«مصنع الجواسيس»... كيف كشفت البرازيل أكبر عملية سرية روسية على أراضيها؟

عملاء روس أسسوا أعمالاً تجارية وكوّنوا صداقات وعاشوا علاقات غرامية بهويات مزيفة

بوتين نفسه أقرّ بإشرافه على جواسيس المخابرات السرية السوفياتية أثناء عمله في ألمانيا الشرقية (أرشيفية - رويترز)
بوتين نفسه أقرّ بإشرافه على جواسيس المخابرات السرية السوفياتية أثناء عمله في ألمانيا الشرقية (أرشيفية - رويترز)
TT

«مصنع الجواسيس»... كيف كشفت البرازيل أكبر عملية سرية روسية على أراضيها؟

بوتين نفسه أقرّ بإشرافه على جواسيس المخابرات السرية السوفياتية أثناء عمله في ألمانيا الشرقية (أرشيفية - رويترز)
بوتين نفسه أقرّ بإشرافه على جواسيس المخابرات السرية السوفياتية أثناء عمله في ألمانيا الشرقية (أرشيفية - رويترز)

خدع أرتيم شميريف الجميع. بدا أن ضابط المخابرات الروسي قد بنى هويةً مثاليةً للتغطية. كان يدير مشروعاً ناجحاً للطباعة ثلاثية الأبعاد، ويتشارك شقةً راقيةً في ريو دي جانيرو مع صديقته البرازيلية وقطة برتقالية وبيضاء. ولكن الأهم من ذلك، أنه كان يمتلك شهادة ميلاد وجواز سفر أصليين يُثبتان اسمه المستعار جيرهارد دانيال كامبوس فيتيتش، وهو مواطن برازيلي يبلغ من العمر 34 عاماً.

بعد 6 سنوات من الاختفاء، كان متلهفاً لبدء عمل تجسس حقيقي. كتب في رسالة نصية عام 2021 إلى زوجته الروسية، التي كانت أيضاً ضابطة مخابرات، مستخدماً لغة إنجليزية ركيكة: «لا أحد يريد أن يشعر بالفشل. لهذا السبب أواصل العمل».

وكشف تحقيق أجرته صحيفة «نيويورك تايمز» عن أن روسيا استخدمت البرازيل نقطةَ انطلاقٍ لنخبة ضباط مخابراتها، المعروفين باسم «المهاجرين غير الشرعيين». في عملية جريئة وواسعة النطاق، تخلص الجواسيس من ماضيهم الروسي. أسسوا أعمالاً تجارية، وكوّنوا صداقات، وعاشوا علاقات غرامية - أحداثٌ أصبحت، على مر السنين، حجر الأساس لهويات جديدة كلياً.

كُشفت عمليات تجسس روسية كبرى في الماضي، بما في ذلك في الولايات المتحدة عام 2010. لكن هذه العملية كانت مختلفة. لم يكن الهدف التجسس على البرازيل، بل أن يصبحوا برازيليين. بمجرد خلق خلفية شخصية موثوقة، كانوا ينطلقون إلى الولايات المتحدة أو أوروبا أو الشرق الأوسط ويبدأون العمل.

حوّل الروس البرازيل إلى خط تجميع لعملاء سريين مثل شميريف.

بدأ أحدهم مشروعاً للمجوهرات. وأخرى كانت عارضة أزياء شقراء ذات عينين زرقاوين. وثالث كان طالباً في جامعة أميركية. كان هناك باحث برازيلي حصل على عمل في النرويج، وزوجان ذهبا في النهاية إلى البرتغال.

كشف العملية

على مدى السنوات الثلاث الماضية، طارد عملاء مكافحة التجسس البرازيليون هؤلاء الجواسيس بهدوء ومنهجية. من خلال عمل شرطي دؤوب، اكتشف هؤلاء العملاء نمطاً مكّنهم من تحديد هوية الجواسيس، واحداً تلو آخر.

كشف العملاء البرازيليون عن 9 ضباط روس على الأقل يعملون بهويات برازيلية سرية، وفقاً لوثائق ومقابلات. ستة منهم لم يُكشف عن هويتهم علناً حتى الآن. وقال مسؤولون إن التحقيق شمل بالفعل 8 دول على الأقل، بمعلومات استخباراتية من الولايات المتحدة وإسرائيل وهولندا وأوروغواي وأجهزة أمنية غربية أخرى.

باستخدام مئات الوثائق الاستقصائية والمقابلات مع عشرات من مسؤولي الشرطة والاستخبارات عبر 3 قارات، جمعت صحيفة «نيويورك تايمز» تفاصيل عملية التجسس الروسية في البرازيل والجهود السرية للقضاء عليها.

لم يكن تفكيك «مصنع الجواسيس» التابع للكرملين مجرد عملية روتينية لمكافحة التجسس، بل كان جزءاً من التداعيات المدمرة لعقد من العدوان الروسي. ساعد جواسيس روس في إسقاط طائرة ركاب كانت في طريقها من أمستردام عام 2014. وتدخلوا في الانتخابات في الولايات المتحدة وفرنسا وأماكن أخرى. وسمموا من عدُّوهم أعداءً ودبروا انقلابات.

لكن قرار الرئيس فلاديمير بوتين بغزو أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022 هو ما حفّز رد فعل عالمياً على الجواسيس الروس، حتى في مناطق من العالم تمتع فيها هؤلاء الضباط لفترة طويلة بقدر من الحصانة. ومن بين تلك الدول البرازيل، التي تربطها علاقات ودية تاريخية بروسيا.

وجهت التحقيقات البرازيلية ضربةً قاصمة لبرنامج موسكو في البرازيل. فقد قضت على كادر من الضباط ذوي التدريب العالي الذين يصعب استبدالهم. أُلقي القبض على اثنين منهم على الأقل. بينما فر آخرون على عجل إلى روسيا. وبعد كشف هوياتهم، من المرجح أنهم لن يعملوا في الخارج مرة أخرى.

في قلب هذه الهزيمة الساحقة، كان فريق من عملاء مكافحة التجسس من الشرطة الفيدرالية البرازيلية، وهي نفس الوحدة التي حققت مع الرئيس البرازيلي السابق، جايير بولسونارو، بتهمة التخطيط لانقلاب. من مقرهم الزجاجي الحديث في العاصمة برازيليا، أمضوا سنوات في فحص ملايين سجلات الهوية البرازيلية، بحثاً عن أنماط. عُرفت هذه العملية باسم «عملية الشرق».

أشباح في النظام

في أوائل أبريل (نيسان) 2022، وبعد أشهر قليلة من دخول القوات الروسية إلى أوكرانيا، أرسلت وكالة المخابرات المركزية الأميركية رسالة عاجلة واستثنائية إلى الشرطة الفيدرالية البرازيلية.

