«مصنع الجواسيس»... كيف كشفت البرازيل أكبر عملية سرية روسية على أراضيها؟

عملاء روس أسسوا أعمالاً تجارية وكوّنوا صداقات وعاشوا علاقات غرامية بهويات مزيفة

بوتين نفسه أقرّ بإشرافه على جواسيس المخابرات السرية السوفياتية أثناء عمله في ألمانيا الشرقية (أرشيفية - رويترز)
بوتين نفسه أقرّ بإشرافه على جواسيس المخابرات السرية السوفياتية أثناء عمله في ألمانيا الشرقية (أرشيفية - رويترز)
TT

«مصنع الجواسيس»... كيف كشفت البرازيل أكبر عملية سرية روسية على أراضيها؟

بوتين نفسه أقرّ بإشرافه على جواسيس المخابرات السرية السوفياتية أثناء عمله في ألمانيا الشرقية (أرشيفية - رويترز)
بوتين نفسه أقرّ بإشرافه على جواسيس المخابرات السرية السوفياتية أثناء عمله في ألمانيا الشرقية (أرشيفية - رويترز)

خدع أرتيم شميريف الجميع. بدا أن ضابط المخابرات الروسي قد بنى هويةً مثاليةً للتغطية. كان يدير مشروعاً ناجحاً للطباعة ثلاثية الأبعاد، ويتشارك شقةً راقيةً في ريو دي جانيرو مع صديقته البرازيلية وقطة برتقالية وبيضاء. ولكن الأهم من ذلك، أنه كان يمتلك شهادة ميلاد وجواز سفر أصليين يُثبتان اسمه المستعار جيرهارد دانيال كامبوس فيتيتش، وهو مواطن برازيلي يبلغ من العمر 34 عاماً.

بعد 6 سنوات من الاختفاء، كان متلهفاً لبدء عمل تجسس حقيقي. كتب في رسالة نصية عام 2021 إلى زوجته الروسية، التي كانت أيضاً ضابطة مخابرات، مستخدماً لغة إنجليزية ركيكة: «لا أحد يريد أن يشعر بالفشل. لهذا السبب أواصل العمل».

وكشف تحقيق أجرته صحيفة «نيويورك تايمز» عن أن روسيا استخدمت البرازيل نقطةَ انطلاقٍ لنخبة ضباط مخابراتها، المعروفين باسم «المهاجرين غير الشرعيين». في عملية جريئة وواسعة النطاق، تخلص الجواسيس من ماضيهم الروسي. أسسوا أعمالاً تجارية، وكوّنوا صداقات، وعاشوا علاقات غرامية - أحداثٌ أصبحت، على مر السنين، حجر الأساس لهويات جديدة كلياً.

كُشفت عمليات تجسس روسية كبرى في الماضي، بما في ذلك في الولايات المتحدة عام 2010. لكن هذه العملية كانت مختلفة. لم يكن الهدف التجسس على البرازيل، بل أن يصبحوا برازيليين. بمجرد خلق خلفية شخصية موثوقة، كانوا ينطلقون إلى الولايات المتحدة أو أوروبا أو الشرق الأوسط ويبدأون العمل.

حوّل الروس البرازيل إلى خط تجميع لعملاء سريين مثل شميريف.

بدأ أحدهم مشروعاً للمجوهرات. وأخرى كانت عارضة أزياء شقراء ذات عينين زرقاوين. وثالث كان طالباً في جامعة أميركية. كان هناك باحث برازيلي حصل على عمل في النرويج، وزوجان ذهبا في النهاية إلى البرتغال.

كشف العملية

على مدى السنوات الثلاث الماضية، طارد عملاء مكافحة التجسس البرازيليون هؤلاء الجواسيس بهدوء ومنهجية. من خلال عمل شرطي دؤوب، اكتشف هؤلاء العملاء نمطاً مكّنهم من تحديد هوية الجواسيس، واحداً تلو آخر.

كشف العملاء البرازيليون عن 9 ضباط روس على الأقل يعملون بهويات برازيلية سرية، وفقاً لوثائق ومقابلات. ستة منهم لم يُكشف عن هويتهم علناً حتى الآن. وقال مسؤولون إن التحقيق شمل بالفعل 8 دول على الأقل، بمعلومات استخباراتية من الولايات المتحدة وإسرائيل وهولندا وأوروغواي وأجهزة أمنية غربية أخرى.

باستخدام مئات الوثائق الاستقصائية والمقابلات مع عشرات من مسؤولي الشرطة والاستخبارات عبر 3 قارات، جمعت صحيفة «نيويورك تايمز» تفاصيل عملية التجسس الروسية في البرازيل والجهود السرية للقضاء عليها.

لم يكن تفكيك «مصنع الجواسيس» التابع للكرملين مجرد عملية روتينية لمكافحة التجسس، بل كان جزءاً من التداعيات المدمرة لعقد من العدوان الروسي. ساعد جواسيس روس في إسقاط طائرة ركاب كانت في طريقها من أمستردام عام 2014. وتدخلوا في الانتخابات في الولايات المتحدة وفرنسا وأماكن أخرى. وسمموا من عدُّوهم أعداءً ودبروا انقلابات.

لكن قرار الرئيس فلاديمير بوتين بغزو أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022 هو ما حفّز رد فعل عالمياً على الجواسيس الروس، حتى في مناطق من العالم تمتع فيها هؤلاء الضباط لفترة طويلة بقدر من الحصانة. ومن بين تلك الدول البرازيل، التي تربطها علاقات ودية تاريخية بروسيا.

وجهت التحقيقات البرازيلية ضربةً قاصمة لبرنامج موسكو في البرازيل. فقد قضت على كادر من الضباط ذوي التدريب العالي الذين يصعب استبدالهم. أُلقي القبض على اثنين منهم على الأقل. بينما فر آخرون على عجل إلى روسيا. وبعد كشف هوياتهم، من المرجح أنهم لن يعملوا في الخارج مرة أخرى.

في قلب هذه الهزيمة الساحقة، كان فريق من عملاء مكافحة التجسس من الشرطة الفيدرالية البرازيلية، وهي نفس الوحدة التي حققت مع الرئيس البرازيلي السابق، جايير بولسونارو، بتهمة التخطيط لانقلاب. من مقرهم الزجاجي الحديث في العاصمة برازيليا، أمضوا سنوات في فحص ملايين سجلات الهوية البرازيلية، بحثاً عن أنماط. عُرفت هذه العملية باسم «عملية الشرق».

