إسرائيل تقطع أوصال الضفة... والفلسطينيون عالقون بين حاجزين وبوابة

إذلال يومي وانتظار طويل قد ينتهي بالقتل

TT

إسرائيل تقطع أوصال الضفة... والفلسطينيون عالقون بين حاجزين وبوابة

الجيش الإسرائيلي يقيم بوابة حديدية على الطريق 465 قرب رام الله (أ.ف.ب)
الجيش الإسرائيلي يقيم بوابة حديدية على الطريق 465 قرب رام الله (أ.ف.ب)

«المدخل الشمالي لمدينة البيرة مغلق بالاتجاهين. بوابة عطارة بيرزيت مغلقة بالاتجاهين. بوابات عطارة البلد أزمة وتفتيش للخارج. مدخل روابي سالك. عين سينيا سالكة. يبرود سلواد أزمة وتفتيش. الجلزون سالك. كفر عقب كثافة سير. قلنديا أزمة للخارج. العيزرية كثافة سير وشرطة باتجاه الجنوب، حاجز الكونتينر أزمة وتفتيش باتجاه الجنوب. رأس الجورة مغلقة. بوابة الفحص مغلقة. النشاش سالك. بوابة سعير مغلقة. بوابات العروب مغلقة. بوابة دورا مغلقة. المدخل الشمالي لسلفيت مغلق. بوابة بروقين مغلقة. الفندق سالك. حاجز عنبتا مغلق للخارج الداخل سالك. حاجز الحمرا مغلق بالاتجاهين. حاجز تياسير مغلق بالاتجاهين».

هذا جزء من خبر أطول كان يقرأه أحد مذيعي الإذاعات المحلية في رام الله، في محاولة لتقديم آخر تحديث لحالة الطرق في الضفة الغربية، وهو تحديث مستمر 24 ساعة في اليوم طيلة الأسبوع، ومتغير بشكل سريع.

وكما يتابع الناس في بلدان العالم أحوال الطقس، أو أسعار العملات، يترقب الفلسطينيون في الضفة الغربية حالة الطرق منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 بشكل مستمر. فبعدما شنت إسرائيل حرباً دموية على قطاع غزة، وأخرى موازية وإن كانت مختلفة في الضفة، يكاد فلسطيني الضفة يكون الوحيد في العالم الذي يحتاج إلى فحص مجموعة كبيرة من الحواجز من أجل الانتقال خارج مدينته أو قريته، وقد يكلفه ذلك حياته، أو زجّه في السجن، وفي أحسن الأحوال قضاء ساعات عدة على أحد الحواجز العسكرية، ومثلها في التنقل عبر حواجز أخرى، في رحلة مذلّة كان يفترض أن تكون آمنة، وسريعة للغاية، لولا الاحتلال، وقمعه.

ولم ينس الفلسطينيون بعدُ كيف فقد محمد الجندي، الشاب الذي لم يتجاوز 30 عاماً، حياته عند حاجز استحدث قرب منطقة الإسكانات في بيت جالا بمنطقة بيت لحم، فقط لأنه حاول فتح بوابة حديدية لسيدة انتظرت طويلاً لتعبر إلى منزلها. وصادف أن السيدة لم تنتبه للجنود وخافت أن تتقدم، قبل أن يأخذ محمد الذي يسكن في منطقة قريبة المبادرة ويفتح لها البوابة. فكان هذا آخر عمل له في حياته. لقد أعدموه وسط الشارع.

صور نشرها فلسطينيون لأزمة حاجز الكونتينر قرب بيت لحم (وسائل تواصل ومجموعات)

انتظار بلا حدود

تفاجأ محمود العزة، الذي غادر مبكراً من بيت لحم إلى أبو ديس القريبة من أجل الالتحاق بجامعته، بطابور كبير من السيارات على حاجز «الكونتينر» سيئ الصيت، الذي يفصل جنوب الضفة الغربية عن شمالها. وأدرك العزة سريعاً أنه لن يدرك محاضرته الأولى، لكنه كان يأمل أن يتابع بقية الحصص. ولكن بعد 3 ساعات، وجد نفسه عالقاً بين مئات السيارات، لا هو يستطيع التقدم ولا العودة، وقد ضاع يومه، ومثل غيره يحدوه الأمل، بأن يقرر أحد الجنود فتح الحاجز، حتى يتخلص من سجنه داخل السيارة، ويعود إلى منزله.

لم يعد العزة إلا بعد 5 ساعات، وراح يفكر في تأجيل فصله الدراسي قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «المشكلة أنه وضع مستمر. كل يوم يغلقون الحاجز في أوقات مختلفة». ويتابع: «جندي جاي على بالو (قرر مزاجياً) بسكر الحاجز ساعة وساعتين و3 واحنا واقفين بنستنى (ننتظر) أنه يحنّ علينا ويفتح الحاجز... إنه شيء مذل ومرهق ومتعب».

وأضاف: «قبل 7 أكتوبر كانت هذه الحالات تحدث كل بضعة أشهر مرة. اليوم كل يوم وكل ساعة تحدث. فإما يغلقون الحواجز أو يفتشون السيارات واحدة تلو الأخرى ويدققون بالهويات». ويختم الشاب قائلاً: «باختصار، يتعمدون إهانة الناس وإذلالها ونحن لم نعد نحتمل».

