«لقاحات الحمض النووي»: تطويرات باهرة أم أسلحة دمار شامل؟

5 أسئلة حول لقاحات «آر إن إيه المرسال»

«لقاحات الحمض النووي»: تطويرات باهرة أم أسلحة دمار شامل؟
TT

«لقاحات الحمض النووي»: تطويرات باهرة أم أسلحة دمار شامل؟

«لقاحات الحمض النووي»: تطويرات باهرة أم أسلحة دمار شامل؟

شكك وزير الصحة (الأميركي) روبرت إف كيندي الابن مراراً وتكراراً في سلامة لقاحات «آر إن إيه المرسال mRNA (الحمض النووي الريبي المرسال)، التي طورت ضد «كوفيد - 19». كما وجه النصيحة للعلماء الذين يحصلون على تمويل من المعاهد الوطنية للصحة بحذف أي إشارة إلى «آر إن إيه المرسال» من منحهم، كما كتبت نينا أغراوال(*).

أسلحة دمار شامل

وفي جميع أنحاء البلاد، تدرس الهيئات التشريعية للولايات مشاريع قوانين لحظر أو تقييد هذه اللقاحات، ووصفتها إحدى هذه الهيئات بأنها «أسلحة دمار شامل».

وقد حظي الحمض النووي الريبوزي المرسال باهتمام واسع النطاق في السنوات الأخيرة، رغم اكتشافه لأول مرة عام 1961. ويدرسه العلماء منذ ذلك الحين، ويستكشفون إمكاناته الواعدة في الوقاية من الأمراض المعدية، وعلاج السرطان، والأمراض النادرة.

حمض نووي مساعد لإنتاج البروتينات

* ما الحمض النووي الريبوزي المرسال؟

- يُستخدم هذا الحمض، وهو جزيء كبير موجود في جميع خلايانا، في صنع جميع البروتينات التي يوجّه الحمض النووي المنقوص الأكسجين (دي إن إيه) DNA أجسامنا لبنائها. وهو يقوم بذلك عن طريق نقل المعلومات من الحمض النووي «دي إن إيه» في النواة إلى الآليات المنتجة للبروتين الموجودة في الخلية.

ويقول جيف كولر، أستاذ بيولوجيا الحمض النووي الريبوزي (RNA) والعلاجات في جامعة جونز هوبكنز والمؤسس المشارك لشركة متخصصة في علاجات الحمض النووي الريبوزي، إنه يمكن استخدام جزيء واحد من الحمض النووي الريبوزي المرسال لإنتاج نسخ عديدة من البروتين، ولكنه مُبرمج بشكل طبيعي ليموت في النهاية.

عمل لقاحات الحمض النووي

*كيف تعمل لقاحات الحمض النووي الريبوزي المرسال؟

-تتوفر حالياً ثلاثة لقاحات معتمدة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية تستخدم الحمض النووي الريبوزي المرسال: لقاحان لكوفيد – 19، ولقاح واحد لفيروس الجهاز التنفسي المخلوي (RSV) لدى كبار السن. وتتكون هذه اللقاحات من خيوط من الحمض النووي الريبوزي المرسال، التي يمكن تشفيرها للتوجه ضد بروتينات فيروسية محددة.

الخلايا الدهنية بأنواعها التي تحمل الحمض النووي الريبوزي المرسال في داخل اللقاحات

لنفترض أنك تلقيت لقاح كوفيد - 19، وفي هذه الحالة فإن خيوط الحمض النووي الريبوزي، المُغلفة في جزيئات دهنية صغيرة، تدخل إلى خلايا العضلات والجهاز المناعي لجسمك، كما يقول روبرت ألكسندر ويسيلهوفت، مدير علاجات الحمض النووي الريبوزي المرسال في معهد العلاج الجيني والخلوي في مستشفى ماساتشوستس العام بريغهام.

وفي داخل الجسم تتلقى مصانع إنتاج البروتين في الخلايا بعد ذلك تعليمات من هذا الحمض النووي الريبوزي المرسال لكي تُنتج بروتيناً مشابهاً للبروتين الموجود على سطح فيروس كوفيد - 19. وعندما يتعرف الجسم على هذا البروتين على أنه غريب، فإنه سيطلق استجابة (ردة فعل) مناعية.

وقال جيف كولر إن معظم الحمض النووي الريبوزي المرسال سيختفي من الجسم في غضون أيام قليلة، لكن الجسم يحتفظ بـ«ذاكرة» له على شكل أجسام مضادة. وكما هو الحال مع أنواع أخرى من اللقاحات، تتضاءل المناعة بمرور الوقت، وكذلك مع تطوير الفيروس لسلالات جديدة.

تصنيع أسرع للقاحات

* لماذا تُستخدم لقاحات الحمض النووي الريبوزي المرسال حالياً؟

-في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، اكتشف علماء في جامعة بنسلفانيا كيفية إدخال الحمض النووي الريبوزي المرسال الغريب إلى الخلايا البشرية دون أن يتحلل أولاً. ومكّن ذلك الباحثين من تطويره لاستخدامه في اللقاحات.

