«بنك التسويات» يُحذّر: الدين العالمي يخرج عن السيطرة

دعوة عاجلة لكبح الاقتراض «قبل فوات الأوان»... والصين تتحول من «ممول» إلى «محصل»

رزم من الأوراق المالية فئة مائة دولار (رويترز)
رزم من الأوراق المالية فئة مائة دولار (رويترز)
TT

«بنك التسويات» يُحذّر: الدين العالمي يخرج عن السيطرة

رزم من الأوراق المالية فئة مائة دولار (رويترز)
رزم من الأوراق المالية فئة مائة دولار (رويترز)

في تحذير صارم يحمل أصداء الأزمة المالية العالمية، دعا بنك التسويات الدولية الحكومات حول العالم إلى «كبح الارتفاع المستمر في الديون»، مشيراً إلى أن الأوضاع المالية للكثير من الدول باتت على حافة «عدم الاستدامة»، في ظل ارتفاع أسعار الفائدة وتضخم العجز في الميزانيات.

وقال المدير العام للبنك، أغوستين كارستنز، في خطاب ألقاه بطوكيو، إن حالات العجز الكبير في الميزانيات والديون المرتفعة بدت مستدامة عندما أبقيت أسعار الفائدة منخفضة بعد الأزمة المالية العالمية، مما سمح للسلطات المالية بتجنّب اتخاذ خيارات صعبة مثل خفض الإنفاق أو زيادة الضرائب.

المدير العام لبنك التسويات الدولية أغوستين كارستنز في مناسبة سابقة لاجتماعات مجموعة العشرين (رويترز)

لكن كارستنز أكد أن عصر الفائدة المنخفضة قد انتهى، ما يعني أن الحكومات لم تعد تملك رفاهية التأجيل، وأنه آن الأوان لاتخاذ خطوات حاسمة مثل خفض الإنفاق أو رفع الضرائب، مشدداً على أن «النوافذ تضيق... وإذا فقدت الأسواق ثقتها فالاضطراب قد يكون مفاجئاً وعنيفاً».

قفزة قياسية في الديون العالمية

التحذيرات جاءت في أعقاب الارتفاعات الأخيرة المطردة في عوائد السندات في الولايات المتحدة واليابان وأوروبا، مدفوعة بأسباب؛ منها توقعات السوق بأن حكومات هذه الدول ستزيد من الإنفاق الممول من خلال زيادة الديون.

وقال كارستنز إن التخلف عن سداد الدين العام يمكن أن يزعزع استقرار النظام المالي العالمي، ويهدّد الاستقرار النقدي حيث قد تضطر البنوك المركزية إلى تمويل الدين الحكومي، مما يؤدي إلى التركيز على ضبط المالية العامة أكثر من السياسة النقدية. وأضاف: «ستكون النتيجة ارتفاع التضخم وانخفاضاً حاداً في أسعار الصرف. وفي ضوء هذه الاعتبارات، من الضروري أن تعمل السلطات المالية على كبح جماح الارتفاع المستمر في الدين العام».

مقر بنك التسويات الدولية في مدينة بازل السويسرية (رويترز)

ووفقاً لتقرير حديث لمعهد التمويل الدولي، بلغت الديون العالمية أكثر من 324 تريليون دولار في الربع الأول من عام 2025، بزيادة قدرها 7.5 تريليون دولار خلال ثلاثة أشهر فقط. وتصدّرت الصين وفرنسا وألمانيا قائمة الدول الأكثر إسهاماً في هذه الزيادة، في حين واجهت الأسواق الناشئة عبئاً غير مسبوق بلغ 7 تريليونات دولار من السندات والقروض المستحقة قبل نهاية العام.

وتُشير هذه الأرقام إلى اتساع فجوة الاستدامة المالية في ظل ضغوط التغير المناخي، وشيخوخة السكان، والإنفاق العسكري المتزايد.