أفاد الأميركيون بأن ضابطاً سرياً في جهاز المخابرات العسكرية الروسية قد وصل مؤخراً إلى هولندا للتدريب مع المحكمة الجنائية الدولية، في الوقت الذي بدأت فيه المحكمة التحقيق في جرائم الحرب الروسية في أوكرانيا.

كان المتدرب المحتمل مسافراً بجواز سفر برازيلي باسم فيكتور مولر فيريرا. حصل على شهادة دراسات عليا من جامعة جونز هوبكنز بهذا الاسم. لكن اسمه الحقيقي، كما ذكرت وكالة المخابرات المركزية، هو سيرغي تشيركاسوف. منعه مسؤولو الحدود الهولنديون من الدخول، وسافر على متن طائرة عائداً إلى ساو باولو.

مع قلة الأدلة وساعات قليلة للتحرك، لم يكن لدى البرازيليين سلطة لاعتقال تشيركاسوف في المطار. لذلك؛ أبقته تحت مراقبة مشددة لأيام عدة متوترة، بينما بقي حراً في أحد فنادق ساو باولو.

أخيراً، حصل الضباط على مذكرة توقيف واعتقلوه - ليس بتهمة التجسس، بل بتهمة أبسط، وهي استخدام وثائق مزورة. أثناء الاستجواب، كان تشيركاسوف مغروراً، مُصرّاً على أنه برازيلي. وكان بحوزته الوثائق التي تُثبت ذلك. كان جواز سفره البرازيلي الأزرق أصلياً. كان يحمل بطاقة تسجيل ناخب برازيلية كما يقتضي القانون، وشهادة تُثبت أنه أكمل الخدمة العسكرية الإلزامية وكانت جميعها أصلية.

لسنوات، استخدمت روسيا البرازيل نقطةَ انطلاق لنخبة ضباط استخباراتها. قال محقق في الشرطة الفيدرالية، تحدث، كما فعل آخرون، شريطة عدم الكشف عن هويته لأن التحقيق لا يزال مفتوحاً: «لم تكن هناك صلة بينه وبين الدولة (روسيا)».

لم تبدأ قصة تشيركاسوف - والعملية الروسية برمتها في البرازيل - بالانكشاف إلا عندما عثرت الشرطة على شهادة ميلاده. في الماضي، دأب الجواسيس الروس على الحصول على وثائق هوية بانتحال هويات موتى، غالباً أطفال رضع. لكن هذا لم يحدث في هذه الحالة. فقد توصل العملاء إلى أن فيكتور مولر فيريرا لم يكن موجوداً أصلاً. ومع ذلك، كانت لديه شهادة ميلاد حقيقية.

وأشارت الوثيقة إلى أن فيكتور مولر فيريرا وُلد في ريو دي جانيرو عام 1989 لأم برازيلية، وهي شخصية حقيقية توفيت بعد 4 سنوات. ولكن عندما حددت الشرطة مكان عائلتها، علم العملاء أن المرأة لم تُرزق بطفل قط. ولم تعثر السلطات على أي شخص يطابق اسم الأب.

أثار هذا الاكتشاف تساؤلات محيّرة. كيف حصل جاسوس روسي على وثائق أصلية باسم مزيف؟ والأهم من ذلك، تساءلت الشرطة: إذا كان بإمكان جاسوس واحد فعل ذلك، فلماذا لا يستطيع الآخرون؟

بدأ العملاء الفيدراليون البحث عمّن سمّوهم «الأشباح» أشخاص يحملون شهادات ميلاد قانونية، قضوا حياتهم دون أي سجل يُثبت وجودهم الفعلي في البرازيل، وظهروا فجأة بالغين يجمعون وثائق الهوية بسرعة.

رجال بوتين المميزون

للعثور على «الأشباح»، بدأ العملاء البحث عن أنماط في ملايين سجلات الميلاد وجوازات السفر ورخص القيادة وأرقام الضمان الاجتماعي.

يمكن أتمتة بعض هذه العمليات، ولكن ليس من السهل ربط جميع قواعد البيانات البرازيلية والبحث فيها رقمياً. كان لا بد من إنجاز الكثير منها يدوياً. سمح هذا التحليل لعملية «الشرق» بكشف العملية الروسية برمتها. قال مسؤول برازيلي كبير: «بدأ كل شيء مع سيرغي».

يواجه جميع الجواسيس، بغض النظر عن البلد الذي يعملون لصالحه، التحدي نفسه: خلق هوية مزيفة تصمد أمام التدقيق.

لأجيال، استخدم العملاء السريون جوازات سفر مزوّرة وأسماء مسروقة وقصصاً وهمية مُعدّة بعناية. العصر الرقمي، الذي يمتلك فيه كل شخص تقريباً تاريخاً على الإنترنت، جعل الأمور أكثر تعقيداً.

تُعد هذه مشكلة حادة بشكل خاص بالنسبة لروسيا. ذلك لأنه بينما توظف جميع أجهزة التجسس عملاء سريين، يعتمد معظمها على شبكات من المخبرين المحليين للقيام بالعمل الشاق لجمع المعلومات الاستخبارية. روسيا فريدة من نوعها. منذ السنوات الأولى للاتحاد السوفياتي، التزم ضباط المخابرات السرية طوال حياتهم بالخدمة، يعيشون ويعملون بصفتهم أشخاصاً مختلفين تماماً.

وقد أقرَّ بوتين نفسه بإشرافه على جواسيس المخابرات السرية السوفياتية أثناء عمله في شبابه بألمانيا الشرقية ضابطاً في جهاز المخابرات السوفياتية (كي جي بي) في نهاية الحرب الباردة.

وقال في مقابلة تلفزيونية عام 2017: «هؤلاء أشخاص مميزون يتمتعون بجودة خاصة، وقناعات خاصة، وشخصية مميزة. ترك حياتك السابقة، وترك أحبائك وعائلاتك، وترك بلدك لسنوات طويلة لتكريس حياتك لخدمة الوطن، ليس أمراً يمكن للجميع فعله. فقط المختارون هم من يستطيعون ذلك، وأقول هذا دون أي مبالغة».

بدت البرازيل مكاناً مثالياً لجواسيس بوتين المختارين لبناء تاريخهم. يُعد جواز السفر البرازيلي من أكثر جوازات السفر فائدة في العالم، حيث يسمح بالسفر من دون تأشيرة إلى عدد من الدول يقارب عدد الدول التي يسمح بها جواز السفر الأميركي. ومن غير المرجح أن يبرز شخص ذو ملامح أوروبية ولهجة خفيفة في البرازيل متعددة الأعراق. وبينما تشترط الكثير من الدول التحقق من مستشفى أو طبيب قبل إصدار شهادات الميلاد، تسمح البرازيل باستثناء خاص للمولودين في المناطق الريفية. تصدر السلطات شهادة ميلاد لأي شخص يُصرّح، بحضور شاهدين، بأن أحد الوالدين على الأقل برازيلي. كما أن النظام لا مركزي وعرضة للفساد المحلي.

