7 اختراقات علمية أحدثت تغيراً نوعياً في أميركا

نجحت بفضل التمويل الحكومي

7 اختراقات علمية أحدثت تغيراً نوعياً في أميركا
TT

7 اختراقات علمية أحدثت تغيراً نوعياً في أميركا

7 اختراقات علمية أحدثت تغيراً نوعياً في أميركا

نادراً ما يتحرك العلم في خطوط مستقيمة. و«يُطبق» العلم في بعض الأحيان لحل مشكلات محددة، مثل: دعونا نرسل الناس إلى سطح القمر؛ نحن بحاجة إلى لقاح ضد «كوفيد»، كما كتب آلان بورديك وإيميلي أنثيس*.

علوم أساسية وتمويل حكومي

في كثير من الأحيان يكون العلم «أساسياً»، ويهدف إلى فهم انقسام الخلايا وتكاثرها أو فيزياء تكوين السحب، على أمل أن تُثبت هذه المعرفة - يوماً ما وبطريقة ما - أنها مفيدة. والعلوم الأساسية هي علوم تطبيقية لم تُطبق بعد.

وتنفق الحكومة 200 مليار دولار سنوياً على مجالات البحث والتطوير، مع العلم أن المردود قد يأتي بعد عقود من الزمن؛ ومن المتوقع أن ينخفض هذا الرقم بشكل حاد في ظل ميزانية الرئيس دونالد ترمب المقترحة لعام 2026.

وخير مثال على الدعم المالي الحكومي هي شركة «غوغل»، التي بدأت في عام 1994 بمنحة فيدرالية بقيمة 4 ملايين دولار للمساعدة في بناء مكتبات رقمية؛ وقد أصبحت قيمة الشركة تبلغ الآن 2 تريليون دولار.

نظم «جي بي إس»

النظام العالمي لتحديد المواقع

وفيما يلي سبعة تطورات أخرى غيّرت مجرى الحياة بفضل الاستثمارات الحكومية.

اول الاختراقات- النظام العالمي لتحديد المواقع (GPS)، اذ صُنعت أول وحدة تجارية له في عام 1988، وهي عبارة عن قطعة كبيرة بحجم قطعة قرميد بقيمة 3 آلاف دولار أميركي للمتنزهين وراكبي القوارب. وقد أصبحت هذه التكنولوجيا الآن منتشرة في كل مكان - في السيارات والطائرات والهواتف والساعات الذكية التي تعمل بالتطبيقات - لدرجة أن وجودها قد يبدو أمراً محتوماً.

في واقع الأمر، كان طريقها طويلاً وغير مباشر وممهداً بأموال حكومية. البداية كانت في عام 1957: أدرك اثنان من الباحثين في مختبر الفيزياء التطبيقية بجامعة جونز هوبكنز أن بإمكانهما تحديد مكان «سبوتنيك»، القمر الصناعي الروسي الجديد الذي يدور حول الأرض، من خلال التردد المتغير لإشارته اللاسلكية أثناء تحركه.

والآن لنعكس هذا المنطق: إذا كان بإمكان جهاز استقبال ثابت على الأرض تحديد موقع قمر اصطناعي متحرك، فإن القمر الاصطناعي ذو الإحداثيات المعروفة يجب أن يكون قادراً على العثور على جهاز استقبال «مفقود» على الأرض، عندما يكون موقعه غير معروف.

تحولت هذه الفكرة، في عام 1958، إلى نظام يسمى «ترانزيت» Transit، وهو عبارة عن نظام ملاحي لتتبع الغواصات النووية، طورته جامعة جونز هوبكنز مع وزارة الدفاع. ثم جاء بعد ذلك نظام «نافستار» Navstar العالمي لتحديد المواقع، بدءاً من عام 1978، للاستخدام العسكري على نطاق أوسع؛ وفي عام 1983، تم السماح لشركات الطيران التجارية باستخدامه أيضاً.

كل هذا تطلب أقماراً اصطناعية أحدث؛ وساعات ذرية من أجل دقة أفضل؛ وصواريخ لإطلاق كل شيء إلى المدار؛ وأبحاثاً في المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا ومختبر الأبحاث البحرية؛ وعقوداً حكومية لشركات مثل «روكويل إنترناشيونال» و«جنرال دايناميكس» و«بوينغ». والآن صار يُطلق عليه فقط اسم «نظام تحديد المواقع العالمي» (GPS).

«وحش جيلا»

أدوية السكري والسمنة

اليوم، يتناول ملايين الأميركيين أدوية مثل «أوزيمبيك» أو «ويغوفي» أو «مونجارو» أو أحد الأدوية الجديدة الرائجة الأخرى لعلاج مرض السكري وإنقاص الوزن، بفضل الدعم الحكومي - وبفضل سحلية بطيئة سامة يمكنها البقاء على قيد الحياة بتناول وجبات قليلة في السنة.

