انخفاض فيتامين «دي»: هل هو «القاتل الصامت» لمينا أسنان أطفالنا؟

«نقص تَمَعدن القواطع والأضراس» اضطراب جديد يهددها

انخفاض فيتامين «دي»: هل هو «القاتل الصامت» لمينا أسنان أطفالنا؟
TT

انخفاض فيتامين «دي»: هل هو «القاتل الصامت» لمينا أسنان أطفالنا؟

انخفاض فيتامين «دي»: هل هو «القاتل الصامت» لمينا أسنان أطفالنا؟

يعدّ مرض «نقص تَمَعْدُن القواطع والأضراس (Molar-Incisor Hypo mineralization)» أحد الأمراض المكتشفة حديثاً في مجال طب الأسنان، فقد جرى التعرف عليه رسمياً في عام 2001 من قبل البروفسور هنريك وييرهيم وفريقه البحثي في «كلية طب الأسنان بأمستردام (ACTA)» في هولندا، بنشره بحثه الرائد الذي وصف فيه هذه الحالة لأول مرة؛ مما ساهم في تسليط الضوء على مشكلة «نقص تمعدن مينا الأسنان» لدى الأطفال.

فهم الأسباب المحتملة

ومنذ ذلك الوقت، أصبح هذا المرض محل اهتمام واسع في الأوساط الطبية والبحثية، فالعلماء يسعون إلى فهم أسبابه المحتملة، مثل العوامل البيئية والجينية، إلى جانب تطوير استراتيجيات علاجية فعالة للتعامل مع الأعراض المرتبطة به، مثل الحساسية المفرطة للألم وتسوس الأسنان؛ مما دفع بالباحثين إلى مواصلة الدراسات بشأن آليات حدوثه وطرق الوقاية منه.

فيتامين «دي»: هل هو السبب الرئيسي؟

تشير الأبحاث الحديثة إلى أن نقص فيتامين «دي» خلال الطفولة يُعدّ من العوامل الرئيسية للإصابة بهذا الاضطراب. والمعروف أن فيتامين «دي» ينظم امتصاص الكالسيوم والفسفور، وهما يشكلان أكثر من 90 في المائة من مكونات مينا الأسنان.

أدلة من مختبرات العالم: السعودية واليابان وسويسرا

* سويسرا: أوضحت دراسة من جامعة زيوريخ (2024) بقيادة البروفسور بنيامين سلوسكا، نُشرت في مجلة «BMC Oral Health»، أن نقص فيتامين «دي» يزيد خطر الإصابة بـ«نقص تمعدن القواطع والأضراس» بنسبة تصل إلى 43 في المائة.

* السعودية: في مراجعة منهجية نُشرت عام 2023 بمجلة «Children - MDPI»، أكّد الدكتور أحمد العلي وفريقه من جامعة الملك عبد العزيز أن انخفاض مستويات فيتامين «دي» عند الولادة يرتبط بارتفاع خطر الإصابة بهذا المرض.

* أستراليا: في دراسة أجرتها الدكتورة صوفي هاموند، نشرت عام 2025 بمجلة «Clinical Oral Investigations»، أثبتت الباحثة أن تعرض الأطفال لأشعة الشمس خلال أول عامين من حياتهم يقلل خطر الإصابة بهذا المرض بنسبة 38 في المائة.

* اليابان: نشر باحثون من جامعة أوساكا، بقيادة الدكتور ياماموتو، دراسة بمجلة «Paediatric Dental Journal» عام 2024، تحذر من استخدام المضادات الحيوية مبكراً، لما لذلك من تأثير سلبي على مستويات فيتامين «دي»؛ مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات الإصابة بمرض «نقص تمعدن القواطع والأضراس».

* الولايات المتحدة: دراسة نُشرت عام 2023 في مجلة «BMC Oral Health» بجامعة كولومبيا وجدت أن الأطفال الذين يعانون من نقص فيتامين «دي» معرضون بنسبة 22 في المائة أكثر للإصابة بتسوس الأسنان، خصوصاً الأسنان اللبنية.

وباء عالمي: أرقام تنذر بالخطر

في دراسة عالمية قادها الدكتور ونجدونغ زهاو، من جامعة آنهوي الطبية في الصين (2017)، ونشرت بمجلة «International Journal of Paediatric Dentistry»، تبيّن أن 12.9 في المائة من أطفال العالم يعانون من «نقص تمعدن القواطع والأضراس»، مع نسب أعلى تصل إلى 20 في المائة ببعض دول أميركا الجنوبية.

ويتوقع كاتب هذه المقالة أن تكون معدلاته أكبر في العالم العربي، حيث ما زلنا في انتظار دراسة مهمة، تقودها كلية طب الأسنان بجامعة الملك سعود في المملكة العربية السعودية، بشأن وبائيات هذا المرض في دول «مجلس التعاون الخليجي».

ولا تقتصر النتائج المدمرة لهذا المرض على الناحية الجمالية فقط، بل تمتد إلى التأثير على التغذية والصحة النفسية، وحتى الخوف المبكر من طبيب الأسنان، وذلك لحاجة الأطفال إلى علاجات طبيب الأسنان وهم في سن مبكرة جداً.