ويعدّ حاجز الكونتينر واحداً من مئات الحواجز والبوابات التي تضعها إسرائيل في الضفة الغربية منذ احتلالها عام 1967، وقد تضاعفت مرات عدة منذ السابع من أكتوبر 2023.

 

 

بيئة قهرية عازلة

بحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، وصل عدد الحواجز والبوابات الحديدية التي نصبها جيش الاحتلال في الضفة الغربية إلى 898 حاجزاً عسكرياً وبوابة، منها 18 بوابة حديدية منذ بداية العام الحالي 2025، و146 بوابة حديدية نصبها الاحتلال بعد 7 أكتوبر 2023.

وقال المدير العام للنشر والتوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أمير داود، إنها «حواجز قديمة وجديدة ثابتة ومنتظمة ومتغيرة الأنماط، وتعكس سياسة إسرائيل. إنهم منذ 1967 يراكمون هذه الحواجز ويراكمون على فكرة الإغلاق».

صور نشرها فلسطينيون لأزمة حاجز الكونتينر قرب بيت لحم (وسائل تواصل ومجموعات)

وأضاف داود لـ«الشرق الأوسط»: «ما نشهده اليوم غير مسبوق»، متّهماً إسرائيل بمحاولة خلق حيز جغرافي بديل للفلسطينيين يتجاوز ما يعرفونه من شوارع وطرقات ومساحات، ويكون مصمماً على فكرة الإغلاق والرقابة والإقصاء.

وقال داود إن البوابات كانت السمة الأبرز منذ السابع من أكتوبر. وأضاف: «قبل السابع من أكتوبر منظومة الإغلاق كانت تستهدف القطاع الأكبر من الجغرافيا. مثل عزل شمال الضفة أو جنوبها. اليوم المنظومة تعمل بطريقة أخرى. الإغلاق يستهدف التجمع الواحد. مثل القرية. هذا نمط جديد».

وأردف: «يضاف إليه طبيعة الجنود. الجنود على الحواجز كانوا نظاميين مدربين إلى حد ما، ولديهم تعليمات واضحة بالالتزام بالقانون الدولي ولو بالحد الأدنى. اليوم ميليشيا موجودة من (صهيونية دينية) وآخرين. وجاءوا من أجل أن ينتقموا من الفلسطينيين. إنهم يفرضون بيئة قهرية».

 

 

سجن كبير يضيق

تطوّق الحواجز العسكرية الإسرائيلية كل مدن الضفة الغربية وقراها اليوم، ويوجد حول الخليل مثلاً 229 حاجزاً، ورام الله 156 حاجزاً، وبيت لحم 65 حاجزاً، ويشمل ذلك البوابات التي حولت القرى والبلدات سجناً كبيراً.

ويضطر الفلسطينيون في البلدات والمخيمات المغلقة ببوابات حديدية إلى ترتيب حياتهم وفق مواعيد هذه البوابات.

وقال إبراهيم ثابت، من مخيم العروب القريب من الخليل، إن عليه أن يغادر في أوقات محددة، ويعود في أوقات محددة؛ لأنه بخلاف ذلك سيضطر إلى النوم في الخارج.

جندي إسرائيلي يلوّح بيده بينما يستعد فلسطينيون لإخلاء منازلهم يوم الأربعاء في مخيم نور شمس بالضفة الغربية بعد قرار إسرائيل هدمها (رويترز)

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «يفتحون البوابة في وقت محدد في الصباح، ويعيدون فتحها لوقت محدد قبل المساء. عليك أن تغادر وفق مواعيدهم وتعود وفق مواعيدهم. ولا شيء آخر يهم».

وتابع بغضب: «عندك حالة مرضية حالة طارئة مواعيد... مش مهم. فأنت كإنسان غير مهم أصلاً. عليك أن تتأقلم مع مواعيد فتح وإغلاق السجن أو حظيرة الغنم».

ولا يجد ثابت التعبير المناسب لوصف ما يعيشونه في مخيم العروب سوى أنهم يقاسون روتيناً من القهر والذل في سجن كبير. وقال: «سجن أكبر قليلاً. حرية أكبر قليلاً. نزلاء أكثر قليلاً».

وتغلق إسرائيل إلى جانب مخيم العروب معظم البلدات والمخيمات في المنطقة «ج» التي تقع تحت سيطرة إسرائيلية مطلقة وقريبة من شوارع يمر عليها المستوطنون.

 

 

تفتيت الضفّة

وقال المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان إن المعطيات (الحواجز والبوابات) تظهر بوضوح سعي الاحتلال الإسرائيلي إلى تفتيت الضفة الغربية، وتحويلها كانتونات منعزلة عن بعضها بما يمنع الامتداد الجغرافي الفلسطيني الطبيعي، ويحول دون سهولة الحركة والتنقل بين المدن والقرى الفلسطينية. كما تؤشر على أن الاحتلال يستخدم هذه الحواجز والبوابات شكلاً من أشكال العقاب الجماعي ضد الفلسطينيين، وفي إطار تكريس سياسات الضمّ الإسرائيلية.

