قلق وتصعيد دبلوماسي: غرب أفريقيا يتحرك لمواجهة خطر الإرهاب في الساحل

دول تتجاوز خلافاتها الدبلوماسية وتبدأ التنسيق

وزراء خارجية دول الساحل مع رئيس مفوضية مجموعة «إيكواس» الخميس في باماكو (صحافة محلية)
وزراء خارجية دول الساحل مع رئيس مفوضية مجموعة «إيكواس» الخميس في باماكو (صحافة محلية)
TT

قلق وتصعيد دبلوماسي: غرب أفريقيا يتحرك لمواجهة خطر الإرهاب في الساحل

وزراء خارجية دول الساحل مع رئيس مفوضية مجموعة «إيكواس» الخميس في باماكو (صحافة محلية)
وزراء خارجية دول الساحل مع رئيس مفوضية مجموعة «إيكواس» الخميس في باماكو (صحافة محلية)

قررت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) وتحالف دول الساحل (الخميس) تجاوز خلافاتهما الدبلوماسية والسياسية من أجل مواجهة خطر الإرهاب المتصاعد في المنطقة، الذي بدأ يزحف من منطقة الساحل ليقترب أكثر من دول غرب أفريقيا.

وأصبحت دول الساحل (مالي والنيجر وبوركينا فاسو) بؤرةً للإرهاب العالمي خلال السنوات الأخيرة، إذ يقول المؤشر العالمي للإرهاب إنه في عام 2024 الماضي، سجلت هذه المنطقة 51 في المائة من عدد القتلى في العالم بسبب الهجمات الإرهابية.

جانب من لقاء سابق بين وزراء تحالف دول الساحل الثلاث، قبل الانفصال بين المنظمة والتحالف الإقليمي الناشئ، المكون من مالي والنيجر وبوركينا فاسو «غيتي«

وأوضح المؤشر أن 3885 حالة وفاة سجلتها منطقة الساحل الأفريقي وحدها، وذلك من أصل 7555 حالة وفاة سجلت في العالم بسبب الإرهاب، طيلة عام 2024، وهو ما يعني أن الساحل يعد أكثر منطقة في العالم تضرراً من الإرهاب.

الوضع الأمني المتردي دفع جيوش دول الساحل الثلاث إلى السيطرة على الحكم، والتخلي عن التحالف التقليدي مع فرنسا والغرب، وعقد شراكة مع روسيا، لتصبح المنطقة مسرح صراع دولي كبير، أثر على العلاقة بين دول الساحل والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، وصلت إلى درجة القطيعة التامة.

تنسيق رغم الخلافات

ورغم الخلافات القوية بين دول الساحل ودول غرب أفريقيا، قرر الطرفان عقد أول اجتماع من نوعه لنقاش خطر الإرهاب (الخميس) في العاصمة المالية باماكو، وحضره وزراء خارجية دول تحالف الساحل ورئيس مفوضية المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، وهو أول جلسة مشاورات رسمية يعقدها الطرفان، منذ إعلان دول الساحل انسحابها من المنظمة في يناير (كانون الثاني) 2024.

وحسب بيان مشترك صادر عقب اللقاء، فإن الهدف منه كان التنسيق من أجل مواجهة خطر الإرهاب، والتفاوض لوضع إطار تفاوضي جديد يُنظم العلاقة المستقبلية بين الطرفين، مع تأكيد الالتزام المتبادل بالحفاظ على مكاسب التكامل الإقليمي، لا سيما حرية تنقل الأشخاص والبضائع.

وعبّر الجانبان عن قلق مشترك بشأن الوضع الأمني المتدهور، وسط استمرار تصاعد الهجمات الإرهابية في منطقة الساحل، وأكدا الحاجة العاجلة إلى تنسيق الجهود لمواجهة التهديدات العابرة للحدود. وقد شدّد البيان على «أهمية خلق الظروف اللازمة لتعاون فعال في مجال مكافحة الإرهاب».

ويمثل هذا الموقف تحولاً ملحوظاً بعد أشهر من التوتر السياسي، خصوصاً عقب العقوبات التي فرضتها مجموعة «إيكواس» على الدول الثلاث (مالي، بوركينا فاسو، النيجر) بسبب الانقلابات العسكرية المتتالية منذ 2020.

