مصر وإسرائيل... هل تمتد التوترات السياسية إلى ملف الغاز؟

القاهرة تبحث عن بدائل بعد أنباء «تقلص الواردات»

وزير البترول المصري كريم بدوي يناقش في قطر توقيع عقود طويلة الأجل لتوريد الغاز الطبيعي إلى مصر (وزارة البترول)
وزير البترول المصري كريم بدوي يناقش في قطر توقيع عقود طويلة الأجل لتوريد الغاز الطبيعي إلى مصر (وزارة البترول)
TT

مصر وإسرائيل... هل تمتد التوترات السياسية إلى ملف الغاز؟

وزير البترول المصري كريم بدوي يناقش في قطر توقيع عقود طويلة الأجل لتوريد الغاز الطبيعي إلى مصر (وزارة البترول)
وزير البترول المصري كريم بدوي يناقش في قطر توقيع عقود طويلة الأجل لتوريد الغاز الطبيعي إلى مصر (وزارة البترول)

تحدثت تقارير إعلامية عن إبلاغ إسرائيل لمصر بخفض كمية الغاز المسال الموردة إليها، إلا أن مصدراً مصرياً رسمياً تحدث لـ«الشرق الأوسط»، استبعد أن «يكون للأمر علاقة بالتوترات السياسية بين البلدين في هذه الفترة، وخصوصاً بشأن بحرب غزة»، منوهاً إلى أن «ملف الغاز تحكمه اتفاقات وعلاقات اقتصادية بحتة»، حسب تعبيره.

وبحسب ما نقلته «وكالة بلومبرغ»، فإن إسرائيل أبلغت القاهرة نيتها تنفيذ أعمال صيانة دورية في أحد خطوط تصدير الغاز على مدى 15 يوماً، وهو ما من شأنه أن ينعكس على حجم الكميات الموردة إلى مصر، لتكون أقل من المتفق عليه والمستهدف خلال أشهر الصيف.

وتحدثت تقارير صحافية عن أن كميات الغاز الإسرائيلي الموردة إلى مصر بدأت في الانخفاض بداية من الاثنين الماضي، لتصل إلى 500 مليون قدم مكعبة من الغاز يومياً، بدلاً من مليار قدم مكعبة، ومن المتوقع أيضاً أن يتم خفض آخر خلال شهري يوليو (تموز) وأغسطس (آب) المقبلين بسبب ارتفاع الاستهلاك المحلي في إسرائيل.

وزيرا البترول والكهرباء بمصر يجتمعان لمناقشة خطة استقرار إنتاج الكهرباء بالصيف (وزارة البترول المصرية)

وسعت «الشرق الأوسط» للحصول على تعليق من وزارة البترول المصرية، لكن لم يتسن ذلك، فيما قال مصدر رسمي إنه «يميل إلى أن المسألة متعلقة بالصيانة الدورية في خطوط تصدير الغاز، ولا تتعلق بالخلافات السياسية بسبب حرب غزة»، مدللاً على ذلك بأن «الأمر نفسه حدث في مثل هذا التوقيت من العام الماضي، وعادت عمليات ضخ الغاز لمعدلاتها الطبيعية فعلاً بعد انتهاء أعمال الصيانة».

المصدر أوضح أن «الشركات القائمة على تصدير الغاز من إسرائيل لمصر تعمل منذ 6 أشهر على زيادة سعة خطوط التصدير لترفع معدلات التصدير اليومية إلى مصر من مليار قدم مكعبة يومياً إلى مليار و600 مليون، للاستفادة من زيادة حجم الطلب».

وأكد أن «مصر ستعمل قطعاً على توفير البدائل في فترة نقص الغاز الإسرائيلي، والدول التي من المفترض أن تعتمد عليها كبديل لإسرائيل هي قطر والجزائر وروسيا»، لكن المصدر أشار إلى أن «الاستيراد من تلك الدول سيكون بالمراكب عبر البحر، وهنا تزداد تكلفة الاستيراد بنحو 60 في المائة، ومن ثم يظل الغاز الإسرائيلي هو الأرخص لمصر، حتى وإن ضغطت تل أبيب لزيادة السعر كما يتردد، لأنه يأتي عبر خط مباشر».