وقال ويسيلهوفت، الذي أسس شركة تُطوّر علاجات الحمض النووي الريبوزي، إن الاستخدام الرئيس لهذه اللقاحات حالياً هو الوقاية من الأمراض المُعدية، مثل كوفيد – 19، وفيروس الجهاز التنفسي المخلوي. ويمكن تصنيع هذه اللقاحات بسرعة كبيرة لأن جميع المكونات، باستثناء تسلسل الحمض النووي الريبوزي، تبقى كما هي في مختلف اللقاحات.

وصرح فلوريان كرامر، عالم الفيروسات في كلية طب إيكان في ماونت سيناي، الذي عمل سابقاً مستشاراً لشركتي «فايزر» و«كيورفاك» بشأن علاجات mRNA، بأن هذه الميزة قد تكون مفيدة لتطوير لقاح الإنفلونزا السنوي. عادةً، يقرر العلماء في فبراير (شباط) أو مارس (آذار) سلالات فيروس الإنفلونزا التي سيُدرجها في لقاح يُطرح في الولايات المتحدة في سبتمبر (أيلول). ولكن بحلول ذلك الوقت، قد تكون سلالة مختلفة هي السائدة. ولأن لقاح mRNA يُمكن تصنيعه بسرعة أكبر من لقاح الإنفلونزا الحالي، فقد ينتظر العلماء حتى مايو (أيار) أو يونيو (حزيران) لمعرفة السلالات المنتشرة، كما قال كرامر، ما يزيد من احتمالية فعالية اللقاح.

مخاطر اللقاحات

*هل لهذه اللقاحات مخاطر؟

- من الأسئلة الشائعة التي يطرحها المرضى ما إذا كان لقاح mRNA يمكن أن يؤثر على حمضهم النووي، وفقاً للدكتور ريتشارد بوشيه، أخصائي أمراض الرئة في جامعة نورث كارولينا في تشابل هيل.

لا خطر للاندماج مع الجينوم

الإجابة هي لا. لأن خلايانا لا تستطيع تحويل mRNA إلى حمض نووي، ما يعني أنه لا يمكن دمجه في جينومنا.

وقال كرامر إن لقاح كوفيد-19 يمكن أن يسبب آلاماً في العضلات، وأعراضاً تشبه أعراض الإنفلونزا، لكن هذه آثار جانبية متوقعة للقاحات بشكل عام.

من جهته قال الدكتور آدم راتنر، أخصائي الأمراض المعدية للأطفال في نيويورك، إنه مر أكثر من أربع سنوات منذ طرح لقاح كوفيد-19 لأول مرة، «ولا توجد مؤشرات على (الخطر على) سلامته على المدى الطويل».

خطر التهاب عضلة القلب

كان العديد من الآباء قلقين بشأن التهاب عضلة القلب، وهو التهاب في عضلة القلب تم الإبلاغ عنه بصفة أنه أثر جانبي محتمل للقاح. لكن راتنر قال إن خطر حدوث هذا الالتهاب نتيجة إصابة فعلية بكوفيد - 19، أو متلازمة كوفيد الطويلة، أو الالتهاب متعدد الأجهزة لدى الأطفال، كان أكبر بكثير.

تطويرات ضد السرطان واضطرابات المناعة

*ما الاستخدامات الأخرى لـ«آر إن إيه المرسال»؟

-تُدرس حالياً اللقاحات التي تستخدم mRNA لمجموعة واسعة من الأمراض، بما في ذلك السرطان، وأمراض القلب والأوعية الدموية، واضطرابات المناعة الذاتية، مثل داء السكري من النوع الأول، وأمراض نادرة مثل التليف الكيسي cystic fibrosis، وهي حالة وراثية تُنتج مخاطاً كثيفاً ولزجاً للغاية، يمكن أن يسد المسالك الهوائية، ويتلف الرئتين.

في السرطان، تكمن الفكرة في أن «آر إن إيه المرسال» يُمكن أن ينتج رموز بروتين للأورام يتعرف عليه الجهاز المناعي على أنه غريب، مُطالباً الجسم بمهاجمة الورم. أما في اضطراب وراثي مثل التليف الكيسي، فإنه يُنتج رموز نسخة فعالة من البروتين الناقص ليحل محل البروتين المعيب، ويُعيد المخاط إلى حالته الصحية.

لقاح تجريبي ضد سرطان البنكرياس

أظهرت دراسة نُشرت في مجلة «نيتشر» في وقت سابق من هذا العام أن لقاحاً تجريبياً قائماً على «آر إن إيه المرسال» لعلاج سرطان البنكرياس قد أثار استجابة مناعية لدى بعض المرضى بعد خضوعهم لجراحة السرطان. وعاش المرضى الذين اختبروا هذه الاستجابة المناعية فترة أطول دون الإصابة بالسرطان مقارنةً بمن لم يختبروها.