من التوتر إلى الحوار

رغم أن دول الساحل الثلاث انسحبت رسمياً من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، وشكلت تحالفاً خاصاً بها محسوباً على روسيا، فإن البيان الختامي للقاء التشاوري أشاد بما سماه «الروح الأخوية والمسؤولة» التي طبعت هذا اللقاء الأول.

وأكد البيان الختامي رغبة الجانبين في الحفاظ على قنوات الحوار مفتوحة وتجنب الانزلاق نحو عزلة متبادلة، من شأنها أن تتيح للمجموعات الإرهابية المحسوبة على «القاعدة» و«داعش» فرصة التغلغل في المنطقة، بسبب غياب التنسيق.

كما تطرقت المباحثات إلى ملفات ذات أولوية مثل «الشراكات السياسية والدبلوماسية الجديدة»، و«الأمن الإقليمي والدفاع المشترك»، و«القضايا القانونية والمؤسسية»، و«التنمية الاقتصادية والاجتماعية».

سياق معقد

تأتي هذه المشاورات في وقت تشهد فيه منطقة الساحل تصاعداً غير مسبوق في نشاط الجماعات الإرهابية، لا سيما في بوركينا فاسو ومالي والنيجر، وهو ما يعزز الدعوات لتكوين «مقاربة أمنية مشتركة» وفعالة بعيداً عن التوترات الإقليمية.

وكانت دول الساحل الثلاث قد عقدت عدة اجتماعات العام الماضي، لتأكيد وحدتها السياسية وتوجهها نحو اندماج سيادي خارج إطار مجموعة «إيكواس»، في حين عبّرت الأخيرة من جانبها عن استعدادها لإعادة بناء الثقة والبحث عن أشكال جديدة من التعاون المرن.

يشير هذا اللقاء إلى بداية مرحلة انتقالية قد تعيد رسم خريطة التعاون الإقليمي في غرب أفريقيا، خصوصاً مع استعداد الجانبين لمواصلة الحوار، وصياغة اتفاقات ثنائية أو متعددة الأطراف تضمن المصالح الأمنية والتنموية لشعوب المنطقة.

في ظل التهديدات الأمنية المتزايدة، يبدو أن منطق المواجهة بدأ يفسح المجال لمقاربات أكثر واقعية، تُركّز على أولويات الأمن والاستقرار ومصالح الشعوب، بدلاً من الانقسامات السياسية.


مقالات ذات صلة

مصر تجدد رفضها المساس بوحدة الصومال

العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يجري محادثات في القاهرة مع نظيره الصومالي حسن شيخ محمود (الرئاسة المصرية)

مصر تجدد رفضها المساس بوحدة الصومال

جدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي موقف بلاده الداعم لوحدة الصومال وسلامة أراضيه، ورفضها القاطع لأي إجراءات تمس هذه الوحدة.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
العالم العربي رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)

مقترحات آبي أحمد للوصول للبحر الأحمر... رسائل طمأنة أم مناورة تفاوضية؟

طرح رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، مقترحات بلده بشأن الوصول إلى منفذ بحري عبر البحر الأحمر، في هدف يكرره منذ سنوات رغم رفض دول مشاطئة.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا وزير الدفاع الصومالي أحمد معلم فقي خلال افتتاح أعمال اجتماع «لجنة الدفاع العليا» (وكالة الأنباء الصومالية)

«مجلس الدفاع» الصومالي... خطوة نحو «تطويق» التهديدات

دشنت مقديشو «مجلس الدفاع» منصةً جديدة تعزز التنسيق بين المؤسسات الأمنية، وتوحيد العمليات العسكرية، وإصلاح القوات في تزامناً مع تصاعد التوتر مع «أرض الصومال».