ويعيش اليوم في الضفة الغربية أكثر من نصف مليون مستوطن من دون القدس، موزعين على مستوطنات تجثم على 3 في المائة من مساحة الضفة، ويخصص لها ما نسبته 40 في المائة من مجمل أراضي الضفة الغربية، بصفتها مناطق محمية، ومن أجل مشاريع البنية التحتية المرتبطة بها، مثل الجدار العنصري العازل، والحواجز، والقواعد العسكرية، والطرق الالتفافية الاستيطانية.

ويحظى المستوطنون بشوارع خاصة يمنع على الفلسطينيين السير فيها وأخرى مشتركة.

وتقول منظمة «بيتسيلم» إن الشوارع التي يحظر فيها تنقل الفلسطينيين هي «مكون إضافي في منظومة القيود».

وحماية هؤلاء المستوطنين هو سبب آخر للحواجز والبوابات.

وبحسب مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، فإن إحدى مهمات تلك الحواجز ليست إحكام القبضة الأمنية على مدن الضفة، أو تفتيش الفلسطينيين المغادرين من المدن المختلفة والعائدين إليها فحسب، بل وتأمين عبور آمن للمستوطنين الذين يحظون بشوارع خاصة فوق ذلك.

 

 

قهر على قهر

لعل أكثر ما يزيد القهر مراقبة سيارات المستوطنين وهي تشق طريقها بكل سهولة أمام الطوابير الطويلة المتوقفة عند الحواجز من سيارات الفلسطينيين. وقال سعيد هنية بعد أن قضى 5 ساعات على حاجز جبع: «هذا وضع لا يطاق».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «لن تصدق... أنهيت مشاهدة فيلم وبدأت بالثاني. إنه جنون جنون». وبالنسبة لهنية كانت تلك آخر مرة ينتقل فيها من مدينة إلى أخرى، وقرر عدم تكرار ذلك.

فتيات فلسطينيات يبكين بينما تهدم حفَّارات الجيش الإسرائيلي مبنيين فلسطينيين بقرية قبية شمال غربي رام الله في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

أما أبو محمد الحداد، وهو سائق تاكسي قديم، فنصح كل زملائه بعدم التنقل بين المدن والحواجز.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أعلم أن لقمة العيش صعبة. لكن ما يحدث عمره ما صار. شفنا كثير وقليل وعشنا انتفاضات وحروباً ومداً وجزراً، لكن مثل هذه الأيام لم نرَ. عمره ما كان الوضع هيك».

وتابع بأسى: «اليوم أنت لست معرَّضاً للإذلال فحسب، بل أسهل شيء أن يطخوك (يطلقوا عليك الرصاص) وتموت».

ومن أجل تجنب رحلة مذلة، أو أقله التخفيف من شدّتها، أُنشئت عشرات المجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي و«تلغرام» من أجل متابعة الطرق.

ويسأل حازم الزيز على مجموعة «أحوال الطرق» التي تضم آلافاً من الفلسطينيين عن حالة حاجز الكونتينر، ليرد أحدهم: «أزمة وتفتيش»، فيسأل ليث عيسى عن طريق فرش الهوى، ويبشره عزيز بأنه سالك لكن رأس الجورة مغلق.

وهكذا، يقضي الفلسطينيون في الضفة أيامهم بين حاجز سالك، وآخر مغلق، وثالث يشهد «أزمة، وتفتيشاً».

 

 


مقالات ذات صلة

البرلمان الآيرلندي يحظر استيراد البضائع من مستوطنات إسرائيلية

أوروبا مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة كما تظهر من قرية جالود الفلسطينية (رويترز)

البرلمان الآيرلندي يحظر استيراد البضائع من مستوطنات إسرائيلية

أقرَّ البرلمان الآيرلندي الثلاثاء مشروع قانون يحظر بموجبه استيراد البضائع من مستوطنات إسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (دبلن)
المشرق العربي أحد أقارب الفتى وليد نضال وليد أبو سنينة الذي قتله الجيش الإسرائيلي يبكيه في مستشفى برام الله بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

«الصحة» الفلسطينية: الجيش الإسرائيلي يقتل فتى بالضفة الغربية

قتل الجيش الإسرائيلي فتى فلسطينياً وأصاب آخرَين بجروح في مخيم قلنديا للاجئين قرب رام الله في وسط الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يمنعون سكان قرية قبلان الفلسطينية جنوب نابلس في الضفة الغربية من العودة إلى منازلهم بالسبت (أ.ف.ب)

الرئاسة الفلسطينية تحذّر من «انفجار لا يمكن السيطرة عليه»

حملّت الرئاسة الفلسطينية إسرائيل مسؤولية التدهور الخطير في الأوضاع بالضفة الغربية جراء تصاعد اعتداءات المستوطنين.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي مستوطن إسرائيلي على سطح منزل عائلة سلامة الفلسطينية الذي استولى عليه مستوطنون إسرائيليون في قرية جالود بالضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل في 2 يوليو 2026 (رويترز)

مستوطنون إسرائيليون يستولون على منزل فلسطيني بالضفة الغربية

أثار استيلاء مستوطنين على منزل فلسطيني قيد الإنشاء، مخاوف من اتساع التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي جندي إسرائيلي يستخدم مصوب ليزر خلال دورية في البلدة القديمة بنابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

إسرائيليون تسللوا إلى قرية فلسطينية فاحتلها الجيش خشية «اختطافهم»

