كيف ينظر الجزائريون إلى تفاقم أزمة بلادهم مع فرنسا؟

بعد أن شهدت العلاقات الثنائية تصعيداً جديداً اقترب من القطيعة الكاملة

عناق أخوي بين الرئيسين الجزائري والفرنسي قبل تفاقم الأزمات بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)
عناق أخوي بين الرئيسين الجزائري والفرنسي قبل تفاقم الأزمات بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)
TT

كيف ينظر الجزائريون إلى تفاقم أزمة بلادهم مع فرنسا؟

عناق أخوي بين الرئيسين الجزائري والفرنسي قبل تفاقم الأزمات بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)
عناق أخوي بين الرئيسين الجزائري والفرنسي قبل تفاقم الأزمات بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)

هل باتت العلاقات الجزائرية - الفرنسية على وشك القطيعة، في ظل تصاعد التوترات بين البلدين؟

سؤال طرحته «الشرق الأوسط» على مواطنين جزائريين يتابعون تطورات هذه الأزمة غير المسبوقة بين فرنسا ومستعمرتها السابقة، التي تعود جذورها إلى صيف العام الماضي.

وزير خارجية فرنسا خلال زيارته إلى الجزائر نهاية 2024 (الرئاسة الجزائرية)

في العرف الدبلوماسي تُعد العلاقات بين البلدين منتهية في الوقت الحالي، بحكم غياب سفيري البلدين عن منصبيهما في العاصمتين؛ حيث سحبت الجزائر دبلوماسيها سعيد موسي نهاية يوليو (تموز) 2024؛ احتجاجاً على انحياز فرنسا الكامل للمغرب في ملف الصحراء. أما السفير الفرنسي ستيفان روماتيه فقد استدعته باريس، الشهر الماضي، تعبيراً عن استيائها من قرار الجزائر طرد 12 دبلوماسياً فرنسياً، بعد اعتقال موظف قنصلي في فرنسا، واتهامه بخطف واحتجاز اليوتيوبر المعارض، أمير بوخرص، وهي قضية زادت الأزمة تعقيداً.

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (متداولة)

يقول سليم بوميدونة، وهو طالب سنة ثالثة حقوق بجامعة الجزائر: «كل المؤشرات تحمل اللون الأحمر فيما يخص العلاقة مع فرنسا»، مبدياً تخوّفه من تأثير التوترات على مستقبله الدراسي؛ لأنه يعتزم مواصلة تخصصه في القانون الجنائي بإحدى الجامعات الفرنسية.

وأوضح بهذا الخصوص: «إذا تواصل الانهيار في العلاقات ستتقلص فرص الحصول على تأشيرة للدراسة في فرنسا. معظم الرفاق في الجامعة يتطلعون إلى استكمال المسار الأكاديمي في فرنسا بحكم أن الدراسة هناك مجانية بفضل الاتفاقيات المبرمة بين البلدين».

وزير الداخلية الفرنسي الذي تحمله الجزائر مسؤولية التصعيد (متداولة)

ويحكم قضايا الدراسة والعمل والتجارة في فرنسا، بالنسبة للجزائريين، اتفاق يعود إلى عام 1968. وطالب اليمين التقليدي والمتشدد في فرنسا بإلغائه في سياق التوترات الحالية، عادّاً أن ذلك «يمثل أحد الأسلحة التي يمكن أن تُحقق هدفاً في مرمى السلطات الجزائرية».

من جهته، يذكر كريم عصمان، وهو موظف في إدارة نادٍ لكرة القدم بالعاصمة، أن سلطات بلاده «سيّرت بحكمة وذكاء الخلاف مع فرنسا». وفي تقديره، ومن خلال ما تبثه القنوات التلفزيونية الفرنسية ذات التأثير على الرأي العام المحلي، التي تسبح في تيار اليمين المتطرف، حسب قوله: «هناك ما يدفع إلى قطع العلاقات».

كما لاحظ كريم أن الإعلام الجزائري «يشجع على التصعيد هو أيضاً، ما يوحي بأن هناك توجهاً في السلطة عندنا إلى قطع العلاقات». داعياً إلى «مراعاة مصلحة ملايين المهاجرين الجزائريين في فرنسا، كما يوجد الملايين ممن يحملون الجنسيتين، الذين يشكلون الجانب الأهم في العلاقات الثنائية، وهو الجانب الإنساني. فكيف سيكون مصيرهم إذا قطعت العلاقات، علماً بأن غالبيتهم حريصون على زيارة الجزائر؟».