مع شهادة الميلاد، يكفي التقدم بطلب تسجيل الناخبين، واستخراج أوراق عسكرية، وأخيراً، الحصول على جواز سفر. بمجرد الحصول على هذه الوثائق، يمكن للجاسوس السفر إلى أي مكان في العالم تقريباً.

انفراجة في القضية

كان اسم جيرهارد دانيال كامبوس فيتيتش من أوائل الأسماء التي ظهرت عند بدء المحققين بحثهم. بدا أنه ينطبق عليه هذا النمط. أشارت شهادة ميلاده إلى أنه وُلد في ريو عام 1986، لكنه ظهر فجأةً عام 2015.

بحلول الوقت الذي بدأ فيه المحققون التحقيق، كان شميريف قد بنى هويةً وهميةً مقنعةً لدرجة أن صديقته وزملاءه لم يكونوا على دراية بها. كان يتحدث البرتغالية بطلاقة، بلكنةٍ أوضح أنها نتيجة طفولته في النمسا.

بدا أنه يُكرّس كل ما لديه لشركته للطباعة «ثري دي ريو»، التي أسسها من الصفر، وأولاها اهتماماً حقيقياً، وفقاً لزملائه السابقين. كان يقضي ساعاتٍ طويلةً في العمل في الطابق السادس عشر من مبنى شاهق في وسط ريو، على بُعد مبنى واحد من القنصلية الأميركية. وكان أحياناً يُرسل الموظفين إلى منازلهم ليتمكن من العمل بمفرده.

قال فيليبي مارتينيز، وهو زبون سابق للشركة صادق الروسي الذي عرفه باسم دانيال: «كان مدمناً على العمل ويفكر بطموح».

قال موظف سابق إن الشركة حققت نجاحاً كبيراً، وكسبت عملاء مثل قناة «غلوبو» التلفزيونية، والجيش البرازيلي.

لكن كانت هناك غرائب، كما قال أصدقاؤه وزملاؤه. لم يُبقِ جهاز الكمبيوتر الخاص به متصلاً بالإنترنت قط عندما لا يستخدمه. وبدا أن لديه مالاً يفوق قدرة شركته على توفيره.

قام برحلات مفاجئة إلى أوروبا وآسيا، وكان يمزح بشأن ممارسة «التجسس الصناعي» ضد المنافسين. كان أحياناً يتظاهر بأنه عميل لدى شركات طباعة أخرى، وفي إحدى المرات أرسل أحد موظفيه للتدرب في شركة منافسة وتقديم تقرير.

كما بدا مرعوباً من الكاميرات، وكان يكره التقاط صور له لدرجة أن أحد موظفيه السابقين تذكر مازحاً أنه ربما كان «مطلوباً من قبل الشرطة الفيدرالية».

يتذكر مارتينيز أن شميريف أصيب بالذعر عندما نشرت صحيفة محلية صورة له وهو يقف أمام عمدة ريو دي جانيرو في افتتاح مركز تكنولوجي. لكن أصدقاءه قالوا إن كل هذا لم يبدُ ذا أهمية إلا بعد فوات الأوان.

في سره، كان شميريف يشعر بالملل والإحباط من حياته السرية. كتب شميريف في رسالة نصية إلى زوجته: «لا إنجازات حقيقية في العمل. لم أكن في المكان الذي يجب أن أكون فيه منذ عامين».

زوجته، إيرينا شميريف، وهي جاسوسة روسية أخرى أرسلت رسالة نصية من النصف الآخر من العالم في اليونان، متعاطفة. ردت عليه: «إذا كنت تريد حياة أسرية طبيعية، فأنت اتخذت خياراً خاطئاً تماماً». لكنها أقرت بأن حياتهما لم تكن كما توقعا. هذه النصوص جزء من مجموعة وثائق مُخبأة تم تبادلها مع أجهزة استخبارات أجنبية، واطلعت عليها صحيفة «نيويورك تايمز». أُرسلت في أغسطس (آب) 2021، واستُعيدت لاحقاً من هاتف شميريف.

بعد 6 أشهر، غزت روسيا أوكرانيا. وفجأة، بدأت أجهزة الاستخبارات حول العالم تتعاون، وجعلت من تعطيل تجسس الكرملين أولوية لها. وتعرضت حياة الجواسيس الروس المنتشرين حول العالم لضربة موجعة.

تشيركاسوف، الذي أُلقي القبض عليه بعد أسابيع من الغزو. ثم ظهر ميخائيل ميكوشين، الذي كان قيد التحقيق البرازيلي، في النرويج وأُلقي القبض عليه. وأُلقي القبض على عميلين روسيين سريين في سلوفينيا، حيث كانا يعيشان بهويتين أرجنتينيتين سريتين.

بحلول أواخر عام 2022، كان المحققون البرازيليون يُضيّقون الخناق على شميريف.

وبحلول الوقت الذي بدأ فيه المحققون التحقيق، كان شميريف قد كوّن هوية سرية مقنعة لدرجة أن صديقته وزملاؤه لم يكن لديهم أدنى فكرة.

كشف العملاء الفيدراليون هوية جيرهارد دانيال كامبوس فيتيتش، واكتشفوا أن والدته قد توفيت ولم تُرزق بطفل بهذا الاسم. ولم يُعثر على والده.

بحلول أواخر ديسمبر (كانون الأول)، كان العملاء شبه متأكدين من كشفهم جاسوساً روسياً سرياً.

شعر شميريف بالخوف لكنه لم يُبدِ أي إشارة إلى ذلك. في ظهيرة أحد أيام ديسمبر، تناول العشاء مع زميل له في حي بوتافوغو الراقي في ريو. بدا مرتاحاً وقال إنه سيغادر في رحلة لمدة شهر إلى ماليزيا، وفقاً للموظف الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته.

غادر البلاد قبل أيام قليلة من كشف الشرطة الفيدرالية لهويته. أصيب العملاء بالذهول. كل هذا العمل، ولم يجدوه.

كان لدى شميريف تذكرة عودة مؤرخة في 2 فبراير 2023. لذا، حصل العملاء على أوامر اعتقال وأوامر تفتيش لعناوينه. لم يكن شميريف الجاسوس الروسي الوحيد الذي أفلت من بين أيدي البرازيليين.