مقر بنك الشعب الصيني المركزي في العاصمة بكين (رويترز)

الصين من «ممول» إلى «محصّل»

التقرير تزامن مع دراسة من معهد لوي الأسترالي تظهر أن الدول النامية ستدفع 19 مليار يورو إلى الصين هذا العام فقط، نتيجة لقروض حصلت عليها ضمن مبادرة الحزام والطريق. وتتحول الصين من «بنك للبلدان النامية» إلى مُحصّل قروض صارم، حسب الدراسة.

وفي وقت تعاني فيه هذه الدول من محدودية الموارد، تبدو مهددة بفقدان سيادتها الاقتصادية، خصوصاً في ظل تراجع الإقراض الصيني وزيادة استحقاقات السداد، وسط مخاوف حقيقية من الوقوع في فخ الديون طويلة الأجل.

اليابان وألمانيا... مفارقة في التوازن المالي

في المقابل، أفادت تقارير أخرى بأن اليابان فقدت مكانتها بوصفها أكبر دائن عالمي لصالح ألمانيا، رغم بلوغ صافي أصولها الخارجية رقماً قياسياً. وبلغ صافي أصول ألمانيا 569.7 تريليون ين في نهاية 2024، متجاوزة اليابان التي سجّلت 533.1 تريليون ين.

رجل يمر أمام مقر بنك اليابان المركزي في العاصمة طوكيو (رويترز)

ويرتبط هذا التحول بالفائض الكبير في الحساب الجاري الألماني، بالإضافة إلى قوة اليورو مقارنة بالين. ومن جهة أخرى، أسهم ضعف الين في تضخيم الأصول اليابانية، لكنه لم يكن كافياً للحفاظ على الصدارة.

قبل أن تقع الأزمة

وشدد بنك التسويات على أن الاستجابة يجب ألا تعتمد فقط على السياسة النقدية. فالبنوك المركزية، حسب كارستنز، لا يمكنها السيطرة على التضخم وحدها، خصوصاً في ظل الضغوط الخارجية والمطالب الاجتماعية المتزايدة.

ويُوصي البنك بضرورة تبني الدول مسارات مالية شفافة ومستدامة، مع التزام سياسي واضح بالملاءة والاستقرار. كما ينبغي تنويع مصادر التمويل بعيداً عن الاعتماد المفرط على الديون، خصوصاً في الدول النامية.

وتكشف التحذيرات الدولية والمعلومات الاقتصادية الحديثة أن العالم يواجه لحظة مفصلية، حيث لم يعد التوسع في الاقتراض خياراً سهلاً، بل أصبح عبئاً وجودياً يهدّد استقرار الدول والأسواق على حد سواء. وبينما تتحوّل الصين إلى مُحصّل ديون، وتفقد اليابان مكانتها لصالح ألمانيا، يبقى التحدي الأكبر هو كيفية إعادة ضبط المالية العامة قبل أن تضيق النوافذ أكثر.


مقالات ذات صلة

الدولار يفقد زخم الصعود خلال تداولات منتصف الأسبوع

الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يفقد زخم الصعود خلال تداولات منتصف الأسبوع

عانى الدولار تراجعاً في جميع العملات، يوم الأربعاء، ولا سيما مقابل الين والدولار الأسترالي.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد عامل نفط فنزويلي من شركة النفط الحكومية الفنزويلية «PDVSA» يشارك في تعبئة ناقلة نفط بمحطة الشحن والتخزين في خوسيه (رويترز)

«بي بي» تطلب ضوءاً أخضر أميركياً لتطوير غاز فنزويلا

قالت الرئيسة التنفيذية المؤقتة لـ«بي بي»، كارول هاول، إن الشركة تسعى للحصول على ترخيص من الحكومة الأميركية لتطوير حقل غاز ماناكين-كوكوينا.