تعرضت قرية فلسطينية لعملية احتلال طيلة 6 ساعات، فتّشت خلالها قوات من الجيش والمخابرات الإسرائيلية عن 10 من اليهود المتدينين دخلوا إليها.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

هواجس «التدخل الأجنبي» والتزييف بـ«الذكاء الاصطناعي» تستبق انتخابات إسرائيل

نتنياهو يهدد رفاقه بـ«الليكود» بهدف الحفاظ على سلطته الحزبية (رويترز)
نتنياهو يهدد رفاقه بـ«الليكود» بهدف الحفاظ على سلطته الحزبية (رويترز)
TT

هواجس «التدخل الأجنبي» والتزييف بـ«الذكاء الاصطناعي» تستبق انتخابات إسرائيل

نتنياهو يهدد رفاقه بـ«الليكود» بهدف الحفاظ على سلطته الحزبية (رويترز)
نتنياهو يهدد رفاقه بـ«الليكود» بهدف الحفاظ على سلطته الحزبية (رويترز)

قبل أشهر من الانتخابات العامة المتوقعة في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، برزت هواجس جديدة بشأن التنافسية فيها، وتركزت الانتقادات على عنصري «التدخل الأجنبي» أو تزييفها بـ«الذكاء الاصطناعي».

وحذر مراقب الدولة الإسرائيلي، متنياهو أنغلمان، في تقرير رسمي، من أن إسرائيل «لا تملك سياسة قومية واضحة لمواجهة محاولات التأثير الأجنبي في الفضاء الرقمي».

وعدّ أنغلمان أن الثغرات القائمة تترك الجمهور الإسرائيلي «مكشوفاً أمام حملات منظمة قد تستهدف وعيه وثقته بالمؤسسات ونتائج الانتخابات»، بينما حذرت قوى المعارضة المحلية من «تلاعب حكومة اليمين بهذه الانتخابات وحتى تزييفها، بواسطة أدوات الذكاء الاصطناعي».

ونقلت وسائل إعلام عبرية عن مصادر سياسية في الكنيست (البرلمان) أن «ماكينة العمل التي يستخدمها رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، بتمويل ضخم من داعميه، تسيطر على مقدرات الذكاء الاصطناعي مثلما يحصل بالضبط في الولايات المتحدة».

وحذرت المصادر من أن هذه الأدوات قادرة على إحداث تغييرات في المعركة الانتخابية، عن طريق بث الأكاذيب والمعلومات التضليلية على نطاق واسع.

مسيرة انتخابية لأنصار «الليكود» في سوق بالقدس في 20 أكتوبر 2022 (أ.ف.ب)

وقال الكاتب الإسرائيلي ران أدليست، في صحيفة «معاريف»، الأربعاء، إن «حروب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تمزق القيود التي تحمي الديمقراطية ووحدة الصف الاجتماعية... الذكاء الاصطناعي يسمح للحكومة بتشويه الواقع».

ورأى أن هناك «حملة احتلال لوسائل الإعلام يخوضها بيبي (نتنياهو) ومعتمرو القبعات الدينية، تستهدف إقامة شبكة تنتج أنباءً ملفقة بواسطة غسل دماغ ذكي ودائم. يوجد نهج لنتنياهو في إخضاع وسائل الإعلام لأغراضه الحقيقية والوهمية».

تسليط الضوء على التهديد الخارجي

وكان مراقب الدولة، المعروف بقربه من نتنياهو، قد حاول تسليط الضوء على ما وصفه بـ«التهديد الخارجي»، وبذلك يغطي على التهديد الداخلي.

وحذر في تقريره الجديد من أن أجهزة الأمن والجهات الحكومية التي يفترض أن تتعامل مع التهديد الخارجي «لا تعمل ضمن منظومة موحدة، ولا توجد جهة حكومية تقود الملف، رغم أن التهديد معروف في إسرائيل منذ نحو تسع سنوات»، وفق تقييمه.

وكتب أنغلمان أن «جهات معادية، بينها إيران، تستغل الشبكات الاجتماعية بصورة خفية ومنهجية لتعميق الانقسامات، وزرع الهلع، وهندسة تصور الواقع لدى الجمهور الإسرائيلي».

زعيم حزب «الليكود» بنيامين نتنياهو إلى جانب زوجته سارة يخاطب مؤيديه في مقر الحملة بالقدس خلال انتخابات 2022 (أ.ف.ب)

وأشار التقرير إلى أن التهديد تصاعد بصورة ملحوظة بعد الحرب على غزة، مستعرضاً عدة أمثلة اعتبرها دالة على حجم الخطر.

وذكر أنه «في سبتمبر (أيلول) 2024، أرسلت إيران و(حزب الله) نحو 5 ملايين رسالة نصية قصيرة إلى مواطنين في إسرائيل، تضمنت إنذاراً كاذباً يدعو إلى الدخول الفوري إلى الملاجئ، وذلك بهدف إثارة الهلع في الجمهور»، بحسب نص التقرير.

كما أشار التقرير إلى حملة تأثير حملت اسم «إسناد»، قال إنها شغّلت مئات الحسابات الوهمية على الشبكات الاجتماعية للتأثير في الرأي العام الإسرائيلي، ودفعه نحو إنهاء الحرب بشروط أكثر ملاءمة لـ(حماس)»، وفق الرواية الإسرائيلية.