في عام 1980، اكتشف الدكتور جان بيير روفمان، وهو باحث يدرس سموم الحشرات والزواحف في المعاهد الوطنية للصحة، أن اسم «وحش جيلا» Gila monster له تأثير واضح على البنكرياس، إذ يدفعه إلى إفراز إنزيم هاضم. وقد أثار هذا الأمر اهتمام الدكتور جون إنغ، اختصاصي الغدد الصماء في المركز الطبي لشؤون المحاربين القدامى في برونكس بنيويورك، والذي عمل رفقة الدكتور روفمان لعزل وتحديد مركب جديد، هو مركب «إكسيندين 4» في سم السحلية. وفي عام 2005، تمت الموافقة على نسخة اصطناعية من المركب، الذي يحفز إنتاج الإنسولين ويبطئ إفراغ المعدة، لعلاج مرض السكري.

وقد كان أول دواء في فئة الأدوية المزدهرة الآن، والمعروفة باسم «ناهضات مستقبل الببتيد الشبيه بالغلوكاجون-1» GLP-1 receptor agonists، والتي تخضع للدراسة حالياً لبحث إمكانية استخدامها في علاج مجموعة واسعة من الحالات، بما في ذلك أمراض الكلى، وألزهايمر، واضطراب الإدمان الكحولي.

النقاط الكمومية

إذا كنت تقرأ هذا على الشاشة، فربما تنظر إلى المليارات من النقاط الكمومية.

والنقاط الكمومية quantum dots هي بلورات صغيرة من أشباه الموصلات، يبلغ حجمها 10 نانومترات (واحد من المليار من المتر) أو أصغر، وقد أصبحت دعامة أساسية في الإلكترونيات الاستهلاكية. ولكونها نانوية، فهي تخضع لقوانين ميكانيكا الكم الغريبة، وتمتص وتبعث الضوء بكفاءة أكبر من المواد الأخرى.

النقاط الكمومية ألوانها نابضة بالحياة، إنها مثالية لأجهزة التلفاز والهواتف الذكية وشاشات الكمبيوتر. وهي تضيء للتعرف على الخلايا السرطانية. وهي موجودة في النوافذ الشفافة التي تعمل أيضاً كألواح شمسية. وتكشف في أجهزة الاستشعار العسكرية، عن إشعاعات الميكروويف.

صُنعت النقاط الكمومية للمرة الأولى في عام 1980، ثم صُقلت وصارت قابلة للإنتاج على نطاق واسع بتمويل من المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا ومعهد الجيش الأميركي للتقنيات النانوية العسكرية ووكالات أخرى. وفي عام 2023، فاز ثلاثة علماء، من بينهم كيميائي من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا مدعوماً بمنح من الجيش، بجائزة نوبل في الكيمياء لاكتشافهم النقاط الكمومية وتطويرها.

قاموس لغة الإشارة

عندما وصل ويليام ستوكو، أستاذ الأدب الإنجليزي، إلى كلية غالوديت في عام 1955، كانت العديد من المدارس تشترط على الطلاب الصم قراءة الشفاه والتحدث بصوت عالٍ بدلاً من استخدام لغة الإشارة، والتي كانت تُعتبر شكلاً فجاً أو أقل شأناً من أشكال التواصل. لكن بالنسبة لستوكو، الذي لم يكن أصماً، بدت لغة الإشارة التي يستخدمها طلابه ديناميكية ومعقدة.

في السنوات التالية على ذلك، استخدم ستوكو منحاً من مؤسسة العلوم الوطنية لإجراء دراسات متعمقة حول البنية اللغوية للغة الإشارة وإنشاء أول قاموس للغة الإشارة Sign Language Dictionary الأميركية، بالتعاون مع اثنين من زملائه فيما يعرف الآن بجامعة غالوديت. أرست أبحاث ستوكو الأساس للاعتراف بلغة الإشارة الأميركية كلغة كاملة.

حروف التحقق أو «الكابتشا»

هل أنت روبوت؟ ربما لا. نحن نعرف هذا - «نحن»، هو أي موقع إلكتروني تزوره ويطرح عليك هذا السؤال - بفضل تقنية أمنية تسمى «حروف التحقق: كابتشا» (CAPTCHA)، وهي لغز رقمي يستبعد الروبوتات غير البشرية التي قد تحاول تعطيل نظام الفواتير، أو قاعدة بيانات أخرى ذات قيمة.

تم اختراع «كابتشا»، والتي تعني «اختبار تورينغ العام الآلي الكامل للتفريق بين أجهزة الكمبيوتر والبشر»، في عام 2000 من قبل البشر، بما في ذلك مايكل بلوم، وهو عالم تشفير في جامعة كارنيجي ميلون، ولويس فون آهن، عالم الكمبيوتر هناك الذي دعمت أبحاثه منح مؤسسة العلوم الوطنية الأميركية.

إن البشر أفضل من الحواسيب في فك تشفير الحروف والكلمات؛ حيث كانت اختبارات «كابتشا» المبكرة تعرض صورة لنص مشوه، وكان على المشاهد أن يكتبها بشكل صحيح للمتابعة. وفي عام 2007، عمل فون آهن مع صحيفة نيويورك تايمز لرقمنة قرن من المحفوظات.

جراحة العيون بالليزر

جراحة الليزك من دون شفرات

أدى خطأ مخبري إلى حدوث تقدم في جراحة الليزك، وهي عملية يخضع لها مئات الآلاف من الأميركيين كل عام لإعادة تشكيل قرنياتهم وتصحيح بصرهم.

