعاف على إنفاق الـ6 ملايين سائح أوروبي.

وفي هذا السياق، رحّب خبراء تونسيون وليبيون، بينهم الخبير في الشؤون الاقتصادية الأفريقية عبد الرحمن الجامعي، بـ«الخطوة العملية الأولى» التي اتخذتها تونس بعد اندلاع الأحداث الدامية في طرابلس والمنطقة الغربية لليبيا، وهي إعادة فتح قنصليتها العامة في بنغازي والمنطقة الشرقية، التي أغلقتها عام 2014 بعدما هاجمها مسلحون مجهولون.

لاجئون أفارقة على شواطئ تونس يسعون للهجرة إلى اوروبا (آ ب)

انفتاح تونس على شرق ليبيا

وفسّر غازي معلّى، الخبير التونسي في الشؤون الليبية، هذه الخطوة بوجود «إرادة في تونس لتطوير علاقاتها مع المنطقة الشرقية في ليبيا» بعد أكثر من 10سنوات من تعاونها أساساً مع «حكومة الوحدة الوطنية» في طرابلس المعترف بها دولياً، في تناسق مع موقف الجزائر التي دخلت مراراً في خلافات سياسية وأمنية مع قوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة خليفة حفتر.

أيضاً، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، قال الدبلوماسي عبد الله العبيدي إن «إعادة فتح القنصلية التونسية في بنغازي في هذه الظروف رسالة تطمين لكل الأطراف الليبية، التي دعتها تونس لتنظيم حوار سياسي في تونس على غرار الحوارات السابقة التي أسفرت عن تشكيل حكومتي فايز السرّاج عام 2016 ثم عبد الحميد الدبيبة عام 2021».

ورحب وزير خارجية ليبيا السابق في حكومة الشرق الليبي محمد الدايري في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بإعادة فتح تونس قنصليتها في المنطقة الشرقية «التي تربطها بتونس رحلات جوية دورية مكثفة، تمتد لساعة واحدة، ومصالح تجارية واقتصادية عديدة».

مخاوف... بالجملة

في المقابل، حذّر عدد من الخبراء والمراقبين في البلدين من السيناريوهات السلبية بالنسبة لتونس بعد اندلاع الأزمة الأمنية والسياسية الجديدة في المنطقة الغربية لليبيا، التي تتشارك مع جنوب شرقي تونس بحدود طولها 460 كلم، ومع الجزائر بحدود طولها 980 كلم، بينما يبلغ طول الحدود البرية التونسية الجزائرية نحو 965 كلم.

هذا الشق الجغرافي ضاعف مخاوف عدد من الساسة التونسيين، بينهم فاطمة المسدي، البرلمانية القريبة من السلطات، التي حذّرت مراراً من «زحف عشرات آلاف المهاجرين غير النظاميين من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء إلى تونس عبر ليبيا والجزائر». كذلك طالب عدد من الساسة والإعلاميين بإغلاق الحدود مؤقتاً مع ليبيا تحسباً لزحف الآلاف إلى الجنوب التونسي هرباً من الاقتتال في ليبيا، بمن فيهم أعداد من المهاجرين الأفارقة الفارين من حروب السودان وتشاد ومالي وكوت ديفوار.

وبالمناسبة، أفاد تقرير «المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية»، وهو منظمة غير حكومية، بأن أكثر من نصف المهاجرين واللاجئين من دول أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون داخل تونس في «ظروف صعبة»، لا سيما في محافظة صفاقس الساحلية التي هي النقطة الأقرب للسواحل الإيطالية والأوروبية. وأكد التقرير أن «أكثر من 60 في المائة من المهاجرين وصلوا إلى تونس بطريقة غير نظامية عن طريق الحدود البرية مع الجزائر، وأكثر من 23 في المائة دخلوا برّاً عن طريق ليبيا».

هذا، وبعد شهر واحد من إعلان الناطق باسم الأمن التونسي، العميد عماد مماشة، عن بدء «رحلات إجلاء جوية طوعية» لمجموعات من المهاجرين الأفارقة من بلدان جنوب الصحراء نحو مواطنهم، أعرب برلمانيون تونسيون عن تخوفهم من أن يتسبب اندلاع الأزمة الحالية في ليبيا في مزيد تعقيد ملف الهجرة غير النظامية بأبعاده الأمنية والاجتماعية والاقتصادية.

«قنبلة موقوتة»

وسجّل هؤلاء أن هذا الملف غدا «قنبلة موقوتة» على الرغم من الوعود التي قدّمتها الحكومة الإيطالية وعواصم غربية لتونس، ومنها «تقديم دعم مالي واقتصادي» يفوق الملياري دولار أميركي سنوياً مقابل مشاركتها في منع عشرات الآلاف من التسلل إلى أوروبا بحراً عبر السواحل والمياه الإقليمية التونسية. وهنا عدّ الحقوقي رمضان بن عمر أن تضخم أعداد المهاجرين الأفارقة من بلدان جنوب الصحراء في تونس، بسبب الاضطرابات الأمنية في دول الإقليم، «قد يزيد في إرباك السلطات التونسية، وجرّها إلى أزمة هي في غنى عنها بدلاً من تركيز جهودها على معالجة الأزمة الاقتصادية الداخلية».

