نازحون سوريون يعودون إلى مناطقهم... ينصبون خيماً على أنقاض منازلهم

«العيش على الركام أفضل من العيش في المخيمات»

عارف شمطان داخل بيته المدمر في قرية الحواش بمحافظة حماة في 22 مايو 2025 (أ.ف.ب)
عارف شمطان داخل بيته المدمر في قرية الحواش بمحافظة حماة في 22 مايو 2025 (أ.ف.ب)
TT

نازحون سوريون يعودون إلى مناطقهم... ينصبون خيماً على أنقاض منازلهم

عارف شمطان داخل بيته المدمر في قرية الحواش بمحافظة حماة في 22 مايو 2025 (أ.ف.ب)
عارف شمطان داخل بيته المدمر في قرية الحواش بمحافظة حماة في 22 مايو 2025 (أ.ف.ب)

بعدما قاسى حياة النزوح لنحو 14 عاماً، عاد عارف شمطان إلى قريته المدمرة، في شمال غربي سوريا بعد سقوط حكم بشار الأسد، مفضّلاً خيار العيش في خيمة على أطلال منزله المدمّر، بدلاً من البقاء مشرداً في المخيمات.

عاد شمطان، البالغ 73 عاماً، بلهفة مع ابنه إلى قريته الحواش، الواقعة عند أطراف محافظة حماة، متفقداً ما تبقّى من منزله وأرضه الزراعية للمرة الأولى منذ نزوحه على وقع المعارك إلى مخيّم عشوائي، قرب الحدود مع تركيا.

صورة جوية تظهر مقتنيات أشخاص في بيت مدمر بقرية الحواش بمحافظة حماة في 22 مايو 2025 (أ.ف.ب)

وبعدما تمكّن من تأمين بعض احتياجاته، قرر قبل نحو شهرين مغادرة المخيم مع عائلته وأحفاده للاستقرار في خيمة متواضعة، نصبها قرب منزله، الذي تصدّعت جدرانه، وبات من دون سقف. وبدأ زرع بستانه بالقمح والخضار.

يقول الرجل، وهو يفترش الأرض أمام الخيمة المحاذية لحقله، محتسياً كوباً من الشاي، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «أشعر بالراحة هنا، ولو على الركام... العيش على الركام أفضل من العيش في المخيمات» التي بقي فيها منذ عام 2011.

في قريته، التي كانت تحت سيطرة الجيش السوري السابق، وشكَّلت خطّ مواجهة مع محافظة إدلب، التي كانت معقلاً للفصائل المعارضة، اختفت معالم الحياة تماماً. ولم يبقَ من المنازل إلا هياكل متداعية موزعة بين حقول زراعية شاسعة.

طفلان يلعبان في بيت مدمر بقرية الحواش بمحافظة حماة في 22 مايو 2025 (أ.ف.ب)

ورغم انعدام مقومات الحياة والبنى التحتية الخدمية، وعجزه عن إعادة بناء منزله لنقص الإمكانات المادية، يقول شمطان بينما تجمّع حوله أحفاده الصغار: «لا يمكننا البقاء في المخيمات وأماكن النزوح»، حتى لو كانت «القرية كلها مدمرة... لا أبواب فيها ولا نوافذ، والحياة معدمة».

ويضيف: «قررنا أن ننصب خيمة، ونعيش فيها إلى حين أن تُفرج، ونحن ننتظر من المنظمات والدولة أن تساعدنا»؛ إذ إن «المعيشة قاسية والخدمات غير مؤمنة».

لا خدمات ولا مدارس

في عام 2019، حين اشتدّ قصف الجيش السوري السابق على القرية، غادر المختار عبد الغفور الخطيب (72 عاماً) على عجل مع زوجته وأولاده، ليستقر في مخيم قريب من الحدود مع تركيا.

أطفال داخل خيمة في قرية الحواش بمحافظة حماة في 22 مايو 2025 (أ.ف.ب)

وبعد إطاحة الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عاد الخطيب على عجل أيضاً. يقول: «كنت أود فقط الوصول إلى بيتي. ومن شدّة فرحتي (...) عدت ووضعت خيمة مهترئة، المهم أن أعيش في قريتي».