المصدر ذاته أوضح «أن الحكومة المصرية بدأت بالفعل العمل على إعداد الخطط لمواجهة فترة النقص».

وبحسب بيانات حكومية عقد وزيرا البترول والكهرباء اجتماعاً موسعاً، الثلاثاء، حضره عدد من مسؤولي الوزارتين للاستعداد للوفاء بمتطلبات زيادة الطلب على الطاقة خلال فصل الصيف، وارتفاع درجات الحرارة وزيادة الأحمال على محطات توليد الكهرباء.

وتعتمد مصر على الغاز المسال في تشغيل محطات توليد الكهرباء، ومن المتوقع أن يؤثر نقص الغاز الإسرائيلي على قدرة تلك المحطات في الوفاء بالاحتياجات المتزايدة للتيار الكهربائي في فصل الصيف، وكانت مصر لجأت أخيراً لاستخدام المازوت بديلاً لتشغيل المحطات، ولكن الخبراء أكدوا ضرره على المحطات وعدم جدواه.

وبحسب تأكيدات الحكومة المصرية، ارتفعت تكلفة إنتاج الكهرباء بعد تعويم الجنيه في مارس (آذار) 2024؛ إذ أصبحت تشكل عبئاً أكبر على موازنة الدولة، وبخاصة بعد تراجع الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي الذي حول البلاد من مصدر صاف إلى مستورد صاف للغاز الطبيعي المسال العام الماضي.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في جولة تفقدية سابقة لحقل ظهر (الحكومة المصرية)

وبدأت مصر استيراد الغاز الإسرائيلي منذ عام 2020 ضمن صفقة بلغت قيمتها 15 مليار دولار بين شركتي «نوبل إنرجي» التي استحوذت عليها «شيفرون» و«ديليك دريلينغ»، ومع تراجع إنتاجها المحلي من الغاز الطبيعي عادت مصر خلال العام الماضي لاستيراد الغاز المسال بعدما توقفت عن الاستيراد منذ عام 2018 على خلفية اكتشافات ضخمة أبرزها حقل ظهر.

عضو لجنة الطاقة بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان) محمد الجبلاوي قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «يرى أن قرار خفض إسرائيل لواردات الغاز إلى مصر هو نوع من الضغط الإسرائيلي الأميركي على القاهرة عبر إحداث مشكلة متعلقة بالكهرباء في الصيف لتأليب الرأي العام ضد الحكومة المصرية لتقبل الشروط الخاصة بتهجير الفلسطينيين من غزة».

وشدد على أنه «مع ذلك فمصر لن تخضع لهذا الابتزاز، ولدينا بدائل كثيرة، حيث عملت مصر على تطوير إنشاء محطات إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية خلال السنوات الثلاث الماضية، مما لن يجعل نقص الغاز أزمة بالنسبة لتوليد الكهرباء، كما أن بعض المشاكل الفنية التي أعاقت الإنتاج في حقل ظهر قد انتهت وتم إبلاغ لجنة الطاقة بمجلس النواب أن إنتاج الحقل عاد لطبيعته».

وأشار إلى أن «مصر أيضاً عملت على توقيع اتفاقيات استيراد للغاز من قطر وروسيا في الفترة الأخيرة، وكل ذلك حتى لا تعتمد على مصدر واحد، كما أن الحكومة أعدت خطة لترشيد الاستهلاك والعمل على استقرار إنتاج الكهرباء».


