قبة أميركا الذهبية... مشروع طموح يواجه تحديات سياسية ومادية

تقديرات بتجاوز تكلفته 500 مليار دولار على مدى 20 عاماً

ترمب لدى الإعلان عن مشروع القبة الذهبية في 20 مايو 2025 (رويترز)
ترمب لدى الإعلان عن مشروع القبة الذهبية في 20 مايو 2025 (رويترز)
TT

قبة أميركا الذهبية... مشروع طموح يواجه تحديات سياسية ومادية

ترمب لدى الإعلان عن مشروع القبة الذهبية في 20 مايو 2025 (رويترز)
ترمب لدى الإعلان عن مشروع القبة الذهبية في 20 مايو 2025 (رويترز)

في مطلع الأسبوع، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن مشروع القبة الذهبية الأميركية، وهو نظام دفاع جوي متقدّم ضد مجموعة واسعة من الأسلحة المعادية، من الصواريخ الباليستية العابرة للقارات إلى الصواريخ الأسرع من الصوت والصواريخ الجوالة، مروراً بالمسيّرات.

تكلفة المشروع، بحسب ترمب، تصل إلى 175 مليار دولار، ومن المتوقّع أن يكتمل بناؤه بعد قرابة ثلاثة أعوام، أي بحلول نهاية عهده، ليتناغم مع العهد الذهبي الذي وعد به. لكن المنتقدين يلوحون بتكلفة باهظة قد تتخطى 500 مليار دولار على مدى العشرين عاماً المقبلة، بالإضافة إلى تحديات تقنية وسياسية لتنفيذ المشروع، الذي قارنه البعض بما وُصف بمشروع «ستار وارز» أي حرب النجوم، في عهد الرئيس السابق رونالد ريغان منذ أكثر من أربعين عاماً.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، أهمية القبة الذهبية، ووظائفها، وأسباب تأسيسها، بالإضافة إلى الصعوبات والتحديات التي تواجهها.

ما القبة الذهبية؟

وزير الدفاع بيت هيغسيث برفقة السيناتورين كيفن كرامر ودان سوليفان في البيت الأبيض يوم 20 مايو (إ.ب.أ)

بمجرد الإعلان عن مشروع القبة الذهبية، بدأت المقارنة بينه وبين نظام القبة الحديدية الإسرائيلي. لكن دايف دي روش، المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأميركية والبروفسور في جامعة الدفاع الوطني، يرى أن القبة الذهبية أكبر بكثير وأكثر تعقيداً من منظومة القبة الحديدية؛ لأنها في جوهرها نظام مكوّن من عدة أنظمة صُمّم لاعتراض الصواريخ.

ورجّح دي روش أن يعتمد التطبيق النهائي للقبة الذهبية على دمج عدد من الأنظمة الحالية مثل «الباتريوت»، و«الثاد»، وأنظمة الاعتراض الأرضية، وأجهزة الاستشعار الفضائية. وأشار إلى أن العنصر الجديد هو دمج كل هذه الأنظمة، ثم الرغبة في إدخال أنظمة اعتراض في الفضاء، عبر أسلحة موجّهة. وفسر قائلاً: «حالياً، إذا نظرنا إلى مسار الصواريخ التي تصعد إلى الفضاء ثم تعود، فسوف نلاحظ أن معظم وسائل الاعتراض لدينا تركز على الصواريخ الموجودة هنا على الأرض، وهي تكلف ملايين الدولارات، وليست فعالة بالطريقة التي نأمل بها. أعتقد أن التطوير المرتقب سيكون في الأسلحة الفضائية التي تعترض الصواريخ في الفضاء، باستخدام أشعة الليزر. هذه الأسلحة لن تكلف الملايين، بل آلاف الدولارات فقط لكل عملية اعتراض».

من ناحيته، يصف هيوغو لاول، مراسل صحيفة «ذي غارديان»، إعلان ترمب بالناجح في ظاهره؛ إذ كانت هذه المرة الأولى التي يشهد فيها برنامج القبة الذهبية تطوراً ملموساً. إلا أن لاول أشار إلى غياب التفاصيل الكافية المتعلقة بنطاق المشروع، وأهدافه الدقيقة، معتبراً أن البنتاغون عرض ثلاثة خيارات على الرئيس خلال الأسابيع الماضية أطلق عليها الخطة الفضية والذهبية والبلاتينية، ولم يكن واضحاً من خلال الإعلان ما هو الخيار الذي اعتمد عليه ترمب. لكنه أضاف: «ما نناقشه عموماً يعكس الواقع، وهو أن البرنامج سيكون مزيجاً من قدرات موجودة على الأرض، ستعمل بالتوازي مع تقنيات جديدة. ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار إعلان الرئيس خطوة ناجحة».

