إسرائيل تقطع أوصال الضفة... والفلسطينيون عالقون بين حاجزين وبوابة

إذلال يومي وانتظار طويل قد ينتهي بالقتل

TT

إسرائيل تقطع أوصال الضفة... والفلسطينيون عالقون بين حاجزين وبوابة

الجيش الإسرائيلي يقيم بوابة حديدية على الطريق 465 قرب رام الله (أ.ف.ب)
الجيش الإسرائيلي يقيم بوابة حديدية على الطريق 465 قرب رام الله (أ.ف.ب)

«المدخل الشمالي لمدينة البيرة مغلق بالاتجاهين. بوابة عطارة بيرزيت مغلقة بالاتجاهين. بوابات عطارة البلد أزمة وتفتيش للخارج. مدخل روابي سالك. عين سينيا سالكة. يبرود سلواد أزمة وتفتيش. الجلزون سالك. كفر عقب كثافة سير. قلنديا أزمة للخارج. العيزرية كثافة سير وشرطة باتجاه الجنوب، حاجز الكونتينر أزمة وتفتيش باتجاه الجنوب. رأس الجورة مغلقة. بوابة الفحص مغلقة. النشاش سالك. بوابة سعير مغلقة. بوابات العروب مغلقة. بوابة دورا مغلقة. المدخل الشمالي لسلفيت مغلق. بوابة بروقين مغلقة. الفندق سالك. حاجز عنبتا مغلق للخارج الداخل سالك. حاجز الحمرا مغلق بالاتجاهين. حاجز تياسير مغلق بالاتجاهين».

هذا جزء من خبر أطول كان يقرأه أحد مذيعي الإذاعات المحلية في رام الله، في محاولة لتقديم آخر تحديث لحالة الطرق في الضفة الغربية، وهو تحديث مستمر 24 ساعة في اليوم طيلة الأسبوع، ومتغير بشكل سريع.

وكما يتابع الناس في بلدان العالم أحوال الطقس، أو أسعار العملات، يترقب الفلسطينيون في الضفة الغربية حالة الطرق منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 بشكل مستمر. فبعدما شنت إسرائيل حرباً دموية على قطاع غزة، وأخرى موازية وإن كانت مختلفة في الضفة، يكاد فلسطيني الضفة يكون الوحيد في العالم الذي يحتاج إلى فحص مجموعة كبيرة من الحواجز من أجل الانتقال خارج مدينته أو قريته، وقد يكلفه ذلك حياته، أو زجّه في السجن، وفي أحسن الأحوال قضاء ساعات عدة على أحد الحواجز العسكرية، ومثلها في التنقل عبر حواجز أخرى، في رحلة مذلّة كان يفترض أن تكون آمنة، وسريعة للغاية، لولا الاحتلال، وقمعه.

ولم ينس الفلسطينيون بعدُ كيف فقد محمد الجندي، الشاب الذي لم يتجاوز 30 عاماً، حياته عند حاجز استحدث قرب منطقة الإسكانات في بيت جالا بمنطقة بيت لحم، فقط لأنه حاول فتح بوابة حديدية لسيدة انتظرت طويلاً لتعبر إلى منزلها. وصادف أن السيدة لم تنتبه للجنود وخافت أن تتقدم، قبل أن يأخذ محمد الذي يسكن في منطقة قريبة المبادرة ويفتح لها البوابة. فكان هذا آخر عمل له في حياته. لقد أعدموه وسط الشارع.

صور نشرها فلسطينيون لأزمة حاجز الكونتينر قرب بيت لحم (وسائل تواصل ومجموعات)

انتظار بلا حدود

تفاجأ محمود العزة، الذي غادر مبكراً من بيت لحم إلى أبو ديس القريبة من أجل الالتحاق بجامعته، بطابور كبير من السيارات على حاجز «الكونتينر» سيئ الصيت، الذي يفصل جنوب الضفة الغربية عن شمالها. وأدرك العزة سريعاً أنه لن يدرك محاضرته الأولى، لكنه كان يأمل أن يتابع بقية الحصص. ولكن بعد 3 ساعات، وجد نفسه عالقاً بين مئات السيارات، لا هو يستطيع التقدم ولا العودة، وقد ضاع يومه، ومثل غيره يحدوه الأمل، بأن يقرر أحد الجنود فتح الحاجز، حتى يتخلص من سجنه داخل السيارة، ويعود إلى منزله.