في عام 1993، أزال ديتاو دو، وهو طالب الدراسات العليا في مركز جامعة ميشيغان للعلوم البصرية فائقة السرعة، نظارات السلامة الخاصة به لفترة وجيزة أثناء عمله مع «ليزر الفيمتو ثانية» في المختبر، فأصابت عينه نبضة طائشة من ضوء الليزر. يُصدر ليزر الفمتو ثانية نبضات قوية من الضوء تدوم لمدة جزء من كوادريليون جزء من الثانية؛ فهو يضرب مثل آلة ثقب الصخور فائقة الدقة أكثر من شفرة سكين. لم يتسبب الحادث في حدوث مشكلات كبيرة في الرؤية، لكن الدكتور رون كورتز، الذي فحص عين الطالب المتخرج، أُعجب بعمل الليزر الدقيق.

في السنوات التالية على ذلك، تعاون كورتز مع جيرار مورو وزملائه في مركز العلوم البصرية، الذي تم تمويله من قبل مؤسسة العلوم الوطنية، لتحويل الليزر إلى أداة لطب العيون. وقد أدى عملهم إلى جراحة الليزك من دون شفرة Bladeless LASIK Surgery، والتي تستخدم ليزر الفيمتو ثانية بدلاً من الشفرة لحفر عين المريض.

منفضة الغبار

خلال سنوات برنامج أبولو، لم تكن «ناسا» تريد أن يمشي الإنسان على سطح القمر فحسب، إنما أرادت أيضاً أن يعود إلى الأرض بعينات من القمر. وقد أثمر البحث عن المثقاب المثالي على القمر في نهاية المطاف إلى منتج أصبح عنصراً أساسياً في المنازل الأميركية - وساعد السكان في الحفاظ على نظافة وترتيب منازلهم.

ولجمع عينات التربة من تحت سطح القمر، احتاجت وكالة ناسا إلى تزويد رواد الفضاء بمثقاب صغير الحجم وخفيف الوزن ولاسلكي. لذلك استعانت الوكالة بشركة «بلاك آند ديكر» للمساعدة في تطوير مثقاب أبولو لسطح القمر.

وكتبت وكالة الفضاء في عدد عام 1981 من مجلة «سبينوف»، وهي مجلة متخصصة في المنتجات والابتكارات التي استفادت من أبحاث «ناسا» وتمويلها: «في سياق التطوير، استخدمت شركة بلاك آند ديكر برنامجاً حاسوبياً مطوراً خصيصاً لتحسين تصميم محرك المثقاب وضمان الحد الأدنى من استهلاك الطاقة». ومهّد عمل الشركة على المثقاب القمري الطريق لتطوير مجموعة من المنتجات الاستهلاكية اللاسلكية، بما في ذلك «داستباستر»، أو المكنسة الكهربائية المحمولة باليد التي جاءت لتقديم فئة جديدة بالكامل من منتجات التنظيف.

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

«التصميم الشامل» في عصر الذكاء الاصطناعي... من «قائمة التحقق» إلى ثقافة مؤسسية

خاص الفجوة الحقيقية في تطبيق الشمولية تكمن في نقص التدريب والمعرفة لا في غياب النية (غيتي)

«التصميم الشامل» في عصر الذكاء الاصطناعي... من «قائمة التحقق» إلى ثقافة مؤسسية

تقول شركة «لينوفو» إن «التصميم الشامل» يتقدم، لكنه يحتاج تدريباً، وثقافة مؤسسية، وحوكمة ذكاء اصطناعي لضمان شمولية حقيقية.

تكنولوجيا ساعة ذكية «صحية» جديدة

ساعة ذكية «صحية» جديدة

تقدم تقارير صحية بالذكاء الاصطناعي

غريغ إيلمان (واشنطن)
تكنولوجيا الفجوة في المواقف لا ترتبط فقط بمستوى المعرفة بل بدرجة النفور من المخاطرة وحجم التعرّض المحتمل لاضطراب سوق العمل (شاترستوك)

النساء أم الرجال... من يرى الذكاء الاصطناعي أكثر خطورة؟

تكشف الدراسة أن النساء ينظرن إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أكثر خطورة من الرجال ويتراجع دعمهن له أسرع عندما تكون مكاسبه الوظيفية غير مؤكدة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا إطار صور رقمي تفاعلي... يناسب شخصيتك وبيئتك

إطار صور رقمي تفاعلي... يناسب شخصيتك وبيئتك

جهاز واحد لكل مزاج

غريغ إيلمان (واشنطن)
تكنولوجيا تطبيقات استوديو «أبل» للمبدعين (أبل)

لماذا يختار بعض صُنّاع المحتوى «أبل»… ويتمسّك المحترفون بـ«أدوبي»؟

«أبل» تراهن على التكامل بين الأجهزة والسرعة والبساطة لصانع المحتوى اليومي، بينما ترتكز «أدوبي» على العمق والمرونة والأدوات الاحترافية للمشاريع المعقّدة.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟
TT

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟

عندما يحين وقت إجراء محادثة صعبة مع مريض يحتضر، حول تركيب أنبوب تغذية في جسمه، يتدرب الدكتور جوناثان تشين، طبيب الباطنية في جامعة ستانفورد، أولاً مع برنامج دردشة آلي. فهو يطلب من البرنامج أن يلعب دور الطبيب بينما يتقمص هو دور المريض، ثم يعكس الأدوار.