ويشدّد جون ميلز، المسؤول السابق في الأمن القومي والسيبراني في وزارة الدفاع والكولونيل المتقاعد في الجيش الأميركي وكبير الباحثين في مركز السياسة الأمني، على أهمية نظام القبة الذهبية، مشيراً إلى أن المناقشات حول نظام دفاعي ضد الصواريخ الباليستية بدأت منذ أوائل الستينات حين كان الجدل دائماً يركّز على نقطتين: «الأولى هي أنه لا يمكن الرد على رصاصة برصاصة، والثانية هي أن التكلفة باهظة جداً».

لكن ميلز قال إن هذا تغير في عام 2024، تحديداً بعد الهجمات الإيرانية بالصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، وصواريخ الكروز على إسرائيل، حين تحققت نسبة نجاح شبه كاملة في صدّها بفاعلية قاربت 100 في المائة. وأضاف: «لقد كان ذلك إنجازاً مذهلاً فاجأ الجميع، حتى الدول التي شاركت في التّصدي لتلك الهجمات. ما رأيناه كان شبكة متكاملة من عدة دول تعاونت مع بعضها البعض للرد على الهجمات الإيرانية. وأثبت ذلك أن من الممكن بالفعل إصابة رصاصة برصاصة، وبدرجة عالية من الثقة، وبتكلفة أصبحت معقولة أكثر وهي النقطة الأهم».

واعتبر ميلز أن ما أشار إليه ترمب بأن النظام سيعمل ضد أسلحة في الفضاء يُلمّح إلى خروقات من روسيا والصين لمعاهدة الفضاء لعام 1967، والتي تمنع وجود أي أسلحة في الفضاء.

تهديدات خارجية

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون يشرف على إطلاق صاروخ في كوريا الشمالية في 8 مايو 2025 (رويترز)

ويوافق دي روش على أن التهديدات المحدقة بالولايات المتحدة تتزايد، ويخُصّ بالذكر 4 دول؛ هي روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران. ولفت دي روش إلى أن أميركا تمتلك حالياً عدداً محدوداً جداً من أنظمة الاعتراض الأرضية في ألاسكا وكاليفورنيا، وهي أنظمة قادرة على التعامل مع تهديدات قادمة عبر المحيط الهادئ، «أي بالدرجة الأولى من كوريا الشمالية، وربما إلى حد ما من الصين». لكنه يضيف: «الصين كما يبدو، تعمل على مضاعفة ترسانتها النووية والصاروخية بنسبة أربع مرات. كما لا نمتلك حالياً أي نظام دفاعي قادر على التصدي لصواريخ تأتي من روسيا. وقد كنّا مخطئين في تقديرنا لروسيا على مدى أكثر من ثلاثين عاماً، حيث إن التهديد الروسي أكبر بكثير مما كنا نتصور».

ولهذا السبب، يرى ميلز أن نظاماً مثل القبة الذهبية ضروري للتصدي لهذه التهديدات، خاصة أنّ الولايات المتحدة ليس لديها نظام دفاع جوي أو صاروخي داخلي شامل يغطي أراضيها. وأضاف: «صحيح أن هناك بعض المواقع المجهّزة بقدرات محدودة، لكنها لا تُعدّ نظاماً متكاملاً وشاملاً مثل القبة الذهبية المقترحة، والتي يُفترض أن تغطي كامل الأراضي الأميركية بشكل فعال».

ويعتبر ميلز أن هذا التوجه بدأ بالتبلور لدى نجاح عملية التصدي للصواريخ الإيرانية في عام 2024، حين ساهمت أجهزة الاستشعار الفضائية والأرضية في هذا النجاح، إلى جانب الهجمات السيبرانية المنسقة التي عطّلت عمليات الإطلاق على المنصات الإيرانية قبل انطلاقها. وأضاف: «هذا يظهر كيف تعمل منظومة متكاملة تضم الفضاء، والأرض، والفضاء السيبراني».