في كل مرة كشف فيها العملاء عن اسم، بدا أنهم تأخروا كثيراً. زوجان في الثلاثينات من عمرهما، مانويل فرنسيسكو شتاينبروك بيريرا وأدريانا كارولينا كوستا سيلفا بيريرا، هاجرا إلى البرتغال عام 2018 واختفيا.

يبدو أن مجموعة منهم كانت في أوروغواي. امرأة تُدعى ماريا لويزا دومينغيز كاردوزو، تحمل شهادة ميلاد برازيلية، وحصلت لاحقاً على جواز سفر أوروغوياني. وكان هناك زوجان آخران: فيديريكو لويز غونزاليس رودريغيز وزوجته ماريا إيزابيل موريسكو غارسيا، وهي جاسوسة شقراء انتحلت شخصية عارضة أزياء.

بدا أن أفضل أمل للعملاء البرازيليين في القبض عليه، لفترة من الوقت، هو صائغ مجوهرات يُدعى إريك لوبيز. لكن الشرطة اكتشفت أنه في الواقع جاسوس روسي يُدعى ألكسندر أوتيكين.

وقد ظهر عمله في برنامج تلفزيوني برازيلي عُرض عام 2021 بعنوان «رواد أعمال ناجحون»، الذي أشار إليه بأنه «خبير في الأحجار الكريمة».

لكن المذيعة قالت في مقابلة مع الصحيفة إن لوبيز هو من دفع ثمن تلك الإطلالة التلفزيونية. وأضافت أن لوبيز كان غريب الأطوار ورفض الظهور أمام الكاميرا. ولم يكن لدى الموظف الذي ظهر على الهواء نيابة عنه سوى القليل من المعرفة عن العمل. وأضافت المذيعة: «فكرتُ: يا إلهي، هل يحدث شيء ما؟».

وعندما وصل العملاء الفيدراليون إلى المتاجر، لم يعثروا على أي أثر للوبيز أو للذهب أو الأحجار الكريمة التي أعلن عنها على «إنستغرام».

تشغل شركة تأمين متجره في برازيليا الآن. أما عنوانه في ساو باولو، المقابل لفرع للشرطة العسكرية البرازيلية، فهو مقر شركة عقارات.

ويعتقد المحققون أن عمله كان مجرد واجهة لتعزيز سمعته البرازيلية. وقال مسؤول أمني غربي مطلع على القضية إن أوتيكين أمضى بعض الوقت في الشرق الأوسط بعد مغادرة البرازيل. مكانه الدقيق غير معروف، مع أن مسؤولي الاستخبارات يقولون إنهم يعتقدون أنه وآخرين عادوا إلى روسيا.

ليس من الواضح ما إذا كان هناك حدثٌ ما دفع الضباط إلى العودة إلى ديارهم. ولكن مع كل هذا التركيز على روسيا بعد غزو أوكرانيا، قال خبراء الاستخبارات إن المسؤولين في موسكو ربما خلصوا إلى أن العالم أصبح خطيراً للغاية بالنسبة لهم.

أمضى العملاء البرازيليون الذين يديرون عملية «الشرق» ساعاتٍ لا تُحصى في كشف الأسماء، ولم يجدوا أي دليلٍ سوى تهمة تزوير الوثائق ضد تشيركاسوف.

لكنهم شاركوا ما توصلوا إليه مع وكالات الاستخبارات العالمية، التي قام ضباطها بمقارنة هذه المعلومات بسجلات عملاء الاستخبارات الروسية المعروفين. ووجدوا تطابقات، مما سمح للبرازيليين في بعض الحالات بربط اسم حقيقي بالهويات البرازيلية المزيفة.

على سبيل المثال، تبيّن أن الزوجين اللذين يعيشان في البرتغال تحت اسم بيريرا هما في الواقع فلاديمير ألكسندروفيتش دانيلوف ويكاترينا ليونيدوفنا دانيلوفا، وفقاً لمسؤولي استخبارات غربيين.

رسالة قوية

لطالما حافظت البرازيل على الحياد فيما يتعلق بالانقسامات الجيوسياسية. حتى بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، حافظت البرازيل على علاقات ودية مع موسكو. لذا، اعتُبر استخدام الكرملين للأراضي البرازيلية في عملية تجسس واسعة النطاق خيانة.

أرادت السلطات توجيه رسالة قوية. وقال محقق برازيلي كبير: «فكّرنا ملياً: ما هو أسوأ من أن تُعتقل بصفتك جاسوساً؟ أن تُفضح هويتك كجاسوس».

ولتحقيق ذلك، ابتكر المحققون فكرة جريئة. يمكنهم استخدام الإنتربول، أكبر منظمة شرطية في العالم، لحرق جواسيس بوتين.

في خريف العام الماضي، أصدر البرازيليون سلسلة من نشرات الإنتربول الزرقاء - وهي تنبيهات تطلب معلومات عن شخص ما. وزّعت النشرات أسماء وصور وبصمات جواسيس روس، بمَن فيهم شميريف وتشيركاسوف، على جميع الدول الأعضاء البالغ عددها 196 دولة.

الإنتربول، كهيئة مستقلة، لا يتعامل مع القضايا المُسيّسة كالتجسس. للالتفاف على ذلك، قالت السلطات البرازيلية إن الروس يخضعون للتحقيق لاستخدامهم وثائق مزورة.

أصدرت أوروغواي تنبيهات مماثلة، اطلعت عليها الصحيفة، بشأن المشتبه بهم في كونهم جواسيس روساً وظهروا هناك بهويات برازيلية. وقال مسؤولو الاستخبارات إن أسماءهم الحقيقية هي رومان أوليغوفيتش كوفال، وإيرينا ألكسييفنا أنتونوفا، وأولغا إيغوريفنا تيوتريفا.

قال المحققون إن كوفال وأنتونوفا، الزوجين، غادرا البرازيل فجأة على متن رحلة متجهة إلى أوروغواي عام 2023. وكان آخر مكان معروف لتيوتريفا هو ناميبيا، وفقاً للمسؤول الكبير.

لا تتضمن إشعارات الإنتربول الأسماء الحقيقية، ولكنها تتضمن الصور ومعلومات تعريفية أخرى. ومع تسجيل هوياتهم في قواعد بيانات الشرطة، ورصد أجهزة التجسس لأسمائهم الحقيقية، فمن المرجح ألا يتمكن العملاء من العمل كجواسيس أجانب مرة أخرى.

من بين جميع الجواسيس، لم يبقَ في السجن سوى تشيركاسوف. أُدين بتزوير وثائق وحُكم عليه بالسجن 15 عاماً، لكن حُكمه خُفِّف إلى خمس سنوات.

