لماذا صعّدت فرنسا لهجتها ضد إسرائيل؟

بارو: غزة تحوّلت إلى مقبرة... وسنعترف بدولة فلسطينية

رئيس الجمهورية الفرنسية إيمانويل ماكرون خلال مشاركته الاثنين في منتدى «اختر فرنسا» لجذب الاستثمارات الأجنبية في بلاده (إ.ب.أ)
رئيس الجمهورية الفرنسية إيمانويل ماكرون خلال مشاركته الاثنين في منتدى «اختر فرنسا» لجذب الاستثمارات الأجنبية في بلاده (إ.ب.أ)
TT

لماذا صعّدت فرنسا لهجتها ضد إسرائيل؟

رئيس الجمهورية الفرنسية إيمانويل ماكرون خلال مشاركته الاثنين في منتدى «اختر فرنسا» لجذب الاستثمارات الأجنبية في بلاده (إ.ب.أ)
رئيس الجمهورية الفرنسية إيمانويل ماكرون خلال مشاركته الاثنين في منتدى «اختر فرنسا» لجذب الاستثمارات الأجنبية في بلاده (إ.ب.أ)

أخيراً، حزمت فرنسا أمرها، وقررت التخلي عن اللغة الدبلوماسية إزاء ما ترتكبه إسرائيل يومياً من انتهاكات للقوانين الإنسانية في غزة، إنْ من خلال عمليات القصف المتواصلة التي تقتل العشرات من المدنيين، غالبيتهم من النساء والأطفال، أو تجويع 2.1 مليون شخص، فضلاً عن استمرار العمليات العسكرية واسعة النطاق، وتقطيع أوصال القطاع والسعي للسيطرة عليه واحتلاله بكليته.

وما يثير حنق باريس ومعها العديد من الدول الأوروبية أن حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تصم آذانها عن كل الدعوات التي تحضها على وضع حد لهذه الحرب المدمرة والسماح بإيصال المساعدات الإنسانية لسكان غزة بعد أن منعت دخول أي شاحنة، مهما كانت حاملة، منذ الثاني من مارس (آذار) الماضي، فيما المنظمات الدولية تنبه للمجاعة المستشرية بين السكان ولاستحالة الوصول إلى المستشفيات التي لا تتردد القوات الإسرائيلية عن استهدافها مباشرة.

الاعتراف بالدولة الفلسطينية في يونيو

وإذا كانت باريس قد قررت خلع القفازات الدبلوماسية، فلأن الرأي العام الفرنسي، بما فيه مكسوب الولاء لإسرائيل، لم يعد يتقبل الممارسات الإسرائيلية، لا بل إن أوساط الجالية اليهودية نفسها أخذت تنتقد إسرائيل بعد أن التزمت التضامن معها والصمت عما ترتكبه منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

متظاهرون يلوّحون بالعلم الإسرائيلي خلال مسيرة لدعم إسرائيل في مرسيليا بجنوب فرنسا في 9 أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)

وظهرت في الآونة الأخيرة دعوات في الصحافة الفرنسية لمفكرين وأدباء وفنانين من كل التوجهات لرفض السكوت عما يجري. كذلك، برزت مخاوف من أن تجد فرنسا ودول أوروبية أخرى أمام المحكمة الجنائية الدولية بسبب ما يمكن اعتباره «تواطؤاً في ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية»، علماً بأن العديد من الدول الأوروبية ما زالت تصدر الأسلحة والذخائر لإسرائيل.

بناءً على ما سبق، ووفق ما تقوله مصادر سياسية في باريس، فإن الحكومة الفرنسية قررت تغيير لغتها واللجوء إلى التنبيه والتحذير والتهديد.