حرب النجوم

منظومة القبة الحديدية تتصدى لصواريخ من قطاع غزة في 20 أكتوبر 2023 (أ.ب)

وفيما توقع الرئيس الأميركي انتهاء العمل بهذه المنظمة بعد نحو ثلاث سنوات، أي قبل نهاية عهده، يشكك الكثيرون بهذا التقييم، الذي يصفه لاول بـ«الطموح». ويشير إلى دراسة أجراها البنتاغون أظهرت إمكانية تنفيذ عرض تجريبي أو اختباري خلال ثلاث سنوات، قائلاً إن وزارة الدفاع أبلغت البيت الأبيض بعدم توقّع نتائج كبيرة أو إنجازات ملموسة خلال السنوات الثلاثة المقبلة. ويرى لاول أن السؤال الأبرز يتمحور حول ما إذا كانت التكنولوجيا المطلوبة جاهزة عندما يدخل النظام حيّز التنفيذ، وإلا فإنه سوف يواجه مصير ما عُرف بمشروع «ستار وارز» في عهد الرئيس السابق رونالد ريغان.

وقال: «ما نراه الآن هو مشروع طموح، وربما يعكس صدى أفكار ريغان. وأعتقد أننا ما زلنا على بُعد ثلاث، أو أربع، أو حتى خمس أو عشر سنوات من إنهائه. البيت الأبيض نفسه لا يملك تصوراً دقيقاً بعد عن القدرات التكنولوجية التي ستكون متاحة عند إطلاق النظام فعلياً».

ويعارض ميلز فكرة المقارنة مع مشروع ريغان، مشيراً إلى أن تقدم التقنيات بشكل كبير. وأضاف: «في هذه المرحلة، لم يعد من المنطقي القلق من الجوانب التقنية، حيث إن نسبة كبيرة من هذه القدرات أصبحت مؤكدة ومجربة. نعم، هناك دائماً حاجة إلى تحسينات، وسيظل أي نظام يحتوي على نقاط ضعف، لكن هذه التكنولوجيا أثبتت كفاءتها».

من ناحيته، يُقدّر دي روش حصول نوع من «الافتتاح التجريبي» بحلول نهاية إدارة ترمب. ويفسر: «سيكون الأمر أشبه بافتتاح مطار جديد يعمل فيه مدرّج واحد فقط. بمعنى آخر، تشغيل جزئي يُمكن تقديمه على أنه إنجاز». ورجّح دي روش أن يكون نحو 80 في المائة من الأنظمة المندرجة تحت «القبّة الذهبية» قيد التشغيل الكامل حينها، فيما سيكون المتبقي منها في مراحل الاختبار أو النشر الأولي والتقييم. لكنه أضاف: «إذا تحدثنا عن تحقيق قدرة اعتراض متكاملة تماماً بين الفضاء والأرض، فهذا أمر سيستغرق وقتاً أطول - على الأرجح نحو عشرين عاماً - قبل أن نصل إلى منظومة متكاملة كاملة النضج في هذا المجال».

تحديات سياسية

سيبتّ الكونغرس في تمويل مشروع القبة الذهبية الذي دفع به ترمب (أ.ف.ب)

لم يواجه مشروع ريغان تحديات تقنية فحسب، بل تحديات سياسية جمة في التمويل من الكونغرس الأميركي، وهذا ما يتخوف منه البعض في إطار استكمال مشروع ضخم من هذا النوع.

وفيما شمل مشروع الموازنة، الذي أقرّه مجلس النواب، مبلغ 25 مليار دولار للبدء بالقبة الذهبية، فإن لاول أشار إلى أن تقديرات البنتاغون هي أن هذا المبلغ لن يُغطّي سوى تكاليف البحث والتطوير، في وقت قدّر فيه مكتب الموازنة في الكونغرس، وهو طرف محايد غير حزبي، الكلفة الإجمالية بـ530 مليار دولار أو أكثر. وأضاف: «إذا لم يتمكن الجمهوريون من توفير هذا التمويل، أو إذا لم يُدرج البنتاغون هذه المبالغ في الموازنات المقبلة، فإن ملامح مشروع القبة الذهبية قد تتغير بشكل كبير».