لا يزال هذا البحث في مراحله الأولى: فقد شملت دراسة سرطان البنكرياس، وهي تجربة من المرحلة الأولى، 16 مريضاً فقط، وربما كانت هناك اختلافات أخرى بين المجموعتين تُفسر اختلاف فترات البقاء على قيد الحياة. وأوضح الدكتور ستيفن روزنبرغ، رئيس قسم الجراحة في المعهد الوطني للسرطان وخبير العلاج المناعي للسرطان، أن هناك تاريخاً طويلاً من الأبحاث التي تُظهر أن التدخلات قد تُؤدي إلى استجابات مناعية دون تغيير نتائج المرضى فعلياً.

علاج اضطراب تنفسي

وأظهرت دراسة حديثة أخرى أن العلاج بـ«آر إن إيه المرسال» المُستنشق لدى القرود يمكن أن يُنتج بروتيناً ضرورياً لتكوين الأهداب، وهي هياكل شبيهة بالشعر تبطن مجاري الهواء وتُخرج المخاط منها. وتتعطل هذه البروتينات في اضطراب تنفسي مُنهك يُسمى خلل الحركة الهدبية الأولي primary ciliary dyskinesia.

وأشار بوشيه إلى أنه في أمراض الرئة، من الصعب للغاية إدخال الجسيمات الحاملة لـ«آر إن إيه المرسال» بأمان إلى الخلايا المناسبة تماماً.

من جهته قال راتنر إن لقاحات mRNA «آر إن إيه المرسال»، بشكل عام، «مثيرة للاهتمام»، لأنها تُعطي أملاً في علاجات الأمراض التي فشلت التقنيات السابقة في علاجها. لكن العلاج بهذا الحمض لا يزال تقنية دوائية كغيرها: ففي بعض الأمراض يُحتمل أن ينجح، كما قال، «وفي حالات أخرى، يُحتمل ألا ينجح».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق امرأة ترتدي الكمامة خلال فترة انتشار الجائحة في كندا (رويترز)

كيف أثّر وباء «كوفيد» على مرحلة البلوغ لدى الفتيات؟

تسبب الإغلاق الذي فُرض بعد انتشار جائحة «كوفيد - 19» في توقف شبه تام للحياة، وشهد مئات الملايين من الأشخاص تغيُّرات جذرية في أنماط حياتهم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

مطلوب: خبراء بشريون للمساعدة في تدريب الذكاء الاصطناعي

مطلوب: خبراء بشريون للمساعدة في تدريب الذكاء الاصطناعي
TT

مطلوب: خبراء بشريون للمساعدة في تدريب الذكاء الاصطناعي

مطلوب: خبراء بشريون للمساعدة في تدريب الذكاء الاصطناعي

قبل نحو عام، لفت إعلان انتباه آشلي روان، طالبة الدكتوراه في الفيزياء بجامعة كمبردج. كان الإعلان بسيطاً ولكنه غير مألوف: «علّم الذكاء الاصطناعي الفيزياء»، كما كتب بريت فارميلو *.

وبدافع الفضول، نقرت روان على الإعلان، وعلمت أن خبراء من مختلف المجالات - من الفيزياء والدراسات المالية... إلى الرعاية الصحية والقانون - يتقاضون الآن أجوراً للمساعدة في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على التفكير والاستدلال وحل المشكلات مثلما يفعل المتخصصون في مجالاتهم. ولذا؛ تقدمت بطلب، وقُبلت، وتعمل الآن نحو 50 ساعة أسبوعياً لتوفير البيانات لشركة «ميركور»، وهي منصة تربط مختبرات الذكاء الاصطناعي بخبراء في مجالاتهم.

مجموعة متنامية من المحترفين... لخدمة الذكاء الاصطناعي

تُعدّ روان جزءاً من مجموعة متنامية من المحترفين الذين يُسهِمون في تشكيل كيفية تعلم نماذج الذكاء الاصطناعي. ووفقاً لموقع «فريلانسر»، ظهرت آلاف الوظائف الجديدة في مجال تدريب بيانات الذكاء الاصطناعي وتصنيفها على منصته، وقد تحقق معظم هذا النمو خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية فقط. تتراوح هذه الأدوار بين مهام الخبراء التقنيين للغاية، مثل تقييم الاستدلالات المعقدة أو تشخيص أخطاء النماذج، وقرارات دقيقة لا تزال النماذج الكبيرة تواجه صعوبة في اتخاذها.

ويقول مات باري، الرئيس التنفيذي لشركة «فريلانسر»: «ندخل مرحلةً مثيرةً للاهتمام حقاً. تحتاج نماذج الذكاء الاصطناعي إلى المزيد والمزيد من البيانات. نشهد مشاركة متخصصين من جميع المجالات في جميع أنحاء العالم في أعمال تدريب الذكاء الاصطناعي على البيانات».