جدير بالذكر، أن تونس وقعت عام 2023 اتفاقاً مع مفوضية الاتحاد الأوروبي نصّ على منحها مساعدات مالية بقيمة 112 مليون دولار، وتعهدات بتشجيع استثمارات أوروبية ومشاريع تعاون في تونس قيمتها تفوق ألفي مليار دولار، مقابل منع السلطات الأمنية والعسكرية البرية والبحرية التونسية وصول المهاجرين غير النظاميين إلى السواحل الأوروبية. إلا أن الجانب الأوروبي لم ينفذ بعد معظم بنود هذا الاتفاق على الرغم من تكرار زيارات كبار المسؤولين الأوربيين إلى تونس. ومن ثمّ، توشك الأوضاع أن تزداد تعقيداً، في شكل فرار عشرات آلاف الليبيين والمهاجرين الأفارقة من بلدان جنوب الصحراء نحو تونس هرباً من الأزمة الجديدة في ليبيا وأزمات الجزائر مع «محيطها الإقليمي والدولي»، وفق تعبير وزير الخارجية الجزائري عطّاف، في تونس.

وزير الخارجية الجزائري أحمد عطّاف (وكالة أنباء الأناضول)

على صفيح ساخن!

في الاتجاه نفسه، أعرب بعض الخبراء في العلاقات التونسية الليبية والتونسية المغاربية، بينهم الجامعي والإعلامي، رافع الطبيب، عن أن «المنطقة كلها باتت مهدّدة بأخطار أمنية واقتصادية... والأزمات الأمنية السياسية في ليبيا وضعت تونس وكامل المنطقة على صفيح ساخن». وحذّر، من ثم، من استفحال ظواهر تهريب البشر والسلع والمخدرات والأسلحة في المنطقة «بسبب تحكم ميليشيات مسلحة» في المشهد السياسي الليبي وفي المعابر الليبية البرية والجوية منذ 2011.

هذه التصريحات تزكّي مخاوف الوزير عطّاف عندما قال: «الأوضاع المحيطة بتونس والجزائر إقليمياً ودولياً لا تبشّر بالخير»، وربطها بتوتر العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر ومالي وبوركينا فاسو والنيجر. وكانت هذه التحدّيات الأمنية والسياسية التي تواجهها المنطقة بشكل عام، والعلاقات بين تونس والجزائر بشكل خاص، وراء تنظيم نحو عشرين مقابلة بين وزيري خارجية تونس والجزائر خلال الأشهر القليلة الماضية، فضلاً عن تبادل الرسائل والمبعوثين بين وزيري داخلية البلدين والرئيسين قيس سعيّد وعبد المجيد تبّون.

وفي أعقاب هذه التحركات أعلنت العاصمتان أكثر من مرة أنهما مع «حوار ليبي - ليبي لتسوية الأزمة دون تدخل أجنبي». وأكدتا أن «الجزائر وتونس في خندق واحد»، وأن التنسيق بينهما مستمر ولم ينقطع يوماً في مواجهة «الأزمات الأمنية في جوارهما الإقليمي».

وزير خارجية الجزائر: الأوضاع في البلدان المحيطة بتونس والجزائر

لا تبشر بالخير

السياحة والأمن الاقتصادي

ولكن، على الرغم من التصريحات «المتفائلة»، تعدّدت المؤشرات على مواجهة كل من تونس وليبيا والجزائر ومحيطها الإقليمي صعوبات اقتصادية واجتماعية وسياسية إضافية. ولئن برّر الرئيس التونسي سعيّد والبلاغات الصادرة بعد اجتماعات قادة مجلس الأمن القومي «القرارات الاستثنائية» التي اتخذها منذ 25 يوليو (تموز) 2021 - بينها حلّ البرلمان والحكومة والمجلس الأعلى للقضاء - بـ«الخطر الداهم» الذي يواجه البلاد، فإن عدداً من المراقبين يربطون الأمر بالصراعات المعقدة داخل ليبيا من جهة، وبالاضطرابات داخل بلدان الساحل والصحراء الأفريقية والبلدان المغاربية، من جهة ثانية.

وبالفعل، تسبّبت الصراعات والاضطرابات بمضاعفة الإنفاق العسكري والأمني بالنسبة لتونس وبلدان الجوار. وحرمت تونس من ملايين السياح الجزائريين والليبيين الذين كانوا طوال العقود الثلاثة يتدفقون عليها سنوياً، ويساهمون في إدخال ديناميكية كبيرة على اقتصادها، وتحسين ظروف عيش ملايين الفقراء والمهمشين من سكان المحافظات الجنوبية والغربية المتاخمة لحدود ليبيا والجزائر.

أيضاً، يدعم هؤلاء السياح بصورة مباشرة وغير مباشرة جهود تخفيف العجز التجاري للدولة التونسية عبر مساهمتهم في تسويق كم هائل من المنتوجات التونسية في ليبيا والجزائر، وتوريد المحروقات ومواد مصنعة وأخرى استهلاكية مدعومة للسوق التونسية بأسعار منخفضة، مع مقايضة بعضها بسلع وطنية أو بيعها بالعملات المحلية. إلا أن هذه المبادلات في الاتجاهين ستكون في خطر وستتعثر حركة المسافرين والسلع ورؤوس الأموال إذا طالت مرحلة التوتر في ليبيا وتفاقمت أزمات الجزائر مع جيرانها.