أشباح في النظام

في أوائل أبريل (نيسان) 2022، وبعد أشهر قليلة من دخول القوات الروسية إلى أوكرانيا، أرسلت وكالة المخابرات المركزية الأميركية رسالة عاجلة واستثنائية إلى الشرطة الفيدرالية البرازيلية.

أفاد الأميركيون بأن ضابطاً سرياً في جهاز المخابرات العسكرية الروسية قد وصل مؤخراً إلى هولندا للتدريب مع المحكمة الجنائية الدولية، في الوقت الذي بدأت فيه المحكمة التحقيق في جرائم الحرب الروسية في أوكرانيا.

كان المتدرب المحتمل مسافراً بجواز سفر برازيلي باسم فيكتور مولر فيريرا. حصل على شهادة دراسات عليا من جامعة جونز هوبكنز بهذا الاسم. لكن اسمه الحقيقي، كما ذكرت وكالة المخابرات المركزية، هو سيرغي تشيركاسوف. منعه مسؤولو الحدود الهولنديون من الدخول، وسافر على متن طائرة عائداً إلى ساو باولو.

مع قلة الأدلة وساعات قليلة للتحرك، لم يكن لدى البرازيليين سلطة لاعتقال تشيركاسوف في المطار. لذلك؛ أبقته تحت مراقبة مشددة لأيام عدة متوترة، بينما بقي حراً في أحد فنادق ساو باولو.

أخيراً، حصل الضباط على مذكرة توقيف واعتقلوه - ليس بتهمة التجسس، بل بتهمة أبسط، وهي استخدام وثائق مزورة. أثناء الاستجواب، كان تشيركاسوف مغروراً، مُصرّاً على أنه برازيلي. وكان بحوزته الوثائق التي تُثبت ذلك. كان جواز سفره البرازيلي الأزرق أصلياً. كان يحمل بطاقة تسجيل ناخب برازيلية كما يقتضي القانون، وشهادة تُثبت أنه أكمل الخدمة العسكرية الإلزامية وكانت جميعها أصلية.

لسنوات، استخدمت روسيا البرازيل نقطةَ انطلاق لنخبة ضباط استخباراتها. قال محقق في الشرطة الفيدرالية، تحدث، كما فعل آخرون، شريطة عدم الكشف عن هويته لأن التحقيق لا يزال مفتوحاً: «لم تكن هناك صلة بينه وبين الدولة (روسيا)».

لم تبدأ قصة تشيركاسوف - والعملية الروسية برمتها في البرازيل - بالانكشاف إلا عندما عثرت الشرطة على شهادة ميلاده. في الماضي، دأب الجواسيس الروس على الحصول على وثائق هوية بانتحال هويات موتى، غالباً أطفال رضع. لكن هذا لم يحدث في هذه الحالة. فقد توصل العملاء إلى أن فيكتور مولر فيريرا لم يكن موجوداً أصلاً. ومع ذلك، كانت لديه شهادة ميلاد حقيقية.

وأشارت الوثيقة إلى أن فيكتور مولر فيريرا وُلد في ريو دي جانيرو عام 1989 لأم برازيلية، وهي شخصية حقيقية توفيت بعد 4 سنوات. ولكن عندما حددت الشرطة مكان عائلتها، علم العملاء أن المرأة لم تُرزق بطفل قط. ولم تعثر السلطات على أي شخص يطابق اسم الأب.

أثار هذا الاكتشاف تساؤلات محيّرة. كيف حصل جاسوس روسي على وثائق أصلية باسم مزيف؟ والأهم من ذلك، تساءلت الشرطة: إذا كان بإمكان جاسوس واحد فعل ذلك، فلماذا لا يستطيع الآخرون؟

بدأ العملاء الفيدراليون البحث عمّن سمّوهم «الأشباح» أشخاص يحملون شهادات ميلاد قانونية، قضوا حياتهم دون أي سجل يُثبت وجودهم الفعلي في البرازيل، وظهروا فجأة بالغين يجمعون وثائق الهوية بسرعة.

رجال بوتين المميزون

للعثور على «الأشباح»، بدأ العملاء البحث عن أنماط في ملايين سجلات الميلاد وجوازات السفر ورخص القيادة وأرقام الضمان الاجتماعي.

يمكن أتمتة بعض هذه العمليات، ولكن ليس من السهل ربط جميع قواعد البيانات البرازيلية والبحث فيها رقمياً. كان لا بد من إنجاز الكثير منها يدوياً. سمح هذا التحليل لعملية «الشرق» بكشف العملية الروسية برمتها. قال مسؤول برازيلي كبير: «بدأ كل شيء مع سيرغي».

يواجه جميع الجواسيس، بغض النظر عن البلد الذي يعملون لصالحه، التحدي نفسه: خلق هوية مزيفة تصمد أمام التدقيق.

لأجيال، استخدم العملاء السريون جوازات سفر مزوّرة وأسماء مسروقة وقصصاً وهمية مُعدّة بعناية. العصر الرقمي، الذي يمتلك فيه كل شخص تقريباً تاريخاً على الإنترنت، جعل الأمور أكثر تعقيداً.

تُعد هذه مشكلة حادة بشكل خاص بالنسبة لروسيا. ذلك لأنه بينما توظف جميع أجهزة التجسس عملاء سريين، يعتمد معظمها على شبكات من المخبرين المحليين للقيام بالعمل الشاق لجمع المعلومات الاستخبارية. روسيا فريدة من نوعها. منذ السنوات الأولى للاتحاد السوفياتي، التزم ضباط المخابرات السرية طوال حياتهم بالخدمة، يعيشون ويعملون بصفتهم أشخاصاً مختلفين تماماً.

وقد أقرَّ بوتين نفسه بإشرافه على جواسيس المخابرات السرية السوفياتية أثناء عمله في شبابه بألمانيا الشرقية ضابطاً في جهاز المخابرات السوفياتية (كي جي بي) في نهاية الحرب الباردة.