براعة الذكاء الاصطناعي الفائقة

يشعر الدكتور تشين بعدم الارتياح حيال ذلك، فبرنامج الدردشة الآلي بارعٌ في إيجاد طرق للتواصل مع المرضى. كما يعلم الأطباء أيضاً براعته في التشخيص وقراءة الصور والفحوص – بل إنه أفضل من كثير من الأطباء – وكذلك في الإجابة عن أسئلة المرضى عبر البوابات الإلكترونية وكتابة طلبات الاستئناف لشركات التأمين عند رفض دواء أو إجراء طبي.

ما هي وظيفة الطبيب؟

إذن، ما هي وظيفة الطبيب؟ يجيب تشين بأن برامج الذكاء الاصطناعي باتت تُشكل «تهديداً وجودياً» للأطباء؛ فهي «تُهدد هويتهم ورسالتهم».

ويتفق الدكتور هارلان كرومولز، طبيب القلب في جامعة ييل ومستشار برنامج OpenEvidence، وهو برنامج ذكاء اصطناعي للأطباء، مع هذا الرأي.

ويضيف كرومولز، وهو أيضاً أحد مؤسسي شركتين ناشئتين تستخدمان الذكاء الاصطناعي لتحليل الصور الطبية والبيانات الرقمية: «إن قدرة الذكاء الاصطناعي على التفكير والتشخيص تتجاوز بالفعل قدرات الأطباء».

الذكاء الاصطناعي بدأ يُغير ممارسات بعض الأطباء

وقد عمل الكثير من الأطباء الذين فكروا ملياً في دور الذكاء الاصطناعي في الطب، مع شركات متخصصة في هذا المجال. وتشين واحد من هؤلاء الأطباء، ويقول إنه والكثير من زملائه يضطرون إلى التساؤل: «متى سيحين الوقت أمامهم للتخلي عن التدخل وترك الأمور للحاسوب؟».

ويقول الباحثون إن برنامجاً مطوراً منظراً مثل «دكتور تشات بوت» Dr. Chatbot ليس جاهزاً تماماً لاستقبال المرضى الآن. لكن الذكاء الاصطناعي بدأ يُغير ممارسات بعض الأطباء ونوعية المرضى الذين يعالجونهم.

أولوية الرعاية... بيد الطبيب

يقول الدكتور روبرت كاليف، طبيب القلب بجامعة ديوك والمفوض السابق لإدارة الغذاء والدواء الأميركية، إن الذكاء الاصطناعي يتولى ما وصفه بـ«بعض الأعمال الروتينية» التي يقوم بها الأطباء حالياً، مثل تدوين ملاحظات حول زيارات المرضى. ولكن حتى مع وجود كم هائل من المعرفة الطبية في خوادمه، فقد لا يكون ذلك كافياً للسماح للروبوتات بتولي رعاية المرضى. وكان كاليف عمل لدى شركة «ألفابت» لمدة ست سنوات، ويقدم استشاراته لشركة ناشئة تستخدم الذكاء الاصطناعي لوصف الأدوية. ويضيف كاليف: «هناك كم هائل من المعلومات، إلا أن كيفية إجراء التفكير النقدي فيها أمر معقد».

رصد الحالة المرضية بدقة

من جهته، يقدم الدكتور لي شوام، طبيب الأعصاب والعميد المساعد للاستراتيجية الرقمية والتحول في كلية الطب بجامعة ييل، مثالاً على ذلك.

يقول المريض: «استيقظتُ أمس وأنا أشعر بدوار. كانت ذراعي مخدرة، وواجهتُ صعوبة في الكلام». ماذا يعني «الدوار» تحديداً؟ قد يعني أن المريض يشعر بدوار خفيف وعلى وشك الإغماء. أو قد يعني أن الغرفة تدور من حوله.

قد يكون المقصود بـ«الذراع الميتة» هو التنميل لا الضعف. قد يصف شخص مصاب بشلل جزئي في ذراعه شعوره بالتنميل. لكن المريض قد يشعر بوخزة إبرة إذا وخزه الطبيب شوام.

هل أصيب المريض بجلطة دماغية؟ هل هذه حالة طبية طارئة؟ يقول شوام إن لديه سنوات من التدريب تُساعده على تحديد المرضى، ومن لا داعي للقلق بشأنه، ومن يجب إدخاله إلى المستشفى... لقد تعلم قراءة العلامات الدقيقة واستخلاص المعلومات التي يصعب التعبير عنها بوضوح والتي نادراً ما تُدوّن.

ويضيف شوام أنه «يستطيع استخدام المنطق في ظل معلومات محدودة أو غير كاملة لاختيار التشخيصات الأكثر ترجيحاً لمزيد من التقييم، مع الموازنة بين الدقة والواقعية».