وفي محاولة واضحة لإعادته إلى الوطن مبكراً، زعمت الحكومة الروسية أنه تاجر مخدرات مطلوب، وقدمت وثائق للمحكمة تطلب تسليمه.

لكن البرازيليين ردوا بسرعة. وقالوا: «إذا كان تشيركاسوف تاجر مخدرات، كما جادل الادعاء، فمن الضروري احتجازه في السجن لفترة أطول حتى تتمكن الشرطة من التحقيق». وربما كان قد أُطلق سراحه الآن لولا ذلك. لكنه لا يزال محتجزاً في سجن برازيليا.

بعد مغادرة البرازيل، تواصل شميريف بانتظام مع أصدقائه وصديقته البرازيلية لفترة من الوقت. ولكن في أوائل يناير (كانون الثاني) 2023، توقفت رسائله النصية.

نشرت صديقة شميريف منشوراً على مجموعة على «فيسبوك» تُدعى «برازيليون في كوالالمبور» تطلب المساعدة في العثور عليه.

عندما لم يستقل شميريف رحلة العودة إلى البرازيل، تدخلت الشرطة. ووجد المحققون أنه ترك وراءه عدة أجهزة إلكترونية تحتوي على تفاصيل شخصية بالغة الأهمية، بما في ذلك رسائل نصية مع زوجته الجاسوسة الروسية. كما ترك 12 ألف دولار نقداً في خزنته.

هذه مؤشرات على أنه كان يخطط للعودة. وكما هو الحال مع الآخرين، لا تزال تساؤلات حول ما دفعه للمغادرة وما منعه من ذلك غامضة. في ذلك الوقت تقريباً، غادرت زوجته الروسية فجأةً موقعها التجسسي في اليونان. وكشفت عنها السلطات اليونانية لاحقاً.


مقالات ذات صلة

روسيا تعلن طرد دبلوماسي بريطاني لاتهامه بالتجسس

أوروبا القائمة بالأعمال البريطانيّة في موسكو داناي دولاكيا (إ.ب.أ)

روسيا تعلن طرد دبلوماسي بريطاني لاتهامه بالتجسس

أعلنت روسيا، الخميس، طرد دبلوماسيّ بريطانيّ تتّهمه بأنّه عنصر في «الأجهزة السريّة» البريطانيّة، وسط توتر متصاعد بين موسكو والغرب؛ بسبب الحرب في أوكرانيا. …

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا المبنى الحالي السفارة الصينية في لندن (أرشيفية - رويترز)

تقرير: غرفة سرّية تحت السفارة الصينية في لندن تثير مخاوف أمنية

كشفت صحيفة «تلغراف» البريطانية أن الصين تعتزم بناء غرفة سرّية بمحاذاة أكثر كابلات الاتصالات حساسية في بريطانيا، ضمن شبكة تضم 208 غرف سرّية تحت سفارتها الجديدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)

السجن 16 عاماً لبحّار أميركي سابق أدين بتسريب معلومات عن سفن حربية للصين

أُدين بحار سابق في البحرية الأميركية ببيع كتيّبات تقنية للصين، وحُكم عليه بالسجن لأكثر من 16 عاماً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم قارب يبحر عبر مدخل بحري متجمد خارج مدينة نوك في غرينلاند 6 مارس 2025 (أ.ب) play-circle

لماذا غرينلاند ذات أهمية استراتيجية لأمن القطب الشمالي؟

يجعل موقع غرينلاند، فوق الدائرة القطبية الشمالية، أكبر جزيرة في العالم عنصراً أساسياً في الاستراتيجيات الأمنية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
أوروبا نظام الدفاع الصاروخي الباليستي «آرو3» خلال سلسلة اختبارات اعتراض حية أميركية - إسرائيلية فوق ألاسكا بالولايات المتحدة (رويترز - أرشيفية) play-circle

الجيش الألماني يفشل في اعتراض مسيّرات حلقت فوق منظومة «آرو 3» الإسرائيلية

أبرزت وثيقة داخلية للجيش الألماني أنه أخفق في اعتراض طائرات مسيّرة عبر نظام الدفاع الجوي «آرو3».

«الشرق الأوسط» (برلين)

ترمب يهدد بفرض رسوم جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته بشأن غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يهدد بفرض رسوم جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته بشأن غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، أنه قد يفرض رسوماً جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته القاضية بالاستيلاء على غرينلاند، علماً بأنها تتبع الدنمارك، العضو في حلف شمال الأطلسي «ناتو».

وقال ترمب، خلال اجتماع لمناقشة الملف الصحي في البيت الأبيض: «قد أفرض رسوماً على الدول إذا كانت لا تؤيد (الخطة في شأن) غرينلاند؛ لأننا نحتاج إلى غرينلاند (لأغراض) الأمن القومي»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ووصلت بعثة عسكريّة أوروبيّة، الخميس، إلى غرينلاند، غداة لقاء في واشنطن بين مسؤولين أميركيّين ودنماركيّين وغرينلانديّين، خلص إلى وجود «خلاف جوهري» حول الجزيرة الدنماركية ذات الحكم الذاتي.

وأعلنت الدنمارك، الحليف التقليدي للولايات المتحدة داخل حلف «الناتو»، أنّها تُعزز وجودها العسكري في غرينلاند، رداً على الانتقادات الأميركية لعدم إيلائها أهمية كافية للجزيرة القطبية الشمالية.

ويوم الأربعاء، هبطت طائرتان دنماركيتان تنقلان جنوداً في الجزيرة.

وعقب ذلك، أعلنت فرنسا والسويد وألمانيا والنرويج وهولندا وفنلندا وبريطانيا إرسال قوة عسكرية إلى الجزيرة، للقيام بمهمة استطلاع تندرج في سياق مناورات «الصمود القطبي» التي تُنظمها الدنمارك.

وقالت مصادر دفاعية من دول عدة إنّ هذه التعزيزات العسكرية الأوروبية المتواضعة، والتي تتمثل في 13 جندياً ألمانياً، على سبيل المثال، وجندي واحد لكل من هولندا وبريطانيا، تهدف إلى إعداد الجيوش لتدريبات مستقبلية في القطب الشمالي.

غير أن البيت الأبيض عَدَّ، الخميس، أن هذه الخطوة لن تُغيّر شيئاً في خطط ترمب. وقالت الناطقة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت: «لا أعتقد أن نشر قوات أوروبية يؤثر على عملية صنع القرار لدى الرئيس، كما أنّها لا تؤثر أبداً على هدفه المتمثل في ضم غرينلاند».