وقال في مقابلة تلفزيونية عام 2017: «هؤلاء أشخاص مميزون يتمتعون بجودة خاصة، وقناعات خاصة، وشخصية مميزة. ترك حياتك السابقة، وترك أحبائك وعائلاتك، وترك بلدك لسنوات طويلة لتكريس حياتك لخدمة الوطن، ليس أمراً يمكن للجميع فعله. فقط المختارون هم من يستطيعون ذلك، وأقول هذا دون أي مبالغة».

بدت البرازيل مكاناً مثالياً لجواسيس بوتين المختارين لبناء تاريخهم. يُعد جواز السفر البرازيلي من أكثر جوازات السفر فائدة في العالم، حيث يسمح بالسفر من دون تأشيرة إلى عدد من الدول يقارب عدد الدول التي يسمح بها جواز السفر الأميركي. ومن غير المرجح أن يبرز شخص ذو ملامح أوروبية ولهجة خفيفة في البرازيل متعددة الأعراق. وبينما تشترط الكثير من الدول التحقق من مستشفى أو طبيب قبل إصدار شهادات الميلاد، تسمح البرازيل باستثناء خاص للمولودين في المناطق الريفية. تصدر السلطات شهادة ميلاد لأي شخص يُصرّح، بحضور شاهدين، بأن أحد الوالدين على الأقل برازيلي. كما أن النظام لا مركزي وعرضة للفساد المحلي.

مع شهادة الميلاد، يكفي التقدم بطلب تسجيل الناخبين، واستخراج أوراق عسكرية، وأخيراً، الحصول على جواز سفر. بمجرد الحصول على هذه الوثائق، يمكن للجاسوس السفر إلى أي مكان في العالم تقريباً.

انفراجة في القضية

كان اسم جيرهارد دانيال كامبوس فيتيتش من أوائل الأسماء التي ظهرت عند بدء المحققين بحثهم. بدا أنه ينطبق عليه هذا النمط. أشارت شهادة ميلاده إلى أنه وُلد في ريو عام 1986، لكنه ظهر فجأةً عام 2015.

بحلول الوقت الذي بدأ فيه المحققون التحقيق، كان شميريف قد بنى هويةً وهميةً مقنعةً لدرجة أن صديقته وزملاءه لم يكونوا على دراية بها. كان يتحدث البرتغالية بطلاقة، بلكنةٍ أوضح أنها نتيجة طفولته في النمسا.

بدا أنه يُكرّس كل ما لديه لشركته للطباعة «ثري دي ريو»، التي أسسها من الصفر، وأولاها اهتماماً حقيقياً، وفقاً لزملائه السابقين. كان يقضي ساعاتٍ طويلةً في العمل في الطابق السادس عشر من مبنى شاهق في وسط ريو، على بُعد مبنى واحد من القنصلية الأميركية. وكان أحياناً يُرسل الموظفين إلى منازلهم ليتمكن من العمل بمفرده.

قال فيليبي مارتينيز، وهو زبون سابق للشركة صادق الروسي الذي عرفه باسم دانيال: «كان مدمناً على العمل ويفكر بطموح».

قال موظف سابق إن الشركة حققت نجاحاً كبيراً، وكسبت عملاء مثل قناة «غلوبو» التلفزيونية، والجيش البرازيلي.

لكن كانت هناك غرائب، كما قال أصدقاؤه وزملاؤه. لم يُبقِ جهاز الكمبيوتر الخاص به متصلاً بالإنترنت قط عندما لا يستخدمه. وبدا أن لديه مالاً يفوق قدرة شركته على توفيره.

قام برحلات مفاجئة إلى أوروبا وآسيا، وكان يمزح بشأن ممارسة «التجسس الصناعي» ضد المنافسين. كان أحياناً يتظاهر بأنه عميل لدى شركات طباعة أخرى، وفي إحدى المرات أرسل أحد موظفيه للتدرب في شركة منافسة وتقديم تقرير.

كما بدا مرعوباً من الكاميرات، وكان يكره التقاط صور له لدرجة أن أحد موظفيه السابقين تذكر مازحاً أنه ربما كان «مطلوباً من قبل الشرطة الفيدرالية».

يتذكر مارتينيز أن شميريف أصيب بالذعر عندما نشرت صحيفة محلية صورة له وهو يقف أمام عمدة ريو دي جانيرو في افتتاح مركز تكنولوجي. لكن أصدقاءه قالوا إن كل هذا لم يبدُ ذا أهمية إلا بعد فوات الأوان.

في سره، كان شميريف يشعر بالملل والإحباط من حياته السرية. كتب شميريف في رسالة نصية إلى زوجته: «لا إنجازات حقيقية في العمل. لم أكن في المكان الذي يجب أن أكون فيه منذ عامين».

زوجته، إيرينا شميريف، وهي جاسوسة روسية أخرى أرسلت رسالة نصية من النصف الآخر من العالم في اليونان، متعاطفة. ردت عليه: «إذا كنت تريد حياة أسرية طبيعية، فأنت اتخذت خياراً خاطئاً تماماً». لكنها أقرت بأن حياتهما لم تكن كما توقعا. هذه النصوص جزء من مجموعة وثائق مُخبأة تم تبادلها مع أجهزة استخبارات أجنبية، واطلعت عليها صحيفة «نيويورك تايمز». أُرسلت في أغسطس (آب) 2021، واستُعيدت لاحقاً من هاتف شميريف.

بعد 6 أشهر، غزت روسيا أوكرانيا. وفجأة، بدأت أجهزة الاستخبارات حول العالم تتعاون، وجعلت من تعطيل تجسس الكرملين أولوية لها. وتعرضت حياة الجواسيس الروس المنتشرين حول العالم لضربة موجعة.

تشيركاسوف، الذي أُلقي القبض عليه بعد أسابيع من الغزو. ثم ظهر ميخائيل ميكوشين، الذي كان قيد التحقيق البرازيلي، في النرويج وأُلقي القبض عليه. وأُلقي القبض على عميلين روسيين سريين في سلوفينيا، حيث كانا يعيشان بهويتين أرجنتينيتين سريتين.

بحلول أواخر عام 2022، كان المحققون البرازيليون يُضيّقون الخناق على شميريف.

وبحلول الوقت الذي بدأ فيه المحققون التحقيق، كان شميريف قد كوّن هوية سرية مقنعة لدرجة أن صديقته وزملاؤه لم يكن لديهم أدنى فكرة.