لم يعد العزة إلا بعد 5 ساعات، وراح يفكر في تأجيل فصله الدراسي قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «المشكلة أنه وضع مستمر. كل يوم يغلقون الحاجز في أوقات مختلفة». ويتابع: «جندي جاي على بالو (قرر مزاجياً) بسكر الحاجز ساعة وساعتين و3 واحنا واقفين بنستنى (ننتظر) أنه يحنّ علينا ويفتح الحاجز... إنه شيء مذل ومرهق ومتعب».

وأضاف: «قبل 7 أكتوبر كانت هذه الحالات تحدث كل بضعة أشهر مرة. اليوم كل يوم وكل ساعة تحدث. فإما يغلقون الحواجز أو يفتشون السيارات واحدة تلو الأخرى ويدققون بالهويات». ويختم الشاب قائلاً: «باختصار، يتعمدون إهانة الناس وإذلالها ونحن لم نعد نحتمل».

ويعدّ حاجز الكونتينر واحداً من مئات الحواجز والبوابات التي تضعها إسرائيل في الضفة الغربية منذ احتلالها عام 1967، وقد تضاعفت مرات عدة منذ السابع من أكتوبر 2023.

 

 

بيئة قهرية عازلة

بحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، وصل عدد الحواجز والبوابات الحديدية التي نصبها جيش الاحتلال في الضفة الغربية إلى 898 حاجزاً عسكرياً وبوابة، منها 18 بوابة حديدية منذ بداية العام الحالي 2025، و146 بوابة حديدية نصبها الاحتلال بعد 7 أكتوبر 2023.

وقال المدير العام للنشر والتوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أمير داود، إنها «حواجز قديمة وجديدة ثابتة ومنتظمة ومتغيرة الأنماط، وتعكس سياسة إسرائيل. إنهم منذ 1967 يراكمون هذه الحواجز ويراكمون على فكرة الإغلاق».

صور نشرها فلسطينيون لأزمة حاجز الكونتينر قرب بيت لحم (وسائل تواصل ومجموعات)

وأضاف داود لـ«الشرق الأوسط»: «ما نشهده اليوم غير مسبوق»، متّهماً إسرائيل بمحاولة خلق حيز جغرافي بديل للفلسطينيين يتجاوز ما يعرفونه من شوارع وطرقات ومساحات، ويكون مصمماً على فكرة الإغلاق والرقابة والإقصاء.

وقال داود إن البوابات كانت السمة الأبرز منذ السابع من أكتوبر. وأضاف: «قبل السابع من أكتوبر منظومة الإغلاق كانت تستهدف القطاع الأكبر من الجغرافيا. مثل عزل شمال الضفة أو جنوبها. اليوم المنظومة تعمل بطريقة أخرى. الإغلاق يستهدف التجمع الواحد. مثل القرية. هذا نمط جديد».

وأردف: «يضاف إليه طبيعة الجنود. الجنود على الحواجز كانوا نظاميين مدربين إلى حد ما، ولديهم تعليمات واضحة بالالتزام بالقانون الدولي ولو بالحد الأدنى. اليوم ميليشيا موجودة من (صهيونية دينية) وآخرين. وجاءوا من أجل أن ينتقموا من الفلسطينيين. إنهم يفرضون بيئة قهرية».

 

 

سجن كبير يضيق

تطوّق الحواجز العسكرية الإسرائيلية كل مدن الضفة الغربية وقراها اليوم، ويوجد حول الخليل مثلاً 229 حاجزاً، ورام الله 156 حاجزاً، وبيت لحم 65 حاجزاً، ويشمل ذلك البوابات التي حولت القرى والبلدات سجناً كبيراً.

ويضطر الفلسطينيون في البلدات والمخيمات المغلقة ببوابات حديدية إلى ترتيب حياتهم وفق مواعيد هذه البوابات.

وقال إبراهيم ثابت، من مخيم العروب القريب من الخليل، إن عليه أن يغادر في أوقات محددة، ويعود في أوقات محددة؛ لأنه بخلاف ذلك سيضطر إلى النوم في الخارج.

جندي إسرائيلي يلوّح بيده بينما يستعد فلسطينيون لإخلاء منازلهم يوم الأربعاء في مخيم نور شمس بالضفة الغربية بعد قرار إسرائيل هدمها (رويترز)

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «يفتحون البوابة في وقت محدد في الصباح، ويعيدون فتحها لوقت محدد قبل المساء. عليك أن تغادر وفق مواعيدهم وتعود وفق مواعيدهم. ولا شيء آخر يهم».

