محادثات التجارة الأميركية - الصينية «متعثرة» وتتطلب تدخلاً من ترمب وشي

بكين مستعدة لتعزيز الحوار بشأن «المعادن النادرة»... وتتأهب للتخلي عن «إنفيديا»

شاحنات تمر بين آلاف الحاويات المعدة للتصدير في ميناء نينغبو شرق الصين (أ.ف.ب)
شاحنات تمر بين آلاف الحاويات المعدة للتصدير في ميناء نينغبو شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

محادثات التجارة الأميركية - الصينية «متعثرة» وتتطلب تدخلاً من ترمب وشي

شاحنات تمر بين آلاف الحاويات المعدة للتصدير في ميناء نينغبو شرق الصين (أ.ف.ب)
شاحنات تمر بين آلاف الحاويات المعدة للتصدير في ميناء نينغبو شرق الصين (أ.ف.ب)

صرّح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يوم الخميس بأن محادثات التجارة بين الولايات المتحدة والصين «متعثرة بعض الشيء»، وأن التوصل إلى اتفاق سيتطلب على الأرجح مشاركة مباشرة من الرئيس دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ.

وبعد أسبوعين من المفاوضات الاختراقية التي قادها بيسنت، والتي أسفرت عن هدنة مؤقتة في الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم، صرّح بيسنت لشبكة «فوكس نيوز» بأن التقدم منذ ذلك الحين كان بطيئاً، لكنه قال إنه يتوقع المزيد من المحادثات في الأسابيع القليلة المقبلة.

وقال بيسنت: «أعتقد أننا قد نجري في وقت ما مكالمة هاتفية بين الرئيس ترمب والرئيس شي»، وتابع: «بالنظر إلى حجم المحادثات وتعقيدها... سيتطلب هذا من الزعيمين مناقشة الأمر مع بعضهما البعض». تربطهما علاقة جيدة، وأنا واثق من أن الصينيين سيجلسون إلى طاولة المفاوضات عندما يُعلن الرئيس ترمب عن تفضيلاته.

وأدى الاتفاق الأميركي الصيني لخفض الرسوم الجمركية الثلاثية الأرقام لمدة 90 يوماً إلى ارتفاع كبير في أسواق الأسهم العالمية. لكنه لم يُعالج الأسباب الكامنة وراء فرض ترمب رسوماً جمركية على السلع الصينية، والتي تتمثل في شكاوى أميركية قديمة من النموذج الاقتصادي الصيني الذي تُهيمن عليه الدولة ويعتمد على التصدير، تاركاً هذه القضايا لمحادثات مستقبلية.

ومنذ اتفاق منتصف مايو (أيار)، ركزت إدارة ترمب على مفاوضات الرسوم الجمركية مع شركاء تجاريين رئيسيين آخرين، بما في ذلك الهند واليابان والاتحاد الأوروبي. وهدد ترمب الأسبوع الماضي بفرض رسوم جمركية بنسبة 50 في المائة على سلع الاتحاد الأوروبي، لكنه أرجأ هذا التهديد.

وقضت محكمة تجارية أميركية يوم الأربعاء بأن ترمب تجاوز سلطته بفرض الجزء الأكبر من رسومه الجمركية على الواردات من الصين ودول أخرى بموجب قانون صلاحيات الطوارئ. ولكن بعد أقل من 24 ساعة، أعادت محكمة استئناف فيدرالية فرض الرسوم الجمركية، قائلة إنها ستُعلق قرار محكمة التجارة مؤقتاً للنظر في استئناف الحكومة. وأمرت محكمة الاستئناف المدعين بالرد بحلول 5 يونيو (حزيران) المقبل، والإدارة بالرد بحلول 9 يونيو. وصرح بيسنت سابقاً بأن بعض الشركاء التجاريين، ومنهم اليابان، يتفاوضون بحسن نية، وأنه لم يلاحظ أي تغيير في مواقفهم نتيجة لقرار المحكمة التجارية. وقال بيسنت إنه سيلتقي بوفد ياباني يوم الجمعة في واشنطن.