مقالات ذات صلة

الغاز الأوروبي يسجل أعلى مستوى منذ 2023 عند 93 دولاراً

الاقتصاد تجاوز السعر المرجعي للغاز بالجملة في هولندا 80 يورو (93.11 دولار) لكل ميغاواط/ساعة بعد ظهر يوم الأربعاء (رويترز)

الغاز الأوروبي يسجل أعلى مستوى منذ 2023 عند 93 دولاراً

تجاوز السعر المرجعي للغاز بالجملة في هولندا 80 يورو (93.11 دولار) لكل ميغاواط/ساعة بعد ظهر يوم الأربعاء، وذلك للمرة الأولى منذ يناير 2023.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد حقل نفط وغاز في أنغولا (إكس)

«إكسون موبيل» تعلن اكتشافاً نفطياً في أنغولا

أعلنت الوكالة الوطنية للنفط والغاز والوقود الحيوي في أنغولا (ANPG) وشركة «إكسون موبيل» في «المربع 15»، الواقع في المياه البحرية، عن تحقيق اكتشاف جديد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد سفن في مضيق هرمز تنتظر العبور 7 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

الكويت تعرض على مشتري النفط خيار نقل الشحنات من سفينة إلى أخرى خارج «هرمز»

قال مسؤول في مؤسسة البترول الكويتية الأربعاء، إن المؤسسة تعرض على المشترين خيار نقل الشحنات من سفينة إلى أخرى (STS) خارج مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
الاقتصاد صمامات الغاز بموقع تخزين الغاز الطبيعي في زسانا بالمجر التي ما زالت تعتمد على الغاز الروسي (رويترز)

روسيا: أوروبا في موقف صعب مع ارتفاع أسعار الغاز

قال الكرملين، الأربعاء، إن الدول الأوروبية وجدت نفسها في موقف صعب وسط ارتفاع أسعار الغاز، بينما في إمكانها شراء الغاز بأسعار أقل من روسيا.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد سفن في مضيق هرمز تنتظر العبور 6 سبتمبر 2026 (رويترز)

مرور 6 سفن فقط بمضيق هرمز يوم الثلاثاء

أظهرت بيانات شحن أن ست سفن لشحن السلع عبرت مضيق هرمز، أمس الثلاثاء، مقارنة مع تسع سفن في اليوم السابق ومع متوسط يبلغ نحو 12 سفينة في عشرة أيام.

«الشرق الأوسط» (لندن)

جدل ليبي حول تقنين الاستيراد لمواجهة «السوق السوداء» للعملة

محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى خلال لقاء مع وزير الاقتصاد والتجارة سهيل أبو شيحة في طرابلس الأحد الماضي (المصرف المركزي)
محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى خلال لقاء مع وزير الاقتصاد والتجارة سهيل أبو شيحة في طرابلس الأحد الماضي (المصرف المركزي)
TT

جدل ليبي حول تقنين الاستيراد لمواجهة «السوق السوداء» للعملة

محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى خلال لقاء مع وزير الاقتصاد والتجارة سهيل أبو شيحة في طرابلس الأحد الماضي (المصرف المركزي)
محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى خلال لقاء مع وزير الاقتصاد والتجارة سهيل أبو شيحة في طرابلس الأحد الماضي (المصرف المركزي)

وسط جدل بين خبراء اقتصاديين حول جدوى الخطوة، اتفقت الحكومتان في غرب ليبيا وشرقها على تنظيم استيراد السلع والبضائع المخصصة لأغراض التجارة، وحظر توريدها خارج القنوات المصرفية، في مسعى للحد من الطلب على الدولار في السوق الموازية.

ويُعد القرار توافقاً نادراً بين الحكومتين المتنافستين، في ظل الانقسام السياسي والمؤسسي المستمر منذ سنوات؛ إذ صدر منتصف الأسبوع، بالتزامن، عن حكومة الوحدة الوطنية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة في غرب البلاد، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد.

ويرى مؤيدو القرار أن تنظيم الاستيراد عبر القنوات المصرفية يمكن أن يسهم في تقليص الطلب على الدولار خارج القطاع الرسمي، شريطة أن تكون العملة الأجنبية متاحة فعلياً للمستوردين، وأن ترافق الإجراءات المصرفية رقابة صارمة على الاعتمادات وحركة البضائع.