وتابع بغضب: «عندك حالة مرضية حالة طارئة مواعيد... مش مهم. فأنت كإنسان غير مهم أصلاً. عليك أن تتأقلم مع مواعيد فتح وإغلاق السجن أو حظيرة الغنم».

ولا يجد ثابت التعبير المناسب لوصف ما يعيشونه في مخيم العروب سوى أنهم يقاسون روتيناً من القهر والذل في سجن كبير. وقال: «سجن أكبر قليلاً. حرية أكبر قليلاً. نزلاء أكثر قليلاً».

وتغلق إسرائيل إلى جانب مخيم العروب معظم البلدات والمخيمات في المنطقة «ج» التي تقع تحت سيطرة إسرائيلية مطلقة وقريبة من شوارع يمر عليها المستوطنون.

 

 

تفتيت الضفّة

وقال المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان إن المعطيات (الحواجز والبوابات) تظهر بوضوح سعي الاحتلال الإسرائيلي إلى تفتيت الضفة الغربية، وتحويلها كانتونات منعزلة عن بعضها بما يمنع الامتداد الجغرافي الفلسطيني الطبيعي، ويحول دون سهولة الحركة والتنقل بين المدن والقرى الفلسطينية. كما تؤشر على أن الاحتلال يستخدم هذه الحواجز والبوابات شكلاً من أشكال العقاب الجماعي ضد الفلسطينيين، وفي إطار تكريس سياسات الضمّ الإسرائيلية.

ويعيش اليوم في الضفة الغربية أكثر من نصف مليون مستوطن من دون القدس، موزعين على مستوطنات تجثم على 3 في المائة من مساحة الضفة، ويخصص لها ما نسبته 40 في المائة من مجمل أراضي الضفة الغربية، بصفتها مناطق محمية، ومن أجل مشاريع البنية التحتية المرتبطة بها، مثل الجدار العنصري العازل، والحواجز، والقواعد العسكرية، والطرق الالتفافية الاستيطانية.

ويحظى المستوطنون بشوارع خاصة يمنع على الفلسطينيين السير فيها وأخرى مشتركة.

وتقول منظمة «بيتسيلم» إن الشوارع التي يحظر فيها تنقل الفلسطينيين هي «مكون إضافي في منظومة القيود».

وحماية هؤلاء المستوطنين هو سبب آخر للحواجز والبوابات.

وبحسب مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، فإن إحدى مهمات تلك الحواجز ليست إحكام القبضة الأمنية على مدن الضفة، أو تفتيش الفلسطينيين المغادرين من المدن المختلفة والعائدين إليها فحسب، بل وتأمين عبور آمن للمستوطنين الذين يحظون بشوارع خاصة فوق ذلك.

 

 

قهر على قهر

لعل أكثر ما يزيد القهر مراقبة سيارات المستوطنين وهي تشق طريقها بكل سهولة أمام الطوابير الطويلة المتوقفة عند الحواجز من سيارات الفلسطينيين. وقال سعيد هنية بعد أن قضى 5 ساعات على حاجز جبع: «هذا وضع لا يطاق».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «لن تصدق... أنهيت مشاهدة فيلم وبدأت بالثاني. إنه جنون جنون». وبالنسبة لهنية كانت تلك آخر مرة ينتقل فيها من مدينة إلى أخرى، وقرر عدم تكرار ذلك.

فتيات فلسطينيات يبكين بينما تهدم حفَّارات الجيش الإسرائيلي مبنيين فلسطينيين بقرية قبية شمال غربي رام الله في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

أما أبو محمد الحداد، وهو سائق تاكسي قديم، فنصح كل زملائه بعدم التنقل بين المدن والحواجز.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أعلم أن لقمة العيش صعبة. لكن ما يحدث عمره ما صار. شفنا كثير وقليل وعشنا انتفاضات وحروباً ومداً وجزراً، لكن مثل هذه الأيام لم نرَ. عمره ما كان الوضع هيك».

وتابع بأسى: «اليوم أنت لست معرَّضاً للإذلال فحسب، بل أسهل شيء أن يطخوك (يطلقوا عليك الرصاص) وتموت».