وفي سياق مستقل، قالت الصين إنها لا تزال ملتزمة بالحفاظ على استقرار سلاسل التصنيع والإمداد العالمية، وإنها مستعدة لتعزيز الحوار والتعاون بشأن ضوابطها على تصدير المعادن الأرضية النادرة. وعند سؤال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان عن تدابير الرقابة على تلك الصادرات، قال إن القيود التي تفرضها بكين تتوافق مع الممارسات الدولية الشائعة.

وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» ذكرت في وقت سابق من هذا الأسبوع أن الولايات المتحدة علقت بعض مبيعات التكنولوجيا المهمة إلى الصين، ردا على القيود التي فرضتها الصين في الآونة الأخيرة على صادرات معادن مهمة إلى الولايات المتحدة.

وفي غضون ذلك، ذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» يوم الخميس أن كبرى شركات التكنولوجيا في الصين بدأت عملية للتحول إلى الرقائق المصنعة محليا في ظل تناقص المخزون من معالجات «إنفيديا» وتشديد قيود التصدير الأميركية.

ونقل التقرير عن مسؤولين تنفيذيين في القطاع أن شركات «علي بابا» و«تنسنت» و«بايدو» من بين الشركات التي بدأت اختبار أشباه موصلات بديلة لتلبية تنامي الطلب المحلي على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

ومن جهة أخرى، أفادت رسالة داخلية اطلعت عليها «رويترز» بأن شركة «سينوبسيس»، المتخصصة في برمجيات تصميم أشباه الموصلات، طلبت من موظفيها في الصين وقف خدماتها ومبيعاتها في البلاد والتوقف عن تلقي طلبات جديدة امتثالاً لقيود التصدير الأميركية الجديدة.

وأفادت «رويترز» يوم الأربعاء، نقلاً عن مصادر مطلعة، بأن الولايات المتحدة أمرت مجموعة واسعة من الشركات بالتوقف عن شحن البضائع إلى الصين دون ترخيص، وألغت التراخيص الممنوحة بالفعل لبعض الموردين. وأضافت أن المنتجات المتأثرة تشمل برمجيات التصميم والمواد الكيميائية لأشباه الموصلات.

وعلّقت «سينوبسيس» يوم الخميس توقعاتها السنوية والربع سنوية بعد أن تلقت خطاباً من مكتب الصناعة والأمن التابع لوزارة التجارة الأميركية، يُبلغها بقيود التصدير الجديدة المتعلقة بالصين. وجاء في الرسالة الداخلية المرسلة إلى الموظفين في الصين يوم الجمعة: «بناءً على تفسيرنا الأولي، تحظر هذه القيود الجديدة على نطاق واسع مبيعات منتجاتنا وخدماتنا في الصين، وهي سارية المفعول اعتباراً من 29 مايو 2025».

ولضمان الامتثال، أعلنت شركة «سينوبسيس» أنها ستمنع المبيعات وتنفيذ الطلبات في الصين، وتوقف الطلبات الجديدة حتى تتلقى توضيحات إضافية. وأضافت الرسالة أن هذه الإجراءات تؤثر على جميع العملاء في الصين، بمن فيهم موظفو العملاء العالميون العاملون في مواقع في الصين، والمستخدمون العسكريون الصينيون أينما كانوا.

وإلى جانب شركتي «كادينس» و«سيمنس إي دي إيه»، تُعد «سينوبسيس» من بين أكبر ثلاث شركات تُهيمن على برمجيات أتمتة التصميم الإلكتروني (EDA) التي يمكن لصانعي الرقائق استخدامها لتصميم أشباه الموصلات المستخدمة في كل شيء، من الهواتف الذكية إلى أجهزة الكمبيوتر والسيارات. ويشكل تقييد وصول الشركات الصينية إلى تلك الأدوات ضربة موجعة للقطاع، حيث يعتمد عملاء تصميم الرقائق الصينيون بشكل كبير على أفضل البرمجيات الأميركية.

ولا يتوقف الأمر عند حدود التكنولوجيا، إذ تواجه مشتريات الصين من الإيثان الأميركي، وهو مادة خام رئيسية في صناعة البتروكيماويات، حالة من عدم اليقين بعد أن طلبت وزارة التجارة من المصدرين الحصول على تراخيص للتصدير إلى الصين، وفقاً لمصادر تجارية وبيانات شحن.