واعتبر لاول أنه سيكون من الصعب على المحافظين من الحزب الجمهوري في الكونغرس الاستمرار في تمويل هذا النوع من البرامج، خاصة في ظل وجود أعضاء من «تجمّع الحرية» المحافظ داخل مجلس النواب الذين يعارضون التوسّع في الإنفاق العسكري. كما توجد عقبات أخرى داخل السلطة التنفيذية نفسها، تحديداً في مكتب الإدارة والموازنة الذي يطالب قادته بخفض سقف الإنفاق الدفاعي، سواء في مشروع الميزانية الأساسي أو في مشروع المصالحة المالية.


مقالات ذات صلة

البنتاغون يستعد لنشر حاملة طائرات ثانية في الشرق الأوسط

شؤون إقليمية حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش»... (أرشيفية - رويترز) p-circle

البنتاغون يستعد لنشر حاملة طائرات ثانية في الشرق الأوسط

أصدرت وزارة الحرب الأميركية تعليمات لحاملة طائرات ثانية بالاستعداد للانتشار في الشرق الأوسط، في إطار استعدادات الجيش الأميركي لهجوم محتمل على إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري صورة نشرها سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة مايكل لايتر على منصة «إكس» من لقاء نتنياهو ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في «بلير هاوس» بواشنطن الأربعاء

تحليل إخباري «اليوم التالي» مع إيران… نتنياهو يطلب غطاءً أميركياً

يجمع مسؤولون إسرائيليون على أن فرص رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإقناع الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتغيير موقفه تبقى محدودة.

نظير مجلي (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ ترمب ووزير التجارة على متن الطائرة الرئاسية في 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

«شبح إبستين» يُؤرّق إدارة ترمب

هزّت ملفات إبستين الأخيرة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ودفعتها مرة جديدة إلى اتخاذ وضعية الدفاع لمواجهة تقارير من شأنها أن تورط وزير تجارته هاورد لوتنيك.

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ حاكمة فيرجينيا أبيغيل سبانبرغر تتحدّث خلال فعالية في ريتشموند يوم 2 فبراير (أ.ب)

ديمقراطيو فيرجينيا يعيدون رسم الخريطة الانتخابية

أقر الديمقراطيون في فرجينيا مشروعاً يعيد ترسيم الخريطة الانتخابية في الولاية، بما يمنحهم غالبية ساحقة في العديد من الدوائر خلال الانتخابات النصفية للكونغرس.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزيرة العدل الأميركية بام بوندي قبل كلمة للرئيس دونالد ترمب في واشنطن يوم 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

مُحلّفو واشنطن يحبطون محاولة ترمب معاقبة 6 مشرعين ديمقراطيين

أحبطت هيئة محلفين فيدرالية كبرى مسعى وزارة العدل الأميركية لتوجيه تهم لـ6 مشرعين ديمقراطيين بسبب نشرهم شريط فيديو يدعون فيه العسكريين لرفض الأوامر غير القانونية

علي بردى (واشنطن)

«شبح إبستين» يُؤرّق إدارة ترمب

ترمب ووزير التجارة على متن الطائرة الرئاسية في 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
ترمب ووزير التجارة على متن الطائرة الرئاسية في 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

«شبح إبستين» يُؤرّق إدارة ترمب

ترمب ووزير التجارة على متن الطائرة الرئاسية في 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
ترمب ووزير التجارة على متن الطائرة الرئاسية في 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

هزّت ملفات إبستين الأخيرة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ودفعتها مرة جديدة إلى اتخاذ وضعية الدفاع لمواجهة تقارير من شأنها أن تورِّط وزير تجارته هاورد لوتنيك، في الفضائح المرتبطة بالملياردير المدان بالاتجار بالقاصرات، والذي قضى في سجنه في عام 2019.

واعترف لوتينك، الذي واجه المشرعين في لجنة المخصصات المالية في الشيوخ يوم الثلاثاء، بأنه التقى بإبستين خلال زيارة عائلية لجزيرته في عام 2012 مناقضاً تصريحات سابقة له أكد فيها أنه قطع التواصل مع الرجل بعد لقائهما في عام 2005 إثر ادانته للمرة الأولى في عام 2008. وهذا ما ذكره السيناتور الديمقراطي كريس فان هولان، الذي قال للوتنيك إن «القضية ليست أنك ارتكبت أي مخالفات فيما يتصل بجيفري إبستين، بل أنك قدّمت تصويراً مضللاً تماماً لمدى طبيعة علاقتك به أمام الكونغرس، وأمام الشعب الأميركي، وأمام الناجين من أفعاله الإجرامية الدنيئة».

المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت في مؤتمر صحافي 10 فبراير 2026 (أ.ب)

ومع تصاعد الدعوات لاستقالة لوتينك، تمسّك البيت الأبيض به ودافع عنه. وأكدت المتحدثة باسمه كارولاين ليفيت، إن «الوزير لوتينك يبقى عضواً اساسياً في فريق ترمب، وأن الرئيس يدعمه تماماً». موقف أثار استغراب الكثيرين، على رأسهم النائب الجمهوري توماس ماسي، الذي أعرب عن دهشته من احتفاظ الوزير بمنصبه في وقت استقال فيه مسؤولون في بريطانيا جراء الفضيحة. وقال: «عليه أن يستقيل. هناك ثلاثة أشخاص في بريطانيا قدّموا استقالاتهم منهم السفير البريطاني لدى الولايات المتحدة، وأمير فقد لقبه بسبب ما هو أقل بكثير مما رأيناه من هوارد لوتنيك من أكاذيب».

تداعيات مستمرة

يتململ الجمهوريون من تداعيات ملف إبستين المستمرة، والتي أدت إلى انشقاق في الصف الجمهوري. ووصل الأمر برئيس لجنة الرقابة والإصلاح الحكومي جيمس كومر، إلى التلويح باستدعاء لوتنيك للإدلاء بإفادته أمام اللجنة، قائلاً: «نحن مهتمون بالحديث مع أي شخص قد تكون لديه معلومات يمكن أن تساعدنا على تحقيق العدالة للناجين».

مقتطفات من وثائق إبستين في 10 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

وبينما تتصاعد الدعوات لوزارة العدل بالكشف عن بقية الوثائق وعدم حجب أسماء عدا الضحايا، دعا زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ إلى الكشف الكامل عن كل الوثائق مشدداً على أهمية الافراج عن كل المعلومات والشفافية في هذا الملف، مضيفاً: «بالنسبة للأشخاص الذين ترد أسماؤهم أو قد تظهر في سياق ما ضمن ملفات إبستين، فسيتعين عليهم الإجابة عن الأسئلة المرتبطة بذلك. وأعتقد أن الشعب الأميركي سيكون عليه أن يُصدر أحكامه بشأن ما إذا كانت تلك الإجابات كافية أم لا».

وزيرة العدل بام بوندي مع ترمب في البيت الأبيض 15 أكتوبر 2025 (رويترز)

تصريحات وضعت وزيرة العدل بام بوندي، المعنية بالإفراج عن الوثائق، في موقف حرج. وقد مَثلت بوندي أمام اللجنة القضائية في مجلس النواب للإدلاء بإفادتها يوم الأربعاء، ووراءها جلس عدد من ضحايا إبستين. فقالت لهن: «أنا آسفة بشدة لما تعرّضت له أي ضحية نتيجة أفعال ذلك الوحش. إن كانت لديكن أي معلومات لمشاركتها مع جهات إنفاذ القانون بشأن أي شخص آذاكن أو أساء إليكن، فإن مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) بانتظار سماعكن». وتعهّدت بوندي بأن «أي اتهامات بارتكاب مخالفات جنائية ستُؤخذ على محمل الجد وسيُجرى التحقيق فيها»، مضيفة: «وزارة العدل ملتزمة بمحاسبة المجرمين إلى أقصى حد يسمح به القانون».

وفيما تؤكد وزارة العدل أنها التزمت بالقانون الذي أقره الكونغرس وكشفت عن كل ملفات إبستين، يؤكد عرّابا القانون رو خانا وتوماس ماسي، أن الوزارة لا تزال تملك 2.5 مليون وثيقة من أصل 6 ملايين، ويطالبان بالكشف عنها التزاماً بالقانون.