رغم قراءة الذكاء الاصطناعي الإنترنت بأكملها... لا يزال ناقصاً

يثير هذا التوجه تساؤلاتٍ أوسع: إذا كانت نماذج الذكاء الاصطناعي قد دُرِّبت بالفعل على الإنترنت المفتوح ومجموعات بيانات الشركات الضخمة، فلماذا لا تزال في حاجة إلى خبراء بشريين؟ ما الذي يفعله هؤلاء الخبراء تحديداً؟ وإلى متى سيستمر هذا النوع الجديد من العمل؟ لقد «قرأ الذكاء الاصطناعي الإنترنت بأكمله» - ولا يزال في حاجة إلى خبراء حقيقيين.

هناك افتراض شائع بأن أكبر نماذج الذكاء الاصطناعي اليوم تعرف كل ما تحتاج إلى معرفته. إذ إنها في النهاية، دُرِّبت على ملايين الكتب والمقالات والأبحاث والمنشورات. لكن رواد الصناعة يقولون إن خبراء المجال أصبحوا الآن أكثر أهمية من أي وقت مضى.

يوضح جويل هرون، كبير مسؤولي التكنولوجيا في «تومسون رويترز»: «يمكن للنماذج المدربة على الإنترنت بأكمله أن توفر إجابة بنسبة 80 في المائة، ولكن في المجالين القانوني والضريبي، لا تُعدّ هذه النسبة كافية. يطالب عملاؤنا بمستوى عالٍ من الدقة والثقة. ويضمن الاستعانة بالخبراء تحقيق أعلى مستوى ممكن من الدقة».

أهمية الخبراء في مجالات عالية التنظيم والخطورة

وتتفق آنا برايس، نائبة رئيس قسم التوريد في شركة «بروليفيك»، التي توفر بيانات بشرية لمختبرات الذكاء الاصطناعي، على أن أهمية الخبراء تزداد مع دخول نماذج الذكاء الاصطناعي إلى مجالات منظمة وعالية المخاطر.

وتقول برايس: «يتزايد الطلب على الخبرة البشرية والتغذية الراجعة المتخصصة من نماذج الذكاء الاصطناعي باستمرار. ومع ازدياد حجم هذه النماذج، بات من الصعب اكتشاف الأخطاء. فالخبرة الحقيقية ضرورية لتقييم جوهر ما تنتجه النماذج، وليس مجرد صحتها الظاهرية».

بعبارة أخرى، لا يُغني الإنترنت وحده عن المعرفة المهنية المنظمة. فكلما زاد اعتماد المؤسسات على الذكاء الاصطناعي في الأعمال الجادة وعالية المخاطر، ازدادت حاجتها إلى خبراء يُرشدون النماذج إلى طريقة تفكير المحترفين الحقيقيين.

مُحاورون آليون يُجرون مقابلات مع مُدرّبي الذكاء الاصطناعي

وتعتمد بعض المنصات على مُحاورين آليين لتقييم الخبرة الفعلية للمُدرّبين المُحتملين.

يقول أرشام غهراماني، مؤسس شركة «ريبون» Ribbon، التي تُقدّم مُحاورين آليين ولديها أكثر من 500 عميل، من بينهم مُزوّد ​​بيانات تدريب الذكاء الاصطناعي الذي يُجري مقابلات مع أكثر من 15000 خبير شهرياً: «يُجري الخبراء مُقابلة عبر الهاتف، ويُجرون مقابلة مع الذكاء الاصطناعي. من المُرجّح أن تُطرح عليك أفضل أسئلة مُقابلة طُرحت عليك على الإطلاق».

يُقيّم المُحاورون الآليون الخبراء بحثاً عن مؤشرات تُشير إلى وجود شكوك حول خبرتهم، مثل وتيرة الاستجابة غير المُنتظمة، وما إذا كانت استجاباتهم طبيعية، وبالطبع، ما إذا كانوا يمتلكون الخبرة المطلوبة في مجال مُحدّد.

ويقوم النظام بمسح السيرة الذاتية ويقترح أسئلةً بالغة الأهمية. بوعد كل إجابة، كان مُحاور الذكاء الاصطناعي يتصرف كشخص حقيقي، فيلخص ما قاله الخبير ويطرح سؤالاً امتداداً طبيعياً لموضوع الحديث. إن تقييم الذكاء الاصطناعي الآن للبشر الذين يُدرّبونه، يعكس مدى التطور الذي حققه البشر في قدرات النماذج.

«الميل الأخير من المعلومات» لا يزال حكراً على البشر

يأتي أحد أوضح التفسيرات لأهمية بيانات الخبراء من مارك كوين، المدير الأول لعمليات الذكاء الاصطناعي في شركة «بيرل» والرئيس السابق للعمليات الهندسية في «وايمو». يربط كوين بين تحديات الذكاء الاصطناعي الحالية والقيادة الذاتية.

يقول كوين: «في (وايمو)، عملنا على الوصول إلى الميل الأخير من التنقل الذاتي. والآن، نعمل على الوصول إلى الميل الأخير من المعلومات. على الرغم من تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي لسدّ هذا الميل الأخير من المعلومات، فإن الواقع يُشير إلى أن الناس قد يُفضلون التحقق البشري من صحة المعلومات».