محمد محمود (القاهرة )
تحليل إخباري الرئيس الإسرائيلي يلتقي قائد إقليم أرض الصومال الانفصالي على هامش منتدى دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)

تحليل إخباري إسرائيل ترسخ اعترافها بـ«أرض الصومال» بلقاء هرتسوغ ورئيس الإقليم الانفصالي

وسَّعت إسرائيل من علاقاتها بالإقليم الصومالي الانفصالي بلقاء جمع رئيسها إسحاق هرتسوغ مع قائد الإقليم عبد الرحمن عرو في دافوس.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي الرئيس الصومالي يشارك في مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرق (وكالة الأنباء الصومالية)

إعلان «ولاية شمال شرق» الصومالية رسمياً يقلص ذرائع الانفصال

بدأت ولاية «شمال شرق الصومال»، المتاخمة للإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، مهام عملها رسمياً بعد أشهر من إعلانها وبدء تشكيل هياكلها الحكومية، وسط حضور رئاسي.

محمد محمود (القاهرة)

مسلحون يقتلون 3 أشخاص ويخطفون قساً في شمال نيجيريا

سيارة تابعة للشرطة في ولاية كادونا بشمال نيجيريا (رويترز)
سيارة تابعة للشرطة في ولاية كادونا بشمال نيجيريا (رويترز)
TT

مسلحون يقتلون 3 أشخاص ويخطفون قساً في شمال نيجيريا

سيارة تابعة للشرطة في ولاية كادونا بشمال نيجيريا (رويترز)
سيارة تابعة للشرطة في ولاية كادونا بشمال نيجيريا (رويترز)

قالت مصادر كنسية وأخرى من الشرطة، الأحد، إن مسلحين قتلوا 3 أشخاص وخطفوا قساً كاثوليكياً وعدة أشخاص آخرين خلال هجوم شنوه في الصباح الباكر على منزل القس في ولاية كادونا بشمال نيجيريا، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويُسلّط الهجوم الذي وقع، أمس السبت، في منطقة كورو الضوء على استمرار انعدام الأمن في المنطقة، حيث وقع بعد أيام من إنقاذ الأجهزة الأمنية جميع المصلين البالغ عددهم 166 الذين خطفهم مسلحون خلال هجمات على كنيستين في منطقة أخرى في كادونا.

وذكر بيان صادر عن أبرشية كافانشان الكاثوليكية أن القس المخطوف هو ناثانيال أسواي من كنيسة هولي ترينتي (الثالوث المقدس) في كاركو.

وأثارت الهجمات في المنطقة اهتمام الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي اتهم الحكومة النيجيرية بالتقاعس عن حماية المسيحيين، وهو اتهام تنفيه أبوجا.

وشنّت القوات الأميركية هجوماً على ما وصفته بأهداف لإرهابيين في شمال غربي نيجيريا في 25 ديسمبر (كانون الأول).

وقالت منظمة العفو الدولية، في بيان الأحد، إن الأزمة الأمنية في نيجيريا «تخرج عن السيطرة بشكل متزايد». واتهمت الحكومة «بالتقصير الجسيم» وعدم القدرة على حماية المدنيين في الوقت الذي يقتل فيه مسلحون ويخطفون ويرهبون مواطنين في مناطق ريفية في عدة ولايات شمالية، بما في ذلك كادونا.

وقالت الأبرشية إن 10 أشخاص آخرين خطفوا مع القس، مضيفة أن 3 من السكان قتلوا خلال الهجوم الذي بدأ نحو الساعة 3:20 صباحاً (2:20 بتوقيت غرينتش).

وأكد متحدث باسم شرطة كادونا الواقعة، لكنه ذكر رقماً مختلفاً لعدد المخطوفين، وقال إن القتلى الثلاثة هم جنديان وشرطي.

وقال المتحدث: «ما حدث هو أن 5 أشخاص خطفوا، من بينهم القس». وأضاف أن الشرطة والجنود طاردوا المهاجمين، وطوّقوا المنطقة.

وتابع: «تبادل رجال الأمن إطلاق النار مع الخاطفين، وقتلوا بعضهم، ولسوء الحظ لقي جنديان وشرطي حتفهم في أثناء ذلك».