كشف العملاء الفيدراليون هوية جيرهارد دانيال كامبوس فيتيتش، واكتشفوا أن والدته قد توفيت ولم تُرزق بطفل بهذا الاسم. ولم يُعثر على والده.

بحلول أواخر ديسمبر (كانون الأول)، كان العملاء شبه متأكدين من كشفهم جاسوساً روسياً سرياً.

شعر شميريف بالخوف لكنه لم يُبدِ أي إشارة إلى ذلك. في ظهيرة أحد أيام ديسمبر، تناول العشاء مع زميل له في حي بوتافوغو الراقي في ريو. بدا مرتاحاً وقال إنه سيغادر في رحلة لمدة شهر إلى ماليزيا، وفقاً للموظف الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته.

غادر البلاد قبل أيام قليلة من كشف الشرطة الفيدرالية لهويته. أصيب العملاء بالذهول. كل هذا العمل، ولم يجدوه.

كان لدى شميريف تذكرة عودة مؤرخة في 2 فبراير 2023. لذا، حصل العملاء على أوامر اعتقال وأوامر تفتيش لعناوينه. لم يكن شميريف الجاسوس الروسي الوحيد الذي أفلت من بين أيدي البرازيليين.

في كل مرة كشف فيها العملاء عن اسم، بدا أنهم تأخروا كثيراً. زوجان في الثلاثينات من عمرهما، مانويل فرنسيسكو شتاينبروك بيريرا وأدريانا كارولينا كوستا سيلفا بيريرا، هاجرا إلى البرتغال عام 2018 واختفيا.

يبدو أن مجموعة منهم كانت في أوروغواي. امرأة تُدعى ماريا لويزا دومينغيز كاردوزو، تحمل شهادة ميلاد برازيلية، وحصلت لاحقاً على جواز سفر أوروغوياني. وكان هناك زوجان آخران: فيديريكو لويز غونزاليس رودريغيز وزوجته ماريا إيزابيل موريسكو غارسيا، وهي جاسوسة شقراء انتحلت شخصية عارضة أزياء.

بدا أن أفضل أمل للعملاء البرازيليين في القبض عليه، لفترة من الوقت، هو صائغ مجوهرات يُدعى إريك لوبيز. لكن الشرطة اكتشفت أنه في الواقع جاسوس روسي يُدعى ألكسندر أوتيكين.

وقد ظهر عمله في برنامج تلفزيوني برازيلي عُرض عام 2021 بعنوان «رواد أعمال ناجحون»، الذي أشار إليه بأنه «خبير في الأحجار الكريمة».

لكن المذيعة قالت في مقابلة مع الصحيفة إن لوبيز هو من دفع ثمن تلك الإطلالة التلفزيونية. وأضافت أن لوبيز كان غريب الأطوار ورفض الظهور أمام الكاميرا. ولم يكن لدى الموظف الذي ظهر على الهواء نيابة عنه سوى القليل من المعرفة عن العمل. وأضافت المذيعة: «فكرتُ: يا إلهي، هل يحدث شيء ما؟».

وعندما وصل العملاء الفيدراليون إلى المتاجر، لم يعثروا على أي أثر للوبيز أو للذهب أو الأحجار الكريمة التي أعلن عنها على «إنستغرام».

تشغل شركة تأمين متجره في برازيليا الآن. أما عنوانه في ساو باولو، المقابل لفرع للشرطة العسكرية البرازيلية، فهو مقر شركة عقارات.

ويعتقد المحققون أن عمله كان مجرد واجهة لتعزيز سمعته البرازيلية. وقال مسؤول أمني غربي مطلع على القضية إن أوتيكين أمضى بعض الوقت في الشرق الأوسط بعد مغادرة البرازيل. مكانه الدقيق غير معروف، مع أن مسؤولي الاستخبارات يقولون إنهم يعتقدون أنه وآخرين عادوا إلى روسيا.

ليس من الواضح ما إذا كان هناك حدثٌ ما دفع الضباط إلى العودة إلى ديارهم. ولكن مع كل هذا التركيز على روسيا بعد غزو أوكرانيا، قال خبراء الاستخبارات إن المسؤولين في موسكو ربما خلصوا إلى أن العالم أصبح خطيراً للغاية بالنسبة لهم.

أمضى العملاء البرازيليون الذين يديرون عملية «الشرق» ساعاتٍ لا تُحصى في كشف الأسماء، ولم يجدوا أي دليلٍ سوى تهمة تزوير الوثائق ضد تشيركاسوف.

لكنهم شاركوا ما توصلوا إليه مع وكالات الاستخبارات العالمية، التي قام ضباطها بمقارنة هذه المعلومات بسجلات عملاء الاستخبارات الروسية المعروفين. ووجدوا تطابقات، مما سمح للبرازيليين في بعض الحالات بربط اسم حقيقي بالهويات البرازيلية المزيفة.

على سبيل المثال، تبيّن أن الزوجين اللذين يعيشان في البرتغال تحت اسم بيريرا هما في الواقع فلاديمير ألكسندروفيتش دانيلوف ويكاترينا ليونيدوفنا دانيلوفا، وفقاً لمسؤولي استخبارات غربيين.

رسالة قوية

لطالما حافظت البرازيل على الحياد فيما يتعلق بالانقسامات الجيوسياسية. حتى بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، حافظت البرازيل على علاقات ودية مع موسكو. لذا، اعتُبر استخدام الكرملين للأراضي البرازيلية في عملية تجسس واسعة النطاق خيانة.

أرادت السلطات توجيه رسالة قوية. وقال محقق برازيلي كبير: «فكّرنا ملياً: ما هو أسوأ من أن تُعتقل بصفتك جاسوساً؟ أن تُفضح هويتك كجاسوس».

ولتحقيق ذلك، ابتكر المحققون فكرة جريئة. يمكنهم استخدام الإنتربول، أكبر منظمة شرطية في العالم، لحرق جواسيس بوتين.

في خريف العام الماضي، أصدر البرازيليون سلسلة من نشرات الإنتربول الزرقاء - وهي تنبيهات تطلب معلومات عن شخص ما. وزّعت النشرات أسماء وصور وبصمات جواسيس روس، بمَن فيهم شميريف وتشيركاسوف، على جميع الدول الأعضاء البالغ عددها 196 دولة.