في المقابل، يحذر منتقدوه من أن تقييد الاستيراد من دون معالجة نقص السيولة الأجنبية قد يدفع بعض التجار إلى السوق الموازية، بما يرفع تكلفة السلع ويزيد الضغوط على الأسعار، خصوصاً إذا تعذر على صغار المستوردين الوصول إلى التمويل المصرفي.

ومن المقرر أن يبدأ تطبيق قرار الحكومتين اعتباراً من 30 سبتمبر (أيلول) الحالي، في وقت تواجه فيه سوق الصرف ضغوطاً متزايدة، مع اتساع الفارق بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازية، وما يترتب على ذلك من تأثيرات على التجارة والأسعار.

ومن بين الأصوات الداعمة للقرار، أستاذ الاقتصاد في جامعة بنغازي، الدكتور علي الشريف، الذي يرى أن القرار يمثل إجراءً ضمن خطة تهدف إلى تنظيم السوق وضبط حركة التجارة والاستيراد، معتبراً أن نجاحه سيعتمد على مدى تطبيقه بصورة فعالة وموحدة من الجهات المعنية.

وقال الشريف، في منشور عبر حسابه الشخصي على «فيسبوك»، إن التطبيق الفعال للقرار يمكن أن يسهم في الحد من الطلب على العملات الأجنبية خارج القطاع المصرفي، وتقليص التعاملات على الدولار في السوق الموازية، بما يدعم استقرار سوق الصرف.

وتزامن القرار مع ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية بنحو 13 قرشاً؛ إذ سجل 9.28 دينار مقابل 9.15 دينار في اليوم السابق، بحسب متداولين وتجار، بينما بلغ السعر الرسمي، وفق أسعار مصرف ليبيا المركزي، نحو 6.32 دينار.

رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في اجتماع مع علي منصور رئيس لجنة متابعة الاعتمادات المستندية في طرابلس الأسبوع الماضي (الرقابة الإدارية)

وبذلك، تبلغ الفجوة بين السعرين نحو 2.96 دينار للدولار، بما يعني أن سعر العملة الأميركية في السوق الموازية يزيد بنحو 47 في المائة عن السعر الرسمي، وهو فارق يعكس حجم الضغوط على سوق الصرف وحجم الطلب على النقد الأجنبي.

لكن الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الحميد الفضيل ينظر إلى القرار من زاوية مختلفة، حيث يرى أنه قد يخدم كبار التجار القادرين على الحصول على الاعتمادات المستندية، بينما يضع صغار التجار الحقيقيين أمام أعباء أكبر، من دون معالجة أصل أزمة العملة الأجنبية.

وقال الفضيل، في منشور عبر «فيسبوك»، إن ما سماهم «حيتان الاعتمادات» يحصلون على عشرات الملايين من النقد الأجنبي لإعادة بيعها في السوق الموازية، بينما يتضرر صغار التجار، متسائلاً عن جدوى شراء الدولار بـ9.28 دينار، إذا كان متاحاً عبر القنوات الرسمية بسعر أقل.

والاعتمادات المستندية هي تسهيلات مصرفية تتيح للتجار الحصول على العملة الأجنبية بالسعر الرسمي لتمويل عمليات الاستيراد، لكنها أثارت خلال السنوات الماضية انتقادات وشبهات تتعلق بمدى وصول النقد الأجنبي إلى المستوردين الحقيقيين، واستخدامه في الأغراض المخصصة له.

وتزايدت هذه المخاوف مع إجراءات رقابية حديثة؛ إذ أعلنت هيئة الرقابة الإدارية الاشتباه في وجود مخالفات مرتبطة بإجراءات الاعتمادات المستندية لدى نحو 500 شركة، ما أعاد إلى الواجهة قضية توزيع النقد الأجنبي ومدى سلامة عمليات الاستيراد.

وكانت وزارة الاقتصاد والتجارة قد أصدرت في 18 أغسطس (آب) الماضي قراراً بوقف نشاط 27 شركة مرتبطة بثلاثة مستفيدين من عائلة واحدة، بعدما تجاوزت قيمة الاعتمادات الممنوحة لها 146 مليون دولار، في واقعة سلطت الضوء على مخاطر تركز الاستفادة من النقد الأجنبي.