وأفادت «رويترز» يوم الأربعاء بأن واشنطن أمرت مجموعة واسعة من الشركات بوقف شحن البضائع، بما في ذلك الإيثان والبيوتان، إلى الصين دون ترخيص، وألغت تراخيص مُنحت بالفعل لبعض الموردين. وتُعدّ هذه الخطوة أحدثَ خللٍ في مشتريات الصين من الإيثان الأميركي، والتي بلغت رقماً قياسياً بلغ 492 ألف برميل يومياً في عام 2024، أي ما يُقارب نصف الصادرات الأميركية، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية.

وأظهرت بيانات «كبلر» أن ناقلتي غاز كبيرتين على الأقل كانتا تنتظران في المواني الأميركية لتحميل الإيثان هذا الأسبوع، بينما تتجه 15 ناقلة أخرى إلى ساحل الخليج الأميركي، أو تنتظر انطلاقاً منه، لتحميل حوالي 284 ألف برميل يومياً من الإيثان في يونيو.

وقال متعاملون إن التأثير على الشركات الصينية قد يكون محدوداً على المدى القريب، نظراً لامتلاكها مخزونات كافية.


مقالات ذات صلة

دولار هونغ كونغ يقترب من حدّه الأدنى... والسلطات تستعد للتدخل

الاقتصاد مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)

دولار هونغ كونغ يقترب من حدّه الأدنى... والسلطات تستعد للتدخل

اقترب دولار هونغ كونغ، الثلاثاء، من الحد الأضعف لنطاق تداوله مقابل الدولار الأميركي، مما يزيد احتمالات تدخل سلطة النقد في المدينة لدعم العملة المحلية.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)
الاقتصاد متداولان يتابعان تحرك الأسهم على شاشة في السوق المالية السعودية (رويترز)

مؤشر السوق السعودية يغلق مرتفعاً بنسبة 0.33 %

أنهى مؤشر السوق الرئيسية السعودية (تاسي) جلسة الثلاثاء مرتفعاً بنسبة 0.33 في المائة، ليغلق عند مستوى 10318 نقطة، وسط تداولات بلغت قيمتها 3.2 مليار ريال.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد شعار «أوبك» (رويترز)

«أوبك» ترفع توقعاتها لنمو الطلب العالمي إلى 2.5 مليون برميل يومياً في 2027

رفعت منظمة البلدان المصدرة للنفط «أوبك» توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط في عام 2027، مستندةً إلى الحاجة لإعادة بناء المخزونات.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
الاقتصاد رجل يمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم بالعاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

الأسهم اليابانية تتراجع مع تصاعد مخاوف التكنولوجيا

تراجعت الأسهم اليابانية بقوة، الثلاثاء، تحت ضغط موجة بيع جديدة في شركات أشباه الموصلات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد زوار يتفاعلون مع روبوت ذكي في معرض للتكنولوجيا المتقدمة بمدينة تشيبا اليابانية (إ.ب.أ)

طفرة الذكاء الاصطناعي تنعش التجارة العالمية

أصبحت طفرة الذكاء الاصطناعي محركاً رئيسياً لنمو التجارة العالمية بعدما أدى الطلب المتسارع على الرقائق إلى تعزيز الصادرات والاستثمارات الآسيوية

«الشرق الأوسط» (عواصم)

دولار هونغ كونغ يقترب من حدّه الأدنى... والسلطات تستعد للتدخل

مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
TT

دولار هونغ كونغ يقترب من حدّه الأدنى... والسلطات تستعد للتدخل

مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)

اقترب دولار هونغ كونغ، الثلاثاء، من الحد الأضعف لنطاق تداوله مقابل الدولار الأميركي، مما يزيد احتمالات تدخل سلطة النقد في المدينة لدعم العملة المحلية والحفاظ على نظام ربطها بالدولار، وسط ضعف الطلب على العملة وارتفاع أسعار الفائدة الأميركية.

وجرى تداول دولار هونغ كونغ عند 7.8475 للدولار الأميركي بحلول الساعة 03:25 بتوقيت غرينتش، مقترباً من مستوى 7.85، الذي يمثل الحد الأضعف لنطاق التداول الرسمي الممتد بين 7.75 و7.85 دولار هونغ كونغ لكل دولار أميركي.