ومن أجل تجنب رحلة مذلة، أو أقله التخفيف من شدّتها، أُنشئت عشرات المجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي و«تلغرام» من أجل متابعة الطرق.

ويسأل حازم الزيز على مجموعة «أحوال الطرق» التي تضم آلافاً من الفلسطينيين عن حالة حاجز الكونتينر، ليرد أحدهم: «أزمة وتفتيش»، فيسأل ليث عيسى عن طريق فرش الهوى، ويبشره عزيز بأنه سالك لكن رأس الجورة مغلق.

وهكذا، يقضي الفلسطينيون في الضفة أيامهم بين حاجز سالك، وآخر مغلق، وثالث يشهد «أزمة، وتفتيشاً».

 

 


مقالات ذات صلة

غوتيريش يهدد بإحالة إسرائيل إلى محكمة العدل الدولية بسبب «الأونروا»

المشرق العربي الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثمانين بمقر الأمم المتحدة في مدينة نيويورك 23 سبتمبر 2025 (رويترز)

غوتيريش يهدد بإحالة إسرائيل إلى محكمة العدل الدولية بسبب «الأونروا»

حذّر الأمين العام ​للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إسرائيل من أنه قد يحيلها إلى محكمة العدل الدولية إذا لم تلغ القوانين التي تستهدف وكالة «الأونروا».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شؤون إقليمية لصوص يتنكرون في زي جنود أثناء عملية سرقة محل مجوهرات في الظاهرية جنوب الضفة (مواقع تواصل)

«لسرقة محل مجوهرات بالضفة»... لصوص تنكروا في زي الجيش الإسرائيلي

تمكنت مجموعة من اللصوص من سرقة محل مجوهرات في الضفة الغربية، في وضح النهار بسهولة منتحلين صفة جنود إسرائيليين.

كفاح زبون (رام الله)
شؤون إقليمية مستوطنون متطرفون يحاولون العبور إلى داخل غزة في فبراير 2024 لإقامة بؤرة استيطانية (د.ب.أ) play-circle

«أحدهم دعا لقصفها بقنبلة نووية»... مسؤولون إسرائيليون يطرحون خطة لاحتلال غزة

بمبادرة من ثلاثة وزراء و10 نواب في الائتلاف الحاكم، التأم في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) مؤتمر يدعو إلى العودة للاستيطان في غزة بزعم أنه «حق تاريخي لليهود».

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية جندي إسرائيلي يتخذ موقعه خلال عملية عسكرية حول البلدة القديمة لمدينة نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة يوم الأحد (أ.ف.ب)

إسرائيل تصعد في نابلس وتنفذ حملة اعتقالات

صعّد الجيش الإسرائيلي اقتحاماته في الضفة الغربية؛ إذ نفذ عملية واسعة في قلب مدينة نابلس، تخللتها اشتباكات مسلحة؛ ما أسفر عن إصابات واعتقالات.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي فلسطينيون يُصلُّون على جثامين ذويهم ضحايا الغارات الإسرائيلية على خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ) play-circle

قتلى في قصف إسرائيلي استهدف شرق مدينة غزة

قُتل عدد من الفلسطينيين، اليوم (الأحد)، في قصف إسرائيلي استهدف حي الزيتون بشرق مدينة غزة، كما قُتل فلسطيني متأثراً بإصابته برصاص إسرائيلي في جنوب الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (غزة)

احتجاجات إيران تتراجع... وترمب يراقب

سيارات تسير في طهران تحت لافتة كتب عليها «هذا ليس احتجاجاً» الخميس (أ.ف.ب)
سيارات تسير في طهران تحت لافتة كتب عليها «هذا ليس احتجاجاً» الخميس (أ.ف.ب)
TT

احتجاجات إيران تتراجع... وترمب يراقب

سيارات تسير في طهران تحت لافتة كتب عليها «هذا ليس احتجاجاً» الخميس (أ.ف.ب)
سيارات تسير في طهران تحت لافتة كتب عليها «هذا ليس احتجاجاً» الخميس (أ.ف.ب)

تراجعت الاحتجاجات الشعبية في إيران، أمس، بينما تواصل الولايات المتحدة مراقبة التطورات من دون الإعلان عن خطوات حاسمة، بالتوازي مع تصاعد الضغوط السياسية، وفرض عقوبات جديدة.