إثيوبيا تطالب إريتريا بـ«سحب قواتها فوراً» من أراضيها

نازحون داخل مخيّم خارج ميكيلي عاصمة تيغراي... 12 فبراير الماضي (أ.ب)
نازحون داخل مخيّم خارج ميكيلي عاصمة تيغراي... 12 فبراير الماضي (أ.ب)
TT

إثيوبيا تطالب إريتريا بـ«سحب قواتها فوراً» من أراضيها

نازحون داخل مخيّم خارج ميكيلي عاصمة تيغراي... 12 فبراير الماضي (أ.ب)
نازحون داخل مخيّم خارج ميكيلي عاصمة تيغراي... 12 فبراير الماضي (أ.ب)

حضت إثيوبيا جارتها إريتريا على «سحب قواتها فوراً» من أراضيها، منددة بـ«عمليات توغل» لقوات أسمرة وقيامها بـ«مناورات عسكرية مشتركة» مع متمردين يقاتلون الحكومة الفيدرالية، وسط مناخ يزداد توتراً بين البلدين الواقعين في القرن الأفريقي.

وقال وزير الخارجية الإثيوبي جدعون تيموثيوس في رسالة مؤرخة السبت إلى نظيره الإريتري إن «أحداث الأيام الأخيرة تعني أن حكومة إريتريا اختارت طريق التصعيد»، مطالباً «حكومة إريتريا بشكل رسمي بأن تسحب فوراً قواتها من الأراضي الإثيوبية، وتوقف كل أشكال التعاون مع المجموعات المتمردة». وأضاف أن هذه الأفعال ليست «مجرد استفزازات، بل بكل بساطة أعمال محض عدوانية». وتابع الوزير: «نعتقد أنه يمكن كسر هذه الحلقة من العنف وعدم الثقة عبر الحوار والالتزام الدبلوماسي»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

والعلاقات بين إثيوبيا وإريتريا متوترة تاريخياً. وفي الأشهر الأخيرة اتهمت أديس أبابا جارتها بدعم متمردين على أراضيها، الأمر الذي نفته أسمرة. وإريتريا مستعمرة إيطالية سابقة ضمتها إثيوبيا في شكل تدريجي في خمسينات القرن الفائت قبل أن تنال استقلالها رسمياً عام 1993 بعد عقود من العمل المسلح ضد أديس أبابا.

واندلعت بعدها حرب بين البلدين المتجاورين بين 1998 و2000، وخصوصاً بسبب خلافات حدودية، مخلفة عشرات آلاف القتلى. وعلى الأثر، ساد فتور العلاقات الثنائية طوال 18 عاماً.

وطبّع البلدان علاقاتهما مع تولي أبيي احمد الحكم في إثيوبيا في 2018. وبفضل هذا التقارب، حاز الأخير جائزة نوبل للسلام في العام التالي. ومع بدء الحرب في إقليم تيغراي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، دعمت قوات إريتريا الجيش الفيدرالي الإثيوبي في مواجهة السلطات المتمردة في المنطقة. واتهم أبيي أحمد، الثلاثاء، إريتريا للمرة الأولى بارتكاب «مجازر» خلال حرب تيغراي بين عامي 2020 و2022 عندما كان البلدان متحالفين.

وقدّر الاتحاد الأفريقي بنحو 600 ألف على الأقل عدد الذين لقوا حتفهم بين نوفمبر 2020 ونوفمبر 2022 خلال هذه الحرب بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية ومتمردي جبهة تحرير شعب تيغراي.


نيجيريا: نشر الجيش في كوارا بعد مقتل العشرات على يد «إرهابيين»

عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)
عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)
TT

نيجيريا: نشر الجيش في كوارا بعد مقتل العشرات على يد «إرهابيين»

عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)
عربات وبيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)

أعلن رئيس نيجيريا بولا أحمد تينيبو، مساء الخميس، أنه أمر بنشر كتيبة من الجيش في ولاية كوارا، غرب البلاد على الحدود مع دولة بنين، وذلك بعد هجوم إرهابي عنيف أودى بحياة أكثر من 75 شخصاً، حسب حصيلة رسمية، في حين تشير مصادر محلية إلى أن الحصيلة قد تتجاوز 170 قتيلاً.