وذكر كذلك «عملية تأثير إيرانية» زعم أنها «دفعت مضامين بشأن (الإبادة الجماعية) في قطاع غزة، بعد أربعة أيام من هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) (2023)».

لكن خبراء أمميون خلصوا إلى إن الحرب التي شنتها إسرائيل على غزة تضمنت «إبادة جماعية»، بينما تلاحق «المحكمة الجنائية الدولية» نتنياهو على خلفية ارتكاب جرائم في القطاع.

الوزير الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت خلال مظاهرة في تل أبيب (أرشيفية - رويترز)

غير أن التقرير خلص إلى أن التعامل الحكومي مع هذا التهديد ظل محدوداً ومتقطعاً. وجاء فيه اتهام بالإهمال عبر القول إن «تسلسل الأمور يدل على نمط متكرر من رفع التهديد إلى جدول الأعمال، واتخاذ مبادرات للتعامل المشترك بين الجهات المختلفة معه، غير أن هذه المبادرات أُهملت ولم تنتقل إلى مسار تنفيذ فعلي».

إلقاء اتهامات بالتقصير

وبحسب التقرير، فإن مجلس الأمن القومي الإسرائيلي حدد في عام 2017 أن إسرائيل أصبحت هدفاً لعمليات تأثير أجنبية، ووجّه إلى فحص الموضوع، لكن ذلك لم يُنفذ.

وفي عام 2023، قرر رئيس الحكومة، نتنياهو، أن تتولى وزارة الاستخبارات معالجة الملف، غير أن الوزارة أُلغيت في مارس (آذار) 2024 من دون تعيين جهة بديلة تتولى المسؤولية.

وبعد السابع من أكتوبر 2023، أعدت الهيئة القومية للأمن السيبراني خطة عمل وزارية لمواجهة التأثير الأجنبي، وأرسلتها إلى نتنياهو في سبتمبر 2024، متضمنة تقديراً للميزانية المطلوبة لتنفيذها. لكن التقرير أشار إلى أن الخطة بقيت نحو عام من دون أن تُفحص من رئيس الحكومة أو من ينوب عنه.

متظاهر يضع قناعاً يمثل نتنياهو خلال تجمع بمناسبة مرور ألف يوم على هجوم 7 أكتوبر 2023 في تل أبيب الخميس (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2025، وبعد توجه مكتب مراقب الدولة، نُقلت الخطة إلى مجلس الأمن القومي. وبعد شهر، أعلنت «هيئة السايبر» في مكتب رئيس الحكومة أنها ستركز من الآن فصاعداً فقط على التأثير الأجنبي المرتبط بهجمات سيبرانية، فيما قرر مجلس الأمن القومي عدم دفع الخطة التي أُحيلت إليه.

وخلص التقرير إلى أنه «حتى أغسطس (آب) 2025، توقف مجلس الأمن القومي وهيئة السايبر عن الانشغال بالموضوع».

وانتقد التقرير كذلك استعداد جهاز الأمن (الشاباك)، المسؤول عن رصد محاولات التأثير وإحباطها. وذكر أنه حتى فبراير (شباط) 2025، واجه الجهاز «تحديات معينة في مجال الرصد والإحباط»، وأن بعضها لم يُحل حتى الآن.

وأشار التقرير إلى أن الشاباك أبلغ مراقب الدولة في أواسط 2025 بأنه لم يبدأ بعد الاستعداد للانتخابات المقبلة، ولم يعلن إلا في يناير (كانون الثاني) 2026 أنه بدأ «نشاطاً مركزاً» بهذا الشأن.

وفي الشهر نفسه، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية والشاباك تشكيل فريق خاص لمواجهة تهديدات الذكاء الاصطناعي والتأثيرات الخارجية، في ظل تقادم قانون الدعاية الانتخابية من عام 1959 وعدم ملاءمته لعصر الذكاء الاصطناعي.

وقال أنغلمان إن «فترة المعركة الانتخابية حساسة بصورة خاصة، وتشكل أرضية خصبة لنشاط خبيث من جانب لاعبين أجانب»، محذراً من إمكان الوصول إلى «خشية من إمالة نتائج الانتخابات وتقويض ثقة الجمهور بنتائجها».


إسرائيل تبلغ واشنطن استعدادها للانضمام إلى حرب ضد إيران فوراً

قائد «سنتكوم» الأميرال براد كوبر خلال زيارة إلى إسرائيل بدعوة من رئيس الأركان إيال زامير لتعزيز التنسيق العسكري والشراكة الدفاعية بين الجانبين الأحد (الجيش الإسرائيلي - إكس)
قائد «سنتكوم» الأميرال براد كوبر خلال زيارة إلى إسرائيل بدعوة من رئيس الأركان إيال زامير لتعزيز التنسيق العسكري والشراكة الدفاعية بين الجانبين الأحد (الجيش الإسرائيلي - إكس)
TT

إسرائيل تبلغ واشنطن استعدادها للانضمام إلى حرب ضد إيران فوراً

قائد «سنتكوم» الأميرال براد كوبر خلال زيارة إلى إسرائيل بدعوة من رئيس الأركان إيال زامير لتعزيز التنسيق العسكري والشراكة الدفاعية بين الجانبين الأحد (الجيش الإسرائيلي - إكس)
قائد «سنتكوم» الأميرال براد كوبر خلال زيارة إلى إسرائيل بدعوة من رئيس الأركان إيال زامير لتعزيز التنسيق العسكري والشراكة الدفاعية بين الجانبين الأحد (الجيش الإسرائيلي - إكس)

أعلن ناطق عسكري في تل أبيب، الأربعاء، أن الجيش الإسرائيلي يقف على أهبة الاستعداد للانضمام للحرب إلى جانب الجيش الأميركي ضد إيران، فور تلقيه أوامر من الحكومة.