ومع ازدياد ذكاء النماذج وتوسع نطاقها، لا يزال هناك عالمٌ مليء بالحالات الاستثنائية - مواقف تتطلب حُكماً سليماً، أو تفكيراً أخلاقياً، أو منطقاً خاصاً بالمجال يصعب استيعابه في مجموعات البيانات العامة.

يعتقد بعض الرواد أن المرحلة الأخيرة ستتقلص، لكنها لن تختفي تماماً.

يشير هرون من «تومسون رويترز» إلى أن «النماذج الأساسية لا تزال في حاجة إلى الكثير من التطوير لتصبح عميقة حقاً. ستساعد الأنظمة الخبيرة والمعرفة المتخصصة النماذج على الارتقاء إلى المستوى التالي».

ويضيف برايس من «بروليفيك»: «لم نكتشف سوى القليل مما يمكن أن يفعله الذكاء الاصطناعي. يُعدّ البشر عنصراً أساسياً في هذه المعادلة، لا سيما في المجالات المتخصصة».

بعبارة أخرى، لا يكمن المستقبل في استبدال الخبراء، بل في توسيع نطاق الخبرة الضرورية لتحسين نماذج الذكاء الاصطناعي وجعلها أكثر أماناً.

نوع جديد من العمل المعرفي

بالنسبة لروان، طالبة الدكتوراه في الفيزياء، أصبح العمل في مجال البيانات المتخصصة مصدر دخلٍ مهم. وقد قبلت أخيراً وظيفة بدوام كامل، لكنها أشارت إلى أن عملها الجديد سيقتصر على 38 ساعة أسبوعياً؛ ما يتيح لها الوقت لمواصلة المساهمة في مشاريع تدريب الذكاء الاصطناعي. وما تشهده بات شائعاً: محترفون ذوو خبرة يتعاملون مع تدريب الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً وظيفياً إضافياً، أو عملاً جانبياً مرناً، أو حتى وظيفة بدوام كامل.

يلعب هذا العمل دوراً محورياً متزايداً في كيفية عمل أنظمة الذكاء الاصطناعي. ومع ازدياد قدرات النماذج، تتجدد قيمة الخبرة العملية، لا تتضاءل.

ولا يقتصر دور الخبراء على استخدام الذكاء الاصطناعي فحسب، بل يُعلّمونه أيضاً كيفية التفكير والتصرف كخبير.

* مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»

حقائق

80 %

نسبة الإجابة الدقيقة للنماذج المدربة على الإنترنت بأكمله


هل توجد حياة بعد الموت… على المستوى الخلوي؟

شكل تصويري للخلايا البشرية الحية
شكل تصويري للخلايا البشرية الحية
TT

هل توجد حياة بعد الموت… على المستوى الخلوي؟

شكل تصويري للخلايا البشرية الحية
شكل تصويري للخلايا البشرية الحية

ارتبط مفهوم الحياة في أذهاننا ببداية واضحة ونهاية حاسمة: نولد ونعيش ثم نموت. غير أن الاكتشافات العلمية الحديثة بدأت تُحدث شرخاً في هذا التصور التقليدي، خصوصاً عندما ننتقل من مستوى الكائن الحي إلى مستوى الخلية.

«الحالة الثالثة»

وتشير دراسات متزايدة إلى أن بعض الخلايا لا تتوقف عن العمل فور موت الكائن الذي جاءت منه، بل قد تستمر في النشاط والتكيّف؛ ما يفتح الباب أمام مفهوم جديد يُعرف بـ«الحالة الثالثة» بين الحياة والموت.

يتكوّن جسم الإنسان من نحو 30 تريليون خلية تعمل بتناغم مذهل للحفاظ على الحياة. وكان الاعتقاد السائد أن هذه الخلايا تفقد وظيفتها سريعاً بعد الوفاة، إلا أن أبحاثاً حديثة أظهرت أن بعض الخلايا تمتلك قدرة لافتة على إعادة التنظيم والتكيّف خارج السياق البيولوجي المعتاد.

خلايا تعيد تعريف الحياة

* «خلايا حية اصطناعية». ومن أبرز الأمثلة على هذا السلوك ما يُعرف بـ الزينوبوتات Xenobots، وهي تراكيب مجهرية متعددة الخلايا جرى تصميمها بمساعدة تقنيات الذكاء الاصطناعي انطلاقاً من خلايا ضفادع. وقد استُمد اسمها من الضفدع ذي المخالب Xenopus laevis؛ إذ تُعد كائنات حية اصطناعية صُمِّمت حاسوبياً لأداء وظائف محددة، ويتم بناؤها عبر دمج أنسجة بيولوجية مختلفة. والمثير في هذه الكائنات أن خلاياها لا تؤدي وظائفها الأصلية، بل تعيد تنظيم نفسها لتتحرك أو تُصلح أضراراً أو تتفاعل مع بيئتها بطرق غير متوقعة.