ديمقراطيو فيرجينيا يعيدون رسم الخريطة الانتخابية

حاكمة فيرجينيا أبيغيل سبانبرغر تتحدّث خلال فعالية في ريتشموند يوم 2 فبراير (أ.ب)
حاكمة فيرجينيا أبيغيل سبانبرغر تتحدّث خلال فعالية في ريتشموند يوم 2 فبراير (أ.ب)
TT

ديمقراطيو فيرجينيا يعيدون رسم الخريطة الانتخابية

حاكمة فيرجينيا أبيغيل سبانبرغر تتحدّث خلال فعالية في ريتشموند يوم 2 فبراير (أ.ب)
حاكمة فيرجينيا أبيغيل سبانبرغر تتحدّث خلال فعالية في ريتشموند يوم 2 فبراير (أ.ب)

سارع الديمقراطيون في فرجينيا إلى الموافقة على مشروع جديد يعيد ترسيم الخريطة الانتخابية في الولاية، بما يمنحهم غالبية ساحقة في العديد من الدوائر خلال الانتخابات النصفية للكونغرس الخريف المقبل، ممهدين الطريق لإحالة الأمر إلى حاكمة الولاية الديمقراطية أبيغيل سبانبرغر للتوقيع عليه أو رفضه خلال هذا الأسبوع.

وتعد هذه الخرائط جزءاً من عملية معقدة على مراحل لا تزال تواجه طعوناً قانونية، ويتعين على ناخبي الولاية الموافقة عليها قبل دخولها حيز التنفيذ. وأدرج الديمقراطيون هذه الخرائط في مشروع قانون الميزانية، الذي سارعوا إلى تمريره عبر الإجراءات التشريعية الخاصة بالولاية، والذي يتضمن أيضاً بنوداً تؤثر على الضرائب ورواتب موظفي الدولة.

ويفيد الديمقراطيون بأن جهودهم لإعادة تقسيم الدوائر ضرورية لمواجهة مساعي الرئيس دونالد ترمب في الولايات ذات الغالبية الجمهورية لإنشاء دوائر جديدة ذات ميول جمهورية لمساعدة حزبهم على الحفاظ على أكثريته الضئيلة في مجلس النواب خلال الانتخابات النصفية للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

واستجابت ولايات تكساس ونورث كارولينا وميسوري وأوهايو حتى الآن لدعوة ترمب. في المقابل، تسعى فيرجينيا إلى الانضمام إلى كاليفورنيا في رسم دوائر انتخابية لمصلحة الديمقراطيين، وتدرس ماريلاند وولايات ديمقراطية أخرى الأمر نفسه.

«تجاوزات» البيت الأبيض

وأجرت الجمعية العامة للمجلس التشريعي في فيرجينيا نقاشات حول هذه الخطوة. واستشهد الديمقراطيون بمقتل مواطنين أميركيين في مينيسوتا على أيدي مسؤولي الهجرة الفيدراليين كدليل على ضرورة سيطرة حزبهم على الكونغرس ومحاسبة ترمب.

وقال رئيس مجلس النواب الديمقراطي دون سكوت إن «التجاوزات التي تصدر عن البيت الأبيض حالياً تنافي القيم الأميركية»، مضيفاً أن ترمب عبّر أيضاً عن رغبته في تسييس الانتخابات على مستوى الولايات.

ومرر كل من مجلسي النواب والشيوخ في الولاية نسختين متطابقتين من التشريع، الثلاثاء، في تصويت أيّده الديمقراطيون وعارضه الجمهوريون. ويتعين على المجلسين الآن إقرار مشروع القانون لإرساله إلى سبانبرغر.

وردّ الجمهوريون باتهام الديمقراطيين في ولايات أخرى بالتلاعب بالدوائر الانتخابية لسنوات عديدة لصالح حزبهم. وقال زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس النواب تيري كيلغور للصحافيين: «لحق ترمب للتو بما يفعله الديمقراطيون». وأشار إلى أن الخريطة المقترحة تقسم مقاطعات شمال فيرجينيا الغنية بالأصوات، والتي تعتبر معاقل للديمقراطيين، إلى أجزاء من 5 دوائر انتخابية. وستمتد هذه الدوائر الجديدة جنوباً إلى مناطق أخرى كانت مصنفة بأنها مؤيدة للجمهوريين.

ولا تزال أمام هذه الخرائط إجراءات طويلة قبل أن تُصبح سارية. وحدد المشرعون 21 أبريل (نيسان) المقبل موعداً لإجراء استفتاء على مستوى الولاية حول تعديل دستور الولاية للسماح مؤقتاً بإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية.