الرئيس الجزائري مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي في السادس من مارس الماضي (الرئاسة الجزائرية)

أما سائق الحافلة يخلف الطيب، الذي يعمل على خط العاصمة والرغاية بضاحيتها الشرقية، فيبدو مقتنعاً بأن العلاقات بين الجزائر وفرنسا «متجذرة إلى حد لا يمكن أن تقطع بالسهولة التي يراها البعض». مؤكداً أن قيادتي البلدين «ستجدان لا محالة مخرجاً لهذه الأزمة، خصوصاً أن التجارة والاقتصاد يفرضان ذلك، بغض النظر عن التراشق الحاد بينهما عن طريق الصحافة».

ومنذ أشهر، دخل البلدان في دوامة لا تنتهي من الفعل ورد الفعل، خصوصاً بعد فشل محاولة التقارب بينهما في بداية أبريل (نيسان) الماضي، حين زار وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، الجزائر وعقب لقائه كبار مسؤوليها.

ورأت الجزائر أن السبب في فشل هذا المسعى أن الرئيس إيمانويل ماكرون سلّم العلاقات الثنائية إلى اليمين، الذي يمثله في الحكومة -حسب قولها- وزير الداخلية برونو ريتايو، الذي يتصدر حملات التصعيد ضد الجزائريين، خصوصاً إصراره الشديد على طرد مئات الجزائريين «غير المرغوب فيهم بفرنسا».

وفي حين كان يرى قطاع من الملاحظين أن «الاعتراف بمغربية الصحراء»، هو أقصى ما يُمكن أن يثير أعصاب الجزائر، جاء ما هو أخطر من ذلك ليتسبب في انسداد أفق العلاقات أكثر. ففي تطور غير مسبوق أعلنت النيابة الفرنسية منتصف الشهر الماضي عن توقيف 3 أشخاص من الشبكة الدبلوماسية الجزائرية، من بينهم موظف قنصلي، بتهمة اختطاف واحتجاز المعارض أمير بوخرص، اللاجئ بفرنسا.

وقد رأت الجزائر أن «خطاً أحمر» قد تم تجاوزه في هذه الحادثة، مطالبة بالإفراج عنهم، في حين صرّح وزير الخارجية الفرنسي بأن الحكومة لا يُمكن أن تتدخل في شؤون القضاء، بذريعة أنه «مستقل فيما يتخذ من قرارات وإجراءات».

أعضاء لجنة الذاكرة أثناء استقبالهم من طرف الرئيس تبون لحل القضايا العالقة بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)

واشتهر بوخرص بنشر مقاطع فيديو تتناول صراعات مفترضة بين أجنحة النظام الجزائري، الأمر الذي سبب إزعاجاً بالغاً في الجزائر؛ حيث أصدر قضاؤها 8 مذكرات اعتقال دولية ضده، لكن المحاكم الفرنسية لم تأخذ بها، ما حال دون ترحيله. كما ترى الجزائر أن المعارضين الأكثر تطرفاً ضدها، المقيمين في فرنسا، «تستخدمهم المخابرات الفرنسية ورقة ضغط ضدها».

واتسعت فجوة الخلاف عندما طردت الجزائر 12 موظفاً قنصلياً فرنسياً، بوصفه رد فعل على اعتقال الموظفين التابعين لها في فرنسا. وجرى اختيارهم بدقة لكونهم يتبعون مباشرة لوزير الداخلية ريتايو، الذي حمّلته السلطات الجزائرية مسؤولية التدهور الجديد في العلاقات الثنائية. وردّت الحكومة الفرنسية بخطوة مماثلة، فطردت العدد نفسه من الموظفين القنصليين الجزائريين.

وبعد أقل من شهر، وتحديداً في 11 مايو (أيار) الحالي، طالبت الجزائر بترحيل موظفين فرنسيين، تم تعيينهم بـ«طرق غير نظامية»، في حين وعدت باريس برد «فوري وحازم ومتوازن».

وهكذا دخلت العلاقات في دوامة من التصعيد، خطت بها خطوة جديدة نحو إعلان القطيعة.