وللتذكير، سبق للرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون القول في لقاء مع إعلاميين جزائريين إن حكومته تعدّ «أمن تونس من أمن الجزائر» وبمثابة «القضية الأمنية الداخلية للجزائر».

ولقد بيّنت تقارير السلطات ومؤسسات النفط والكهرباء التونسية والجزائرية والغاز أن الشراكة بين البلدين نجحت خلال الأشهر والسنوات الماضية في تأمين حاجيات الشعبين، مع «تسهيلات في الدفع».

وأعلن الجانبان أن سلطات الجزائر تدخّلت مطلع العام الحالي لحل أزمة الغاز المنزلي التي عانت منها تونس، وسط ارتفاع الطلب المحلي نتيجة تدني درجات الحرارة وقتها. وقامت بخطوة مماثلة إبّان الصيف الماضي عندما تزايد الطلب على الكهرباء في جنوب غربي تونس بسبب ارتفاع استخدام التكييف واستهلاك الطاقة.

وإضافة إلى ما سبق، منحت الجزائر ما بين عامي 2020 و 2022 قروضاً بشروط ميسّرة قيمتها 350 مليون دولار ومنحة قيمتها مائة مليون دولار ووديعة مالية بـ150 مليون دولار. لكن يبدو أن من بين نتائج اندلاع حروب ونزاعات إقليمية ودولية جديدة وارتفاع حدة التوتر بين الجزائر والرباط، تراجُع قيمة معاملاتها الاقتصادية والمالية مع تونس.

 

محطات في العلاقات التونسية ــ الليبية والتونسية ــ الجزائرية

مرّت العلاقات بين تونس وكل من ليبيا والجزائر بمراحل وجزر كثيرة، من بينها: - مطلع 1958: قصفت طائرات الاحتلال الفرنسية مناطق عند الحدود التونسية الجزائرية كانت تؤوي قيادة الثورة الجزائرية ومقاتليها بزعامة هواري بومدين. وكانت حصيلة قصف مدينة ساقية سيدي يوسف الحدودية مئات القتلى والجرحى، بينهم تلاميذ المدارس ونساء وعجائز في السوق الشعبية، إلى جانب وطنيين جزائريين. - في 12 يناير (كانون الثاني) 1974: وقع الرئيسان الحبيب بورقيبة ومعمر القذافي «اتفاقية وحدة» بين البلدين وتأسيس «الجمهورية العربية الإسلامية» بينهما، وطالبا الجزائر والمغرب بالانضمام إليها، غير أن المشروع أُجهِض في ظرف أيام بعد اعتراض غربي وإقليمي. - في 1978: ساند النظام الليبي انتفاضة النقابات التونسية يوم «الخميس الأسود» ضد حكم الحبيب بورقيبة ورئيس حكومته - حينذاك - الهادي نويرة. - في يناير 1980: هاجم كوماندوز تونسي مسلح، تدرّب في ليبيا والجزائر، جنوب تونس ودعا إلى التمرّد المسلح على نظام بورقيبة، إلا أنه فشل، خاصة بعد الدعم الذي لقيته تونس من الرباط وباريس وحلفائها الغربيين. - بين 1985 و1987 اندلعت أزمات أمنية وسياسية واقتصادية بين تونس وليبيا ساهمت في هزّ الوضع في تونس وتسهيل انهيار حكم بورقيبة ووصول زين العابدين بن علي إلى السلطة. - بين 1988 و2010: أسست السلطات التونسية علاقات متطوّرة مع النظامين الليبي والجزائري ساهمت في حفظ الأمن وتحسين الشراكات الاقتصادية. - بين 1991 و2000: دعمت تونس السياسات الأمنية للسلطات الجزائرية و«حربها على الإرهاب طوال العشرية السوداء». وفتحت تونس أبوابها لملايين المسافرين الجزائريين. - عام 2010 شهد توتر علاقات سلطات تونس بالنظام الليبي، ما ساهم في تعميق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية وسقوط حكم بن علي. - منذ 2014 انحازت تونس إلى السلطات في طرابلس والمنطقة الغربية في ليبيا بعدّها الجهة الليبية «المعترف بها دولياً».


مقالات ذات صلة

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

حصاد الأسبوع نتنياهو (غيتي)

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت

نظير مجلي (القدس)
حصاد الأسبوع إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام

حصاد الأسبوع السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع أوكازيو - كورتيز (أ.ف.ب/ غيتي)

ديمقراطيو 2028... أسماء كثيرة وبطاقة لم تتبلور بعد

لم تتبلور بعد بطاقة ديمقراطية للرئاسة الأميركية، والأسماء المتداولة لا تزال تحت الاختبار. فنتائج الانتخابات النصفية ستؤثر على مكانة المتنافسين وعلى السؤال الذي

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع مناصرو الرئيس اليساري يحتشدون في ساو باولو كبرى مدن البرازيل وعاصمتها الاقتصادية (أ.ب)