«الشرق الأوسط» (هيوستن - لندن)
الاقتصاد مسافرون خلال فترة أعياد بداية العام الجديد أمام محطة قطارات في العاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)

«المركزي الصيني» يتعهد بحماية الاستقرار المالي واستقرار اليوان

أعلن «بنك الشعب» المركزي الصيني عزمه على توسيع نطاق الدعم المالي لتعزيز الطلب المحلي ودعم الابتكار التكنولوجي.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في مناسبة سابقة بالكونغرس الأميركي (رويترز)

أميركا والصين «تعززان قنوات التواصل» قبل زيارة ترمب

قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن كبار موظفي وزارة الخزانة الأميركية زاروا الصين الأسبوع الماضي «لتعزيز قنوات التواصل» بين واشنطن وبكين

«الشرق الأوسط» (واشنطن - بكين)
الاقتصاد سيدة تمر أمام مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)

أسهم الصين مستقرة بين مكاسب الاتصالات وخسائر العقارات

استقرت أسهم البر الرئيسي الصيني إلى حد كبير يوم الثلاثاء، حيث عوّضت مكاسب قطاع الاتصالات خسائر أسهم العقارات.

«الشرق الأوسط» (بكين)

تراجع أسواق الخليج وسط توتر المفاوضات الأميركية الإيرانية

أحد المستثمرين في السوق المالية السعودية (أ.ف.ب)
أحد المستثمرين في السوق المالية السعودية (أ.ف.ب)
TT

تراجع أسواق الخليج وسط توتر المفاوضات الأميركية الإيرانية

أحد المستثمرين في السوق المالية السعودية (أ.ف.ب)
أحد المستثمرين في السوق المالية السعودية (أ.ف.ب)

تراجعت أسواق الأسهم الرئيسية في الخليج، خلال التعاملات المبكرة يوم الأربعاء، في ظل توتر المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، حيث سجلت سوق دبي أكبر خسارة.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، إنه يدرس إرسال حاملة طائرات ثانية إلى الشرق الأوسط، في وقتٍ تستعد فيه واشنطن وطهران لاستئناف محادثات تهدف إلى تجنب اندلاع صراع جديد. وانخفض المؤشر القياسي للسوق السعودية بنسبة 0.6 في المائة، متأثراً بتراجع سهم «البنك الأهلي السعودي» بنسبة 1.2 في المائة.

كما تراجع المؤشر الرئيسي لسوق دبي بنسبة 1 في المائة، بضغط من هبوط سهم «بنك دبي الإسلامي» بنسبة 7.5 في المائة، بعد إعلان البنك تراجع أرباحه السنوية.

وفي أبوظبي، انخفض المؤشر بنسبة 0.3 في المائة.

وتراجع المؤشر القطري بنسبة 0.2 في المائة، مع هبوط سهم شركة الاتصالات «أوريدو» بنسبة 2.3 في المائة.


صافي ربح «سال السعودية للخدمات اللوجستية» يقفز 5.5 % في 2025

جانب من مستودعات «سال» في السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)
جانب من مستودعات «سال» في السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)
TT

صافي ربح «سال السعودية للخدمات اللوجستية» يقفز 5.5 % في 2025

جانب من مستودعات «سال» في السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)
جانب من مستودعات «سال» في السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)

ارتفع صافي ربح شركة «سال السعودية للخدمات اللوجستية» بنسبة 5.5 في المائة، خلال عام 2025، ليصل إلى 697.89 مليون ريال (186 مليون دولار)، مقارنة مع 661 مليون ريال (176 مليون دولار) في عام 2024. ووفق بيان الشركة على موقع سوق الأسهم السعودية «تداول»، يعود سبب هذا النمو إلى ارتفاع إيرادات قطاع المناولة الأرضية للشحن بنسبة 6.9 في المائة على أساس سنوي، مدعوماً بتحسين قائمة الخدمات المقدَّمة، على الرغم من الانخفاض الطفيف في أحجام الشحنات التي جرت مناولتها، مقارنة بالمستويات الاستثنائية للعام السابق، إلى جانب استمرار الشركة في تركيز جهودها على تحسين الكفاءة التشغيلية ومرونة نموذج أعمالها التشغيلي مع ضبط التكاليف. وبلغت إيرادات «سال» 1.7 مليار ريال، خلال عام 2025، بارتفاع قدره 4.6 في المائة، مقارنة مع 1.6 مليار ريال، للفترة المماثلة من عام 2024. ويعود هذا الارتفاع، بشكل رئيسي، إلى التحسن في قائمة الخدمات المقدَّمة، بدءاً من النصف الثاني من العام، وذلك رغم التراجع الطفيف في أحجام الشحنات بنسبة 1.1 في المائة.