وبعد أن كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أكد سابقاً أن بلاده يمكن أن تعترف بالدولة الفلسطينية بمناسبة المؤتمر الذي ستشارك في رئاسته مع المملكة السعودية في الأمم المتحدة ما بين 17 و20 يونيو (حزيران) ستترأسه لغرض إحياء الحل السلمي للصراع الإسرائيلي - الفلسطيني على أساس حل الدولتين، فإن وزير الخارجية جان نويل بارو جزم، صباح الثلاثاء، في حديث لإذاعة «فرانس أنتير»، أن بلاده عازمة، بشكل نهائي، على الاعتراف بدولة فلسطين.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال لقائهما في 24 أكتوبر 2023 في رام الله بالضفة الغربية (أ.ب)

وقال بارو ما حرفيته: «لا يمكننا أن نترك لأطفال غزة إرثاً من العنف والكراهية. لذلك، يجب أن يتوقف كل هذا، ولهذا السبب نحن عازمون على الاعتراف بدولة فلسطين»، مضيفاً: «أنا أعمل على هذا (الأمر) بفاعلية لأننا نريد المساهمة في التوصل إلى حل سياسي يصب في مصلحة الفلسطينيين ولكن أيضاً في صالح أمن إسرائيل».

وكانت باريس تقول دوماً إن الاعتراف المذكور «لا يعد مشكلة بالنسبة إليها لكنها تريد اختيار الوقت المناسب». والحال أن تخوفها وتخوف الكثيرين أنه في حال استمرت الأمور على هذا المنوال، إن في غزة أو في الضفة الغربية، فلن تكون هناك دولة للاعتراف بها، خصوصاً في ظل اقتناع صريح بأن إسرائيل عازمة على ضم الضفة الغربية والسيطرة مجدداً على غزة.

فرنسا وبريطانيا وكندا: لن نقف مكتوفي الأيدي

تريد باريس أيضاً أن تلعب بادرتها دور «القاطرة» التي يمكن أن تجر دولاً أخرى، أوروبية أو غير أوروبية، للاحتذاء بها لجهة الاعتراف المشار إليه، ويبدو أنها نجحت في استقطاب بريطانيا وكندا غير المعروفتين أساساً بتأييدهما للفلسطينيين.

وبرز في البيان الثلاثي الذي صدر مساء الاثنين عن قادة الدول الثلاث (فرنسا وبريطانيا وكندا)، حيث ورد في فقرته الأخيرة ما يلي: «نواصل العمل مع السلطة الفلسطينية والشركاء الإقليميين وإسرائيل والولايات المتحدة من أجل التوصل إلى توافق بشأن الترتيبات المستقبلية لقطاع غزة، استناداً إلى الخطة العربية. ونؤكد على الدور المهم الذي سيلعبه المؤتمر رفيع المستوى حول حل الدولتين، الذي سيُعقد في الأمم المتحدة في شهر يونيو، من أجل التوصل إلى توافق دولي حول هذا الهدف. نحن عازمون على الاعتراف بدولة فلسطينية كإسهام في تحقيق حل الدولتين، ونحن مستعدون للعمل مع الآخرين لتحقيق هذه الغاية».

تهديد مباشر

لم تكتف الدول الثلاث بما سبق بل عمدت للمرة الأولى إلى توجيه تهديد مباشر للحكومة الإسرائيلية لدفعها لوضع حد لعملياتها العسكرية.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)

وجاء في بيانها: «لن نقف مكتوفي الأيدي بينما تواصل حكومة نتنياهو هذه الأفعال الفاضحة. إذا لم تنه إسرائيل هجومها العسكري الجديد، ولم ترفع قيودها عن المساعدات الإنسانية، فسنتخذ إجراءات ملموسة إضافية رداً على ذلك».

وأضاف البيان أن «رفض الحكومة الإسرائيلية تقديم المساعدات الإنسانية الأساسية للسكان المدنيين أمر غير مقبول، ويُنذر بانتهاك القانون الدولي الإنساني. ونحن ندين اللغة البغيضة التي استخدمها مؤخراً بعض أعضاء الحكومة الإسرائيلية، وكذلك التهديد المتكرر بالترحيل القسري للمدنيين الذين يواجهون دماراً يائساً في غزة. إن الترحيل القسري الدائم يُعدّ انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني». وباختصار، فإن الثلاثة حرروا مضبطة اتهامات بحق إسرائيل.