الإنتربول، كهيئة مستقلة، لا يتعامل مع القضايا المُسيّسة كالتجسس. للالتفاف على ذلك، قالت السلطات البرازيلية إن الروس يخضعون للتحقيق لاستخدامهم وثائق مزورة.

أصدرت أوروغواي تنبيهات مماثلة، اطلعت عليها الصحيفة، بشأن المشتبه بهم في كونهم جواسيس روساً وظهروا هناك بهويات برازيلية. وقال مسؤولو الاستخبارات إن أسماءهم الحقيقية هي رومان أوليغوفيتش كوفال، وإيرينا ألكسييفنا أنتونوفا، وأولغا إيغوريفنا تيوتريفا.

قال المحققون إن كوفال وأنتونوفا، الزوجين، غادرا البرازيل فجأة على متن رحلة متجهة إلى أوروغواي عام 2023. وكان آخر مكان معروف لتيوتريفا هو ناميبيا، وفقاً للمسؤول الكبير.

لا تتضمن إشعارات الإنتربول الأسماء الحقيقية، ولكنها تتضمن الصور ومعلومات تعريفية أخرى. ومع تسجيل هوياتهم في قواعد بيانات الشرطة، ورصد أجهزة التجسس لأسمائهم الحقيقية، فمن المرجح ألا يتمكن العملاء من العمل كجواسيس أجانب مرة أخرى.

من بين جميع الجواسيس، لم يبقَ في السجن سوى تشيركاسوف. أُدين بتزوير وثائق وحُكم عليه بالسجن 15 عاماً، لكن حُكمه خُفِّف إلى خمس سنوات.

وفي محاولة واضحة لإعادته إلى الوطن مبكراً، زعمت الحكومة الروسية أنه تاجر مخدرات مطلوب، وقدمت وثائق للمحكمة تطلب تسليمه.

لكن البرازيليين ردوا بسرعة. وقالوا: «إذا كان تشيركاسوف تاجر مخدرات، كما جادل الادعاء، فمن الضروري احتجازه في السجن لفترة أطول حتى تتمكن الشرطة من التحقيق». وربما كان قد أُطلق سراحه الآن لولا ذلك. لكنه لا يزال محتجزاً في سجن برازيليا.

بعد مغادرة البرازيل، تواصل شميريف بانتظام مع أصدقائه وصديقته البرازيلية لفترة من الوقت. ولكن في أوائل يناير (كانون الثاني) 2023، توقفت رسائله النصية.

نشرت صديقة شميريف منشوراً على مجموعة على «فيسبوك» تُدعى «برازيليون في كوالالمبور» تطلب المساعدة في العثور عليه.

عندما لم يستقل شميريف رحلة العودة إلى البرازيل، تدخلت الشرطة. ووجد المحققون أنه ترك وراءه عدة أجهزة إلكترونية تحتوي على تفاصيل شخصية بالغة الأهمية، بما في ذلك رسائل نصية مع زوجته الجاسوسة الروسية. كما ترك 12 ألف دولار نقداً في خزنته.

هذه مؤشرات على أنه كان يخطط للعودة. وكما هو الحال مع الآخرين، لا تزال تساؤلات حول ما دفعه للمغادرة وما منعه من ذلك غامضة. في ذلك الوقت تقريباً، غادرت زوجته الروسية فجأةً موقعها التجسسي في اليونان. وكشفت عنها السلطات اليونانية لاحقاً.


مقالات ذات صلة

روسيا تعلن طرد دبلوماسي بريطاني لاتهامه بالتجسس

أوروبا القائمة بالأعمال البريطانيّة في موسكو داناي دولاكيا (إ.ب.أ)

روسيا تعلن طرد دبلوماسي بريطاني لاتهامه بالتجسس

أعلنت روسيا، الخميس، طرد دبلوماسيّ بريطانيّ تتّهمه بأنّه عنصر في «الأجهزة السريّة» البريطانيّة، وسط توتر متصاعد بين موسكو والغرب؛ بسبب الحرب في أوكرانيا. …

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا المبنى الحالي السفارة الصينية في لندن (أرشيفية - رويترز)

تقرير: غرفة سرّية تحت السفارة الصينية في لندن تثير مخاوف أمنية

كشفت صحيفة «تلغراف» البريطانية أن الصين تعتزم بناء غرفة سرّية بمحاذاة أكثر كابلات الاتصالات حساسية في بريطانيا، ضمن شبكة تضم 208 غرف سرّية تحت سفارتها الجديدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)

السجن 16 عاماً لبحّار أميركي سابق أدين بتسريب معلومات عن سفن حربية للصين

أُدين بحار سابق في البحرية الأميركية ببيع كتيّبات تقنية للصين، وحُكم عليه بالسجن لأكثر من 16 عاماً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم قارب يبحر عبر مدخل بحري متجمد خارج مدينة نوك في غرينلاند 6 مارس 2025 (أ.ب) play-circle

لماذا غرينلاند ذات أهمية استراتيجية لأمن القطب الشمالي؟

يجعل موقع غرينلاند، فوق الدائرة القطبية الشمالية، أكبر جزيرة في العالم عنصراً أساسياً في الاستراتيجيات الأمنية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
أوروبا نظام الدفاع الصاروخي الباليستي «آرو3» خلال سلسلة اختبارات اعتراض حية أميركية - إسرائيلية فوق ألاسكا بالولايات المتحدة (رويترز - أرشيفية) play-circle

الجيش الألماني يفشل في اعتراض مسيّرات حلقت فوق منظومة «آرو 3» الإسرائيلية

أبرزت وثيقة داخلية للجيش الألماني أنه أخفق في اعتراض طائرات مسيّرة عبر نظام الدفاع الجوي «آرو3».

«الشرق الأوسط» (برلين)

ترمب يتعهّد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يتعهّد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

تعهّد ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (السبت)، بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة على الحلفاء ‌الأوروبيين ‌حتى ‌يُسمح ⁠لواشنطن ​بشراء غرينلاند.

وفي ‌منشور على منصته «تروث سوشيال»، قال ترمب إن الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة ⁠ستدخل حيز ‌التنفيذ في الأول من فبراير (شباط) المقبل على الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا.