وبموجب نظام الربط، تلتزم سلطة النقد في هونغ كونغ بالتدخل عندما يصل سعر الصرف إلى 7.85، عبر بيع الدولار الأميركي وشراء العملة المحلية.

ويؤدي هذا التدخل إلى سحب السيولة من النظام المصرفي، مما يدفع أسعار الفائدة بين البنوك إلى الارتفاع، ويساعد على تعزيز الطلب على دولار هونغ كونغ وإبعاده عن الحد الأضعف.

تأتي الضغوط الحالية في ظل فتور أداء سوق الأسهم المحلية وضعف تدفقات المستثمرين القادمين من البر الرئيسي للصين، الأمر الذي قلص الطلب على العملة المحلية وأبقى أسعار الفائدة بين البنوك منخفضة نسبياً.

في المقابل، ارتفعت أسعار الفائدة الأميركية خلال الشهرين الماضيين، مع إعادة الأسواق تقييم احتمالات رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الفائدة، مما زاد جاذبية الأصول المقومة بالدولار الأميركي.

ويرى محللو بنك «إيه إن زد» أن هونغ كونغ ستواصل الحفاظ على نظام ربط عملتها بالدولار، بوصفه آلية فعالة للاستقرار النقدي، رغم مساعي بكين لتعزيز الاستخدام الدولي لليوان.

كان دولار هونغ كونغ قد بلغ الحد الأضعف في صيف 2025، مما استدعى تدخلات متكررة من السلطة النقدية استمرت حتى أغسطس (آب).

لكنّ محللي البنك لا يتوقعون تكرار التقلبات الحادة التي شهدتها العملة بين مايو (أيار) وأغسطس 2025، عندما انتقلت سريعاً من الحد الأقوى إلى الحد الأضعف لنطاق التداول.

ورأوا أن التراجع الحالي تدريجي ومنظم، مما يقلل مخاطر حدوث اضطرابات مفاجئة.

ومع اقتراب العملة من مستوى التدخل الرسمي، ستتركز أنظار المستثمرين على تحركات سلطة النقد والسيولة المصرفية وأسعار الفائدة المحلية، بوصفها مؤشرات رئيسية لاتجاه السوق خلال الفترة المقبلة.


مؤشر السوق السعودية يغلق مرتفعاً بنسبة 0.33 %

متداولان يتابعان تحرك الأسهم على شاشة في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان يتابعان تحرك الأسهم على شاشة في السوق المالية السعودية (رويترز)
TT

مؤشر السوق السعودية يغلق مرتفعاً بنسبة 0.33 %

متداولان يتابعان تحرك الأسهم على شاشة في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان يتابعان تحرك الأسهم على شاشة في السوق المالية السعودية (رويترز)

أنهى مؤشر السوق الرئيسية السعودية (تاسي) جلسة الثلاثاء مرتفعاً بنسبة 0.33 في المائة، ليغلق عند مستوى 10318 نقطة، وسط تداولات بلغت قيمتها 3.2 مليار ريال.

وسجل المؤشر أعلى مستوى له خلال الجلسة عند 10334 نقطة، فيما بلغ أدنى مستوى عند 10276 نقطة.

وتصدرت أسهم «الأسماك» و«حديد وطني» و«جرير» قائمة الأسهم الأكثر ارتفاعاً، بمكاسب تراوحت بين 8 و9 في المائة، لتغلق عند 58.35 ريال و3.21 ريال و17.33 ريال، على التوالي.

وتصدَّر سهم «تنمية» قائمة الأسهم الأكثر انخفاضاً بنسبة 6.55 في المائة، ليغلق عند 49.90 ريال، تلاه سهم «قو للاتصالات» منخفضاً بنسبة 5.57 في المائة إلى 72 ريالاً، ثم سهم «المسار الشامل» متراجعاً بنسبة 3.73 في المائة ليغلق عند 21.70 ريال.