ورغم ما يمثله ذلك من تقدم، فإنهم في دعوتهم إسرائيل لوقف حربها على غزة، دعوا في بيانهم «لوقف العمليات العسكرية في غزة، والسماح فوراً بدخول المساعدات العسكرية». ولذا، طرح علامة استفهام حول امتناعهم عن استخدام كلمة «فوراً» بخصوص وقف العمليات العسكرية.

فرض عزلة اقتصادية على إسرائيل

في سياق ذي صلة، قال وزير الخارجية الفرنسي إن بلاده «تدعم مراجعة اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل لمعرفة ما إذا كانت إسرائيل تحترم التزاماتها تجاه حقوق الإنسان»، مضيفاً أن «هذا الوضع (في غزة) لا يمكن أن يستمر لأن العنف الأعمى الذي تمارسه الحكومة الإسرائيلية ومنع المساعدات الإنسانية حوّلا غزة إلى مكان للموت إن لم نقل مقبرة».

وهنا أيضاً يطرح سؤال في غاية البساطة: ألم تجد باريس وغيرها من العواصم الغربية ما يثبت لها أن إسرائيل لا تحترم التزاماتها تجاه حقوق الإنسان بعد عشرات آلاف القتلى الذي سقطوا بفعل القصف الإسرائيلي العشوائي وما يزيد على الضعفين من الجرحى؟ وكم من الوقت ستحتاج إليه مفوضية الاتحاد الأوروبي لتتحقق من انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان، علماً بأن مفوضة الشؤون الخارجية في الاتحاد كايا كالاس ركزت حديثها إلى الصحافة على السلة السابعة عشرة من العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا متناسية ما يجري في غزة.

سيدتان تسيران بجوار أنقاض المنازل في مدينة غزة (رويترز)

يبقى أن صوتاً بالغ القوة لا يتردد في اتهام الحكومة الفرنسية بالتقاعس في التحرك إزاء ما يجري في غزة، وقال دومينيك دو فيلبان، رئيس الحكومة ووزير الخارجية الأسبق، الثلاثاء، متوجهاً إلى ماكرون: «أي مصداقية سنتمتع بها في الملف الأوكراني إذا لم يكن بمقدورنا سوى توقيع بيانات؟ يمكنني أن أقول لكم إن (الرئيس الفرنسي الأسبق) جاك شيراك لم يكن ليكتفي اليوم بتوقيع بيان مع كندا والمملكة المتحدة».

وطالب دو فيلبان المنتمي إلى اليمين التقليدي الديغولي بفرض «عزلة اقتصادية واستراتيجية» على إسرائيل لوضع حد لما تقوم به من «تطهير عرقي في قطاع غزة». كذلك دعا الأوروبيين إلى القيام بثلاث خطوات: «تعليق اتفاقية الشراكة الأوروبية مع إسرائيل، حظر الأسلحة من كل الدول الأوروبية، وإحالة كل الحكومة الإسرائيلية والسلطات العسكرية الإسرائيلية الرئيسية أمام المحكمة الجنائية الدولية... من خلال الكتابة إليها بشكل جماعي».


مقالات ذات صلة

الخلافات الفرنسية - الألمانية تُعطّل «مُحرّك» الاتحاد الأوروبي

تحليل إخباري المستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس فرنسا إيمانويل ماكرون في قلعة ألدن بيزن خلال اجتماع غير رسمي لقادة الاتحاد الأوروبي (رويترز)

الخلافات الفرنسية - الألمانية تُعطّل «مُحرّك» الاتحاد الأوروبي

تأخذ برلين على باريس سياستها الاقتصادية التي تعتبرها «كارثية»، وعنوانها نسبة المديونية الفرنسية قياساً بالناتج الداخلي الخام.

ميشال أبونجم (باريس)
تحليل إخباري مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

تحليل إخباري أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات...