وأضاف ترمب ​أن هذه الرسوم سترتفع إلى ⁠25 في المائة في الأول من يونيو (حزيران) المقبل، وستستمر حتى يتم التوصل إلى اتفاق يسمح بشراء الولايات المتحدة الجزيرة ذات الحكم الذاتي.

واتهم الرئيس الأميركي الدول الأوروبية بممارسة «لعبة بالغة الخطورة» بشأن غرينلاند، عادّاً «السلام العالمي على المحك». وقال إن الدول التي فرض عليها الرسوم الجمركية «قامت بمجازفة غير مقبولة».

وأضاف: «بعد قرون، حان الوقت لترد الدنمارك (غرينلاند)... السلام العالمي على المحك. الصين وروسيا تريدان غرينلاند، والدنمارك عاجزة عن القيام بأي شيء في هذا الصدد».

جاء ذلك بعد أيام من نشر الدنمارك ودول أوروبية أخرى أعضاء في «حلف شمال الأطلسي» (ناتو)، قوات في الجزيرة القطبية الغنية بالمعادن. ويصر القادة الأوروبيون على أن الدنمارك وغرينلاند فقط هما من تقرران الشؤون المتعلقة بالإقليم.

غضب أوروبي

ورداً على تعهّد ترمب، قال الرئيس الفرنسي ​إيمانويل ماكرون إن تهديد الرئيس الأميركي بفرض رسوم جمركية ‌«⁠أمر ​غير مقبول»، ‌وإنه في حال تأكيده سترد أوروبا بشكل منسّق.

وأضاف ماكرون: «لن يؤثر علينا ⁠أي ترهيب أو ‌تهديد، لا في أوكرانيا ولا في غرينلاند ولا في أي مكان آخر في العالم، عندما نواجه ​مثل هذه المواقف».

بدوره، قال وزير خارجية الدنمارك، لارس لوكه راسموسن، إن إعلان ترمب فرض رسوم جمركية بسبب غرينلاند «كان مفاجئاً». وأشار إلى أن الوجود العسكري في الجزيرة يهدف إلى تعزيز الأمن في القطب الشمالي.

وأكد رئيس الحكومة السويدية، أولف كريسترسون، أنّ بلاده ترفض تصريحات ترمب. وقال في رسالة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لن نخضع للترهيب. وحدهما الدنمارك وغرينلاند تقرّران بشأن القضايا التي تخصّهما. سأدافع دائماً عن بلادي وعن جيراننا الحلفاء».

وأضاف: «تُجري السويد حالياً محادثات مكثفة مع دول أخرى في الاتحاد الأوروبي والنرويج وبريطانيا، من أجل التوصل إلى رد مشترك».

وفي بريطانيا، اعتبر رئيس الوزراء كير ستارمر أنّ «فرض رسوم جمركية على الحلفاء الذين يسعون إلى تحقيق الأمن المشترك لأعضاء (الناتو) أمر خاطئ تماماً»، مضيفاً: «سنتابع هذا الأمر بشكل مباشر مع الإدارة الأميركية».

«دوامة خطيرة»

وحذر الاتحاد الأوروبي من «دوامة خطيرة» بعد إعلان الرئيس الأميركي.

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، في بيان مشترك، إنّ «فرض رسوم جمركية سيضعف العلاقات عبر الأطلسي، كما يهدد بدخول العالم في دوامة انحدارية خطيرة».

وأكدا أنّ «أوروبا ستبقى موحّدة ومنسّقة وملتزمة بالدفاع عن سيادتها». وصدر هذا الموقف بعد أيام من إجراء مسؤولين دنماركيين ومن غرينلاند محادثات في واشنطن بشأن سعي ترمب لضم غرينلاند، دون التوصل إلى اتفاق.

وأضافت فون دير لاين وكوستا: «يبدي الاتحاد الأوروبي تضامناً كاملاً مع الدنمارك وشعب غرينلاند. يبقى الحوار أساسياً، ونحن ملتزمون بالبناء على العملية التي بدأت الأسبوع الماضي بين مملكة الدنمارك والولايات المتحدة».

امتنان للموقف الأوروبي

أشادت وزيرة الموارد المعدنية في حكومة غرينلاند ناجا ناثانييلسن، السبت، برد فعل الدول الأوروبية على تهديد ترمب بفرض رسوم جمركية جديدة عليها لمعارضتها جهوده للاستحواذ على غرينلاند.

محتجون على سياسة ترمب تجاه الجزيرة يحملون لافتة «غرينلاند ليست للبيع» في مسيرة باتجاه القنصلية الأميركية في غرينلاند (ا.ب)

وقالت الوزيرة في رسالة نشرتها على موقع «لينكد إن»: «أذهلتني ردود الفعل الأولية من الدول المستهدفة. أنا ممتنة ومتفائلة بكون الدبلوماسية والتحالفات ستنتصر».


الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)

قال الجيش ​الصيني، عبر حسابه الرسمي على موقع «وي تشات»، اليوم (السبت)، إنه ‌تابع ورصد ‌عبور مدمرة ‌الصواريخ ⁠الموجهة ​الأميركية «فين» وسفينة «ماري سيرز» لمسح المحيطات عبر مضيق تايوان يومَي 16 و17 ⁠يناير (كانون ‌الثاني).

وقال متحدث باسم قيادة المسرح الشرقي لجيش التحرير الشعبي الصيني، في البيان، إن الجيش ​لا يزال «في حالة تأهب ⁠قصوى في جميع الأوقات... للدفاع بحزم عن السيادة والأمن الوطنيين».

ولم يصدر بعد تعليق من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) على بيان الجيش الصيني.


هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
TT

هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)

كندا، الدنمارك (تمثل غرينلاند أيضاً)، فنلندا، آيسلندا، النرويج، روسيا، السويد، الولايات المتحدة.

تشكل الدول الثماني «مجلس المنطقة القطبية الشمالية» الذي اتفقت على إنشائه في 1991، وأعلنت ولادته رسمياً بعد خمس سنوات، بهدف التعاون في حماية البيئة الهشة في الأركتيك (Arctic)، وهي كلمة يونانية الأصل (Arktos) وتعني الدب. ويرجع ذلك إلى موقع كوكبة نجوم «أورسا مايجر»، (الدب الأكبر)، فوق منطقة القطب الشمالي.