وبحسب وسائل إعلام محلية، فإن مجموعة من مقاتلي «بوكو حرام»، بقيادة شخص يُدعى مالام صديقي، اجتاحوا قرية وورو في وقت متأخر من ليل الثلاثاء/ الأربعاء، وسيطروا عليها لعدة ساعات، وارتكبوا مجازر بحق السكان، قبل أن ينسحبوا نحو الغابات القريبة.

ويوصف الهجوم بأنه الأكثر دموية في نيجيريا منذ بداية العام (2026)، ويأتي في وقت تحاول نيجيريا رفع نسق الحرب على الإرهاب في شمال البلاد، وذلك بدعم وضغط داخلي وخارجي، وخاصة من طرف الولايات المتحدة.

قوات نيجيرية في ولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي على القرية المسلمة (أ.ف.ب)

تحرك الجيش

وقال الرئيس تينيبو في تغريدة على حسابه بمنصة «إكس»، مساء الخميس، إنه استقبل في القصر الرئاسي حاكم ولاية كوارا، عبد الرحمن عبد الرزاق، من أجل الاطلاع على تفاصيل الهجوم الإرهابي الأخير، مشيراً إلى أن سكان القرية «استُهدفوا بسبب رفضهم آيديولوجيا المتطرفين».

وقال تينيبو: «أدين بأشد العبارات هذا الهجوم الجبان والوحشي». وأضاف: «إن المسلحين بلا رحمة؛ لأنهم يختارون أهدافاً رخوة في حملتهم الإرهابية الفاشلة. أفعالهم تُهين إنسانيتنا وإيماننا وقيمنا المشتركة كأمة».

وقالت صحيفة «بريميوم تايمز» النيجيرية، إن الرئيس تينيبو أمر بنشر كتيبة من الجيش في الولاية التي وقع فيها الهجوم، وقال إن الكتيبة «ستقود عملية (درع السافانا) للقضاء على هؤلاء الإرهابيين المتوحشين وحماية السكان العزل».

نقل جثث ضحايا الهجوم الإرهابي (رويترز)

وأضاف الرئيس: «من الجدير الإشادة بأفراد المجتمع المسلمين؛ لأنهم رفضوا الانخراط قسراً في معتقد شاذ يروّج للعنف على حساب السلام والحوار». وأكد: «لن تسلّم نيجيريا شعبها أبداً للتطرف والإرهاب المتخفيين تحت ستار الدين». وخلص الرئيس إلى أنه أصدر تعليمات بتعزيز التنسيق بين الوكالات الاتحادية ووكالات الولاية لتقديم الدعم الفوري وإغاثة المتضررين من الهجوم الإرهابي، وأضاف أن الإرهابيين «سيطارَدون حتى آخر واحد منهم، ولن يفلتوا من العقاب».

غياب الأمن

بيوت مدمرة نتيجة الهجوم المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (أ.ب)

ورغم تطمينات الرئيس فإن السكان المحليين يشتكون غياب الجيش عن المنطقة. وقال صالحُ عمر، وهو عمدة قرية وورو التي تعرضت للهجوم، إن الهجوم استمر لعدة ساعات من دون أي تدخل أمني، وأضاف العمدة في تصريحات صحافية أن اثنين من أبنائه قُتلا في الهجوم، في حين اختُطفت زوجته وبناته الثلاث.

وقال العمدة في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «قتلوا اثنين من أبنائي أمام منزلي وخطفوا زوجتي الثانية وثلاثاً من بناتنا»، وأضاف الرجل البالغ من العمر 53 عاماً، وهو يمسك بسبحته: «في حدود الساعة الخامسة مساءً (الثلاثاء)، وصل المجرمون وبدأوا إطلاق النار. كانوا يبحثون عني، لكنهم لم يجدوني في المنزل؛ لأنني كنت خارجه. اختبأت في بيت آخر وسمعت صوت الرصاص».

وتابع عمدة وورو، وهي بلدة ريفية صغيرة ذات أغلبية مسلمة تقع على حدود ولاية النيجر قرب غابات يُعتقد أنها تؤوي إرهابيين وعصابات مسلحة: «أُحرِقَ أشخاص أحياء داخل منازلهم»، وخلص إلى القول: «مع بزوغ الفجر، كانت الجثث في كل مكان».