المصابون بأمراض خطيرة يحتاجون إلى تواصل إنساني

إن هذا العمل ليس من اختصاص برامج الدردشة الآلية. لذا؛ كما يقول شوام: «إنها بارعة في مطابقة الأنماط والتنبؤ... لكن لا يمكنها فعل ذلك إلا بناءً على البيانات المُعطاة لها عن المريض. ليس لديها أي وسيلة لاستخلاص تلك المعلومات بنفسها». ويضيف أن المصابين بأمراض خطيرة يحتاجون إلى تواصل إنساني. ويتابع: «في النهاية، فإنك تريد أن تنظر في عيني المريض»، وأن تشرح له ما إذا كان أمامه عشر سنوات ليعيشها أم ستة أشهر فقط.

الأدوات الذكية تخفف عمل الأطباء الاختصاصيين

لكن شوام لا يستبعد قدرات برامج الدردشة الآلية، التي يُقرّ بأنها قادرة على توسيع نطاق وصول الأطباء وتغيير بنية نظامنا الصحي. ويقول إن الذكاء الاصطناعي يتفوق بالفعل على الأطباء في بعض الحالات، مثل قراءة تخطيط كهربائية القلب. فهو قادر على تشخيص أمراض القلب من خلال رصد أنماط لا يستطيع أطباء القلب رؤيتها، والتي تتطلب عادةً إجراء تخطيط صدى القلب المكلف. وهذا يعني أن أطباء الأسرة يمكنهم الآن القيام ببعض مهام أطباء القلب.

كما يُسهم الذكاء الاصطناعي في تخفيف عبء العمل على بعض الاختصاصيين الطبيين، بحيث لا يضطر المرضى الذين يحتاجون إلى خبرتهم إلى الانتظار أسابيع أو شهوراً للحصول على موعد.

برامج لرصد أعراض الارتجاع المريئي

هذا ما يحدث بالفعل في عيادة الدكتور جون إريك باندولفينو، اختصاصي الارتجاع المرييي المعدي (GERD) في كلية فاينبرغ للطب بجامعة نورث وسترن.

كان معظم المرضى الذين يعانون أعراض ارتجاع المريء ينتظرون أسابيع للحصول على موعد معه. وأوضح أن «نسبة كبيرة من الحالات» كانت أقل خطورة ولا تتطلب رعايته.

*رصد الحالات المرضية. ابتكر باندولفينو حلاً يعتمد على الذكاء الاصطناعي أطلق عليه اسم GERDBot. يقوم النظام بفرز المرضى، وتوجيه من لا يحتاجون فعلاً إلى زيارة الطبيب إلى مقدمي رعاية صحية آخرين. والهدف هو تسريع علاج من يعانون أعراضاً أكثر خطورة.

يبدأ المرضى بالإجابة عن أسئلة النظام الآلي. ومن تظهر عليهم أعراض تشير إلى مشكلة خطيرة، يخضعون للفحص فوراً. أما الباقون، فيتلقون اتصالاً خلال أسبوع من ممرضة ممارسة أو مساعد طبيب، يُطمئنهم ويصف لهم الأدوية اللازمة، إن لزم الأمر.

ويستقبل باندولفينو، الذي رخص نموذج ذكاء اصطناعي آخر من ابتكاره لشركة الأجهزة الطبية «ميدترونيك»، الآن عدداً أقل من المرضى، لكنهم هم من يحتاجون إلى خبرته. ويقول: «معظم الناس يُقدّرون حقيقة أن علاجهم قد ابتدأ بالفعل، وحصولهم على المعلومات فوراً، وإذا لم يستجب علاجهم أو ظهرت عليهم علامات تحذيرية، فانهم يُحالون إلى الطبيب».

ويُقرّ بأن قلة قليلة تشعر بأنها تُحال إلى رعاية أقل جودة. لكن الطريقة القديمة - التي كانت تتطلب انتظاراً يصل إلى ستة أشهر للحصول على موعد - كانت أسوأ بكثير لمن يرغبون في المساعدة والطمأنينة.

* رصد الأعراض الحادة. وكانت الخطوة التالية تخفيف العبء عن المرضى الذين يعانون أعراض ارتجاع المريء الحادة. وقد طوّر باندولفينو خوارزمية ذكاء اصطناعي أطلق عليها اسم «إيزو-إنستين» Eso-Instein (Eso اختصاراً لكلمة «مريء»)، التي ستساعد اختصاصي الجهاز الهضمي الأقل تخصصاً على تحديد التشخيص الأرجح بناءً على أعراض المريض، ونتائج التنظير الداخلي، والفحوص الفيزيولوجية. ثم تُخبر الخوارزمية الطبيب بكيفية علاج المريض وتوقعات سير المرض.

ويقول باندولفينو: «في نهاية المطاف، عندما تتفوق الخوارزمية على الإنسان، سأضطر إلى البحث عن عمل آخر». ويضيف: «سيجعل الذكاء الاصطناعي أمثالي أقل أهمية تدريجياً».

كما أن خوارزمية الذكاء الاصطناعي التي ابتكرها باندولفينو قد تُتيح للاختصاصيين إحالة الكثير من مرضاهم إلى أطباء الرعاية الأولية، يُؤمل أيضاً أن تُسهم هذه الاستراتيجية نفسها في زيادة توافر أطباء الرعاية الأولية من خلال إسناد بعض مهامهم إلى ممرضين متخصصين. إذ إن هناك نقصاً حاداً في أعداد أطباء الرعاية الأولية، لا في المناطق الريفية فحسب، بل حتى في المدن الكبرى التي تضم كثيراً من المستشفيات وكليات الطب الكبيرة.