مقالات ذات صلة

الجزائر طردت عدداً قياسياً من المهاجرين إلى النيجر

شمال افريقيا مهاجرون يقفون على سطح سفينة إنقاذ في المياه الدولية قبالة سواحل ليبيا... 17 يناير 2026 (أ.ف.ب)

الجزائر طردت عدداً قياسياً من المهاجرين إلى النيجر

رحّلت الجزائر أكثر من 34 ألف مهاجر إلى النيجر المجاورة عام 2025، وهو رقم قياسي، بحسب ما أفادت منظمة نيجرية غير حكومية الاثنين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الخليج الرئيس عبد المجيد تبون لدى لقائه الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف (الداخلية السعودية)

السعودية والجزائر تستعرضان أوجه التعاون الأمني

استعرض الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مع الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف، وزير الداخلية السعودي، العلاقات الثنائية، وأوجه التعاون الأمني القائم بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا مسافرون جزائريون في «مطار شارل ديغول» (متداولة)

هل تنهي «إجراءات 11 يناير» أزمة الهجرة والمعارضة في الجزائر؟

تعالت الدعوات الموجهة إلى الحكومة من أجل رفع التضييق عن النشطاء في الداخل، وفتح الفضاء الإعلامي أمام الآراء المخالفة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية الجماهير الجزائرية احتفلت بفوز السنغال (رويترز)

جماهير جزائرية تحتفل بتتويج السنغال بكأس أفريقيا

احتفلت جماهير جزائرية بتتويج منتخب السنغال بلقب بطولة كأس أمم أفريقيا 2025، عقب تغلبه على نظيره منتخب المغرب.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الوزيرة الفرنسية السابقة ورئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر» الحالية سيغولين روايال (حسابها الخاص بالإعلام الاجتماعي)

رئيسة «جمعية فرنسا – الجزائر» تعرض خطة لإنهاء توترات التاريخ بين البلدين

عرضت رئيسة «جمعية فرنسا - الجزائر»، سيغولين روايال، خطة من 3 نقاط لإنهاء التوترات الحادة التي تمر بها العلاقات بين البلدين منذ صيف 2024.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

المغرب يقبل دعوة ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» لغزة

الملك محمد السادس (رويترز)
الملك محمد السادس (رويترز)
TT

المغرب يقبل دعوة ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» لغزة

الملك محمد السادس (رويترز)
الملك محمد السادس (رويترز)

قالت وزارة الخارجية ​المغربية في بيان اليوم (الاثنين) إن الملك محمد السادس عاهل البلاد، قبِل دعوة ‌من الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ⁠ترمب ​للانضمام بصفته ‌عضواً مؤسساً إلى «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة.

وذكرت الوزارة في بيان أن ⁠العاهل المغربي رد ‌بالإيجاب على الدعوة، ‍مضيفة أن المملكة المغربية «ستعمل على المصادقة على الميثاق التأسيسي لهذا المجلس».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن يوم 14 يناير 2026 (رويترز)

وتابعت: «تشيد المملكة ​المغربية بالإعلان عن إطلاق المرحلة الثانية من ⁠مخطط السلام الشامل للرئيس ترمب، وكذا الإحداث الرسمي للجنة الوطنية لإدارة غزة كهيئة انتقالية مؤقتة».


«الجنائية الدولية»: «الدعم» حفرت مقابر جماعية لإخفاء «جرائم حرب» في السودان

مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)
مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)
TT

«الجنائية الدولية»: «الدعم» حفرت مقابر جماعية لإخفاء «جرائم حرب» في السودان

مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)
مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)

اتهمت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نزهت شميم خان، الاثنين، «قوات الدعم السريع» بحفر مقابر جماعية لإخفاء «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية» ارتكبتها في إقليم دارفور بغرب السودان.

ووفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية، قالت خان في إحاطة لمجلس الأمن الدولي إن مكتب المدعي العام خلص إلى أن «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية قد ارتُكبت في الفاشر، ولا سيما في أواخر أكتوبر (تشرين الأول)، مع وصول حصار المدينة من قبل (قوات الدعم السريع) إلى ذروته».

وأوضحت في الإحاطة التي قدمتها عبر الفيديو لعدم حصولها على تأشيرة لدخول الولايات المتحدة، أن المكتب استند إلى مواد صوتية ومرئية ولقطات بالأقمار الصناعية «تشير إلى وقوع قتل جماعي وإلى محاولات إخفاء الجرائم عن طريق حفر مقابر جماعية».

وأطبقت «قوات الدعم السريع» حصارها على الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في مايو (أيار) 2024، إلى أن سيطرت عليها بالكامل في أكتوبر 2025.