«لولا» ربح معركته الأخيرة ضد اليمين اللاتيني... لكن انتصاره مهدّد

كثيرة هي العبر التي يمكن استخلاصها من الانتخابات الرئاسية البرازيلية التي، خلافاً لمعظم التوقعات، جدّد فيها لويس إيغناسيو دا سيلفا «لولا» ولايته رغم الخسارة

شوقي الريّس (مدريد)

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)
TT

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت والانضمام إليه في الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما الثمن الذي يطلبه لقاء ذلك. وحدّد رسول نتنياهو السؤال أكثر: «هل سترغب في الانضمام للحكومة وتحظى بمنصب وزير أو ستكتفي بالدعم من الخارج مقابل ميزانيات ومطالب مدنية محددة؟». مَن يقرأ هذه الكلمات يستصعب تصديقها؛ لأن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه إسرائيل تغلي كالمرجل بسبب الحملة التي شنها نتنياهو على الأحزاب العربية لتجريدها من شرعيتها، ولتخويف آيزنكوت من التفكير في تشكيل حكومة بمساندتها. لقد كانت وسائل الإعلام غارقة في متابعة «قطر غيت» ثانية؛ إذ أعلن «الشاباك» أنه «يحقق في معلومات عن تدخّل قطر ودول أخرى في الانتخابات الإسرائيلية عبر تمويل بعشرات ملايين الشواقل»، لكن تبين أن القصة غير جادة ولم تؤثر على نتائج الانتخابات. وكانت مشغولة أيضاً في اتهامات حول تزوير الانتخابات لدى العرب، وهذا أيضاً لم يثبت. ولجنة الانتخابات أكدت أنه لا يوجد شك في نزاهة الانتخابات لدى العرب. لكن نتنياهو نجح في إثارة عاصفة مخيفة.

كان واضحاً أن بنيامين نتنياهو ليس مهتماً حقاً بالدعم الخارجي للأحزاب العربية ولا أي أحزاب؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية تحصل على دعم خارجي، وهو نفسه يتباهى بالدعم الخارجي الذي يحصل عليه معنوياً ومالياً من عدة جهات في اليمين الأميركي، ويعرف أن الدعم الذي حصل عليه من الرئيس دونالد ترمب لا يقدّر بثمن. لكن القضية هي أن نتنياهو يقرأ جيداً نتائج الانتخابات ويدرك أنه خسرها.

صحيح أنه حقق نتائج أفضل مما كان متوقعاً؛ فالاستطلاعات كانت تشير إلى أنه سيخسر ربع قوته، لكنه وفق النتائج النهائية وشبه الرسمية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات، خسر خُمس قوته، ولن يكون بمقدوره العودة إلى الحكم بحكومة يمين كامل.

وهذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الجمهور الإسرائيلي يريد بغالبيته تغيير هذه الحكومة؛ إذ منح أكثرية 67 مقعداً من مجموع 120 مقعداً للمعسكر المناوئ بقيادة غادي آيزنكوت.

جبارين (الأناضول)

النتائج التفصيلية

بعد فرز 100 بالمائة من مجمل أصوات انتخابات الكنيست، بما يشمل المغلفات المزدوجة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج شبه الرسمية (النتائج الرسمية تسلّم لرئيس الدولة يوم الأربعاء المقبل)، ويتّضح منها أن معسكر نتنياهو استقر عند 53 مقعداً، في حين استقر معسكر أحزاب المعارضة الصهيونية عند 48 مقعداً، بالإضافة إلى 19 مقعداً للقائمتين العربيتين («المشتركة» بـ11 مقعداً، و«الموحّدة» بـ8 مقاعد).

من جهة ثانية، تبين أن أصوات الجنود والمرضى في المستشفيات أحدثت تغييرات طفيفة داخل المعسكرات؛ فبسببها خسرت «القائمة العربية المشتركة» مقعداً واحداً ربحته «القائمة العربية الموحّدة»، وخسر حزب «شاس» الحريدي الشرقي مقعداً ربحه «الليكود». وبناء عليه، ستتوزّع المقاعد كما يلي: «الليكود» بقيادة نتنياهو 27 مقعداً (1.16 مليون صوت)، و«يشار» بقيادة آيزنكوت 21 مقعداً (910 آلاف صوت)، و«بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 12 مقعداً (529 ألفاً)، و«القائمة المشتركة» بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة 11 مقعداً (499 ألفاً)، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان 8 مقاعد (458 ألفاً)، و«القائمة الموحّدة» بقيادة منصور عباس 8 مقاعد (336 ألفاً)، و«يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان 7 مقاعد (322 ألفاً)، و«يهدوت هتوراه» للحريديم الأشكناز 7 مقاعد (311 ألفاً)، و«عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير 7 مقاعد (325 ألفاً)، و«شاس» بقيادة أرييه درعي 6 مقاعد (298 ألفاً)، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش 6 مقاعد (288 ألف صوت).

بحسب لجنة الانتخابات، بلغت نسبة التصويت 77.7 بالمائة؛ إذ كان عدد المقترعين 5.697.290 مقترعاً (من مجموع 7.3 مليون صاحب حق اقتراع)، وعدد صناديق الاقتراع 12.884 صندوقاً. وقد أُلغي 25 ألفاً و756 صوتاً، وبقي 5.671.534 صوتاً صحيحاً.

وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يتضح أن حزب نتنياهو زاد عدد أصواته من 1.11 مليون صوت عام 2022 إلى 1.16 ألف؛ أي بزيادة 48 ألف صوت جديد. لكن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة بلغ 32 مقعداً (لا تشمل 4 مقاعد جلبها إليه جدعون ساعر عندما انشق عن بيني غانتس)، وهبط في هذه الانتخابات إلى 27 مقعداً. والسبب في هذا الهبوط يعود إلى الارتفاع الكبير في نسبة التصويت. وحصل هذا الارتفاع بسبب التجنيد الكبير للقوى التي قرّرت إسقاط نتنياهو، وفي مقدمتهم العرب، الذين ارتفعت نسبة التصويت لديهم من 53 بالمائة في 2022 إلى 80 بالمائة هذه المرة.

الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق.. ونتنياهو ليس المفضّل لكنه يتمتع بجوانب يتمسكون بها

حصة نتنياهو

عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.

الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).

وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.

معسكر آيزنكوت

في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.

وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.

آيزنكوت (أ.ف.ب)

مفاجأة الانتخابات

في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.

وأيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.

من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).

وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة».

وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي:

أولاً: فشل الاستطلاعات.

ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك.

رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.


رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
TT

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة العبرية، جرت عدة مداولات، كشف عنها النقاب بعد عدة عقود، موضوعها هل بقاء عرب في إسرائيل كان صحيحاً أم خطأ فاحشاً؟ كان هناك من قرر أنه خطأ جسيم. كما وضعت عدة خطط لترحيلهم، من بينها ارتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956.

وعام 1973، كشف الجنرال أهارون يريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، عن مخطط لدى الجيش الإسرائيلي لترحيل 600 – 700 فلسطيني من الضفة الغربية ومن الجليل في أول حرب تواجه إسرائيل.

لكن عام 1993، عندما احتاج إسحاق رابين إلى العرب لحماية حكومته من السقوط، تحالف مع الحزبين العربيين («الجبهة» بقيادة توفيق زياد و«الحزب الديمقراطي العربي» بقيادة عبد الوهاب دراوشة) اللذين تحوّلا إلى جسم مانع في وجه اليمين، ودعماه من خارج الحكومة.

في حينه أيضاً، تعرض رابين إلى هجمة شبيهة بالهجمة التي يواجهها آيزنكوت اليوم لاستناده إلى العرب. وفي تلك الفترة أيضاً، قاد الهجمة العنصرية نتنياهو نفسه. لكن رابين واجه تلك الهجمة بقوة، وقال: «عار ألا يتعامل اليهود مع العرب بمساواة... نحن اليهود عشنا تحت الظلم والتمييز والعنصرية مئات السنين في أوروبا. ولا يجوز لنا أن ننبذ العرب خارج الصفوف، ونتعامل معهم بعنصرية».

حتى نتنياهو، عندما احتاج إلى العرب لتثبيت حكومته عام 2015، تكلم عن العرب بطريقة مختلفة. واعتذر لهم على أنه تكلم يوم الانتخابات ضد تدفقهم إلى الصناديق. وبثّ شريط فيديو يقول فيه ما يلي: «مواطنينا العرب الأعزاء (بعدما قالها بالعبرية، أعادها بالعربية المكسّرة: مواتنونا العرب الأعزاء)، قبل أن يتم انتخابي قلت إن مواطنينا العرب تدفّقوا بجماهيرهم إلى صناديق الاقتراع. رغم أنني كنت أقصد حزباً سياسياً محدداً، فإن بعض المواطنين العرب شعروا أنني مسست بهم، وأفهم ذلك. اعتذرت عن الشكل الذي فهمت فيه أقوالي. أكثر من 20 في المائة من مواطنينا هم عرب. وأنتم وصلتم إلى إنجازات مذهلة. قضاة في المحكمة العليا وأعضاء كنيست. أدباء ذوو سمعة. أطباء وصيادلة ورجال أعمال وأصحاب شركات في الهايتك وعلماء. أنا أعتز بالدور الذي تقومون به لنجاح إسرائيل. وأريد أن يكبر دوركم أكثر. إن احترام الأقليات ليس الأمر الصحيح فقط، الذي يجب أن نقوم به، بل هو أمر حيوي لنا ولتقدمنا». وبعد هذا الموقف، صادقت حكومته على خطة لتطوير البلدات العربية بقيمة 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار).

وعام 2021، عاد نتنياهو إلى تصريحات مشابهة، عندما تفاوض مع منصور عباس على التحالف ودعم حكومته، لكنه تراجع لأن حزب سموتريتش فرض «الفيتو» وهدّد بإسقاط الحكومة. فتوجّه عباس إلى بنيت ولبيد وأقام معهما تحالفاً. ويومها رفض عباس أن يكون جزءاً من الحكومة، لكنه كان جزءاً من الائتلاف البرلماني (في الكنيست). ولم تطل هذه التجربة، إذ تمكن نتنياهو من إسقاط الحكومة بعد 1.5 سنة، لكنها اعتبرت تجربة بالغة الأهمية. ويحاول عباس اليوم تكرارها.