ارتقاء دور الممرضين... بفضل الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يساعد المرضى، كما قال الدكتور آدم رودمان، طبيب باطني في مركز بيث إسرائيل ديكونيس الطبي، بفرز المرضى وتمكين الممرضين الممارسين من القيام بجزء أكبر من عمل طبيب الرعاية الأولية؛ ما يتيح للطبيب معاينة المزيد من المرضى ذوي الاحتياجات المعقدة. وعندما يتعلق الأمر بالاختيار بين طبيب لا يستقبل مرضى جدداً أو طبيب يحيل المرضى إلى ممرض ممارس أو مساعد طبيب، فمن المرجح أن يتقبل المرضى هؤلاء المتخصصين الطبيين الآخرين.

مع ذلك، يُقرّ رودمان وباحثون آخرون بوجود مخاطر تتمثل في إمكانية أن تُعيد برامج الدردشة الآلية إنتاج التحيزات الموجودة بالفعل في المؤسسات الطبية. فعلى سبيل المثال، وجدت إحدى الدراسات أنها قد تُولي اهتماماً أقل لامرأة أو لشخص يرتكب أخطاءً إملائية أو نحوية.

مخاوف الخبراء من قصور النظام الطبي

تدفع هذه المخاوف بعض الخبراء إلى التحذير من عدّ الذكاء الاصطناعي حلاً سحرياً للنظام الطبي. يقول الدكتور ليو أنتوني سيلي، مدير الأبحاث السريرية في مختبر علم وظائف الأعضاء الحاسوبي بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «إن القلق الحقيقي ليس في الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في استخدامه لتحسين نظام معيب بشدة بدلاً من إعادة تصوره». ويضيف سيلي: «قد لا يُدرك مرضى اليوم مدى قصور النظام الحالي في تلبية احتياجاتهم».

وتشاركه زميلته، مرضية قاسمي من مجموعة التعلم الآلي الصحي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، في مخاوف مماثلة؛ إذ قالت إن الذكاء الاصطناعي يمتلك «إمكانات هائلة»، لكن يبدو أنه يُستخدم حالياً في الغالب لزيادة أرباح الأنظمة الطبية من خلال «رفع ثمن الفواتير، واستبدال كوادر الرعاية الصحية الأولية للمرضى المحتاجين، أو الترويج للأدوية:».

وقال رودمان، إن على الأنظمة الطبية ومرضاها أن يكونوا على دراية بهذه المشكلات. وأضاف: «لكن هذا ليس سبباً للتخلي عن هذه التقنية». وهو يأمل أن يتمكن الباحثون، بفضل الذكاء الاصطناعي، من توثيق التحيزات والحد منها. أما مع البشر، الذين لديهم التحيزات نفسها، «فمن الصعب جداً التخفيف منها»، كما قال رودمان.

وأضاف رودمان أن الذكاء الاصطناعي، على الأقل في بعض المهام، سيكون أفضل من الأطباء. سيكون أكثر دقة في الالتزام بإرشادات الفحص وتقديم المشورة للمرضى بشأن عادات نومهم وغذائهم، على سبيل المثال.

آخر ما نريده: «طبيب غبي يعتمد على الذكاء الاصطناعي بالكامل»

ويعلق يقول الدكتور جيفري أ. ليندر، اختصاصي الطب الباطني في جامعة نورث وسترن. على ذلك بأن «هذه هي الجوانب الروتينية في مهنة الطب».

ويضيف: «هناك الكثير من المهام التي نقوم بها في الرعاية الصحية الأولية والتي تبدو وكأنها مجرد إجراءات شكلية». ولكنه أعرب عن قلقه من أن يعتمد بعض الأطباء بشكل مفرط على الذكاء الاصطناعي، ويقول: «آخر ما نريده هو طبيب غبي يعتمد على الذكاء الاصطناعي بشكل كامل»، حيث «أُعطّل عقلي وأترك الذكاء الاصطناعي يملي عليّ ما يجب فعله طوال الوقت».

لكن المشكلة تكمن في أنه بينما قد لا يكون الذكاء الاصطناعي مثالياً، فإن النظام الطبي الحالي ليس كذلك أيضاً. ويتضح جلياً أن دور الطبيب سيشهد تحولاً جذرياً.

الدور المهم للأطباء

لكن لا يزال للأطباء أدوار مهمة يؤدونها. ويقول ليندر: «الطب الباطني تخصصٌ يعتمد على التعامل المباشر مع المرضى. إنك تتعرف على مرضاك بمرور الوقت، وتعرف قيمهم، وتعرف عائلاتهم».

ويوافق الدكتور جوشوا شتاينبرغ، طبيب الرعاية الأولية في جامعة ولاية نيويورك الطبية في بينغهامتون، نيويورك، على ذلك. ويقول: «حتى لو قرأ الذكاء الاصطناعي جميع المراجع الطبية، سأظل أنا الخبير في حالة مرضاي». ويضيف: «أعتقد أن دورنا كأطباء قد يبدو مختلفاً بعض الشيء، لكنني سأظل جالساً على كرسي متحرك صغير، أتحدث مع المريض».