جندي دنماركي خارج مقر قيادة القطب الشمالي في نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

أصرت الولايات المتحدة قبل توقيع معاهدة إنشاء المجلس (تُعرف بـ«إعلان أوتاوا») على أن تُدرجَ في النص جملة تقول: «لا يجوز لمجلس القطب الشمالي أن يتعامل مع المسائل المتعلقة بالأمن العسكري». إلا أن الجغرافيا الشمالية كانت على الدوام محطَّ تنافس ومطامع. وأسهم صعود الصين القريبة جغرافياً من القطب الشمالي، والعسكرة الروسية لمياه المنطقة، والتقارب بين روسيا والصين، والأهم الاحترار المناخي، في وضع المنطقة في صلب التجاذب والطموحات الجيوسياسية والجيواقتصادية.

عسكرة القطب الشمالي... صراعات استراتيجية «حامية» على «صفيح بارد»

أدى الاحترار المناخي -ولا يزال- إلى ذوبان مساحات ضخمة من الجليد في القطب الشمالي، وبالتالي انفتاح ممرات مائية كانت عصيَّة على السفن، وهذا يعني وجود ممرات جديدة للتجارة البحرية، وإمكان الوصول إلى الموارد الطبيعية التي تختزنها الأرض البيضاء. من هنا رأينا خطوات العسكرة تتسارع في المنطقة التي قال عنها وزير الخارجية الأميركي سابقاً، مايك بومبيو، في عام 2019، إن ظروفها تغيرت و«أصبحت ساحة للنفوذ والتنافس. يجب على دول القطب الشمالي الثماني التكيف مع المستقبل الجديد». وفي المقابل قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بعد ذلك بسنتين، قبيل اجتماع للمجلس القطبي في ريكيافيك عاصمة آيسلندا، إن القطب الشمالي هو منطقة نفوذ روسي.

زورق الدورية «كنود راسموسن» التابع للبحرية الدنماركية يرسو في مرفأ نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

غرينلاند والقطب

تعود هذه المسألة إلى الواجهة بقوة مع كل المعمعة المحيطة بقضية أكبر جزيرة في العالم: غرينلاند التي يريدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، غيرَ مكتفٍ بالقاعدة العسكرية الأميركية الموجودة فيها، وغير واثق بقدرة الدنمارك، صاحبة السيادة على الجزيرة، على الدفاع عنها، ولا بقدرة حلف شمال الأطلسي (ناتو) على الوقوف في وجه روسيا والصين.

كان غريباً ما قاله ترمب لصحيفة «نيويورك تايمز» تفسيراً لرغبته في الاستحواذ على غرينلاند، فالأمر «مطلوب نفسياً لتحقيق النجاح». وقد ورد في تعليق لصحيفة «لوموند» الفرنسية على هذا الكلام أن «من بين كل المبررات التي يمكن أن تقال لتسويغ انتهاك سيادة دولة حليفة، بدءاً من التهديدات الجيوسياسية الروسية والصينية، مروراً بوفرة المعادن الاستراتيجية (في الجزيرة)، وصولاً إلى إنشاء درع مضادة للصواريخ لحماية الولايات المتحدة، يبدو هذا السبب الأكثر انسجاماً مع طبيعة هذا الرئيس، وهو ما يجعله مقلقاً على نحو خاص».

فلنترك الراهن قليلاً ونرجع إلى سجل الماضي:

التوسُّع الإقليمي للولايات المتحدة وبعض عمليات الشراء

ليست رغبة واشنطن في ضم غرينلاند بالأمر الجديد؛ بل يحفل تاريخ الولايات المتحدة بالتوسع الجغرافي:

- في عام 1803، اشترت الولايات المتحدة من فرنسا منطقة لويزيانا، مقابل 15 مليون دولار، فتضاعفت مساحة البلاد.

- في 1819 عُقدت صفقة شراء فلوريدا من إسبانيا عبر تسوية ديون، وأصبحت إقليماً أميركياً عام 1821.

- في 1845 ضمَّ الأميركيون جمهورية تكساس المستقلة، وهذا ما أدى لاحقاً إلى الحرب الأميركية المكسيكية.

- في 1848 تنازلت المكسيك لجارتها الشمالية عن كاليفورنيا وأجزاء من الغرب الأميركي مقابل 15 مليون دولار.

- في 1867 اشترت الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا مقابل 7.2 مليون دولار، بهدف تحقيق توسُّع استراتيجي واقتصادي. وصار هذا الإقليم ولاية في عام 1959. وقد اكتُشف النفط فيها في عام 1968، وبلغ الإنتاج ذروته في الثمانينات، مع وجود احتياطات كبيرة لم تُستغلّ بعد.

- ضمَّت أميركا هاواي في عام 1898 بعد إسقاط الملَكية بدعم أميركي، وأصبحت ولاية في 1959.

- شراء الفلبين وغوام وبورتوريكو في 1898 من إسبانيا مقابل 20 مليون دولار، بعد الحرب الأميركية الإسبانية، وقد استقلت الفلبين في عام 1946.

- اشترت الولايات المتحدة جزر فيرجن (الجزر العذراء) من الدنمارك في عام 1917 مقابل 25 مليون دولار ذهباً. وكانت وراء ذلك أسباب استراتيجية وعسكرية؛ إذ خشيت واشنطن أن تستولي ألمانيا على الجزر أثناء الحرب العالمية الأولى، فتتعرض للخطر خطوط الملاحة في البحر الكاريبي؛ خصوصاً قناة بنما التي تربط هذا البحر بالمحيط الهادئ. ومُنح سكان الجزر الجنسية الأميركية عام 1927، في عهد الرئيس وودرو ويلسون.

- في عام 1946 حاول الرئيس هاري ترومان شراء غرينلاند من الدنمارك بمبلغ 100 مليون دولار ذهباً لأسباب عسكرية واستراتيجية خلال بدايات الحرب الباردة، ولكن الدنمارك رفضت البيع. وحافظت الولايات المتحدة على وجود عسكري قوي هناك بالاتفاق مع الدنمارك.

جنود ألمان هبطت طائرتهم العسكرية في غرينلاند حيث سيتمركزون تعزيزاً لدفاعات الإقليم التابع للدنمارك (أ.ف.ب)

ثروات غرينلاند

تبلغ مساحة غرينلاند مليونين و160 ألف كيلومتر مربع، يعيش فيها أقل من 57 ألف نسمة، نحو 50 ألفاً منهم من السكان الأصليين. ويتركز أكبر تجمع سكاني في العاصمة نوك (نحو 20 ألف نسمة).