وكشف موقع «واللا» الإخباري أن هذه الاستعدادات قائمة منذ اليوم الأول لوقف النار، لأن إسرائيل لم تثق بالوعود الإيرانية، وكانت ترى أنها مجرد مناورات.

وأكد الموقع أن «القيادة الإيرانية التي تتصرف بسكرة نصر وهمي، لا تجري الحسابات المسؤولة المطلوبة من أي حكومة قبل خوض الحرب. فهي تتصرف بغرور كما لو أنها انتصرت في الحرب، وتحاول ابتزاز الولايات المتحدة». وأضاف أن إسرائيل توقعت أن ينفد صبر الرئيس الأميركي دونالد ترمب حيال طهران.

وكشف الموقع أيضاً أن الجيش الإسرائيلي ظل على اتصال وثيق مع القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، للبحث في احتمال كبير لاستئناف الحرب، ودراسة تجربة الحربين السابقتين في يونيو (حزيران) 2025 وفبراير (شباط) 2026، والاستفادة منهما لتحسين الأداء ووضع بنك أهداف جديد للحرب الثالثة التي تراها إسرائيل قادمة حتماً. وعُقد آخر اجتماع تنسيقي بين القيادتين في نهاية الأسبوع الماضي، استعداداً لسيناريو تجدد المواجهات.

وكانت التصرفات الإيرانية قد وُضعت على رأس أجندة الزيارة التي كان مقرراً أن يقوم بها وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، اليوم الأربعاء، قبل أن يلغيها في اللحظة الأخيرة، متسبباً بإحراج شديد في تل أبيب. وقال مصدر سياسي رفيع مقرب من نتنياهو إن هيغسيث كان سيلتقي رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ونظيره وزير الدفاع يسرائيل كاتس.

ووفقاً للمصادر، كان أحد أهداف الزيارة تهدئة المخاوف الإسرائيلية بشأن البيع المحتمل لمقاتلات «إف-35» الشبحية المتطورة إلى تركيا. إذ تشعر إسرائيل بقلق بالغ من هذا القرار، وبدأ بعض المسؤولين فيها تحريك ماكينة الضغط في الكونغرس لمنع المصادقة عليه.

طائرة حربية إسرائيلية في طريقها للمشاركة بالعمليات العسكرية ضد إيران (الجيش الإسرائيلي)

وبحسب تقرير للقناة «12» الإسرائيلية، تحذر الأجهزة الأمنية في إسرائيل من أن امتلاك تركيا مقاتلات شبح أميركية متطورة، والمقصود «إف-35»، قد يمس ما تصفه تل أبيب بـ«التفوق النوعي» لسلاح الجو الإسرائيلي في الشرق الأوسط، ويقيد قدرته على العمل في ساحات تعدها إسرائيل مركزية، بينها إيران وسوريا ولبنان وسائر منطقة شرق البحر المتوسط.

وفي مقابلة مع شبكة «سي إن إن»، قال نتنياهو إن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان «ليس بالضبط حليفاً نموذجياً للولايات المتحدة»، مضيفاً أنه «يهدد بتدمير بلدي، الدولة اليهودية الوحيدة»، على حد قوله. وتعد إسرائيل الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تشغل حالياً طائرات «إف-35»، وهي المقاتلة الأكثر تطوراً لدى الولايات المتحدة.

ويرى تقرير لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، اليوم الأربعاء، أن الاحتكاك بين إسرائيل وتركيا لم يعد محصوراً في الخلافات السياسية أو الخطابية، ويمتد إلى أربع ساحات رئيسية تقلق المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.

الساحة الأولى هي المفاوضات مع إيران، حيث تنظر إسرائيل إلى الدور التركي بوصفه محاولة لمنع هزيمة طهران بما يفضي إلى هيمنة إسرائيلية أوسع في المنطقة.

أما الساحة الثانية فتتعلق بقطاع غزة، إذ يشير التقرير إلى دعم تركيا لحركة «حماس»، ويزعم أن ذراعاً للحركة تعمل من داخل تركيا وتدير من هناك نشاطات ضد إسرائيل.

صورة نشرها الجيش الإسرائيلي لرئيس الأركان إيال زامير خلال متابعة الضربات على إيران في غرفة العمليات خلال مارس الماضي

وتتمثل الساحة الثالثة في سوريا، حيث تنظر إسرائيل بقلق إلى محاولات تركيا توسيع نفوذها بعد التغيرات التي شهدتها البلاد. وبحسب القناة «12»، فإن سلاح الجو الإسرائيلي يعمل على منع ترسيخ موطئ قدم تركية في سوريا، بما في ذلك عبر الهجمات المتكررة على قاعدة «تي 4»، كما تسعى إسرائيل إلى منع أنقرة من تسليح الجيش السوري بمسيّرات ومنظومات دفاع جوي.