* خدمة «نيويورك تايمز»


عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية

عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية
TT

عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية

عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية

كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعة ستانفورد، أن التفاعلات بين جينات عدة، وليس الطفرات الجينية الفردية فقط، تلعب دوراً حاسماً في تطور بعض أمراض القلب الوراثية وتحديد شدتها. وتشير هذه النتائج إلى أن الفهم التقليدي لأمراض القلب القائم على البحث عن خلل في جين واحد، قد يكون مبسطاً أكثر مما ينبغي.

تفاعلات جينية معقَّدة

وقاد هذا البحث البروفسور إيوان آشلي، أستاذ علم الوراثة وعلوم البيانات الطبية الحيوية في كلية الطب بجامعة ستانفورد؛ حيث يركز مختبره على دراسة الكيفية التي تؤثر بها التفاعلات الجينية المعقدة في صحة الإنسان. ونُشرت الدراسة على موقع «Stanford Medicine» في 23 يناير (كانون الثاني) 2026، وقد تفتح آفاقاً جديدة في تشخيص أمراض القلب الوراثية وعلاجها.

ولطالما وُصفت أمراض القلب بأنها حالات تُورَّث داخل العائلات نتيجة خلل جيني ينتقل من الآباء إلى الأبناء. ولسنوات طويلة ركّز العلماء على الطفرات الجينية الفردية بوصفها السبب الرئيسي وراء هذه الأمراض. إلا أن هذا النهج لم يفسر سبب اختلاف شدة المرض بين أشخاص يحملون الطفرة نفسها، أو لماذا يُصاب بعضهم بالمرض بينما لا يُصاب آخرون.

ما وراء الجين الواحد

تلعب الجينات دوراً أساسياً في تحديد صفات جسدية بسيطة، مثل لون العينين أو شكل الوجه، وغالباً ما ترتبط هذه الصفات بجين واحد. ولكن الأمراض المعقدة -وعلى رأسها أمراض القلب- لا تخضع لهذه القاعدة البسيطة. فجميع البشر تقريباً يحملون تغيرات صغيرة في الحمض النووي (DNA) يُطلق على بعضها أحياناً «أخطاء مطبعية» جينية. ومعظم هذه التغيرات غير ضار؛ لكن بعضها قد يسهم في حدوث المرض.

هنا يظهر مفهوم وراثي يُعرف باسم التآثر الجيني (Epistasis) وهو يحدث عندما يتفاعل جينان أو أكثر معاً، لتغيير النتيجة النهائية لصفة جسدية أو مرضية. في هذه الحالة يعتمد تأثير جين واحد على وجود أو غياب جين آخر، ما يؤدي إلى نتائج لا يمكن التنبؤ بها عند دراسة كل جين على حدة.

ويؤكد آشلي أن الجينات لا تعمل بشكل منفصل؛ بل ضمن شبكات معقدة. وفهم هذه الشبكات يساعد العلماء على تفسير سبب ظهور المرض لدى بعض الأشخاص دون غيرهم.

التركيز على تضخم عضلة القلب

وركز فريق البحث على حالة تُعرف باسم «تضخم عضلة القلب»، وهي اضطراب يصبح فيه جدار القلب سميكاً بشكل غير طبيعي، ما يحد من قدرته على ضخ الدم بكفاءة. وقد تؤدي هذه الحالة إلى عجز القلب أو اضطرابات خطيرة في نبضات القلب، وقد تكون قاتلة في بعض الأحيان.

ولسنوات، اعتُقد أن تضخم عضلة القلب ناتج أساساً عن طفرات فردية في جينات مسؤولة عن بنية عضلة القلب. ولكن فريق آشلي افترض أن التفاعلات بين عدة جينات قد تلعب دوراً أكبر مما كان يُعتقد.

تحليل كميات هائلة من البيانات

ولاختبار هذه الفرضية، طوَّر الباحثون أدوات حاسوبية متقدمة، قادرة على كشف التآثرات الجينية الخفية داخل مجموعات ضخمة من البيانات الوراثية. واعتمدت الدراسة على ما يقرب من 10 سنوات من جمع البيانات، شملت تحليلات جينية لأكثر من 300 قلب بشري، إضافة إلى نحو 30 ألف صورة قلب، مأخوذة من قاعدة بنك البيانات الحيوية في المملكة المتحدة (UK Biobank) إحدى أكبر قواعد البيانات الطبية الحيوية في العالم.

وباستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعلُّم الآلة، فحص الفريق نحو 15 مليون تغير جيني مرتبط ببنية القلب، ثم قلَّص هذا العدد إلى نحو 1400 طفرة يُحتمل أن تتفاعل بعضها مع بعض. بعد ذلك صُمم نموذج حاسوبي لترتيب هذه التفاعلات، وفقاً لتأثيرها المتوقع، في شكل وحجم ووزن عضلة القلب.