ولا يخلو القرار من دلالة سياسية؛ إذ يرى الشريف أن توحيد الإجراءات بين وزارتي الاقتصاد في الشرق والغرب يمكن أن يمثل خطوة أولى نحو تقارب المؤسسات الاقتصادية، وصولاً إلى سياسات موحدة وقرار اقتصادي يصدر مستقبلاً عن حكومة ليبية واحدة.


مصر: واقعة «مديرة القليوبية» تفتح ملف «المدارس المتهالكة»

مدارس غير مؤهلة لاستقبال الطلاب في الدقهلية تثير جدلاً بعد جولة للمحافظ (محافظة الدقهلية)
مدارس غير مؤهلة لاستقبال الطلاب في الدقهلية تثير جدلاً بعد جولة للمحافظ (محافظة الدقهلية)
TT

مصر: واقعة «مديرة القليوبية» تفتح ملف «المدارس المتهالكة»

مدارس غير مؤهلة لاستقبال الطلاب في الدقهلية تثير جدلاً بعد جولة للمحافظ (محافظة الدقهلية)
مدارس غير مؤهلة لاستقبال الطلاب في الدقهلية تثير جدلاً بعد جولة للمحافظ (محافظة الدقهلية)

كراسي متهالكة، حوائط بألوان باهتة، دورات مياه دون مياه، أدوات قديمة تكاد تنخلع أجزاؤها في أيادي مستخدميها، أجواء كئيبة، ومقبضة، هذا ما كشفته الجولة الميدانية لمحافظ القليوبية (شمال القاهرة) حسام عبد الفتاح، داخل عدة مدارس قبل يومين، للوقوف على استعداداتها لبدء العام الدراسي الذي ينطلق السبت المقبل في المدارس الحكومية، والخاصة.

وكانت جولة محافظ القليوبية، الاثنين، قد فجرت ضده انتقادات واسعة، بعدما أقال خلالها مدير مدرسة، واستنكر مظهره وهو يرتدي الجلباب، فيما دافع المدير المستبعد بتأكيده أنه «كان يعمل في المدرسة بيده (صيانة)»، كما وبخ المحافظ مديرة «مدرسة الشهيد أحمد سعيد»، صالحة أبو الفضل، لنقص الخدمات في المدرسة، قبل أن تفاجئه الأخيرة بأنها ناشدت المسؤولين دون رد، حتى أنها «أدخلت المياه والكهرباء والغاز على حسابها الخاص».

وبينما تكاد صالحة أن تصبح بطلة شعبية في المخيلة المصرية، من كثرة الحفاوة، والإعجاب بموقفها الذي فتح الباب لذكر أسماء أخرى في مدارس عديدة تسلك نهجها دون بروباغاندا، فقد فتحت هذه المشاهد في المقابل ملف «المدارس المتهالكة»، وسط تساؤلات عن المخصصات المالية لها، وجدوى عمليات التطوير في ظل بنية أساسية تفتقر للآدمية ببعض المدارس.

وكيل لجنة الاقتراحات والشكاوى في مجلس النواب (البرلمان)، النائب محمد عبد الله زين الدين، وجه سؤالاً برلمانياً الأربعاء إلى الحكومة حول «خطة الصيانة للمدارس على مستوى الجمهورية»، قائلاً وفق بيان صحافي إن «العديد من المدارس تعاني من مشكلات كبيرة في البنية التحتية، والأثاث المدرسي، ودورات المياه، والأسوار، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على انتظام الدراسة، وسلامة الطلاب، والمعلمين، ويخلق بيئة غير لائقة للتعليم».

وأضاف زين الدين أن «الواقع يكشف عجزاً واضحاً في أعمال الصيانة الدورية، والطارئة، رغم المخصصات المالية المقررة لهيئة الأبنية التعليمية، وغياب الخطة الواضحة للمراجعة الشاملة لحالة المدارس قبل انطلاق كل عام دراسي»، مطالباً بوضع «خطة عاجلة ومتوسطة المدى لرفع كفاءة المدارس الأكثر تضرراً في جميع المحافظات، وتوفير قاعدة بيانات محدثة بحالة كل مدرسة، واحتياجاتها».