أما الساحة الرابعة، التي يقول التقرير إنها آخذة في التشكل، فهي الساحة البحرية في شرق البحر المتوسط، حيث تخشى إسرائيل من تمدد الحضور التركي في منطقة ترى فيها تل أبيب مجالاً حيوياً لتحركاتها العسكرية والاقتصادية وعلاقاتها مع اليونان وقبرص.

وبحسب التقرير، تطور تركيا بالفعل صناعات عسكرية متقدمة، تشمل منظومات دفاعية وصواريخ باليستية، وتسعى إلى بناء مقاتلة شبح خاصة بها تحمل اسم «قآن». غير أن المشروع يواجه صعوبات كبيرة، خصوصاً في مجال المحركات، إذ لا تملك تركيا حتى الآن قدرة مستقلة على تطوير محرك مناسب لهذا النوع من الطائرات، ما يدفعها إلى طلب محركات «إف 110» الأميركية.

لكن خرق وقف النار بين الولايات المتحدة وإيران جعل هذا الملف ثانوياً، حتى لدى إسرائيل. فهي تفضل التركيز على ما يجمعها مع الأميركيين، لا على ما يفرقها عنهم. وفي الوقت الذي اعتبرت فيه إيران العمليات الحربية الإسرائيلية المستمرة في لبنان خرقاً للاتفاق الأميركي - الإيراني، بادرت إسرائيل إلى تصعيد أكبر في لبنان خلال الساعات الأخيرة، بعد إعلان الرئيس الأميركي ترمب إلغاء وقف النار.

وبحسب مصادر سياسية في تل أبيب، فإن هذا التصعيد جاء ليس فقط بوصفه «فشة خلق» بعد الغضب الذي ساد من جراء وقف الحرب، وإنما أيضاً مساهمة في جر قيادة «الحرس الثوري» إلى الحرب وتفجير المفاوضات بشكل كامل.

Your Premium trial has ended


واشنطن ترسم ميزان القوة وطهران تبحث عن مركز قرار

مقاتلة شبحية من طراز «إف-35 سي» تابعة لمشاة البحرية الأميركية تستعد للإقلاع من حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب (سنتكوم)
مقاتلة شبحية من طراز «إف-35 سي» تابعة لمشاة البحرية الأميركية تستعد للإقلاع من حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب (سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم ميزان القوة وطهران تبحث عن مركز قرار

مقاتلة شبحية من طراز «إف-35 سي» تابعة لمشاة البحرية الأميركية تستعد للإقلاع من حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب (سنتكوم)
مقاتلة شبحية من طراز «إف-35 سي» تابعة لمشاة البحرية الأميركية تستعد للإقلاع من حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب (سنتكوم)

لم يعد السؤال، بعد التصعيد الأخير بين إيران والولايات المتحدة، يدور حول ما إذا كانت المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود. فقد بات أعمق من ذلك: هل توجد أصلاً سلطة إيرانية قادرة على إنتاج اتفاق يمكن الركون إليه؟ فتهديد الملاحة في مضيق هرمز، والرد الأميركي بضربات عقابية، ثم إلغاء الترخيص الذي كان يتيح لإيران بيع نفطها، كشفت جميعها عن أن مذكرة التفاهم كانت هدنة معلقة بين حرب لم تنتهِ وتسوية لم تولد.

وبينما تحاول طهران الظهور بمظهر من يمسك بسردية الحرب وما بعدها، تبدو واشنطن أكثر قدرة على فرض ميزان القوة الجديد: من يعرقل هرمز يدفع الثمن عسكرياً واقتصادياً، ومن يريد اتفاقاً عليه أن يثبت أن قراره موحد وقابل للتنفيذ.

قرار بلا رأس

وتبدو المفارقة أن إيران عالية الصوت في الميدان، لكنها أقل وضوحاً في مركز القرار. فغياب المرشد الجديد مجتبى خامنئي عن المشهد، حتى برسالة أو تسجيل، يفتح الباب أمام قراءة مختلفة لطبيعة السلطة بعد مقتل المرشد السابق علي خامنئي.

ويرى باتريك كلاوسن، مدير الأبحاث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الغياب يوحي بأن مجتبى لا يؤدي الدور النشط الذي كان يؤديه والده، وأن القرار في طهران بات أقرب إلى عملية جماعية داخل دوائر الحكم، بعيداً عن قيادة رأسية حاسمة.

دخان يتصاعد من موقع غير محدد في لقطة من فيديو نشرته «سنتكوم» عقب إعلانها تنفيذ ضربات جديدة على إيران رداً على هجمات استهدفت ناقلات في مضيق هرمز (رويترز)

ويضيف أن هذه الملاحظة مفتاح لفهم هشاشة التفاهم مع واشنطن. ولا تتعامل الإدارة الأميركية مع مفاوض واحد قادر على إلزام الدولة، بل مع شبكة قوى تشمل «الحرس الثوري»، والبرلمان، والمؤسسة الأمنية، ومراكز شرعية تحاول ترميم صورتها بعد الضربات. لذلك يصبح أي اتفاق مع إيران مؤقتاً بطبيعته، إلى أن يتضح أن له دعماً واسعاً داخل بنية الحكم، وليس مجرد موافقة من طرف تفاوضي أو تصريح من مسؤول.