أنطوان الحاج
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أرشيفية - أ.ب)

سجال بين ماكرون وميلوني على خلفية مقتل ناشط يميني في فرنسا

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الخميس رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى الكف عن «التعليق على ما يحدث عند الآخرين».

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
آسيا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في مومباي (إ.ب.أ)

ماكرون ومودي يؤكدان رفض «الخضوع لأي شكل من أشكال الهيمنة»

أشاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم (الثلاثاء)، بـ«التطور الملحوظ» في العلاقات بين فرنسا والهند.

«الشرق الأوسط» (بومباي )
آسيا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أرشيفية - أ.ب)

ماكرون يبدأ زيارة للهند تركز على الذكاء الاصطناعي وبيع مقاتلات

بدأ الرئيس الفرنسي زيارة رسمية للهند تستمر 3 أيام تركز على التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، والسعي لإتمام صفقة لبيع نيودلهي مقاتلات إضافية من طراز «رافال».

«الشرق الأوسط» (بومباي)

4 قتلى في تحطم مروحية عسكرية بوسط إيران

الطيار ومساعده قتلا في الحادث (أرشيفية - رويترز)
الطيار ومساعده قتلا في الحادث (أرشيفية - رويترز)
TT

4 قتلى في تحطم مروحية عسكرية بوسط إيران

الطيار ومساعده قتلا في الحادث (أرشيفية - رويترز)
الطيار ومساعده قتلا في الحادث (أرشيفية - رويترز)

تحطمت مروحية تابعة لسلاح الجو الإيراني، اليوم (الثلاثاء)، في محافظة أصفهان وسط البلاد، ما أسفر عن مقتل أربعة أشخاص، وفق ما أفادت وسائل حكومية.

وقال التلفزيون الرسمي في وقت سابق: «للأسف، قتل الطيار ومساعده في الحادث»، من دون تحديد سبب التحطم.


طهران تحذّر واشنطن من الهجوم وسط حراك دبلوماسي

حاملة الطائرات جيرالد فورد تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت أمس (رويترز)
حاملة الطائرات جيرالد فورد تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت أمس (رويترز)
TT

طهران تحذّر واشنطن من الهجوم وسط حراك دبلوماسي

حاملة الطائرات جيرالد فورد تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت أمس (رويترز)
حاملة الطائرات جيرالد فورد تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت أمس (رويترز)

حذرت إيران الولايات المتحدة من أن أي هجوم، حتى لو وُصف بأنه «محدود»، سيُعد عملاً عدوانياً كاملاً، وسيُواجَه برد «حاسم وشديد»، وذلك عشية الجولة الثالثة من المفاوضات غير المباشرة في جنيف.

وقال نائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي، إن تداعيات أي عدوان «لن تقتصر على بلد واحد»، داعياً إلى منع التصعيد، في حين نفت طهران مجدداً وجود «اتفاق مؤقت»، وأكدت تمسكها برفع العقوبات كشرط لأي تفاهم.

ويسود الترقب بشأن احتمال رد إيراني من خلال القنوات الدبلوماسية، مع تقارير عن زيارة مرتقبة لعلي لاريجاني إلى مسقط لنقل موقف طهران عبر الوساطة العُمانية، في مسار موازٍ للمفاوضات التي يقودها وزير الخارجية عباس عراقجي.

في المقابل، يدرس الرئيس الأميركي دونالد ترمب «ضربة محددة الأهداف» لإجبار إيران على تقديم تنازلات ملموسة، مع إبقاء خيار تصعيد أوسع قائماً إذا رفضت الامتثال. وتحدثت تقارير أميركية عن تفضيله «صفعة تحذيرية» تستهدف مواقع نووية أو صاروخية لتفادي حرب مفتوحة. وتؤكد دوائر في البيت الأبيض أن أي تحرك عسكري سيُحتسب بعناية في ضوء التكلفة السياسية والاقتصادية داخلياً، لا سيما مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.

وعززت واشنطن حشدها العسكري في المنطقة، مع وصول حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد فورد» إلى كريت اليونانية.