أفقدت «هارفارد» الصدارة... الصين تتصدر الجامعات عالمياً وسط تراجع أميركي

جامعة هارفارد الأميركية
جامعة هارفارد الأميركية
TT

أفقدت «هارفارد» الصدارة... الصين تتصدر الجامعات عالمياً وسط تراجع أميركي

جامعة هارفارد الأميركية
جامعة هارفارد الأميركية

حتى وقت قريب، كانت جامعة هارفارد تُعدّ أكثر جامعة بحثية إنتاجاً في العالم، وفق تصنيف عالمي يركز على النشر الأكاديمي. غير أن هذا الموقع بات مهدداً، في أحدث مؤشر على اتجاه مقلق يواجه الأوساط الأكاديمية الأميركية.

فقد تراجعت هارفارد مؤخراً إلى المركز الثالث في هذا التصنيف. والجامعات التي تتسابق صعوداً في القائمة ليست نظيرات هارفارد الأميركية، بل جامعات صينية واصلت تقدّمها بثبات في تصنيفات تركز على حجم الأبحاث المنتَجة وجودتها.

ويأتي هذا التحول في وقت أقدمت فيه إدارة الرئيس دونالد ترمب على تقليص التمويل البحثي للجامعات الأميركية التي تعتمد بدرجة كبيرة على الحكومة الفيدرالية لتمويل أنشطتها العلمية. ولم تكن سياسات ترمب سبب بداية التراجع النسبي للجامعات الأميركية، الذي بدأ قبل سنوات، لكنها قد تُسرّع وتيرته.

جامعة تشجيانغ الصينية

وقال فيل باتي، المسؤول التنفيذي للشؤون العالمية في مؤسسة «تايمز للتعليم العالي» البريطانية، وهي جهة مستقلة عن «نيويورك تايمز»، وتصدر أحد أشهر التصنيفات العالمية للجامعات: «نحن مقبلون على تحوّل كبير، أشبه بنظام عالمي جديد في هيمنة التعليم العالي والبحث العلمي».

ويرى تربويون وخبراء أن هذا التحول لا يمثل مشكلة للجامعات الأميركية فحسب، بل للولايات المتحدة ككل. وأضاف باتي: «هناك خطر استمرار هذا الاتجاه، وربما حدوث تراجع. أستخدم كلمة (تراجع) بحذر شديد. فليس الأمر أن الجامعات الأميركية أصبحت أسوأ بشكل واضح، بل إن المنافسة العالمية تحتدم، ودول أخرى تحقق تقدماً أسرع».

تبدّل جذري

ولو عدنا إلى أوائل العقد الأول من الألفية، لوجدنا أن تصنيفاً عالمياً للجامعات يعتمد على الإنتاج العلمي، مثل المقالات المنشورة في الدوريات الأكاديمية، كان سيبدو مختلفاً تماماً. آنذاك، كانت سبع جامعات أميركية ضمن العشر الأولى، تتصدرها جامعة هارفارد في المركز الأول. ولم تكن سوى جامعة صينية واحدة، هي جامعة تشجيانغ، ضمن أفضل 25 جامعة. أما اليوم، فتتربع جامعة تشجيانغ على صدارة ذلك التصنيف، المعروف باسم «تصنيفات لايدن»، الصادر عن مركز دراسات العلوم والتكنولوجيا في جامعة لايدن الهولندية. كما توجد سبع جامعات صينية أخرى ضمن المراكز العشرة الأولى.

ورغم أن هارفارد تنتج أبحاثاً أكثر بكثير مما كانت تنتجه قبل عقدين، فإنها تراجعت إلى المركز الثالث، وهي الجامعة الأميركية الوحيدة التي لا تزال قريبة من القمة. ومع ذلك، ما زالت هارفارد تحتل المركز الأول في «تصنيفات لايدن» من حيث عدد أكثر المنشورات العلمية استشهاداً.

طلاب جامعيون صينيون

ولا تكمن المشكلة في تراجع الإنتاج لدى الجامعات الأميركية الكبرى. فست جامعات أميركية بارزة كانت ضمن العشر الأولى في العقد الأول من الألفية – هي جامعة ميشيغان، وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس (UCLA)، وجامعة جونز هوبكنز، وجامعة واشنطن في سياتل، وجامعة بنسلفانيا، وجامعة ستانفورد – تنتج اليوم أبحاثاً أكثر مما كانت تنتجه قبل عشرين عاماً، وفق بيانات «لايدن». لكن إنتاج الجامعات الصينية ازداد بوتيرة أكبر بكثير.

ووفقاً لمارك نايسل، مدير الخدمات في مركز دراسات العلوم والتكنولوجيا، فإن «تصنيفات لايدن» تعتمد على الأوراق العلمية والاستشهادات المدرجة في قاعدة بيانات «ويب أوف ساينس»، المملوكة لشركة «كلاريفيت» المتخصصة في البيانات والتحليلات. وتضم هذه القاعدة آلاف الدوريات الأكاديمية، كثير منها شديد التخصص.

وعادة لا تحظى التصنيفات العالمية للجامعات باهتمام شعبي واسع في الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن بعض الأكاديميين المخضرمين يرون بوضوح نمو الإنتاج البحثي الصيني الذي تعكسه هذه التصنيفات، ويحذرون من أن أميركا تتراجع. وقال رافائيل ريف، الرئيس السابق لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، في مقابلة «بودكاست» العام الماضي: «عدد الأوراق العلمية وجودتها الصادرة من الصين مذهلان»، مضيفاً أنها «تفوق بكثير ما نقوم به في الولايات المتحدة». وعلى النقيض، تتابع مؤسسات في دول أخرى حول العالم هذه التصنيفات باهتمام، معتبرة إياها مقياساً للتفوق الأكاديمي ولمدى تقدمها في اللحاق بالولايات المتحدة أو تجاوزها.

تصنيف بديل

وتعرض جامعة تشجيانغ تصنيفاتها بشكل بارز على موقعها الإلكتروني، وتدرج ضمن محطات تاريخها دخولها قائمة أفضل 100 جامعة عالمياً عام 2017. كما احتفت وسائل الإعلام الصينية الرسمية بصعود جامعات البلاد في التصنيفات. وبدأ مركز لايدن إصدار تصنيف بديل يعتمد على قاعدة بيانات أكاديمية مختلفة تُعرف باسم «أوبن أليكس». وتحتل هارفارد المركز الأول في هذا التصنيف أيضاً، لكن الاتجاه نفسه يظهر بوضوح: 12 جامعة صينية ضمن أفضل 13 جامعة تليها مباشرة.

وقال نايسل: «الصين تبني بالفعل قدرات بحثية هائلة». وأضاف أن الباحثين الصينيين يولون اهتماماً أكبر بالنشر في الدوريات الناطقة بالإنجليزية، التي هي أكثر قراءة واستشهاداً على مستوى العالم.