كثيرون من أنصار السلام في إسرائيل يعيدون هذه الأيام نشر الفيديوهات الإيجابية التي تظهر تصريحات رابين ونتنياهو المذكورة أعلاه، لغرض تشجيع آيزنكوت على مواصلة هذا التوجه السليم. وفي هذه الأثناء، أجري استطلاع رأي، الخميس، قال فيه 59 في المائة من ناخبي معسكر آيزنكوت إنهم يؤيدون تشكيل حكومة مع العرب.

بالتالي، القضية اليوم المطروحة بعد نشر نتائج الانتخابات هي؛ هل سيتغلب آيزنكوت على حملة نتنياهو العنصرية، ويثبت أنه قائد قوي وجريء، ويقيم التحالف الذي يضمن له احترام إرادة الناخب وإسقاط حكم نتنياهو.

صحيح أن الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق ويهيمن على كل زاوية ويغرقهم في كراهية جنونية للعرب، وصحيح أيضاً أن الجمهور لم يعد يرى في نتنياهو القائد المفضل، لكن نتنياهو يتمتع بجوانب قوة يتمسكون بها، ولا يجدونها بعد لدى آيزنكوت وغيره من الجنرالات الذين اهتزت بهم ثقة الناس.


السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟
TT

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية ميشيغان. في هذا اللقاء بالمدينة - بضواحي مدينة ديترويت - كانت السيناتورة اليهودية ذات الخلفية الاستخباراتية والمواقف الوسطية، تدعم مرشحاً مسلماً تقدمياً تختلف معه في قضايا خارجية، وتتحفظ عليه شخصيات يهودية بسبب مواقفه من إسرائيل. بالنسبة إليها، كان المشهد فرصة لإثبات إمكانية العمل المشترك رغم الخلاف. وبالنسبة إلى حزبها، كان اختباراً لقدرة مكوّناته على البقاء معاً عشية انتخابات قد تعيد توزيع السلطة في واشنطن. ومع أن سلوتكين لا تخوض انتخابات تجديد مقعدها الثلاثاء المقبل، لكن موقعها السياسي يخضع لاختبار من نوع آخر.

السيناتورة إليسا سلوتكين، التي فازت عام 2024 في ولاية ميشيغان بشمال الولايات المتحدة التي اختارت يومذاك دونالد ترمب للرئاسة، تحاول اليوم المساهمة في إنقاذ الائتلاف الذي حملها إلى واشنطن. وهي بين خبرتها الأمنية، وهويّتها اليهودية، وعلاقتها بناخبين عرب ومسلمين، وطموحها الوطني المحتمل، تتشكّل شخصية استثنائية قد يصبح تأثيرها أكبر من عمر تجربتها القصيرة في مجلس الشيوخ.

جذور ومسارات

ولدت إليسا سلوتكين في مدينة نيويورك يوم 10 يوليو (تموز) 1976، ونشأت في ميشيغان حيث ارتبط تاريخ عائلتها بمزرعة في بلدة هولي وبشركة «هايغريد فودز» لتعليب اللحوم. ومن أشهر منتجات الشركة نقانق «بول بارك» التي ارتبطت بمدرّجات ملعب الـ«تايغر» التابع لنادي ديترويت تايغرز لكرة القاعدة (البيسبول) في مدينة ديترويت.

هذه تفاصيل تستحضرها سلوتكين في موقعها الرسمي عن سيرتها، لربط سيرة العائلة بتاريخ الولاية الصناعي وحياتها اليومية، بعيداً عن الصورة المجرّدة لموظفة أمن قومي سابقة آتية من واشنطن.

درست السيناتورة المستقبلية في جامعتين من أرقى جامعات أميركا، فحازت بكالوريوس في علم الاجتماع الريفي من جامعة كورنيل، ثم ماجستير العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا عام 2003.

وبين الاختصاصين مسافة تبدو حاضرة في خطابها. اهتمام بالمجتمعات المحلية ومصادر عيشها، وانشغال بموقع الولايات المتحدة وأخطار العالم. لكنها لم تدخل السياسة الانتخابية مباشرة بعد تخرّجها من الجامعة، بل أمضت سنوات في مؤسسات اعتاد أن يعمل موظفوها بعيداً عن الجمهور.

بحسب روايتها، وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خلال أسبوعها الأول في نيويورك لبدء الدراسات العليا، فدفعتها إلى اختيار العمل الأمني. وبالفعل، التحقت بوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) محللة لشؤون الشرق الأوسط، ثم أرسلت إلى بغداد في أولى 3 مهمات بالعراق.

لم تكن يومذاك عسكرية، بل عملت إلى جانب القوات والدبلوماسيين الأميركيين، في بيئة تداخلت فيها المعلومات الاستخباراتية بالمواجهات المسلحة وصراعات النفوذ.

ومن العراق، انتقلت إلى وظائف في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية و«البنتاغون» (وزارة الحرب)، وخدمت في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ووصلت إلى منصب مساعد وزير الدفاع بالإنابة لشؤون الأمن الدولي.

هذه الخبرة منحت سلوتكين مادة سياسية مميّزة، وبالفعل قدّمت نفسها كموظفة خدمت الدولة تحت رئيسين من حزبين مختلفين، قبل أن تغدو ممثّلة منتخبة لأحدهما. لكنها أيضاً ارتبطت بمؤسّسة أمنية تواجه أسئلة متراكمة عن نتائج الحروب الأميركية وحدودها.