وفي مقال نُشر في 12 سبتمبر (أيلول) 2024 على موقع The Conversation، وصف العالمان بيتر نوبل الباحث في المعلوماتية الحيوية بجامعة ألاباما وأليكس بوزهيتكوف من جامعة واشنطن هذا السلوك بأنه دليل على وجود حالة وسطى لا تكون فيها الخلايا حية بالمعنى التقليدي ولا ميتة بالكامل؛ ما يفتح تساؤلات علمية وفلسفية جديدة حول حدود الحياة ذاتها.

روبوتات من خلايا بشرية حية

* روبوتات من خلايا بشرية. ولم يقتصر هذا الاكتشاف على خلايا غير بشرية فحسب؛ إذ لوحظ سلوك مشابه في خلايا بشرية أُطلق عليها اسم الأنثروبوتات Anthrobots؛ ما عزّز الفكرة القائلة بأن الخلايا قد تمتلك قدرات كامنة لا تظهر إلا عند خروجها من بيئتها الطبيعية. ففي دراسة سابقة نُشرت في مجلة Advanced Science بتاريخ 3 ديسمبر (كانون الأول) 2023، تمكّن العلماء من تطوير روبوتات بشرية مجهرية انطلاقاً من خلايا رئة بشرية بالغة وجرى توصيف خصائصها الوظيفية. وأظهرت هذه الروبوتات قدرة على الحركة داخل أطباق زراعة الخلايا، إضافة إلى تحفيز عملية التئام الجروح في الخلايا العصبية البشرية المزروعة في خطوة تفتح آفاقاً جديدة لفهم سلوك الخلايا وإمكاناتها العلاجية المستقبلية.

هل الخلايا واعية؟

وأعادت هذه النتائج سؤالاً فلسفياً وعلمياً قديماً إلى الواجهة: هل تمتلك الخلايا شكلاً بدائياً من الوعي؟ يرى بعض العلماء أن السلوك الموجّه واتخاذ قرارات بسيطة يوحيان بدرجة من الإدراك الخلوي. في المقابل، يحذّر باحثون آخرون من المبالغة، مؤكدين أن هذه الظواهر يمكن تفسيرها بآليات كيميائية وفيزيائية معروفة دون الحاجة إلى افتراض الوعي.

ورغم الخلاف، يتفق الجميع على أن هذه الاكتشافات قد تُحدث ثورة في الطب التجديدي من خلال تطوير علاجات تعتمد على إعادة برمجة خلايا المريض نفسه.

خلايا ليست من جيناتنا

وبالتوازي مع هذه الأبحاث، تكشف دراستان حديثتان نُشرتا أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2025، الأولى في مجلة Popular Mechanics بتاريخ 17 ديسمبر والأخرى في مجلة Nature بتاريخ 31 ديسمبر، عن حقيقة علمية مدهشة، مفادها أن أجسامنا لا تتكوّن فقط من خلايانا الخاصة. إذ أظهرت الدراستان أن داخل كل إنسان توجد أعداد ضئيلة جداً من خلايا تعود لشخص آخر، غالباً الأم أو الطفل، وهي ظاهرة بيولوجية تُعرف باسم «التخليق الجزيئي» Microchimerism؛ ما يفتح آفاقاً جديدة لفهم الهوية الجسدية والعلاقة المعقّدة بين الأم والجنين.

ويُعدّ التخلق الجزئي الجنيني الأمومي الشكل الأكثر شيوعاً لهذا التبادل، ويحدث أثناء الحمل عندما تمر خلايا الجنين عبر المشيمة وتدخل مجرى دم الأم. ويبدأ هذا التبادل عادة بين الأسبوعين الرابع والسادس من الحمل، وقد تستمر بعض هذه الخلايا في جسم الأم لعقود بعد الولادة. بالمقابل، يمكن أيضاً أن تهاجر خلايا الأم إلى الجنين.

ولا يقتصر التخلق الجزئي على فترة الحمل فقط، بل يمكن أن يحدث أيضاً من مصادر أخرى، مثل عمليات زرع الأعضاء أو نقل الدم أو الولادات المتعددة، كما في حالة التوائم الذين يتشاركون الرحم. ففي هذه الحالات يمكن لخلايا أحد الأفراد أن تندمج وتستقر في أنسجة فرد آخر؛ ما يجعل أجسامنا تحتوي على خلايا أجنبية بصورة طبيعية أحياناً.

أدوار غير متوقعة

وتشير الأبحاث إلى أن هذه الخلايا «الضيفة» ليست خاملة، بل قد تسهِم في التئام الجروح أو دعم الجهاز المناعي. ففي الأطفال، يُعتقد أن خلايا الأم تساعد جهازهم المناعي على التعلّم المبكر وكأنها تنقل خبرة بيولوجية عبر الأجيال.

لكن هذه الظاهرة تطرح أيضاً أسئلة معقّدة حول أمراض المناعة الذاتية؛ إذ وُجدت أعداد أكبر من هذه الخلايا لدى بعض المرضى دون حسم ما إذا كانت سبباً أم نتيجة للمرض.