وفي تل أبيب، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن إسرائيل تواجه «أياماً معقدة»، محذراً من رد «لا يمكن تخيله» إذا تعرضت لهجوم.


ماذا يريد ترمب من إيران؟

حاملة الطائرات «جيرالد فورد» تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت الاثنين (إ.ب.أ)
حاملة الطائرات «جيرالد فورد» تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت الاثنين (إ.ب.أ)
TT

ماذا يريد ترمب من إيران؟

حاملة الطائرات «جيرالد فورد» تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت الاثنين (إ.ب.أ)
حاملة الطائرات «جيرالد فورد» تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت الاثنين (إ.ب.أ)

لا توفر تهديدات الرئيس دونالد ترمب بمهاجمة إيران تفاصيل كثيرة بشأن الهدف الأميركي الاستراتيجي في حال نشوب نزاع، سواء كان قصير الأمد أو ممتداً.

وقد أرسل ترمب سفناً حربية وعشرات الطائرات المقاتلة إلى الشرق الأوسط، ولديه عدة خيارات يمكن أن تزعزع استقرار المنطقة. فهل سيأمر بضربات جراحية تستهدف «الحرس الثوري» الإيراني، العمود الفقري للنظام الحاكم، أو سيحاول القضاء على برنامج الصواريخ الإيراني، أو قد يسعى إلى فرض تغيير النظام في طهران؟ وقد هددت إيران برد انتقامي شديد إذا تعرضت لهجوم.

و​قال مسؤول أميركي كبير الاثنين إن ستيف ‌ويتكوف ‌مبعوث ​البيت ‌الأبيض، ⁠وجاريد ​كوشنر صهر الرئيس ⁠الأميركي، سيلتقيان بوفد إيراني ⁠الخميس ‌في ‌جنيف.

ووصلت حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جيرالد فورد»، الأكبر في الأسطول البحري الأميركي، إلى جزيرة كريت اليونانية في البحر الأبيض المتوسط.

حاملة الطائرات «جيرالد فورد» تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت الاثنين (رويترز)

وبحسب مصادر عسكرية، ترسو الحاملة في خليج سودا للتزود بالإمدادات من القاعدة العسكرية الأميركية هناك. ويمكن لحاملة الطائرات الوصول إلى منطقة الشرق الأوسط خلال يوم واحد.

وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية برصد طائرات نقل وتزويد بالوقود عسكرية أميركية في مطار بن غوريون الدولي قرب تل أبيب.

ما هي الخيارات؟

قال ترمب الخميس إنه سيقرر خلال عشرة إلى خمسة عشر يوماً ما إذا كان سيأمر بشن ضربات على إيران في حال عدم التوصل إلى اتفاق نووي. وأفاد موقع «أكسيوس» الإخباري بأن الرئيس عُرضت عليه مجموعة من الخيارات العسكرية، من بينها هجوم مباشر على المرشد علي خامنئي.

وأكد ترمب مراراً أنه يفضل المسار الدبلوماسي المؤدي إلى اتفاق يعالج ليس فقط البرنامج النووي الإيراني، بل أيضاً قدراتها الصاروخية الباليستية ودعمها لجماعات مسلحة مثل «حزب الله» و«حماس». غير أن إيران رفضت تقديم مثل هذه التنازلات.

وعقدت الولايات المتحدة وإيران جولتين من المحادثات غير المباشرة في سلطنة عُمان وسويسرا، من دون تقريب وجهات النظر، على أن تُستأنف المحادثات الخميس في سويسرا.

وقال مبعوث ترمب، ستيف ويتكوف، إن الرئيس «مندهش»؛ لأن إيران لم «تستسلم» رغم الحشد العسكري الأميركي الكبير.