وكان الرئيس الصيني شي جينبينغ قد أشاد، في خطاب ألقاه عام 2024، بتقدم بلاده في مجالات مثل تقنيات الكم وعلوم الفضاء. وأشار إلى إنجاز حققه باحثون في معهد تيانجين للتقنيات الحيوية الصناعية، تمثل في تطوير طريقة لتصنيع «النشا» من ثاني أكسيد الكربون داخل المختبر، وهو ما قد يفضي مستقبلاً إلى صناعات تنتج الغذاء «من الهواء» دون الحاجة إلى مساحات زراعية شاسعة أو ريّ أو حصاد.

جانب من جامعة أكسفورد البريطانية (أ.ف.ب)

وتعكس أنظمة تصنيف أخرى تميل إلى وزن الإنتاج العلمي التحول ذاته لصالح المؤسسات الصينية. ففي «تصنيف الجامعات حسب الأداء الأكاديمي»، الذي يعده معهد المعلوماتية في جامعة الشرق الأوسط التقنية في أنقرة، تحتل هارفارد المرتبة الأولى عالمياً، لكن جامعة ستانفورد هي الجامعة الأميركية الأخرى الوحيدة ضمن العشر الأولى، إلى جانب أربع جامعات صينية. وفي تصنيف «نيتشر إندكس» جاءت هارفارد أولاً، وتلتها عشر جامعات صينية.

ضغوط مالية

وتواجه هارفارد وغيرها من الجامعات الأميركية الرائدة ضغوطاً جديدة نتيجة تخفيضات إدارة ترمب في المنح العلمية، إضافة إلى قيود السفر والحملة المتشددة ضد الهجرة، التي طالت طلاباً وأكاديميين دوليين. وانخفض عدد الطلاب الدوليين القادمين إلى الولايات المتحدة في أغسطس (آب) 2025 بنسبة 19 في المائة مقارنة بالعام السابق، وهو اتجاه قد يضر أكثر بمكانة الجامعات الأميركية وتصنيفاتها إذا اختارت العقول العالمية المتميزة الدراسة والعمل في أماكن أخرى.

في المقابل، ضخت الصين مليارات الدولارات في جامعاتها، وعملت بقوة على جعلها وجهة جاذبة للباحثين الأجانب. وفي الخريف، بدأت الصين منح تأشيرة خاصة لخريجي أفضل الجامعات في مجالات العلوم والتكنولوجيا، تتيح لهم السفر إلى الصين للدراسة أو ممارسة الأعمال.

وقال أليكس آشر، رئيس شركة «هاير إديوكيشن استراتيجي أسوشييتس» الاستشارية في تورونتو: «الصين تمتلك اليوم قدراً هائلاً من الأموال في التعليم العالي لم يكن متوافراً قبل 20 عاماً».

وقد جعل شي جينبينغ دوافع هذه الاستثمارات واضحة، مؤكداً أن قوة الدول على الساحة العالمية تعتمد على تفوقها العلمي. وقال في خطاب عام 2024: «الثورة العلمية والتكنولوجية متشابكة مع التنافس بين القوى العظمى». وعلى النقيض، تسعى إدارة ترمب إلى خفض مليارات الدولارات من منح البحث العلمي للجامعات الأميركية، مبررة ذلك بالرغبة في القضاء على الهدر وإعادة توجيه الأبحاث بعيداً عن قضايا التنوع وغيرها من الموضوعات التي تراها ذات طابع سياسي مفرط.

ولم ترد إدارة ترمب على طلب للتعليق على هذا التقرير. لكن المتحدثة باسم البيت الأبيض، ليز هوستن، كانت قد قالت سابقاً إن «أفضل العلوم لا يمكن أن تزدهر في مؤسسات تخلت عن الجدارة، وحرية البحث، والسعي إلى الحقيقة». وحذر قادة الجامعات الأميركية طوال عام 2025 من أن تقليص المنح البحثية الفيدرالية قد تكون له آثار مدمرة. وأنشأت جامعة هارفارد صفحة إلكترونية لحصر أنواع الأبحاث العلمية والطبية التي قد تتعطل بسبب خفض التمويل. كما أقامت الجمعية الأميركية لأساتذة الجامعات، إلى جانب حلفاء قانونيين، دعاوى قضائية للطعن في بعض هذه التخفيضات. وحذر رئيس الجمعية، تود وولفسون، من أن تقليص التمويل البحثي «سيعوق تطوير الجيل المقبل من العلماء».

وأمر قاضٍ فيدرالي الحكومة الأميركية باستئناف تمويل هارفارد، بعد أن قطعت إدارة ترمب مليارات الدولارات من التمويل البحثي في الربيع الماضي. غير أن الإدارة قالت إنها ستحد من المنح المستقبلية للجامعة. ورفض متحدث باسم هارفارد التعليق.

ولا تقتصر المخاطر على هارفارد، بل تمتد إلى المكانة العالمية لعدد كبير من الجامعات الأميركية الأخرى. فقلّة المنح الفيدرالية، أو صغر حجمها، تعني أبحاثاً أقل، وبالتالي اكتشافات أقل تُنشر في أوراق علمية، وهو ما سيؤثر على أداء هذه الجامعات في التصنيفات المستقبلية.

«أنشر أو اندثر»

وتجعل الجامعات البحثية من السعي إلى الاكتشاف وتطوير المعرفة جزءاً أساسياً من رسالتها، وغالباً ما يتعرض أعضاء هيئة التدريس لضغوط لتحقيق نتائج، تختصرها عبارة «أنشر أو اندثر». أما الجامعات التي لا تسعى إلى إنتاج كميات ضخمة من الأوراق البحثية، مثل كثير من كليات الفنون الحرة، فلا تظهر في التصنيفات المعتمدة على الإنتاج. وأوضح نايسل أن تصنيفات لايدن «لا تدّعي قول أي شيء» عن جودة التدريس في الجامعة.

وقد حققت الجامعات الأميركية أداء أفضل بكثير في أنظمة تصنيف تعتمد معايير أوسع من مجرد الإنتاج الأكاديمي، مثل السمعة والموارد المالية ومدى إقبال الطلاب على الالتحاق بها، بل أحياناً عدد الحاصلين على جوائز «نوبل» بين أعضاء هيئة التدريس.

ويرى خبراء أن هذه التصنيفات الواسعة تتغير بوتيرة أبطأ، لكنها مع ذلك تُظهر مؤشرات على تآكل الهيمنة الأميركية في التعليم العالي. ففي تصنيف «تايمز للتعليم العالي» لعام 2026، فإنه للعام العاشر على التوالي احتلت جامعة أكسفورد البريطانية المرتبة الأولى عالمياً. وضمت المراكز الخمسة الأولى الجامعات نفسها التي وردت في العام السابق: معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وجامعة برينستون، وجامعة كمبردج، ثم هارفارد بالتساوي مع ستانفورد.