هوية أكثر تعقيداً

تتحدى هذه الاكتشافات الفكرة التقليدية عن الفرد المستقل بيولوجياً. فإذا كنا نحمل خلايا أشخاص آخرين طوال حياتنا، فهل نحن حقاً كيان واحد؟ وهل بقاء خلايانا في أجساد أحبائنا بعد موتنا يمثّل شكلاً من أشكال الاستمرار؟

رغم أن العلم ما زال في بداياته، فإن الرسالة باتت واضحة، هي أن الحياة ليست حالة ثنائية بسيطة بين الوجود والعدم والحدود بين الحياة والموت وبين «الذات» و«الآخر» أكثر مرونة وتعقيداً مما كنا نتصور. إذ إن أصغر وحدات الحياة قد تحمل مفاتيح فهم أعمق للصحة والهوية، وربما لمعنى الوجود ذاته.

حقائق

30

تريليون خلية تقريباً توجد في جسم الإنسان


مركز «هيكساجون»: حين تصبح الحوسبة الفائقة أساس الطب الذكي في السعودية

المستشفى الذكي عقل رقمي في قلب الرياض
المستشفى الذكي عقل رقمي في قلب الرياض
TT

مركز «هيكساجون»: حين تصبح الحوسبة الفائقة أساس الطب الذكي في السعودية

المستشفى الذكي عقل رقمي في قلب الرياض
المستشفى الذكي عقل رقمي في قلب الرياض

لم يعد الذكاء الاصطناعي الطبي في عالم اليوم يُقاس بعدد الخوارزميات، أو بريق التطبيقات وحدها، بل بقدرة الدول على بناء بنية تحتية حاسوبية صلبة تجعل هذا الذكاء ممكناً، وآمناً، ومستداماً على المدى الطويل. فالنماذج الذكية، مهما بلغت دقتها، تبقى مجرّد أفكار نظرية ما لم تستند إلى طاقة حوسبية كمبيوتريه قادرة على تشغيلها، وتغذيتها بالبيانات، وحمايتها ضمن أطر سيادية واضحة.

حين تلتقي الحوسبة الفائقة بالطب

الذكاء الاصطناعي يبدأ من البنية التحتية

في هذا السياق، يشكّل إطلاق مركز «هيكساجون» (HEXAGON) للحوسبة الفائقة، التابع للهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، وبقرار مباشر من مجلس الوزراء، لحظة مفصلية في مسار الذكاء الاصطناعي في المملكة. فالمسألة هنا لا تتعلّق بمشروع تقني جديد، بل بإعادة تعريف الأساس الذي سيُبنى عليه مستقبل الطب الرقمي، والبحث الطبي المتقدم في السعودية.

ويعني اسم «هيكساجون» الشكلَ السداسي، رمز الكفاءة، والتكامل في الطبيعة، في إشارة إلى بنية حاسوبية مترابطة صُمّمت لتحقيق أعلى أداء بأقصى قدر من الاستدامة.

هيكساجون: القلب الخفي للطب الذكي

«هيكساجون» لا يُختزل في كونه مركز بيانات ضخماً، أو إنجازاً هندسياً يُقاس بالمساحة، أو القدرة الكهربائية فحسب، بل يمثّل الطبقة غير المرئية التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي الطبي الحديث.

وداخل هذه البنية الحاسوبية، تُعالَج الصور الشعاعية عالية الدقة، وتُحلَّل البيانات الجينومية المعقّدة، وتُدرَّب نماذج التنبؤ المبكر بالأمراض، وتُدار صحة السكان على نطاق وطني شامل.

وبذلك تتحوّل البيانات الصحية من أرشيفٍ ساكن إلى منظومة ذكية فاعلة، تدعم القرار الطبي قبل وقوع المرض... لا بعده.

من البيانات الضخمة إلى المعرفة الطبية

وينتج الطب المعاصر كميات غير مسبوقة من البيانات، تمتد من التصوير الطبي عالي الدقة، إلى السجلات الصحية الرقمية، وصولاً إلى الخرائط الجينومية المعقّدة. وهذه الكثافة المعلوماتية لا يمكن معالجتها بكفاءة أو أمان عبر الحوسبة التقليدية، لا من حيث السرعة، ولا من حيث الدقة أو الاعتمادية. من هنا، تصبح الحوسبة الفائقة شرطاً علمياً أساسياً لقيام الطب الذكي، لا مجرد خيار تقني، وتغدو مراكز مثل «هيكساجون» العمود الفقري الذي يتيح تحويل البيانات الطبية الضخمة إلى معرفة قابلة للتطبيق السريري، وصناعة القرار الصحي.

الطبيب السعودي بحاجة إلى حوسبة فائقة

الذكاء الاصطناعي «السيادي»

يتمثّل التحوّل الجوهري الذي يقدّمه مركز «هيكساجون» في نقل المملكة من مرحلة استهلاك تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة امتلاك بنيته التحتية السيادية، فحين تُدار الحوسبة والبيانات داخل إطار وطني، تُصان خصوصية المعلومات الصحية، ويُحمى القرار الطبي من الارتهان الخارجي، وتُبنى نماذج الذكاء الاصطناعي وفق أولويات صحية محلية. وبهذا المعنى لا يرسّخ «هيكساجون» استقلالاً تقنياً فحسب، بل يؤسّس لسيادة صحية رقمية تجعل الذكاء الاصطناعي أداة في خدمة المريض، والمجتمع، لا مجرد تقنية مستوردة.