ثلاثة جينات محورية

وقد أسفرت التحليلات عن بروز 3 جينات رئيسية: TTN وIGF1R وCCDC141. ويُعد جين TTN من الجينات المعروفة المرتبطة بأمراض عضلة القلب، بينما يلعب جين IGF1R دوراً مهماً في نمو القلب وتنظيم عمليات الأيض. أما جين CCDC141 فلا يزال غير مدروس على نطاق واسع، ولم يكن مرتبطاً سابقاً بشكل مباشر بأمراض القلب.

وأظهرت النتائج أن الطفرات في واحد من هذه الجينات بمفرده يكون تأثيرها محدوداً نسبياً؛ لكن عند اجتماع طفرات في جينين معاً يصبح التأثير أكثر وضوحاً وخطورة، ما يؤكد الدور المحوري للتآثر الجيني في تطور المرض.

تجارب مختبرية تؤكد النتائج

وللتحقق من هذه النتائج أجرى الباحثون تجارب على خلايا عضلة القلب البشرية المزروعة في المختبر. واستخدموا تقنيات تعتمد على الحمض النووي الريبي لتعطيل أزواج محددة من الجينات، ثم راقبوا استجابة الخلايا. وأظهرت النتائج أن تعطيل جينين متفاعلين معاً أدى إلى تقليل تضخم الخلايا القلبية بشكل ملحوظ، وهو أحد المؤشرات الرئيسية لمرض تضخم عضلة القلب.

أهمية النتائج وآفاق المستقبل

تحمل هذه النتائج أهمية كبيرة لمستقبل علاج أمراض القلب. فمعظم العلاجات الجينية الحالية تستهدف جيناً واحداً فقط؛ لكن إذا كان المرض ناتجاً عن تفاعل شبكة كاملة من الجينات، فإن هذا النهج قد لا يكون كافياً. وأوضحت الباحثة تشيانرو وانغ، المؤلفة الرئيسية للدراسة من قسم طب القلب والأوعية الدموية بجامعة ستانفورد، أن فهم هذه التفاعلات قد يساعد في تطوير علاجات أكثر دقة وفعالية.

ورغم أن الدراسة ركَّزت على أمراض القلب، فإن نتائجها قد تمتد لتشمل أمراضاً معقدة أخرى، مثل السرطان والسكري واضطرابات الجهاز العصبي. ومع استمرار العلماء في فك رموز هذه الشبكات الجينية المعقدة، يبدو مستقبل الطب الدقيق أكثر قدرة على تقديم علاجات شاملة تستند إلى فهم أعمق لجينات الإنسان وتفاعلاتها.


بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
TT

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)

أشارت دراسة حديثة لبيانات رادار خاصة بكوكب الزهرة حصلت عليها مركبة الفضاء ماجلان التابعة لإدارة الطيران والفضاء (ناسا) في تسعينات القرن الماضي إلى وجود تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية. وهذه أول ظاهرة تحت السطح تُكتشف على الكوكب المجاور للأرض.

ووفقاً لـ«رويترز»، قال الباحثون إن بيانات الرادار تتوافق مع سمة جيولوجية تسمى أنبوب الحمم البركانية الموجود في بعض المواقع البركانية ‌على الأرض. وتوجد أنابيب ‌الحمم البركانية أيضاً على ‌القمر ⁠ويُعتقد أنها موجودة ‌على المريخ.

وتغطي سطح الزهرة سحب سامة كثيفة تجعل من الصعب سبر أغواره، لكن الرادار يمكنه اختراق السحب.

وافترض العلماء وجود أنابيب الحمم البركانية على كوكب الزهرة بالنظر إلى تاريخه البركاني.

وقال لورينتسو بروتسوني عالم الرادار والكواكب في جامعة ترينتو بإيطاليا والمعد الرئيسي للدراسة ⁠المنشورة اليوم في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» العلمية: «يمثل الانتقال من ‌النظرية إلى الملاحظة المباشرة خطوة كبيرة إلى الأمام، ويفتح الباب أمام اتجاهات جديدة للبحث، ويوفر معلومات مهمة للمهام المستقبلية التي تهدف إلى استكشاف الكوكب».

وحلل الباحثون البيانات التي تسنى الحصول عليها بواسطة رادار الفتحة التركيبية، وهو جهاز استشعار عن بعد تابع للمركبة ماجلان، بين عامي 1990 و1992 في مواقع تحمل علامات انهيارات سطحية موضعية تشير إلى وجود ⁠أنابيب حمم بركانية تحتها. واستخدموا منهج تحليل بيانات مطورة حديثاً تهدف إلى تحديد التجاويف تحت السطح مثل أنابيب الحمم البركانية.

ولم يحظ كوكب الزهرة باهتمام علمي كبير مقارنة بالمريخ، لكنّ هناك بعثتين مهمتين على وشك الانطلاق، وهما «إنفجن» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية و«فيريتا» التابعة لناسا.

وستحمل كلتا المركبتين الفضائيتين أنظمة رادار متطورة قادرة على التقاط صور عالية الدقة. وستحمل «إنفجن» راداراً مدارياً قادراً على اختراق السطح ‌وعلى استكشاف باطن كوكب الزهرة إلى عمق عدة مئات من الأمتار.