وبلغت المخصصات المالية للتعليم في الموازنة العامة للدولة عن العام المالي 2027 - 2026 نحو 442.344 مليار جنيه (الدولار نحو 51 جنيهاً) مقابل 352.410 مليار جنيه في العام المالي الماضي.

التساؤل نفسه حول أعمال الصيانة وجهته عضوة مجلس النواب (البرلمان) عن محافظة القليوبية، أميرة العادلي، قائلة: «إن جزءاً من مناقشة الموازنة العامة للدولة يكون عن المخصصات التي تحتاجها الوزارات المختلفة، والأجهزة المحلية، وذلك ما يجعلني أتساءل عن الاحتياجات الفعلية للمدارس فيما يتعلق بالنظافة، وغيرها، وهل تم رفعها أم لا»، مضيفة: «ليس من دور الجولات الميدانية وضع كاميرات، وتعنيف المسؤولين، وإنما إيجاد حلول للمشكلات الموجودة، ومعرفة الطلبات، مثل طلبات الأستاذة صالحة، ولماذا لم تُنفذ؟».

وكان الأمين العام لنقابة المهن التعليمية محمد عبد الله قال في تصريحات متلفزة مساء الثلاثاء إن عدداً من مديري المدارس لم يتلقوا المبالغ المخصصة لتجهيز مدارسهم قبل بدء العام الدراسي، ما يدفع بعضهم إلى الإنفاق من أموالهم الخاصة لتجنب اتهامهم بالتقصير.

واستدعى عدد من النشطاء والمتفاعلين عبر السوشيال ميديا أوضاعاً شبيهة، فكتب الصحافي والكاتب سامح فايز عن مديرة مدرسة في كرداسة تولت طلاء سور المدرسة على نفقتها، وجعلتها تبدو كالمدارس الخاصة، مشيداً بتفانيها في عملها. وروى آخر عن مدرسته قديماً في إحدى القرى، والتي كانت عبارة عن غرفة دون حتى فناء أو سور، وكيف كان الطابور المدرسي ينظم في الشارع.

دورة مياه في إحدى المدارس الحكومية (محافظة القليوبية)

وأكد عضو مجلس النواب عن حزب «العدل» في محافظة أسيوط (جنوب)، النائب حسام حسن الخشت، أن حال المدارس في كثير من قرى أسيوط على نفس الحالة التي ظهرت بها مدارس القليوبية، عدا القرى الأكثر حظاً التي دخلتها المبادرة الرئاسية «حياة كريمة»، فدشنت مدارس جديدة، وطورت مدارس قائمة.

وأضاف الخشت لـ«الشرق الأوسط» أن أزمة المدارس عميقة في مصر، خصوصاً في القرى، سواء فيما يتعلق بالبنية التحتية، أو الحاجة الديموغرافية وفق الطبيعة السكانية، لحل أزمة الكثافة الطلابية.

وزير التعليم المصري محمد عبد اللطيف يكرم مديري المدرستين اللذين تعرضا للتوبيخ من محافظ القليوبية (وزارة التعليم المصرية)

أما الخبير التربوي وائل كامل، فيؤكد أن «الحديث عن تطوير التعليم لا يمكن أن يحدث بتغيير المناهج دون مراعاة الجوانب الأخرى في العملية التعليمية، سواء المعلم، أو المدرسة، ومراعاة آدمية الطلاب»، لافتاً إلى أن «المدارس المتهالكة موجودة في غالبية قرى مصر، والمناطق الشعبية، وبعضها بوضع أسوأ من مدارس القليوبية»، متمنياً أن تُحدث التطورات الأخيرة تحريكاً في مياه هذا الملف الراكد، والذي يساهم في تدهوره تشتته بين الوزارة (وزارة التربية والتعليم) والمحليات.