وأظهرت صور بالأقمار الصناعية حللتها وكالة الصحافة الفرنسية في ديسمبر (كانون الأول)، آثاراً لما يبدو أنّها قبور، على مساحة 3600 متر مربع.

كما حدد تحليل مماثل لمختبر البحوث الإنسانية في جامعة ييل الأميركية في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) «أكواماً من الأشياء التي تتوافق مع جثث بشرية» تمّ نقلها أو دفنها أو حرقها.

وأفادت شهادات ناجين من معركة الفاشر، بتعرّض المدنيين للاستهداف أثناء فرارهم من المدينة، بما يشمل إعدامات ميدانية وعنفاً جنسياً.

وحذرت خان من أن سكان دارفور يتعرضون لـ«تعذيب جماعي»، مضيفة أن «سقوط الفاشر صاحبه حملة منظمة ومحسوبة لتعريض المجتمعات غير العربية لأعمق أشكال المعاناة».

أضافت: «استناداً إلى تحقيقاتنا فإن العنف الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب، يُستخدم كأداة حرب في دارفور»، وأن «الصورة التي تتضح تدريجياً هي صورة مروّعة لجريمة منظمة واسعة النطاق، تشمل عمليات إعدام جماعية وفظائع».

وأكدت أن هذه الجرائم تشمل كل الإقليم الشاسع ولا تقتصر على الفاشر.

وتحدثت عن أدلة على أن «الفظائع التي ارتُكبت في الجنينة عام 2023 تكررت في الفاشر عام 2025، وهذه الجرائم تتكرر في مدينة تلو الأخرى بدارفور»، محذّرة من أنها ستستمر «إلى أن يتم وضع حد لهذا النزاع وللإفلات من العقاب».

ويقدّر خبراء الأمم المتحدة أن «قوات الدعم السريع» قتلت ما بين 10 و15 ألف شخص في مدينة الجنينة بغرب دارفور معظمهم من قبيلة المساليت.

وجددت خان دعوة السلطات السودانية لتسليم الأفراد الذين أصدرت الجنائية الدولية بحقهم مذكرات توقيف، وأبرزهم الرئيس السابق عمر البشير ورئيس الحزب الحاكم في عهده أحمد هارون.

ورأت أن تسليم الأخير يمثّل أولوية؛ إذ يواجه عشرات الاتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب تتضمن القتل والاغتصاب والتعذيب، إبان قمع السلطات لتمرد في دارفور في مطلع الألفية وفي جنوب كردفان عام 2011.

وينفي هارون هذه التهم.


«العاصمة الطبية»... مشروع مصري لـ«نقلة نوعية» في الخدمات الصحية

وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)
وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)
TT

«العاصمة الطبية»... مشروع مصري لـ«نقلة نوعية» في الخدمات الصحية

وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)
وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار خلال جولة تفقدية في أحد المستشفيات الحكومية (وزارة الصحة)

بدأت الحكومة المصرية خطوات إنشاء مشروع «مدينة العاصمة الطبية للمستشفيات والمعاهد التعليمية للبحوث والتدريب»، وسط تطلعات بأن تُحدث نقلة نوعية في المنظومة الصحية.

وخلال اجتماع مع عدد من أعضاء حكومته، الاثنين، أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن المشروع «هو بمثابة حلم نضيفه لمصر في الفترة المقبلة... من شأنه أن يُحدث نقلة نوعية في الخدمات الصحية».

وأوضح في إفادة رسمية أن «هناك توجيهات من الرئيس عبد الفتاح السيسي بالبدء في تنفيذ هذه المدينة، وقد قطعنا بالفعل شوطاً طويلاً في إعداد الدراسات الخاصة بهذا المشروع، وكذلك التصميمات المختلفة»، مشيراً إلى أن مصر تضع على أجندة أولوياتها في هذه المرحلة تحسين الخدمات الصحية والتعليمية.

ويقام المشروع على مساحة تصل إلى 221 فداناً، ويشتمل على 18 معهداً بسعة إجمالية تصل إلى أكثر من 4 آلاف سرير، وتقدم مستشفياته خدمات متنوعة تشمل العناية المركزة، والعناية المتوسطة، ورعاية الأطفال المبتسرين، وكذا خدمات الاستقبال والطوارئ، والعيادات، فضلاً عن إجراء العمليات الجراحية، وفق نائب رئيس الوزراء للتنمية البشرية ووزير الصحة خالد عبد الغفار.