وخفف الرئيس الأميركي دونالد ترمب من نبرته الحادة تجاه إيران، وعبّر عن أمله في استمرار امتناع طهران عن تنفيذ أحكام الإعدام بحق المحتجين، مشيراً إلى معلومات تفيد بتراجع حدة القتل. وقال ترمب إن إدارته تتابع الوضع «من كثب»، مع إبقاء جميع الخيارات مطروحة.

جاء ذلك، بعدما حاول وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خفض حدة التوتر، ونفى في مقابلة مفاجئة مع قناة «فوكس نيوز» «أي خطة للإعدام شنقاً»، ودعا إلى تغليب الدبلوماسية.

وتراجعت وتيرة الاحتجاجات في طهران، ومدن أخرى. وأفاد أشخاص من داخل إيران بأن انقطاع الإنترنت، وتشديد الإجراءات الأمنية أسهما في خفض زخم التحركات، مقابل تصاعد الاعتقالات.

وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات جديدة استهدفت أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، وقادة في «الحرس الثوري»، على خلفية اتهامهم بالضلوع في قمع الاحتجاجات.


سويسرا تعرض الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران

لاريجاني يلتقي مستشار الأمن القومي ونائب وزير الخارجية السويسري غابرييل لوشينغر بطهران في أغسطس الماضي (جماران)
لاريجاني يلتقي مستشار الأمن القومي ونائب وزير الخارجية السويسري غابرييل لوشينغر بطهران في أغسطس الماضي (جماران)
TT

سويسرا تعرض الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران

لاريجاني يلتقي مستشار الأمن القومي ونائب وزير الخارجية السويسري غابرييل لوشينغر بطهران في أغسطس الماضي (جماران)
لاريجاني يلتقي مستشار الأمن القومي ونائب وزير الخارجية السويسري غابرييل لوشينغر بطهران في أغسطس الماضي (جماران)

عرضت سويسرا القيام بدور وساطة دبلوماسية بين واشنطن وطهران، في وقت يتصاعد فيه التوتر على خلفية الاحتجاجات في إيران وتلويح أميركي بخيارات تصعيدية.

وأفادت وزارة الخارجية السويسرية، اليوم (الخميس)، بأن مدير إدارة الأمن الدولي ونائب وزير الخارجية، غابرييل لوشينغر، أجرى اتصالاً هاتفياً مع أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني.

وأوضحت الوزارة أن لوشينغر عرض، خلال المحادثة، أن تتولى سويسرا دور الوساطة للمساعدة في تهدئة الوضع الراهن.

ويأتي ذلك في ظل تصاعد التوتر منذ اندلاع الاحتجاجات الواسعة في إيران قبل أكثر من أسبوعين، إذ لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراراً بإمكانية التدخل عسكرياً.

وفي وقت سابق، قال مكتب لاريجاني، في بيان، إن الاتصال تناول العلاقات الثنائية وآخر التطورات الإقليمية، مشدداً على الدور البنّاء لسويسرا وسجلها الإيجابي في تسوية الأزمات بالطرق السلمية، لكنه قال إن بلاده «لن تكون غير فعّالة إزاء الخطاب التهديدي الأميركي».

وأضاف البيان الإيراني أن مستشار الأمن القومي السويسري أعلن استعداد بلاده الكامل للاضطلاع بدور بناء يسهم في خفض التوتر في الظروف الراهنة.

وتمثل سويسرا المصالح الأميركية في طهران، في ظل غياب تمثيل دبلوماسي مباشر لواشنطن هناك منذ عام 1980، عقب قطع العلاقات بين البلدين بعد أحداث عام 1979.


استجواب رئيس القضاء الإيراني لمحتجين يثير مخاوف من «اعترافات قسرية»

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)
احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)
TT

استجواب رئيس القضاء الإيراني لمحتجين يثير مخاوف من «اعترافات قسرية»

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)
احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)

ظهر رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي وهو يستجوب بشكل مباشر موقوفين على هامش الاحتجاجات الأخيرة في إيران، ما يعزّز مخاوف منظمات حقوقية من استخدام سلطات طهران «الاعترافات القسرية».

وعرض التلفزيون الرسمي، الخميس، لقطات تظهر غلام حسين محسني إجئي، صاحب المسيرة الطويلة في الجهاز القضائي، والذي صدرت في حقه عقوبات من الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، مستجوباً عدداً من الأشخاص الذين تتهمهم السلطات بأنهم «مثيرو شغب».