استفتاء شعبي

وفي حال موافقة أكثرية الناخبين، يعتزم الديمقراطيون تطبيق الخرائط الجديدة. إلا أن هذا المسعى لا يزال محل شك، إذ أصدر قاضٍ في مقاطعة تازويل الريفية حكماً بمنع الاستفتاء، مؤيداً بذلك موقف الجمهوريين الذين رفعوا دعوى قضائية بدعوى أن العملية تنتهك قانون الولاية ودستورها. واستأنف الديمقراطيون الحكم، ويمكن للمحكمة العليا في فيرجينيا أن تحسم الأمر في أي وقت.

وتأكيداً على حرص الديمقراطيين على إقرار المسألة في الوقت المناسب لانتخابات هذا العام، أُدرجت الخرائط في مشروع قانون الميزانية الذي كان من المفترض أن يكون من آخر التشريعات التي تُناقش في دورة الجمعية العامة التي تستمر 60 يوماً هذا العام.

ويتناول مشروع القانون الأشهر الستة الأخيرة من السنة المالية 2026، التي تنتهي في 30 يونيو (حزيران) المقبل، وينص على منح مكافآت لمرة واحدة بقيمة 1500 دولار لموظفي الدولة ومعلمي المدارس الحكومية. كما يمنع الولاية من تعديل قانون ضريبة الدخل في فيرجينيا ليتوافق مع العديد من التعديلات الفيدرالية التي أقرها الكونغرس العام الماضي، والتي تتمثل في تجاهل الإعفاءات الضريبية للشركات.


مُحلّفو واشنطن يحبطون محاولة ترمب معاقبة 6 مشرعين ديمقراطيين

وزيرة العدل الأميركية بام بوندي قبل كلمة للرئيس دونالد ترمب في واشنطن يوم 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
وزيرة العدل الأميركية بام بوندي قبل كلمة للرئيس دونالد ترمب في واشنطن يوم 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

مُحلّفو واشنطن يحبطون محاولة ترمب معاقبة 6 مشرعين ديمقراطيين

وزيرة العدل الأميركية بام بوندي قبل كلمة للرئيس دونالد ترمب في واشنطن يوم 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
وزيرة العدل الأميركية بام بوندي قبل كلمة للرئيس دونالد ترمب في واشنطن يوم 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

رفضت هيئة محلفين فيدرالية كبرى، في واشنطن العاصمة، مسعى وزارة العدل الأميركية إلى توجيه اتهامات لستة من المشرعين الديمقراطيين؛ بسبب نشرهم شريط فيديو يدعون فيه أفراد الخدمة العسكرية إلى رفض الأوامر غير القانونية.

وحاولت إدارة الرئيس دونالد ترمب ملاحقة المشرعين الستة، وبينهم العضوان في لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ؛ السناتور مارك كيلي، وهو نقيب بحري متقاعد ورائد فضاء سابق، والسناتورة أليسا سلوتكين، وهي محللة سابقة لدى «وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه)»، بالإضافة إلى 4 نواب؛ هم: الجندي السابق جايسون كرو، والضابطة الاحتياط السابقة في البحرية ماغي غودلاندر، وضابطة القوات الجوية السابقة كريسي هولاهان، وجندي البحرية السابق كريس ديلوزيو، بعدما وجهوا انتقادات حادة إلى الإدارة بشأن نشر قوات من الحرس الوطني في مدن يديرها مسؤولون ديمقراطيون، وإصدار أوامر للإغارة على قوارب يشتبه في أنها تهرب مخدرات عبر جنوب البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ.

وكان مكتب المدعية العامة لواشنطن، القاضية جانين بيرو، وهي حليفة مقربة لترمب، فوّض المدعين العامّين التوجه إلى هيئة محلفين كبرى، والمطالبة بتوجيه اتهامات لأعضاء الكونغرس الستة، الذين خدموا جميعاً في الجيش أو أجهزة الاستخبارات. وبدا لافتاً للغاية أن أعضاء هيئة المحلفين، وهم مجموعة من المواطنين العاديين، عارضوا بشدة محاولةَ الإدارة تسييس العدالة الجنائية، ومحاولةَ عدّ معارضة ترمب جريمة تستوجب الملاحقة القضائية.

وقبل الولاية الرئاسية الثانية لترمب، كان يندر أن يرفض أعضاء هيئة المحلفين الكبرى طلبات المدعين العامّين الساعين إلى توجيه اتهامات.

استغلال السلطة

سعى المُدّعون العامّون الذين قدموا القضية إلى إقناع هيئة المحلفين بأن المشرعين الستة انتهكوا قانوناً يحظر التدخل في ولاء القوات المسلحة الأميركية أو معنوياتها أو انضباطها.