وبعد ساعات من التدوين، والتساؤلات، تحركت وزارة التربية والتعليم لرد كرامة معلميها، حيث كرم الوزير، اليوم الأربعاء، كلاً من مدير المدرسة المستبعد من المحافظ نادر علي، وصالحة أبو الفضل، لكن دون أن تقدم الوزارة إجابات عن الأسئلة الأخرى المثارة عن «المدارس المتهالكة»، والتي تستعد لاستقبال الطلاب خلال أيام.


لقاء قيادات من شرق ليبيا وغربها لتعزيز مسار توحيد الجيش

قادة عسكريون من شرق ليبيا وغربها خلال لقاء في سرت الليبية الأربعاء (وكالة الأنباء الليبية)
قادة عسكريون من شرق ليبيا وغربها خلال لقاء في سرت الليبية الأربعاء (وكالة الأنباء الليبية)
TT

لقاء قيادات من شرق ليبيا وغربها لتعزيز مسار توحيد الجيش

قادة عسكريون من شرق ليبيا وغربها خلال لقاء في سرت الليبية الأربعاء (وكالة الأنباء الليبية)
قادة عسكريون من شرق ليبيا وغربها خلال لقاء في سرت الليبية الأربعاء (وكالة الأنباء الليبية)

تتحرك المؤسسة العسكرية الليبية بخطوات متدرجة نحو اختبار إمكانات التقارب بين شرق البلاد وغربها، حيث احتضنت مدينة سرت، الأربعاء، اجتماعاً مشتركاً لرؤساء الأركان النوعية من الجانبين لبحث برامج التدريب والمناورات والتنسيق العملياتي، في أحدث حلقة من اتصالات عسكرية تسعى إلى بناء أرضية مشتركة بين مؤسستين، ظلتا طوال سنوات الانقسام تعملان خارج إطار قيادة موحدة.

وبحث الاجتماع، وفقاً لما أوردته «وكالة الأنباء الليبية» (وال)، «البرامج التي جرى الاتفاق عليها بين رئاستي الأركان، والمتعلقة بالتدريب والتمارين وتنظيم المناورات المشتركة؛ بهدف رفع الكفاءة القتالية وتنسيق الجهود الأمنية»، إلى جانب «التعاون الفني واللوجيستي في المجالات المرتبطة بالعمليات».

ويأتي اجتماع رؤساء الأركان النوعية بعد لقاء جمع في يوليو (تموز) الماضي الفريق خالد حفتر، رئيس أركان «الجيش الوطني» الليبي، والفريق صلاح النمروش، رئيس أركان القوات التابعة لحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، في أول اجتماع من نوعه بينهما بمدينة سرت.

ويرى فيصل أبو الرايقة، المحلل المتخصص في شؤون الأمن القومي الليبي، أن اجتماع سرت «يفتح باب التوحيد من داخل غرف العمليات»، عبر توحيد التدريب وإجراءات القيادة، والسيطرة ومنظومات الإمداد وقواعد التنسيق الميداني.

عربة عسكرية قرب مدينة القطرون في جنوب ليبيا (رئاسة الأركان بالجيش الوطني)

ويسلط أبو الرايقة في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، الضوء على أن اجتماعات الأركان النوعية «تضع ضباط التخصص الواحد أمام مهام مشتركة ومعايير واحدة»، مضيفاً أن نجاح هذا المسار «سيظهر في تشكيل لجان دائمة، ووضع برنامج زمني، وتنفيذ تمارين عسكرية مشتركة، تقود تدريجياً نحو مؤسسة عسكرية وطنية موحدة».

وتأتي هذه اللقاءات في سياق اتصالات عسكرية متواصلة بين طرفي الانقسام، بدعم من القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) والبعثة الأممية، اللتين تدعمان مساعي رفع مستوى التنسيق بين القوات في شرق ليبيا وغربها، وصولاً إلى مؤسسة عسكرية أكثر توحيداً ومهنية.