البيانات الصحية بين الحوكمة والأخلاقيات

حين تُدار البيانات الصحية داخل مراكز وطنية خاضعة لأطر حوكمة واضحة، ومعايير أخلاقية صارمة، يصبح بالإمكان تطوير نماذج ذكاء اصطناعي تحترم خصوصية الفرد، وتراعي الخصائص الثقافية والديموغرافية للمجتمع، بدل فرض نماذج عامة لا تعكس الواقع المحلي. وفي هذا الإطار تتحوّل البيانات من عبءٍ تنظيمي إلى أصلٍ استراتيجي يُسهم في توجيه السياسات الصحية الوطنية، ودعم الوقاية المبكرة، وتحقيق عدالة صحية قائمة على المعرفة لا على التقدير.

من طب علاجي إلى طب تنبئي وقائي

يُمكّن «هيكساجون» المنظومة الصحية من الانتقال من نموذجٍ تقليدي يركّز على علاج المرض بعد ظهوره، إلى نموذجٍ أكثر تقدماً يتنبأ بالمخاطر الصحية قبل وقوعها. فمن خلال تحليل البيانات السكانية، والسجلات الطبية، والمؤشرات الحيوية على نطاق واسع، تصبح التدخلات الوقائية أكثر دقة، وتوقيتاً، وأكثر كفاءة من حيث التكلفة، وأقرب إلى جوهر الطب الإنساني الذي يسعى لحماية الصحة قبل أن يُضطر إلى علاج فقدانها.

الذكاء الاصطناعي الطبي نظام وطني متكامل

لم يعد الطب الذكي الحديث مجموعة تطبيقات منفصلة، أو حلولاً تقنية متجزئة، بل منظومة وطنية متكاملة تبدأ من جمع البيانات وتنظيمها، وتمرّ بالحوسبة الفائقة ومعالجة الخوارزميات، لتصل في النهاية إلى دعم القرار الطبي والصحي. وفي هذا السياق يمثّل «هيكساجون» القلب النابض لهذه المنظومة، حيث تتكامل البنية التحتية مع الرؤية الاستراتيجية، ويتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة تقنية إلى ركيزة أساسية في بناء نظام صحي حديث، ومستدام.

السعودية ونموذج البناء قبل التطبيق

في عالمٍ يتسابق فيه كثيرون على تبنّي تطبيقات الذكاء الاصطناعي قبل استكمال مقوماته، يبرز النموذج السعودي بوصفه مقاربة مختلفة تقوم على بناء الأساس أولاً. فالاستثمار في البنية التحتية الحاسوبية، وتأسيس أطر الحوكمة، وتحديد المسؤوليات الأخلاقية والقانونية، كل ذلك يسبق تعميم الحلول التقنية على أرض الواقع. وبهذا النهج لا يُقدَّم الذكاء الاصطناعي على أنه قفزة متسرّعة، بل إنه مشروع وطني محسوب يوازن بين الطموح التقني وحماية الإنسان والنظام الصحي معاً.

أثر يتجاوز القطاع الصحي

لا يقتصر أثر «هيكساجون» على تحسين الممارسة الصحية فحسب، بل يمتد ليشمل منظومة أوسع تضم البحث العلمي، والتعليم الطبي، وصناعة الدواء، والأمن الحيوي، والاستعداد الوطني للأوبئة والطوارئ الصحية. فامتلاك قدرة حوسبية فائقة يتيح تسريع الاكتشافات البحثية، وتطوير مناهج تدريب طبي قائمة على المحاكاة والبيانات، ودعم سلاسل الابتكار الدوائي محلياً، إلى جانب تعزيز الجاهزية الاستباقية لمواجهة الأزمات الصحية قبل تحوّلها إلى تحديات وطنية كبرى.

وما يحدث في السعودية اليوم ليس سباقاً على أحدث تطبيق، بل إنه استثمار هادئ في الأساس الذي يجعل الذكاء الاصطناعي الطبي آمناً، وقابلاً للمساءلة، ومفيداً على المدى البعيد.

خلاصة: بنية لا يراها المريض... لكنها تحميه

قد لا يرى المريض مركز «هيكساجون»، ولن يلمس جدرانه أو أجهزته، لكنه سيشعر بأثره المباشر في تشخيص أدق، وعلاج أسرع، ووقاية أذكى، ونظام صحي أكثر عدالة وكفاءة. فالبنى التحتية الذكية لا تُقاس بمدى ظهورها للعيان، بل بقدرتها على حماية الإنسان في اللحظة التي يكون فيها أكثر حاجة للعلم، وأقل قدرة على الانتظار.