السناتور الديمقراطي مارك كيلي متحدثاً إلى الصحافيين خارج المحكمة في واشنطن العاصمة يوم 3 فبراير 2026 (أ.ب)

وبعد رفض هيئة المحلفين توجيه الاتهامات، امتنعت وزارة العدل عن التعليق.

في المقابل، رحبت سلوتكين بالنتيجة. وقالت في بيان: «بغض النظر عما سيفعله الرئيس ترمب وبيرو في هذه القضية، فقد حققنا الليلة انتصاراً للدستور وحرية التعبير وسيادة القانون».

وكذلك ندد كيلي بالمحاولات المتكررة التي تبذلها الإدارة لاستهدافه هو وزملائه. وقال إن «هذا استغلال فاضح للسلطة من دونالد ترمب وأتباعه»، مضيفاً أن ترمب «يريد أن يرعب كل أميركي لدرجة تمنعه ​​من التعبير عن رأيه ضده. إن أكثر ما يُمكننا فعله بدافع الوطنية هو عدم التراجع».

ولطالما رفعت وزارةُ العدل في عهد ترمب دعاوى جنائيةً مشكوكاً في صحتها ضد خصومه، وبينهم المدير السابق لـ«مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)»، والمدعية العامّة في نيويورك ليتيسيا جيمس. ورغم ضعف هذه الدعاوى، فإنه بدا أن وزارة العدل، بقيادة الوزيرة بام بوندي، قررت أن الخسارة في المحكمة أفضل من مواجهة رغبة ترمب المعروفة في الانتقام.

وفتحت وزارة العدل أخيراً تحقيقات مع مسؤولين ديمقراطيين في مينيسوتا عارضوا حملة ترمب المشددة ضد الهجرة، واعتقلت الصحافي دون ليمون لوجوده في احتجاج كنسي بمدينة مينيابوليس. وخلال الأسبوع الماضي، دهم عملاء «إف بي آي» مكتب انتخابات في أتلانتا بناء على ادعاءات، دُحضت لاحقاً، بشأن تزوير الانتخابات الرئاسية في عام 2020.

قصة الفيديو

السناتورة الديمقراطية إليسا سلوتكين (أرشيفية - أ.ب)

وبدأت القضية ضد المشرعين إثر مقطع فيديو نشرته سلوتكين في وقت كان ترمب يُصدر فيه أوامر بشن غارات على قوارب يُشتبه في تهريبها المخدرات بمنطقة البحر الكاريبي، وكان يُدرَس نشر قوات عسكرية بالمدن الأميركية لقمع الاحتجاجات.

وتناوب المشرعون على قراءة بيان حذروا فيه من أن «التهديدات التي تواجه دستورنا لا تأتي من الخارج فقط، بل من الداخل أيضاً». وقال كيلي إن «قوانيننا واضحة، ويمكنكم رفض الأوامر غير القانونية».

وبعد وقت قصير، أثار الفيديو غضب ترمب، الذي طالب بمعاقبة المشرعين. وكتب على منصته «تروث سوشيال» للتواصل الاجتماعي: «سلوك تحريضي... عقوبته الإعدام!». وشارك منشوراً آخر يقول: «أعدموهم شنقاً... جورج واشنطن كان سيفعل ذلك!».

وبعد أيام، كشف المشرعون الستة عن أن «مكتب التحقيقات الفيدرالي» تواصل مع ضباط الأمن في مجلسَي النواب والشيوخ، طالباً إجراء مقابلات معهم؛ مما يشير إلى بدء تحقيق جنائي. وقال النواب الأربعة، الذين ظهروا في الفيديو، في بيان مشترك: «يستخدم الرئيسُ ترمب (مكتبَ التحقيقات الفيدرالي) أداةً لترهيب أعضاء الكونغرس ومضايقتهم. لن يثنينا أي قدر من الترهيب أو المضايقة عن أداء واجباتنا واحترام دستورنا».

وفي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وصف وزير الحرب، بيت هيغسيث، الفيديو بأنه «شائن، ومتهور، وكاذب»، عادّاً أن المشرعين كانوا يُشجعون الجنود على «تجاهل أوامر قادتهم». وأضاف أن «خطابهم الأحمق يُثير الشك والبلبلة؛ الأمر الذي يُعرّض جنودنا للخطر».