بثّ التلفزيون مشاهد تبيّن إجئي، وهو وزير سابق للاستخبارات وكبير المدعين العامين في طهران، مستجوباً امرأتين محتجزتين جرى إخفاء وجهيهما، وقد انهارتا بالبكاء أثناء الاستجواب، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

في اليوم السابق، أمضى إجئي خمس ساعات داخل أحد سجون طهران لتفحّص قضايا سجناء جرى توقيفهم خلال الاحتجاجات، وفق ما ذكر التلفزيون الرسمي الذي عرض لقطات له وهو يستجوب بعض المحتجزين.

وبحسب منظمات حقوقية، بثّ التلفزيون الرسمي العشرات من هذه «الاعترافات» لأفراد متهمين بالاعتداء على قوات الأمن، وأعمال عنف أخرى خلال المظاهرات.

وقالت منظمة «حقوق الإنسان في إيران» (إيران هيومن رايتس) ومقرها النرويج إن «وسائل الإعلام الحكومية بدأت ببثّ اعترافات قسرية للمتظاهرين في غضون أيام من اندلاع الاحتجاجات».

وأضافت: «إنّ بثّ اعترافات انتُزعت تحت الإكراه، والتعذيب قبل بدء الإجراءات القانونية يُعدّ انتهاكاً لحقّ المتهمين في مبدأ قرينة البراءة»، أي إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.

في مثال آخر، ذكرت منظمة «هرانا» (HRANA) الحقوقية، ومقرها في الولايات المتحدة أن فتاتين مراهقتين اعتُقلتا في مدينة أصفهان بوسط البلاد ظهرتا في «اعترافات قسرية» قالتا فيهما إنهما تلقّتا أموالاً من أحد الأشخاص للمشاركة في الاحتجاجات.

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يؤدي القسم إلى جانب رئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي (التلفزيون الرسمي)

ويأتي استخدام هذه الاعترافات في ظلّ حملة قمع الاحتجاجات التي تقول منظمات حقوقية إنها خلّفت آلاف القتلى في مسيرات بدأت احتجاجاً على الوضع المعيشي، وتحوّلت لترفع شعارات سياسية مناهضة للنظام والمرشد الإيراني علي خامنئي.

التحرك «بسرعة»

في أحدث اللقطات، ظهر إجئي جالساً في غرفة محاطاً بمسؤولين آخرين وخلفهم صورة لخامنئي، والمرشد الإيراني الأول الخميني، فيما كانت المعتقلة جالسة على كرسي مقابل.

يتواصل مشهد الاعترافات المصوّرة بعرض لقطات تظهر هذه المرأة المتهمة بتوجيه رسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهي تقول: «لقد فعلتُ شيئاً لا أستطيع أن أغفره لنفسي». يسألها إجئي بصوت خافت وهو يضم يديه: «لماذا... ومن أجل من؟».

كذلك تظهر الاعترافات امرأة أخرى متهمة بإلقاء كتل خرسانية على قوات الأمن في طهران من شرفة منزلها.

ورداً على إلحاح إجئي بالسؤال عن «اليوم» الذي قامت فيه بالفعلة المنسوبة إليها، و«كيف عرفت أنهم ضباط؟»، تجيب المرأة: «لا أعرف ما حدث، لماذا فعلتُ هذه الحماقة؟». ولم يُقدَّم أي دليل إضافي على تورطهما بالأفعال المفترضة المنسوبة إليهما.

في العام 2024، وصفت منظمة «متحدون ضد إيران النووية» التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً، إجئي الذي تعهّد بـ«محاكمات سريعة» للمعتقلين، بأنه «منفذ قاسٍ لأحكام إيران، ولا يكترث لحقوق الإنسان».

كما تتهمه جماعات معارضة بالتورط في الإعدام الجماعي للسجناء السياسيين في إيران عام 1988.

وقالت منظمة «مراسلون بلا حدود» غير الحكومية المعنية بحرية الإعلام، إن إجئي «لطخ يديه بدماء الصحافيين»، مشيرة إلى أنه في عام 2004 عضّ صحافياً من كتفه أثناء مناظرة.

وقال إجئي، الأربعاء، «إذا قام أحد بحرق شخص أو قطع رأسه ثم حرق جسده، علينا أن نقوم بعملنا بسرعة». وأضاف: «مع أي تأخير، لن يكون للأمر التأثير نفسه».