أسعار النفط ترتفع وتقترب من مستويات 70 دولاراً للبرميل

رافعات ضخ النفط في حقل على شواطئ بحر قزوين في باكو (رويترز)
رافعات ضخ النفط في حقل على شواطئ بحر قزوين في باكو (رويترز)
TT

أسعار النفط ترتفع وتقترب من مستويات 70 دولاراً للبرميل

رافعات ضخ النفط في حقل على شواطئ بحر قزوين في باكو (رويترز)
رافعات ضخ النفط في حقل على شواطئ بحر قزوين في باكو (رويترز)

ارتفع النفط، خلال تعاملات جلسة الأربعاء، مدعوماً بزيادة المخاطر، في ظل استمرار المحادثات الأميركية الإيرانية الهشة، في حين منحت مؤشرات بتراجع الفائض وسط تحسن الطلب ​من الهند دفعة إضافية للأسعار.

وزادت العقود الآجلة لخام برنت 55 سنتاً، بما يعادل 0.80 في المائة، لتسجل 69.35 دولار للبرميل بحلول الساعة 03:56 بتوقيت غرينتش. كما صعد سعر خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 57 سنتاً، أو 0.89 في المائة، مسجلاً 64.53 دولار.

وقال محللون في مجموعة بورصات لندن في تقرير: «يحتفظ النفط بزخم قوي في ظل استمرار المحادثات الأميركية ‌الإيرانية الهشة، وهو ‌ما يُحافظ على دعم علاوة مخاطر ​مضيق ‌هرمز، ⁠وسط ضغوط ​العقوبات ⁠المستمرة، والتهديدات برسوم جمركية مرتبطة بالتجارة الإيرانية، وتصاعد الموقف العسكري الأميركي الإقليمي».

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، الثلاثاء، إن المحادثات مع الولايات المتحدة سمحت لطهران بتقييم جدية واشنطن، وأظهرت توافقاً كافياً لمواصلة المسار الدبلوماسي.

وعقد دبلوماسيون من إيران والولايات المتحدة محادثات في عمان الأسبوع الماضي في محاولة لإحياء الدبلوماسية، بعد أن نشر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ⁠أسطولاً بالمنطقة، ما أثار مخاوف من شن عمل عسكري ‌جديد.

وقال محللون في «إيه إن زد»، إنه بعد تراجع الأسعار عقب ​تصريح وزير خارجية عمان بأن المناقشات ‌المرتبطة بالمحادثات الأميركية الإيرانية مع كبار المسؤولين الأمنيين الإيرانيين كانت ‌مثمرة، تبددت الآمال في التوصل إلى حل سلمي في وقت لاحق بعد تقارير أفادت بأن الولايات المتحدة قد ترسل حاملة طائرات ثانية إلى الشرق الأوسط إذا فشلت المحادثات.

وقال ترمب، الثلاثاء، إنه يفكر في إرسال حاملة ‌طائرات ثانية إلى الشرق الأوسط، حتى في الوقت الذي تستعد فيه واشنطن وطهران لاستئناف المفاوضات بهدف تجنب ⁠صراع جديد.

وساهمت ⁠مؤشرات عن تراجع الفائض في دعم أسعار الخام، بعدما استوعبت الأسواق بعض الكميات الفائضة المسجلة في الربع الأخير من عام 2025.

وقال محلل السوق في شركة «فورتيكسا»، خافيير تانغ: «مع عودة النفط الخام المتوفر في المياه إلى مستوياته الطبيعية وارتفاع الطلب عليه في الهند، من المرجح أن تظل أسعار النفط مدعومة على المدى القريب».

ويترقب المتعاملون بيانات مخزونات النفط الأسبوعية في الولايات المتحدة التي تصدرها إدارة معلومات الطاقة في وقت لاحق الأربعاء.