وعليه، لا تبدو الضربات المتبادلة مجرد خرق عسكري للهدنة، بل اختباراً سياسياً لقابلية إيران لأن تكون طرفاً موثوقاً. فإذا كانت طهران غير قادرة على ضبط سلوكها في مضيق هرمز، أو غير راغبة في ذلك، فإن واشنطن ستتعامل مع الاتفاق بوصفه ورقة انتهت صلاحيتها، لا أساساً لتسوية أوسع.

«هرمز» بوصفه سلاحاً وسردية

ورأت صحف أميركية عدة أن إصرار طهران على تهديد الملاحة في مضيق هرمز يعكس رغبة في الضغط الاقتصادي، ومحاولة لإعادة امتلاك سردية الحرب. فبعد تلقي ضربات قاسية وفقدان رأس النظام، تحتاج إيران إلى القول إنها لم تنكسر، وأنها ما زالت قادرة على إرباك سوق الطاقة وتهديد مصالح واشنطن وحلفائها. لذلك يتحول المضيق إلى ساحة رمزية: من يتحكم بالمرور، يتحكم بإيقاع الأزمة.

لكن هذه السردية تنقلب بسهولة على صاحبها. فكلما استخدمت إيران مضيق هرمز لإثبات قدرتها، منحت واشنطن الذريعة لتوسيع الضربات تحت عنوان حماية الملاحة الدولية. ولا تحتاج الولايات المتحدة، في هذه اللحظة، إلى إعلان حرب شاملة لتغيير قواعد اللعبة؛ إذ يكفي أن تضرب قدرات بحرية ورادارية وصاروخية مرتبطة بـ«الحرس الثوري»، وأن تسحب الامتيازات النفطية التي جعلت الهدنة قابلة للبيع داخل طهران.

إلغاء الترخيص الذي يجيز لإيران بيع النفط ليس إجراء اقتصادياً معزولاً، وإنما رسالة سياسية بأن أي مكسب تمنحه واشنطن يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط إذا استخدمت طهران مضيق هرمز سلاحاً. بهذا المعنى، ينجح التهديد الإيراني جزئياً. فهو يرفع أسعار النفط ويحرج ترمب أمام هاجس السوق والانتخابات النصفية، وفي الوقت نفسه يضع إيران في موقع الطرف الذي يهدد إمدادات الطاقة ويعطل التجارة، وهي صورة تمنح واشنطن مجالاً أوسع لتبرير التصعيد.

وعود لا تصنع سلاماً

وفيما كان يُراهن على أن تكون خطة الإعمار والتنمية، البالغة 300 مليار دولار، حافزاً لإقناع النظام بتغيير سلوكه، يقول كلاوسن إنها تبدو كذلك على الورق، لكنها في الواقع لا تكفي لصنع تحول سياسي أو اقتصادي. ويرى أن التوقعات بشأن أثر هذه الأموال مبالغ فيها، لأن معظم العوائق التي منعت الاستثمار الأجنبي في إيران سابقاً ما زالت قائمة: تغلغل «الحرس الثوري» في الاقتصاد، وغموض الملكية، والفساد البنيوي، والسياسات الاقتصادية السيئة، والعداء الآيديولوجي للاستثمار الأجنبي.

الأهم أن المشكلة تتعلق بقابلية إيران لاستقبال هذه التعهدات، أكثر من حجمها. فالتجارب السابقة، من الوعود الصينية الضخمة إلى مرحلة ما بعد الاتفاق النووي، أظهرت أن المستثمرين لا يدخلون بيئة لا يعرفون فيها من يملك الشركات، ومن يسيطر على القرار، وما إذا كانت العقوبات أو الفساد أو «الحرس الثوري» ستلتهم العائد. لذلك تبدو خطة الـ300 مليار دولار، حسب كلاوسن، أقرب إلى أداة سياسية لبيع أفق ما بعد الحرب منها إلى مشروع قادر على إعادة تشكيل إيران في المدى القريب.

وهذا يعيد الأزمة إلى أصلها: لا تستطيع واشنطن بناء تسوية على وعد اقتصادي إذا كان الطرف الآخر عاجزاً عن إنتاج قرار موحد، ولا تستطيع طهران إقناع الداخل بأنها انتزعت نصراً إذا كانت واشنطن قادرة على ضربها عسكرياً وسحب الامتيازات النفطية في اللحظة نفسها.

الخلاصة أن الحرب قد تكون دخلت مرحلة انتظار، لكنها لم تنته. ترمب لا يغلق باب التفاوض تماماً، لكنه يستخدم الوقت والضغط لتحديد شروط النهاية قبل الانتخابات النصفية. أما إيران، فتحاول أن تثبت أنها ما زالت قادرة على التعطيل، من دون أن تثبت قدرتها على الالتزام. وبين هذين المسارين يبقى مضيق هرمز عنوان المرحلة: ليس مجرد ممر للطاقة، وإنما المكان الذي تتكشف فيه حدود القوة الإيرانية، وحدود صبر واشنطن، وحدود أي هدنة لا يسندها مركز قرار واضح في طهران.