كما تندرج هذه التحركات أيضاً ضمن انخراط أميركي أوسع في الملف الليبي، لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يشمل الدفع نحو توحيد المؤسسات الأمنية والاقتصادية، في إطار تحرك سياسي يرعاه مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب؛ بهدف تهيئة ظروف أكثر ملاءمة لتسوية الانقسام.

وكان «الجيش الوطني» وقوات في غرب ليبيا قد خاضا حرباً استمرت نحو 13 شهراً، وانتهت عند الأطراف الجنوبية للعاصمة طرابلس، قبل أن تتراجع قوات الشرق إلى محور سرت - الجفرة في منتصف عام 2020.

وتكتسب سرت أهمية خاصة في هذا المسار؛ إذ تقع على بعد نحو 450 كيلومتراً من طرابلس، وفي موقع يتوسط تقريباً المسافة بينها وبين بنغازي، كما تستضيف مقر اللجنة العسكرية المشتركة «5+5»، التي تشكلت في إطار المساعي الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار، وتوحيد الترتيبات العسكرية.

وكانت المدينة قد شهدت في 14 أبريل (نيسان) الماضي، لقاءً بين الفريق صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد السلام الزوبي، نائب وزير الدفاع في غرب ليبيا، على هامش تمرين «فلينتلوك 2026». وعُدّ اللقاء آنذاك خطوة لافتة في الاتصالات المباشرة بين قيادات عسكرية من الطرفين، وأثار آمالاً بإمكان البناء عليه في اتجاه توحيد المؤسسة العسكرية.

ورغم أهمية هذه اللقاءات في بناء الثقة وفتح قنوات اتصال مباشرة بين القيادات العسكرية في شرق ليبيا وغربها، يرى خبراء أن الطريق أمام توحيد المؤسسة العسكرية لا يزال يواجه ملفات شائكة، وفي مقدمتها وضع المجموعات المسلحة والميليشيات، ومستقبل القوات الأجنبية والمرتزقة الموجودين في البلاد.

وفي تطور عسكري موازٍ، جاءت جولة تفقدية أجراها الفريق أول خالد حفتر، مساء الثلاثاء، في المناطق الحدودية الجنوبية، انطلقت من منطقة القطرون لتسلط الضوء على تحركات القيادة العسكرية لاحتواء التوترات الأمنية، التي شهدتها المدينة خلال الأيام الماضية.

وكانت القطرون قد شهدت، الخميس الماضي، مناوشات وحالة من الكرّ والفر بين مواطنين وعناصر من «الكتيبة 87»، تخللها إطلاق نار عشوائي، في حين ظهر عدد من أبناء قبيلة «التبو» وهم يحملون السلاح.

خالد حفتر رئيس أركان الجيش الوطني خلال زيارة القطرون الثلاثاء (الجيش الوطني)

وأسفرت المواجهات عن مقتل المواطن حسين سيدي مطر، البالغ 16 عاماً، إثر تعرضه لإطلاق نار أثناء وجوده في محطة وقود بالمدينة.

وقالت رئاسة أركان «الجيش الوطني» إن زيارة خالد حفتر جاءت «للاطلاع على الأوضاع الأمنية، والوقوف على آخر الاستعدادات ومستوى الجاهزية لدى وحدات القوات المسلحة». بينما اكتفى حفتر، وفق البيان، بالإشادة بـ«الدور الوطني الكبير لقبائل المنطقة الجنوبية»، وما تقدمه من «دعم ومساندة للقوات المسلحة في أداء مهامها».

ويرى مراقبون أن جولة خالد حفتر في القطرون لا تنفصل عن مساعي القيادة العسكرية لاحتواء التوتر، الذي شهدته المدينة أخيراً، وتهدئة الأوضاع الأمنية، خصوصاً في ظل حساسية المنطقة الحدودية، وتداخل الاعتبارات الأمنية والاجتماعية فيها.

وسبق أن زار الفريق صدام حفتر مدينة القطرون، حيث التقى مشايخها وأعيانها، ضمن جولة شملت عدداً من مدن الجنوب؛ بهدف الوقوف على الأوضاع الأمنية واحتياجات السكان المعيشية.