بقيت الجزيرة مستعمرة دنماركية من 1721 إلى 1953 حين أُدخلت تعديلات على الدستور الدنماركي، صارت بموجبها غرينلاند إقليماً ذا حكم ذاتي.

تتمتع غرينلاند بثروة كبيرة من الموارد الطبيعية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الثروة لا يزال غير مستغل بشكل كبير بسبب موقعها النائي، ومناخها القاسي في المنطقة القطبية، والمخاوف البيئية.

وتحتوي الجزيرة على بعض أكبر احتياطيات العالم من المعادن النادرة التي تُعد أساسية في مجالات الإلكترونيات والطاقة المتجددة والتقنيات العسكرية. ويُعد مشروع كفانيفيلد (Kvanefjeld) المتوقف حالياً من أهم المشاريع الغربية في هذا المجال، إلا أنه يحتاج إلى مخطط واضح وتمويل كبير.

إضافة إلى المعادن، ثمة احتياطيات محتملة من النفط والغاز الطبيعي في المياه البحرية؛ خصوصاً في المناطق الغربية والشرقية، ولكن عمليات الحفر والتنقيب مكلفة ومثيرة للجدل بسبب الهشاشة البيئية. وعلاوة على ذلك، لا توجد خارج العاصمة نوك أي بنية تحتية للطرق تقريباً في غرينلاند، كما أن المرافئ العميقة المحدودة لا تستوعب الناقلات الكبيرة وسفن الحاويات.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أخطار ورهانات

أورد موقع المعهد البحري الأميركي -وهو منظمة مستقلة مكرَّسة لدراسة الشؤون البحرية والملاحية- أن «القطب الشمالي كان مختلفاً عن أي مكان آخر من الكرة الأرضية. فقد كان ملاذاً للبحث العلمي؛ حيث تعاونت الدول القطبية الثماني (بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة) تعاوناً سلمياً. غير أن كل ذلك تلاشى في السنوات الأخيرة بفعل التسارع الكبير في ذوبان الجليد القطبي، وما ترتب عليه من فتح الباب واسعاً أمام مختلف الأنشطة التجارية؛ وكذلك بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا؛ وتنامي الاهتمام الصيني بطريق الحرير القطبي».

ويضيف الموقع: «يبدو أن التحوُّل في الطرق البحرية الشمالية -بما يتيح للسفن التجارية عبور أقصر طريق يربط بين المحيطين الهادئ والأطلسي- مرشَّح لأن يصبح واقعاً خلال عقد من الزمن. كما أن نحو نصف احتياطيات العالم من النفط والغاز تقع تحت أرض القطب الشمالي ومياهه، إضافة إلى كميات معتبَرة من المعادن النادرة الحيوية التي تُعد مكونات أساسية في كل كومبيوتر وهاتف محمول، وسيارة تعمل بالبطاريات».

يلخص ترمب نظرته إلى غرينلاند بقوله: «امتلاك غرينلاند أمرٌ حيوي لأمن الولايات المتحدة، ولأمنها الاقتصادي. إنه ضرورة مطلقة، ولا أستطيع أن أؤكد أننا لن نلجأ إلى استخدام وسائل الإكراه العسكري أو الاقتصادي».

لا شك في أن ترمب والصين يراقبان بشغف ثروات غرينلاند. فاحتكار الصين شبه العالمي لنحو 50 من أصناف «المعادن الحيوية» يواجه تحدياً من غرينلاند التي يمكنها توفير 30 منها من خلال اثنين من أكبر مناجم العناصر الأرضية النادرة في العالم. وهنا تبدو الصين والولايات المتحدة على حد سواء متحمستين لتقديم الخبرات والاستثمارات المطلوبة في تلك الأرض الجليدية.

ومع كون روسيا المستفيد الأول من الطرق البحرية الموعودة في القطب، يمكن فهم حماستها ولغتها الحاسمة والجازمة حيال القوى الأطلسية. وفي السياق، قال الرئيس فلاديمير بوتين في خطاب ألقاه في 27 مارس (آذار) 2025، خلال زيارته مدينة مورمانسك بمناسبة تدشين غواصة نووية جديدة، إن «الولايات المتحدة ستواصل دفع مصالحها الجيواستراتيجية والعسكرية- السياسية والاقتصادية في القطب الشمالي. كما أن التنافس الجيوسياسي والصراع على النفوذ في هذه المنطقة يتصاعدان». وأعرب عن قلقه «إزاء ازدياد وتيرة عمل دول (الناتو) على جعل أقصى الشمال منصة محتملة لنزاعات مستقبلية، وتدربها على استخدام القوات العسكرية في هذه الظروف. سنرد على كل ذلك».

مقر القنصلية الأميركية في نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

وسط «المعمعة» الأميركية– الصينية– الروسية، يبدو الموقف الأوروبي نابعاً من الهلع: أولاً من حرب محتملة في تلك المساحات البيضاء، وثانياً من جدية ترمب وعزمه تملُّك غرينلاند غير آبه بحلفائه في «الناتو» ولا بأصدقائه الأوروبيين الذي لا يؤمن بقدرتهم على ضمان أمن غرينلاند، مع ما يعنيه ذلك من تخلي الولايات المتحدة عن «العائلة الغربية» التقليدية، راسمة خطوطاً جديدة في الخريطة الجيوسياسة العالمية.

لعلَّ ما يجسِّد الخوف الأوروبي ما قالته إيبَّا بوش، نائبة رئيس وزراء السويد التي أبدت خشيتها من أن يأتي دور بلادها الغنية بالموارد الطبيعية بعد غرينلاند. وإذا كانت السويد قلقة فماذا عن كندا التي تعرضت قبل أشهر لهجوم كلامي من ترمب، حضها فيه بقوة على الانضمام إلى الولايات المتحدة!

إنه عالم جديد فعلاً ترتسم ملامحه بسرعة، ويرتفع فيه منسوب التوتر وعدم اليقين، وتغلظ لهجة التخاطب السياسي مع قرقعة سلاح في خلفية المشهد... على أمل التعقُّل.