وأورد بيان صادر عن الحكومة، الاثنين، أن المشروع «يتضمن إنشاء الجامعة الأهلية لعلوم الطب والتكنولوجيا الطبية، والتي تضم خمس كليات هي: كلية الطب البشري، وكلية طب الأسنان، وكلية التمريض، وكلية الصيدلة، والكلية التكنولوجية للعلوم الطبية التطبيقية، بالإضافة إلى مركز للأبحاث».

وأضاف البيان أن الطاقة الاستيعابية للجامعة تقدر بنحو 4 آلاف طالب، وتركز على دعم البحث العلمي والتدريب.

وتقام «المدينة الطبية» في العاصمة الجديدة، التي أصبحت مقراً للحكومة والبرلمان والوزارات، والتي من المنتظر أن تستوعب نحو 7 ملايين مواطن، وكان الغرض من إنشائها بالدرجة الأولى تخفيف الضغط على القاهرة التي يسكنها 18 مليون نسمة، إضافة إلى استقبالها ملايين الزوار يومياً.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال اجتماع لبدء إجراءات إنشاء المدينة الطبية (مجلس الوزراء)

ويرى محمود فؤاد، المدير التنفيذي لـ«جمعية الحق في الدواء»، وهي جمعية أهلية، أن إنشاء مدينة طبية متكاملة سيشكل طفرة كبيرة في منظومة الرعاية الصحية بمصر، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «المدينة الطبية مشروع طموح سيغير مفهوم الرعاية الصحية بالبلاد، خاصة في مجال البحث العلمي، الذي يمكنه أن يساهم في رسم سياسات صحية مستقبلية بمعايير علمية، بما سيؤدي إلى تحسين الخدمات الصحية المقدمة للمواطن».

وتطرق فؤاد إلى تأثير فكرة المدينة الطبية المتكاملة على التعليم الطبي، قائلاً: «الكثير من كليات الطب ليست لديها مستشفيات، وهو ما يجعل طلابها يبحثون عن مستشفيات أخرى في أماكن بعيدة جغرافياً للتدرّب فيها، كما أن بعض المستشفيات لديها مراكز أبحاث، لكنها تكون في أماكن أخرى بعيدة جغرافياً؛ لذلك ستوفر المدينة الطبية كل عناصر تطوير المنظومة الصحية في مكان واحد، بما في ذلك توفير التدريب لطلاب كليات الطب».

وبحسب إفادة وزير الصحة المصري، تبحث الحكومة عدة مقترحات تتعلق بطريقة إنشاء مدينة العاصمة الطبية، منها أن تتم بشراكة أجنبية بنظام «نموذج الإدارة المشتركة»، عن طريق قيام الجانب المصري بالتشغيل الطبي، الذي يتمثل في الإدارة الطبية الكاملة، من توفير الأطباء والتمريض والسياسات العلاجية ورعاية المرضى، على أن يختص الجانب الأجنبي بإدارة المرافق والخدمات المساعدة، من خلال عقد تشغيل لعدة سنوات، مؤكداً أنه يوجد «عدد من العروض تتعلق بذلك سيتم بحثها مع الجهات المتقدمة».

مساعٍ حكومية في مصر لتطوير المنظومة الصحية (وزارة الصحة)

وتؤكد عضوة لجنة الصحة بمجلس النواب، إيرين سعيد، أن فكرة إنشاء مدينة طبية متكاملة ستشكل «صرحاً طبياً مهماً، ونقلة نوعية في المنظومة الصحية بالبلاد».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «حتى يتحول مشروع المدينة الطبية إلى إنجاز حقيقي، يجب دراسة مشكلات المنظومة الصحية في مصر وعلاجها جذرياً، حيث تقوم المنظومة على 3 عناصر تتمثل في المستشفيات وتجهيزاتها وبنيتها التحتية وأجهزتها الطبية، ثم العنصر البشري من أطباء وتمريض وطواقم طبية، يليه ملف الأدوية».

وأكدت أن الحكومة «تبذل جهداً كبيراً في تطوير العنصر الأول، وهو المستشفيات، في حين يظل العنصر الثاني يعاني من مشكلات كبيرة، منها تدني أجر الطبيب والطواقم الطبية، كما أن ملف الأدوية يحتاج إلى حلول جذرية لضمان توافرها بالأسواق بشكل مستدام».