جامعة شنغهاي الصينية

وشغلت الجامعات الأميركية سبعة من المراكز العشرة الأولى في تصنيف 2026، لكن في المراتب الأدنى بدأت الجامعات الأميركية تتراجع؛ إذ تراجع ترتيب 62 جامعة أميركية مقارنة بالعام السابق، في حين تقدمت 19 جامعة فقط. وقبل عشر سنوات، كانت جامعتا بكين وتسينغهوا تحتلان المركزين 42 و47 في تصنيف «تايمز للتعليم العالي»، أما اليوم فهما على مشارف العشرة الأولى؛ إذ جاءت تسينغهوا في المركز 12، وبكين في المركز 13.

هونغ كونغ حاضرة

ودخلت ست جامعات في هونغ كونغ قائمة أفضل 200 جامعة، في حين وضعت كوريا الجنوبية أربع جامعات ضمن أفضل 100 جامعة. وفي المقابل، تراجع ترتيب بعض الجامعات الأميركية المعروفة. فقد كانت جامعة ديوك في المركز 20 عام 2021، وأصبحت اليوم في المركز 28. وتراجعت جامعة إيموري من المركز 85 إلى 102 خلال الفترة نفسها. أما جامعة نوتردام، فكانت في المركز 108 قبل عشر سنوات، وأصبحت اليوم في المركز 194.

وقال آشر إن الضغوط التي قد تقلص إنتاج هارفارد البحثي، مثل خفض المنح الفيدرالية وتقليص برامج الدكتوراه، لن تنعكس فوراً في التصنيفات. وأضاف: «إذا كنت تنظر إلى عدد المقالات التي تُنشر في (نيتشر) أو (ساينس)، فهذا يعتمد على أبحاث بدأت قبل أربع أو خمس سنوات. هناك فجوة زمنية كبيرة، ولا أتوقع تأثيراً كبيراً في السنوات القليلة المقبلة».

ورغم تفوق الصين في تخصصات مثل الكيمياء وعلوم البيئة، فإن الولايات المتحدة وأوروبا لا تزالان مهيمنتين في مجالات أخرى مثل علم الأحياء العام والعلوم الطبية. كما أشارت دراسة إلى أن باحثين صينيين عززوا ترتيبهم في الاستشهادات من خلال الاستشهاد ببعضهم بمعدل أعلى مما يفعل الباحثون الغربيون.

وتعود ظاهرة تصنيفات الجامعات إلى أوائل القرن العشرين، وفق آلان روبي، الزميل البارز ومدير الانخراط العالمي في كلية الدراسات العليا للتربية بجامعة بنسلفانيا.

وقال روبي إن الطلاب يستخدمون التصنيفات للمساعدة في اتخاذ قرار التقديم، في حين يعتمد عليها الأكاديميون لتحديد أماكن العمل والبحث، كما تستخدمها بعض الحكومات في توزيع التمويل البحثي، ويستعين بها بعض أصحاب العمل كأداة سريعة لفرز أعداد كبيرة من المتقدمين للوظائف. وأضاف: «إذا كنت تحاول جذب أفضل المواهب في العالم، سواء كانوا طلاباً أو باحثين أو أساتذة، فإنك تريد امتلاك قوة الإشارة التي تقول: نحن مؤسسة عالية التصنيف». وإلى جانب البعد التسويقي، تكتسب التصنيفات أهميتها؛ لأن جودة الجامعات نفسها مهمة، بحسب بول موسغريف، أستاذ العلوم السياسية في فرع جامعة جورج تاون في الدوحة. وقال إن الربط المباشر بين الجامعات الجيدة والقوة الوطنية قد يكون صعباً «لكننا نعلم جميعاً أن تدمير الألمان لجامعاتهم في ثلاثينات القرن الماضي ألحق بهم ضرراً كبيراً على الأرجح».

* خدمة «نيويورك تايمز»

حقائق

قائمة من مركز دراسات العلوم والتكنولوجيا في جامعة لايدن الهولندية تظهر ثماني جامعات صينية ضمن الجامعات العشر الأولى

1. جامعة تشجيانغ – الصين 2. جامعة شنغهاي جياو تونغ – الصين 3. جامعة هارفارد – الولايات المتحدة 4. جامعة سيتشوان – الصين 5. جامعة وسط الجنوب – الصين 6. جامعة هواتشونغ للعلوم والتكنولوجيا – الصين 7. جامعة صن يات-سن – الصين 8. جامعة شيآن جياو تونغ – الصين 9. جامعة تسينغهوا – الصين 10. جامعة تورونتو – كندا.


أمين عام الناتو: ملتزمون بضمان حصول أوكرانيا على الدعم اللازم للدفاع عن نفسها

الأمين العام لحلف الناتو مارك روته خلال مؤتمر صحافي مشترك في زغرب بكرواتيا 12 يناير 2026 (رويترز)
الأمين العام لحلف الناتو مارك روته خلال مؤتمر صحافي مشترك في زغرب بكرواتيا 12 يناير 2026 (رويترز)
TT

أمين عام الناتو: ملتزمون بضمان حصول أوكرانيا على الدعم اللازم للدفاع عن نفسها

الأمين العام لحلف الناتو مارك روته خلال مؤتمر صحافي مشترك في زغرب بكرواتيا 12 يناير 2026 (رويترز)
الأمين العام لحلف الناتو مارك روته خلال مؤتمر صحافي مشترك في زغرب بكرواتيا 12 يناير 2026 (رويترز)

قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته، الخميس، إن الحلف ملتزم بضمان استمرار حصول أوكرانيا على الدعم اللازم للدفاع عن نفسها.

وأضاف روته على منصة «إكس»، أنه تحدث مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي حول وضع الطاقة في أوكرانيا، وتأثير الهجمات الروسية التي قال إنها «تسبب معاناة إنسانية مروعة، بالإضافة إلى (مناقشة) الجهود المبذولة لإنهاء الحرب».

وتابع: «نحن ملتزمون بضمان استمرار حصول أوكرانيا على الدعم الحيوي اللازم للدفاع عن نفسها اليوم، وتحقيق سلام دائم في نهاية المطاف».

وفي وقت سابق اليوم، دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للتوصل إلى تسوية سلمية في أوكرانيا «بأسرع وقت ممكن»، لكنه شدد على أن روسيا ستواصل السعي لتحقيق أهدافها حتى تبدي كييف استعدادها للتوصل إلى تسوية.