ورأى أليكس فاتانكا، المحلل في «معهد الشرق الأوسط» في واشنطن، أن إدارة ترمب «ترجح على الأرجح نزاعاً محدوداً يعيد تشكيل ميزان القوى من دون الوقوع في مستنقع». وأضاف أن إيران تتوقع «حملة عسكرية قصيرة وعالية التأثير تشل بنيتها الصاروخية، وتقوض قدرتها الردعية، وتعيد ضبط ميزان القوى بعد حرب الأيام الاثني عشر مع إسرائيل في يونيو (حزيران) 2025»، حسبما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ما هو المبرر؟

أصرّ ترمب على أن القوات الأميركية دمّرت البرنامج النووي الإيراني في هجمات استهدفت منشآت تخصيب اليورانيوم.

وتغيرت المعادلة مع اندلاع حركة الاحتجاج في يناير (كانون الثاني) داخل إيران، والتي قمعتها قوات الأمن بخسائر بشرية كبيرة. وهدد ترمب مراراً بالتدخل لـ«مساعدة» الشعب الإيراني، لكنه لم يُقدم على ذلك.

صورة ملتقطة بواسطة القمر الاصطناعي «بلانت لبس» تظهر مقاتلات في قاعدة موفق السلطي الجوية بالأردن (أ.ب)

ويفاخر ترمب بأنه جلب السلام إلى الشرق الأوسط، مستشهداً بوقف إطلاق النار الذي توسط فيه في غزة بين «حماس» وإسرائيل، رغم تعرضه لانتهاكات متكررة. كما يرى أن تغيير النظام في إيران سيعزز ما يسميه مساراً نحو السلام في المنطقة. لكن الديمقراطيين المعارضين يخشون أن يقود ترمب الولايات المتحدة إلى فوضى عنيفة، ويطالبونه بالتشاور مع الكونغرس؛ الجهة الوحيدة المخولة إعلان الحرب.

القوة النارية الأميركية في المنطقة

يمتلك الجيش الأميركي حالياً ثلاث عشرة سفينة حربية متمركزة في الشرق الأوسط: حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» التي وصلت أواخر الشهر الماضي، وتسع مدمرات وثلاث فرقاطات.

وهناك مزيد من السفن في الطريق. وقد جرى تصوير أكبر سفينة حربية في العالم؛ حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد فورد»، وهي تعبر مضيق جبل طارق لدخول البحر الأبيض المتوسط يوم الجمعة.

وبالإضافة إلى الطائرات المنتشرة على متن حاملات الطائرات، أرسلت الولايات المتحدة عشرات الطائرات الحربية إلى المنطقة، في حين ينتشر عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين في أنحاء الشرق الأوسط، ما يجعلهم أهدافاً محتملة لأي هجوم إيراني.

إلى أي غاية؟

قال ريتشارد هاس، الرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية، إنه من غير الواضح ما تأثير أي نزاع، مهما كانت مدته أو حجمه، على الحكومة الإيرانية. وكتب أن النزاع «قد يعززها بقدر ما قد يضعفها، ومن المستحيل معرفة ما الذي سيخلف هذا النظام إذا سقط».

وقال وزير الخارجية ماركو روبيو خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ أواخر الشهر الماضي، إنه لا أحد يعرف حقاً ما الذي سيحدث إذا سقط المرشد الأعلى، «باستثناء الأمل أن يكون هناك داخل النظام من يمكن العمل معه نحو انتقال مماثل».

صورة ملتقطة بواسطة القمر الاصطناعي «بلانت لبس» تظهر مقاتلات في قاعدة موفق السلطي الجوية بالأردن (أ.ب)

وحذرت دول المنطقة التي تربطها علاقات وثيقة بإيران، ترمب من التدخل، خشية أن تصبح هدفاً لهجمات انتقامية، ولقلقها من أي زعزعة للاستقرار في المنطقة.

وقالت مونا يعقوبيان، من «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، إن إيران أكثر تعقيداً بكثير من فنزويلا التي هاجمتها الولايات المتحدة في الثالث من يناير أثناء اعتقال زعيمها نيكولاس مادورو، مضيفة أن لإيران مراكز قوى أكثر تشتتاً، وأن «ضربة لقطع الرأس» قد تؤدي إلى «إطلاق فوضى حقيقية داخل إيران».