ويكمل الرجل: «يود الناس كلهم أن يعودوا، لكنّ كثيرين لا يملكون حتى أجرة سيارة» للعودة، في بلد يعيش تسعون في المائة من سكانه تحت خط الفقر.

ويضيف بينما افترش الأرض في خيمة متواضعة قرب بقايا بيته: «لا شيء هنا، لا مدارس، ولا مستوصفات، لا مياه ولا كهرباء»، ما يمنع كثيرين من العودة كذلك. لكنه يأمل «أن تبدأ إعادة الإعمار، ويعود الناس جميعاً، وتفتح المدارس والمستوصفات» أبوابها.

وشرّد النزاع الذي بدأ عام 2011، بعد قمع السلطات احتجاجات شعبية اندلعت ضدّ حكم عائلة الأسد، قرابة نصف عدد سكان سوريا داخل البلاد وخارجها. ولجأ الجزء الأكبر من النازحين إلى مخيمات في إدلب ومحيطها.

صورة جوية تظهر البيوت المدمرة في قرية الحواش بمحافظة حماة في 22 مايو 2025 (أ.ف.ب)

وبعد إطاحة الأسد، عاد 1.87 مليون سوري فقط، من لاجئين ونازحين، إلى مناطقهم الأصلية، حسب المنظمة الدولية للهجرة، التي أشارت إلى أن «نقص الفرص الاقتصادية والخدمات الأساسية يُشكل التحدي الأبرز» أمام عودتهم.

ولا يزال نحو 6.6 مليون شخص نازحين داخلياً، وفق المصدر ذاته.

ومع رفع العقوبات الغربية عن سوريا، لا سيما الأميركية، تعوّل السلطات الجديدة على دعم الدول الصديقة والغربية لإطلاق مرحلة الإعمار، التي قدرت الأمم المتحدة تكلفتها بأكثر من 400 مليار دولار.

«تغيّر كل شيء»

بعدما نزحت مراراً خلال السنوات الأخيرة، عادت سعاد عثمان (47 عاماً) مع بناتها الثلاث، وابنها، إلى قريتها الحواش منذ نحو أسبوع.

وتقول المرأة، التي تؤمّن قوتها اليومي من أعمال يدوية توفر لها أجراً بسيطاً: «تغيّر كل شيء، البيوت تدمرت، ولم يبقَ شيء في مكانه».

سعاد عثمان (47 عاماً) تسير خارج بيت مدمر في قرية الحواش بمحافظة حماة في 22 مايو 2025 (أ.ف.ب)

ومع أن سقف منزلها انهار وتصدعت جدرانه، لكنها اختارت العودة إليه. على جدار متهالك، كدّست المرأة فرشاً ووسائد للنوم على خزانة قديمة. في العراء، وضعت سريراً صغيراً قرب لوحين شمسيين، لا يحميه شيء سوى بطانيات علّقت على حبل غسيل.

في الجوار، وعلى ركام منزلها، أقامت المرأة موقداً لتطهو عليه الطعام.

تقول: «استدنت ثمانين دولاراً ثمن بطارية» لتوفير الإضاءة مع غياب شبكات الكهرباء.

وتشرح السيدة، التي فقدت زوجها خلال الحرب: «نعرف أن المكان هنا مليء بالأفاعي والحشرات. لا يمكننا أن نعيش من دون ضوء في الليل».

سعاد عثمان (47 عاماً) تسير خارج بيت مدمر في قرية الحواش بمحافظة حماة في 22 مايو 2025 (أ.ف.ب)

قرب قرية قاح، المحاذية للحدود التركية في محافظة إدلب المجاورة، يخلو أحد المخيمات تدريجياً من قاطنيه في الأشهر الأخيرة. وتظهر صور جوية التقطها مصور «وكالة الصحافة الفرنسية» عشرات الخيم التي بقيت فقط جدرانها المبنية من حجارة الطوب.

ويوضح جلال العمر (37 عاماً) المسؤول عن جزء من المخيم المتهالك، إن نحو مائة عائلة غادرت المخيم إلى قريته التريمسة في ريف حماة، لكن نحو 700 عائلة أخرى لم تتمكن من العودة جرّاء ضعف إمكاناتها المادية.