التفاقم الحاد للأزمة المعيشية في لبنان ينذر باضطرابات

امرأة تسير حاملةً أكياس البقالة في بيروت وسط ارتفاع أسعار مستمر (رويترز)
امرأة تسير حاملةً أكياس البقالة في بيروت وسط ارتفاع أسعار مستمر (رويترز)
TT

التفاقم الحاد للأزمة المعيشية في لبنان ينذر باضطرابات

امرأة تسير حاملةً أكياس البقالة في بيروت وسط ارتفاع أسعار مستمر (رويترز)
امرأة تسير حاملةً أكياس البقالة في بيروت وسط ارتفاع أسعار مستمر (رويترز)

يتكفّل الارتفاع المستمر في مؤشر التضخم وتوسّع حزام الفقر في لبنان بمحو المتبقي «الضئيل» من رصيد ملامح التعافي الاقتصادي والمعيشي، بعدما أجهزت الحرب، بجولتين كبيرتين في العامين الأخيرين، على معظم المكاسب المحقّقة في استعادة النمو الإيجابي للناتج المحلي، وتطلّعات العهد الرئاسي والحكومي لتعبيد مسار الخروج من مرحلة الانهيارات النقدية والمالية، وإنعاش خطوط التواصل والدعم مع المجتمعين الإقليمي والدولي.

ومع التصاعد الرقمي في مجمل مكونات مؤشر الغلاء، وارتفاع التضخم الغذائي إلى متوسط 20 في المائة خلال العام الحالي، أي بمعدل 2 في المائة شهرياً، يكشف تقرير محدّث للبنك الدولي حول آفاق الفقر في لبنان أن عدد الأشخاص الذين يعانون من مستويات أزمة أو طوارئ من انعدام الأمن الغذائي ارتفع إلى حوالي 1.24 مليون شخص في عام 2026، مقارنةً مع 874 ألف شخص في عام 2025، مع التنويه بأن منطقتَي الجنوب والنبطية تتصدران المناطق الأكثر تضرراً.

ولا تعكس هذه المعطيات كامل مشهدية تنامي العوز والعجز في البلد المنكوب أساساً بانهيارات شاملة، بقدر ما تنذر بتدهور معيشي أكثر حدة، قد يقود، وفق مصادر قطاعية ونقابية، إلى موجة اضطرابات واعتراضات شعبية، تضع الحكومة أمام تحديات أشد صعوبة وأوسع شمولية من اصطدامها القائم مع موظفي القطاع العام والمتقاعدين، الذين يعانون بدورهم من تدني مداخيلهم في مواجهة أعباء الغلاء المستشري في كل أبواب الإنفاق، ما يدفعهم إلى اللجوء إلى إضرابات متقطعة، تفضي إلى شلل نسبي في أعمال الوزارات والمؤسسات ومهامها، وبما يمسّ تلقائياً بانسياب واردات الخزينة في كثير من المرافق الحيوية.

وليس عابراً، وفق المصادر النقابية لدى أصحاب العمل والعمال معاً، توسّع حزام الفقر الشديد أو التأزم المعيشي الشديد ليشمل أكثر من ربع المقيمين، أو نحو 250 ألف أسرة في حال احتساب الرقم الإجمالي المرصود من قبل البنك الدولي على أساس أسرة مكوّنة من 5 أشخاص، بينما تشي الأرقام الواقعية بانفلاش (انفلات) خطير للعجز المعيشي المتمدّد إلى نحو 80 في المائة من المقيمين، جراء التراكم الحاد في مؤشر الغلاء الذي اقترب من 9 آلاف نقطة مئوية، عبر ارتفاعات متتالية وقياسية، تحقّق أغلبها بعد عام 2020، أي عقب انفجار الأزمات المالية والنقدية.

وسلّط البنك الدولي الضوء على تدهور الأوضاع المعيشية للأسر في لبنان نتيجة تصاعد الأعمال العدائية في ربيع العام الحالي، حيث ازداد اعتماد الأسر النازحة على شبكات الدعم غير الرسمية والموارد المالية المتضائلة، في ظل خسارة في مداخيلها وأصولها المنتجة. في حين أسهم تخفيض مؤسسة الكهرباء طاقة المعامل العاملة على الوقود في إجبار الأسر على تحمّل الزيادات الكبيرة في أسعار اشتراكات المولدات الكهربائية الخاصة، مما أدّى إلى تآكل قدرتها الشرائية وتفاقم أزمة غلاء المعيشة.