الأم والسياسةإذا كان العراق قد صاغ خبرة إليسا سلوتكين المهنية، فإن مرض والدتها شكّل العامل الشخصي الذي دفعها لدخول السياسة، بحسب روايتها. إذ شُخصت إصابة والدتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة عام 2009، عندما كانت بلا تأمين صحي، وبعدما جعل تاريخ الإصابة بسرطان الثدي تكلفة التغطية المالية للعلاج مرهقة. وهنا تروي سلوتكين أن الأسرة كانت تبحث عن علاج ينقذ حياة الأم، وتملأ في الوقت نفسه أوراق إشهار إفلاسها.

توفيت والدتها عام 2011، لكن التجربة بقيت أساساً لموقفها من حماية المصابين بأمراض مُزمنة وخفض أسعار الأدوية. وحين حاول الجمهوريون إلغاء الحماية التي أتاحها «قانون الرعاية الصحية»، قرّرت خوض الانتخابات عن الديمقراطيين. وهكذا وجدت مسؤولة الأمن السابقة مدخلها إلى الناخبين في مسألة شخصية يمكن لملايين العائلات فهمها.

عضو مجلس النواب

عام 2018، انتخبت سلوتكين نائبة في مجلس النواب عن ميشيغان بعدما انتزعت مقعداً للجمهوريين، وكرّرت الفوز في عامي 2020 و2022. ثم انتقلت إلى المنافسة على مقعد السيناتورة الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابيناو عام 2024.

يومذاك، لم يكن انتصارها كاسحاً، إذ حصلت على نحو 2.713 مليون صوت متقدّمة بـ19 ألف صوت فقط على الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس اليوم عبدول السيد. بيد أن لهذا الهامش معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. فهو يمنحها حجة بأنها تستطيع الفوز في بيئة لا تضمن نجاح الديمقراطيين، لكنه يذكّرها بأن أي خسارة محدودة بين المستقلين أو العمال أو الأقليات قد تقلب النتيجة. في تلك المعركة، ركّزت سلوتكين حملتها على تكاليف المعيشة والأدوية والتعليم، ودافعت عن حقوق الإجهاض، وحصلت على تأييد نقابة عمال السيارات، أي أن خبرتها الخارجية لم تغنها عن بناء صدقية في الشؤون المعيشية. ومن هذه التجربة تستمد اليوم اعتراضها على اختزال السياسة بالتصنيفات الآيديولوجية. فهي ترى أن الناخب الذي يقلقه التأمين الصحي أو استقرار عمله لا يبدأ بالضرورة من السؤال عما إذا كان المرشح وسطياً أو تقدمياً، بل ممّا يستطيع تقديمه.

ائتلاف يهودي - مسلم... تحت الضغط

تجسّد ولاية ميشيغان راهناً الصعوبة التي تواجه هذا المنطق حين تتداخل السياسة الخارجية بالهوية والتجارب العائلية. فالحضور العربي والمسلم واليهودي يضع الحرب في غزة والعلاقة مع إسرائيل في قلب النقاش المحلي، إلى جانب الوظائف والأسعار والسكن. ومن ثم، لا تستطيع سلوتكين التعامل مع هذه القضايا وكأنها ملفات بعيدة تخصّ لجان الكونغرس وحدها.

لكنها بالمقابل ترفض تصوير الجماعات الانتخابية ككتل متجانسة. وفي ظهورها مع السيد، شدّدت على اختلاف أولويات الناخبين اليهود، كما تختلف أولويات المسلمين والسود. ونقل موقع «جويش إنسايدر» عنها رغبتها في تقديم نموذج لامرأة يهودية ورجل مسلم يستطيعان النقاش والعمل معاً. وجاء موقفها هذا بينما تنتقد شخصيات يهودية ديمقراطية السيد، وبعضها يلوّح بحجب التأييد عنه أو دعم منافسه الجمهوري.

لا يعني هذا أن سلوتكين تبنّت برنامجه. ووفق صحيفة «شيكاغو ماروون» أوضحت في نقاش بجامعة شيكاغو هذا الشهر، أنها لم تؤيده في الانتخابات التمهيدية، وأن خلافاتهما مستمرة وبخاصة في السياسة الخارجية. لكنها ترى أرضية مشتركة في حماية الديمقراطية والأمن الاقتصادي، بحسب قولها. ومن هنا تحاول صياغة انقسام بديل داخل الحزب، بين الاستعداد للمواجهة والانسحاب منها، بدلاً من الفصل التقليدي بين المعتدلين والتقدميين.

مع ذلك، يرى البعض أن هذا الاختيار ينطوي على أخطار. فتأييد مرشح مختلف عنها قد يساعد على توحيد الحزب، لكنه قد يضعف صورتها لدى بعض من اختاروها بسبب اعتدالها. وفي المقابل، فإن الابتعاد عنه كان سيجعل خطاب الوحدة أقل اقناعاً لدى التقدميين والناخبين الذين يريدون تغييراً في سياسة إسرائيل. والاختبار هنا ليس لقدرتها على إرضاء الجميع، بل على إقناع المختلفين بأن التعاون لا يستلزم تنازلهم عن جميع مواقفهم. ومن ثمّ، إذا أرادت قيادة وطنية، فهذه مهارة تحتاج إليها في حزب يصعب على أي جناح فيه الفوز منفرداً.