ويتحدث عن غياب البنى التحتية الضرورية، على غرار إمدادات المياه والأفران. ويوضح «لشراء الخبز، يتوجّه الناس إلى مدينة محردة التي تبعد 15 كيلومتراً أو إلى سقيلبية» المجاورة.

ويقول: «لا يرغب الناس في البقاء بالمخيمات، يريدون العودة إلى قراهم، لكن فقدان أبسط مقومات الحياة من بنى تحتية وشبكات كهرباء وصرف صحي... يمنعها من العودة... يسألني كثيرون لماذا لم تعد؟ لا منزل لديَّ، وأنتظر فرصة لتأمين مكان يؤوني في القرية».


مقالات ذات صلة

أين يُحتجز عناصر «داعش» المعتقلون في سوريا الآن؟

المشرق العربي قوات الأمن الداخلي السورية تقف حراسة عند مدخل مخيم الهول في المنطقة الصحراوية بمحافظة الحسكة السورية (أ.ف.ب)

أين يُحتجز عناصر «داعش» المعتقلون في سوريا الآن؟

أثار الانهيار السريع لـ«قوات سوريا الديمقراطية» التي يقودها الأكراد في شمال شرق سوريا هذا الأسبوع مخاوف بشأن مصير نحو عشرة سجون ومخيمات احتجاز كانت تحت حراستها.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي جنود من الجيش الأميركي في قاعدة عسكرية شمال بغداد (رويترز - أرشيفية)

الجيش الأميركي يبدأ نقل سجناء «داعش» من سوريا إلى العراق

أطلقت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأربعاء، مهمة جديدة لنقل معتقلي تنظيم «داعش» من شمال شرق سوريا إلى العراق.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي عربة عسكرية لـ «قوات سوريا الديمقراطية» في الحسكة الأربعاء (رويترز)

من كوباني إلى الباغوز... كيف ساهم الأكراد في هزيمة «داعش»؟

يشعر كثير من الأكراد السوريين بأن الإدارة الأميركية تخلت عنهم اليوم، رغم دورهم في هزيمة «داعش». هذه جولة على أبرز معاركهم ضد التنظيم الإرهابي.

كميل الطويل (لندن)
تحليل إخباري صورة بشار وعائلته مع عمّه رفعت الأسد في أبريل 2024 بعد عودته من فرنسا (مواقع تواصل)

تحليل إخباري رفعت الأسد... رحل مخلفاً تركة ثقيلة من الانتهاكات

رحل رفعت الأسد، عمُّ الرئيس المخلوع بشار الأسد، عن عمر ناهز 88 عاماً، وظلت صحائف أعماله مفتوحة في ذاكرة السوريين المثقلة بانتهاكات جسيمة اتُّهم بالمسؤولية عنها.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي قامت عناصر من «وحدات حماية الشعب الكردية» بإنزال علم تركيا ورفع أعلام «قسد» وصورة قائدها مظلوم عبدي على بوابة نصيبين - القامشلي وسط توتر شديد على الحدود التركية - السورية (أ.ب)

إردوغان يدعو إلى تحالف «تركي - كردي - عربي» ويشدد على دعم وحدة سوريا

دعا الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى تحالف «تركي - كردي - عربي» وحل مشكلات المنطقة على أساس الأخوّة التاريخية، مشدداً على دعم وحدة سوريا وسيادتها.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

دول عربية وإسلامية تنضم إلى «مجلس السلام»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى إلقاء خطابه في «منتدى دافوس» أمس (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى إلقاء خطابه في «منتدى دافوس» أمس (أ.ف.ب)
TT

دول عربية وإسلامية تنضم إلى «مجلس السلام»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى إلقاء خطابه في «منتدى دافوس» أمس (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى إلقاء خطابه في «منتدى دافوس» أمس (أ.ف.ب)

يستعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتدشين «مجلس السلام» على هامش «منتدى دافوس»، اليوم الخميس، وسط مواقف عربية وإسلامية إضافية مؤيدة له.