دفن جثث ضحايا الهجوم الإرهابي المسلح على قرية وورو في ولاية كوارا (رويترز)

أرض محروقة

لم تعد قرية وورو، التي كانت تضم بضعة آلاف من السكان، سوى ظلٍّ لما كانت عليه؛ فقد هجرها جميع سكانها، ولم يبقَ فيها سوى عدد قليل من الرجال الذين يواصلون البحث ودفن القتلى. وعلى جانبَي الشارع الرئيسي تنتشر دكاكين ومنازل مدمّرة ومحترقة.

ويقول محمد عبد الكريم، وهو متقاعد يبلغ 60 عاماً فقد 12 فرداً من عائلته في الهجوم الذي انتهى فجر الأربعاء: «كنت على جانب الطريق حين رأيت دراجة نارية عليها ثلاثة رجال يرتدون زياً عسكرياً ويحملون بنادق (كلاشنيكوف)... كانوا قطّاع طرق لا جنوداً، وبعد ثلاث ثوانٍ سمعت إطلاق النار».

أوبا ساني حاكم ولاية كادونا يصافح رعايا كنيسة اختُطفوا سابقاً من قِبل مجموعات مسلحة بعد عودتهم (أ.ب)

ويصف الرجل، الذي خُطف ابنه البالغ عامين ونصف العام على يد المهاجمين، ما جرى قائلاً: «كانوا يمسكون بالناس، يربطون أيديهم خلف ظهورهم، ثم يطلقون النار على رؤوسهم»، ويضيف: «بين أمس واليوم، دفنّا 178 جثة».

وبحسب أرقام نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية» عن «الصليب الأحمر»، الأربعاء، فقد جرى إحصاء ما لا يقل عن 162 جثة، في حين أعلن حاكم ولاية كوارا حصيلة قدرها 75 قتيلاً، كما أفاد عبدول إبراهيم، وهو ممرض متقاعد من سكان وورو، بأن عدد القتلى «يزيد على 165». ووفقاً لسعيدو بابا أحمد، عضو الجمعية المحلية، فإن «38 شخصاً، معظمهم من النساء والأطفال، اختطفهم القتلة».

الطاقم الأميركي في مجموعة العمل المشتركة بين نيجيريا والولايات المتحدة (رويترز)

رفض التطرف

وفي تصريحات نقلتها صحف محلية، قال صالحُ عمر، عمدة القرية: «أرسلوا لنا رسالة يُبلّغوننا فيها بأنهم سيأتون لإلقاء موعظة» في القرية، لكن «المجتمع غير مستعد لقبول آيديولوجيتهم»، مشيراً إلى أنه كعمدة أبلغ أجهزة الأمن المحلية فور تلقي الرسالة. وأضاف العمدة: «أعتقد أن هذا ما أغضبهم ودفعهم للقدوم وقتل الناس».

ويزداد الوضع الأمني صعوبة في نيجيريا، خاصة في ظل وجود تنظيم «داعش في غرب أفريقيا»، وجماعة «بوكو حرام»، ودخول جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» التابعة لتنظيم «القاعدة» على الخط؛ إذ شنت الجماعة هجوماً في نفس المنطقة في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، إيذاناً ببداية نشاطها الإرهابي في نيجيريا.

تجمُّع سكان بالقرب من موقع تفجير استهدف مسجداً في سوق غامبورو بمدينة مايدوغوري شمال شرقي نيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

ومع تصاعد العنف، أصبحت الجماعات الإرهابية في نيجيريا مصدر قلق للولايات المتحدة بعدما قال الرئيس دونالد ترمب إن مسيحيي نيجيريا «يتعرضون للاضطهاد»، وإنهم ضحايا «إبادة جماعية» ينفذها «إرهابيون». غير أن أبوجا ومعظم الخبراء نفوا هذه المزاعم بشدة، مؤكدين أن العنف يطال المسيحيين والمسلمين على حد سواء في البلاد.

وخلال الأسابيع الأخيرة، قرر البلدان تعزيز تعاونهما العسكري عقب ضغوط دبلوماسية مارستها واشنطن على أبوجا بشأن أعمال العنف التي ترتكبها جماعات إرهابية وغيرها من الجماعات المسلحة.