ويزيد الوصف «الكارثي» مطابقةً للوقائع المعيشية ومخاطر انفلات التضخم، مع حقيقة العجز المالي للدولة، والمخاوف من انكفاء إضافي في موارد الخزينة، في ظل ضغوط مالية «مستعصية» أساساً، جراء الانهيارات النقدية التي أنتجت فجوة خسائر مالية تتعدّى تقديراتها 70 مليار دولار، والمستتبعة بخسائر حربية اقتصادية وإعمارية تعدّت 27 مليار دولار، حسب التقديرات الحكومية والرسمية، التي تشمل الخسائر المباشرة وغير المباشرة الناتجة عن التصعيد العسكري والحربين المتتاليتين منذ خريف عام 2023.

ويقع في سجل المعطيات الضاغطة توقّعات البنك الدولي بانكماش الناتج المحلي بنسبة 6.4 في المائة خلال العام الحالي، منهياً بذلك مكاسب الانتعاش الهش الذي سجّله الاقتصاد خلال العام السابق، والبالغ نسبة 4.2 في المائة، بينما يشير في الوقت عينه إلى تفاقم الضغوط التضخمية خلال النصف الأول من السنة، حيث زاد معدل التضخم السنوي إلى 17.3 في المائة، مقارنةً مع 14.6 في المائة في عام 2025.

وفي لمحة إيجابية، يسجّل تقرير البنك الدولي أنه، بالرغم من الضغوط المالية الناجمة عن النزاع، فقد استمرت المالية العامة بتسجيل فائض بلغ مليار دولار، أي ما يعادل 2.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، محققاً زيادة سنوية نسبتها 32 في المائة حتى نهاية الشهر الخامس، مع التنويه بأثر ارتفاع الإيرادات الحكومية بنسبة 26.6 في المائة على صعيد سنوي، مدعومةً بزيادة الإيرادات المحصّلة من رسم الاستهلاك على الوقود. بالتوازي، ارتفعت النفقات العامة بنسبة 23.7 في المائة، نتيجة زيادة رواتب العاملين في القطاع العام، إضافةً إلى ارتفاع النفقات الرأسمالية ونفقات الاستشفاء وسلفات الخزينة المرتبطة بالنزاع. وبالمقابل، ارتفعت أسعار المياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى بنسبة 25.3 في المائة على صعيد سنوي، وزادت تكلفة النقل بنسبة 29.5 في المائة حتى منتصف العام الحالي.

أما على الصعيد النقدي، فقد أشار التقرير إلى أن استقرار سعر صرف العملة الوطنية مقابل الدولار الأميركي يرتبط بشحّ السيولة بالليرة، في وقت يرصد فيه تراجع الاحتياطيات بالعملات الأجنبية لدى البنك المركزي إلى 11.6 مليار دولار في منتصف شهر أغسطس (آب) الماضي، وهي كافية لتغطية حوالي 6.6 شهر من المستوردات، مقارنةً مع 12.1 مليار دولار في منتصف شهر فبراير (شباط)، في ظل اضطرار مصرف لبنان إلى استخدام جزء من احتياطياته تلبيةً لالتزاماته بالعملات الأجنبية، بالتزامن مع تراجع توافر العملات الأجنبية في السوق.

أما على صعيد القطاع الخارجي في لبنان، فقد أشار التقرير إلى ارتفاع عجز الميزان التجاري بنسبة 8.8 في المائة على صعيد سنوي، ليصل إلى 10.2 مليار دولار بنهاية شهر يوليو (تموز)، مكرّساً تراجع الصادرات بنسبة 16.6 في المائة، وارتفاع المستوردات بنسبة 4.2 في المائة، نتيجة الاضطرابات المرتبطة بالنزاع التي أثّرت سلباً على النشاط التصديري، تزامناً مع ارتفاع أسعار النفط وأقساط التأمين. كما يلفت إلى ارتفاع قيمة مستوردات الطاقة بنسبة 9 في المائة، إلى نحو 3 مليارات دولار، خلال الأشهر السبعة الأولى، بالرغم من انخفاض الكميات المستوردة بنسبة 31 في المائة، الأمر الذي فرض ضغوطاً إضافية على ميزان الحساب الجاري، الذي كان ولا يزال يشهد تدهوراً مؤثراً على تدفقات العملات والاحتياطيات.