وقالت وزارة الخارجية السعودية في بيان أمس إن وزراء خارجية المملكة العربية السعودية وتركيا ومصر والأردن وإندونيسيا وباكستان وقطر والإمارات (8 دول) «يرحبون بالدعوة التي وُجّهت إلى قادة دولهم من رئيس الولايات المتحدة الأميركية دونالد ترمب للانضمام إلى مجلس السلام».

ولاحقاً، أعلنت وزارة الخارجية الكويتية انضمامها إلى «مجلس السلام» بشأن غزة.

ويسعى المجلس «لتثبيت وقفٍ دائم لإطلاق النار في غزة ودعم إعادة إعمار القطاع، والدفع نحو السلام العادل والدائم المستند إلى تلبية حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولته وفقاً للقانون الدولي، بما يمهّد لتحقيق الأمن والاستقرار لجميع دول وشعوب المنطقة».

وفي موازاة ذلك، طالب الرئيس الأميركي بعقد مفاوضات فورية حول غرينلاند، وأكد تمسكه بـ«السيطرة عليها» بدون اللجوء إلى القوة، مؤكداً أنه «ليس بوسع أي دولة أخرى غير الولايات المتحدة حمايتها».

وقال ترمب، في خطاب حظي بمتابعة واسعة خلال اليوم الثالث من أعمال «منتدى دافوس»: «اعتقد الناس أنني أعتزم استخدام القوة، لكنني لست مضطراً لذلك... لا أريد استخدام القوة، ولن أستخدمها».


السلطة تريد إدارة غزة كاملة بعد عامين

آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك أمس في المناطق الممرة شمال قطاع غزة (رويترز)
آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك أمس في المناطق الممرة شمال قطاع غزة (رويترز)
TT

السلطة تريد إدارة غزة كاملة بعد عامين

آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك أمس في المناطق الممرة شمال قطاع غزة (رويترز)
آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك أمس في المناطق الممرة شمال قطاع غزة (رويترز)

شدّد رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى على أن الترتيبات الجارية بشأن إدارة قطاع غزة «وضع مؤقت»، قائلاً إنه «في نهاية المطاف، وبعد نحو عامين، يجب أن تعود الأمور كاملة إلى السلطة الفلسطينية».

وفي حديث مع «الشرق الأوسط» على هامش أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، وضع مصطفى خريطة طريق للمرحلة المقبلة، تبدأ من الأساسيات الإنسانية العاجلة ولا تنتهي بتوحيد غزة والضفة الغربية.

وقال مصطفى إن «الناس لا يزالون يموتون ويعانون»، وإسرائيل «لا تزال تفرض قيوداً» على إدخال معدات الإعمار.

وحول ما إذا كان مخطط الترحيل لا يزال يشكل تهديداً حقيقياً، قال مصطفى: «نأمل ألا يكون الترحيل حقيقياً، وألا ينجح. لكن لضمان فشله، يجب أن نُنجز ما تحدثنا عنه: الإعمار، الإغاثة، السكن، والأمن».


الرئيس الفلسطيني يصل إلى موسكو للقاء بوتين

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يرحب بالرئيس الفلسطيني محمود عباس في موسكو (أرشيفية - إ.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يرحب بالرئيس الفلسطيني محمود عباس في موسكو (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

الرئيس الفلسطيني يصل إلى موسكو للقاء بوتين

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يرحب بالرئيس الفلسطيني محمود عباس في موسكو (أرشيفية - إ.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يرحب بالرئيس الفلسطيني محمود عباس في موسكو (أرشيفية - إ.ب.أ)

وصل الرئيس الفلسطيني محمود عباس مساء الأربعاء إلى العاصمة الروسية موسكو في زيارة رسمية تستمر يومين. ومن المقرر أن يلتقي عباس اليوم الخميس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ويستقبل السفراء العرب المعتمدين لدى روسيا.

وذكرت وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا) أن الرئيسين سيبحثان التطورات السياسية والأوضاع في الأراضي الفلسطينية، وإعادة الإعمار، ومنع التهجير والضم، ووقف التوسع الاستيطاني «وإرهاب المستوطنين، والإفراج عن الأموال الفلسطينية المحتجزة، ووقف إجراءات تقويض مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية»، فضلا عن سبل تطوير العلاقات الثنائية، وعدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.