إسرائيل بلا تفويض

تظهر محاولة سلوتكين الموازنة في مواقفها بوضوح في تصويتها يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، لمنع نقل قنابل هجومية تزن ألف رطل وجرّافات عسكرية إلى إسرائيل، مع تأكيد استمرار دعمها أنظمة الدفاع، بينها «القبة الحديدية». وقالت إنها ستراجع الأسلحة الهجومية المموّلة أميركياً، كل حالة على حدة.

بذا وضعت السيناتورة فصلاً عملياً بين حماية إسرائيل وتأييد كل ما تطلبه حكومتها. وفي تفسيرها موقفها، أكدت تمسكها بـ«إسرائيل يهودية ديمقراطية»، لكنها رفضت مساواة تأييدها بالموافقة على أجندة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وربطت موقفها بحق الأميركي في دعمها وانتقاد قيادتها. وأيضاً، استحضرت خبرتها في العراق لتشدّد على معارضتها النظام الإيراني وحلفائه، بالتزامن مع رفض حرب ترى أن «ترمب بدأها بلا تهديد وشيك مثبت أو أهداف واضحة» أو موافقة الكونغرس.

تتيح هذه الصيغة تصوّر أن تلعب سلوتكين دوراً في محاولة إعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين وإسرائيل. لكن لا توجد أدلة تتيح تقديمها بوصفها صاحبة خطة معلنة للعمل مع جماعات الضغط المحسوبة على اللوبي اليهودي لاستعادة الدعم غير المشروط لإسرائيل. فموقفها الموثّق أقرب إلى «إعادة تعريف التأييد» بحيث يتّسع للقيود والمحاسبة. هذا قد يجعلها محاورة مفيدة لبعض المنظمات والناخبين المؤيدين لإسرائيل، وموضع خلاف مع آخرين. في المقابل، هويّتها اليهودية لا تضمن قبول حجتها، مثلما لا يضمن تصويتها ضد أسلحة هجومية استعادة ثقة العرب والمسلمين. فعليها إقناع الطرفين بأن معاييرها ثابتة، وليست استجابة متغيرة لضغط الانتخابات.

وهنا تضيف الانتخابات الإسرائيلية بعداً جدياً لهذا الاختبار. فالمعطيات حتى الآن لا توضح الطرف الذي يملك غالبية محسومة، ويظل احتمال استمرار بنيامين نتنياهو مطروحاً ضمن مفاوضات الائتلاف. وإذا بقي، فقد يزداد الضغط على سلوتكين لإثبات أن الفصل بين إسرائيل وحكومتها يترجم إلى قرارات، لا لغة مريحة سياسياً فقط.

للعلم، بدأ انتقال سلوتكين إلى الجمهور الوطني مبكراً بعد دخولها مجلس الشيوخ، إذ اختارها الديمقراطيون في مارس (آذار) 2025 للرد على خطاب ترمب أمام الكونغرس. وأدلت بخطاب يستدعي قيماً مشتركة ويتوجّه إلى «الوسط» السياسي، بدليل أنها استعانت بإرث الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان لانتقاد مقاربة ترمب للعلاقات الدولية.

لكن نبرتها الأكثر مواجهة اليوم لا تعني تخلّيها عن الأولويات الاقتصادية. فقد طرحت خلال مشاركتها في مناقشات شيكاغو تسريع بناء المساكن والتأمين الصحي العام، منتقدة تقصير الديمقراطيين في مخاطبة مخاوف الأسر خلال انتخابات 2024. وهي بذا تحاول توسيع صورتها من «خبيرة أمن قومي» إلى «سياسية» ترى أن هشاشة الطبقة الوسطى تمسّ استقرار البلاد نفسه. وفي مسألة الإدارة، تدعو سلوتكين إلى تحقيقات محدّدة تستطيع كشف المسؤوليات مع تشريعات تمنع تكرار التجاوزات. وتتحفّظ عن التعويل على تكرار محاولات عزل الرئيس الشكلية من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ. وهنا يظهر منطق عملها: «مواجهة أشد لكن بأهداف قابلة للتحقق لا مجرد رفع سقف الوعود».

من ناحية أخرى، أقرت سلوتكين بأنها تفكر في الترشح للرئاسة، من دون إعلان قرار، كما زارت ولاية نيفادا أخيراً وسط تكهنات بطموحها لعام 2028 بحسب موقع «أكسيوس».

ومع ذلك، فالفوز في ميشيغان لا يضمن اجتياز انتخابات تمهيدية وطنية، حيث تحتاج إلى شبكة تنظيمية وتمويل وتعريف أوسع بنفسها، وتواجه منافسين أقوى وأكثر شهرة.

وعشية الانتخابات النصفية، تبدو إليسا سلوتكين أمام اختبار يسبق إعلان أي طموح رئاسي: هل تستطيع مساعدة حزبها على الفوز من دون إخفاء خلافاته وأزماته، ومخاطبة ناخبين لا يثق بعضهم ببعض؟