خطة الإنقاذ: حماية أسنان الأطفال تبدأ اليوم

وضعت «منظمة الصحة العالمية» في تقريرها السنوي بمناسبة «اليوم العالمي لصحة الفم»، في مارس (آذار) 2025، النصائح التالية لحماية أطفالنا من هذا المرض:

- التشخيص المبكر بزيارة طبيب الأسنان قبل عمر 6 سنوات، وقبل ظهور الأسنان الدائمة.

- تعريض الطفل للشمس لمدة 15 دقيقة يومياً (بعد استشارة الطبيب).

- فحص مستويات فيتامين «دي»، وتناول المكملات إذا كان هناك نقص، خصوصاً في الدول العربية رغم وفرة الشمس، حيث تصل معدلات نقص فيتامين «دي» إلى 90 في المائة من العرب بسبب تجنب الشمس.

- اتباع روتين وقائي، ويشمل تطبيق استعمال الفلوريد والفحوصات الدورية.

- استخدام علاجات متقدمة، كالحشوات المقاومة أو التيجان الخزفية أو المعدنية في الحالات المتقدمة من مرض «نقص تمعدن القواطع والأضراس».

والخلاصة أن مرض «نقص تَمَعْدُن القواطع والأضراس» ليس مجرد بقع بيضاء، وقد يكون مؤشراً مبكراً على نقص غذائي خطير لفيتامين «دي» الذي يهدد نمو العظام والصحة العامة؟ وتبدأ الوقاية من اليوم الأول في حياة الطفل، بالتغذية السليمة والتعرض المنتظم لأشعة الشمس.

حقائق

12.9 %

من أطفال العالم يعانون من نقص «تَمَعْدُن القواطع والأضراس»


مقالات ذات صلة

ما دور التمر في تعزيز مناعة الجسم؟

صحتك يحتوي التمر على مجموعة متنوعة من الفيتامينات مثل فيتامين «سي» وفيتامينات «بي» إضافة إلى معادن مهمة كالبوتاسيوم والمغنسيوم تساهم في تعزيز وظائف الجسم الحيوية (بيكسباي)

ما دور التمر في تعزيز مناعة الجسم؟

يُعدّ التمر من أهم الأغذية الطبيعية الغنية بالعناصر الغذائية التي تلعب دوراً أساسياً في دعم جهاز المناعة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك المغنسيوم يُعد عنصراً أساسياً لدعم النوم (بيكسلز)

هل تساعد مشروبات المغنسيوم حقاً على النوم؟

برزت مشروبات المغنسيوم كخيار شائع يُروَّج له على نطاق واسع بوصفه وسيلة بسيطة وفعّالة لتحسين جودة النوم والتخفيف من الأرق.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك يُعد الكرز من أكثر الفواكه التي دُرست فيما يتعلق بخصائصها المضادة للالتهاب (بكسلز)

5 فواكه ربيعية سلاحك الطبيعي ضد الالتهابات

تبرز الفواكه الغنية بمضادات الأكسدة والبوليفينولات والألياف والفيتامينات بوصفها أبرز الحلول لمكافحة الالتهاب المزمن

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك بعض الأشخاص يشكون من طعم معدني مزعج عند تناول مكملات الحديد (بيكسلز)

7 آثار جانبية محتملة لتناول مكملات الحديد يومياً

عندما لا يحصل الجسم على كفايته من الحديد عبر النظام الغذائي يلجأ كثيرون إلى مكملات الحديد لتعويض هذا النقص

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك توفّر الأسماك الدهنية مثل السلمون مزيجاً قوياً من فيتامين «د» وأحماض «أوميغا 3» الدهنية (بكساباي)

5 أطعمة تساعد على تحسين جودة النوم

قد يلعب النظام الغذائي دوراً أكبر مما يُعتقد في اضطرابات النوم وصعوبة الخلود إليه

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
TT

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

انطلق عصر الذكاء الاصطناعي بوعودٍ واسعة النطاق ونقاشاتٍ حول إمكانياتٍ لا حدود لها، كما تكتب لويز ك. ألين(*).

تفاؤل وخيبة

والآن، وبعد سنواتٍ من الخبرة العملية، لا يزال الخبراء متفائلين بشأن التأثير طويل الأمد للذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، يتفق معظم الناس على أن مساهماته في الحياة اليومية كانت مخيِّبة للآمال، إن لم تكن أسوأ من ذلك.

وحتى بصفتي واحدة من العاملات في القيادة التقنية بهذا المجال، لا بد لي من الاعتراف بأن استياء المستهلكين من الذكاء الاصطناعي له ما يبرره إلى حد كبير، فقد اتسمت تجربة المواطن الأميركي العادي مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، حتى الآن، بتراجع الجودة وازدياد انعدام الثقة.

قصص وهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

تعجّ وسائل التواصل الاجتماعي بأشخاصٍ وقصصٍ وهمية، وتمتلئ الأسواق الإلكترونية بشكلٍ متزايد بعمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تفشل مبادرات الشركات في تحقيق التوقعات المالية، بل إن عدداً منها زاد من صعوبة حياة العاملين.

لقد بات فشل أدوات الذكاء الاصطناعي العام في تحقيق الضجة الإعلامية الكبيرة التي أثيرت حولها، أمراً مُسلَّماً به عالمياً، حتى إن قاموس ميريام-ويبستر نفسه أعلن اختياره كلمة «هراء» ككلمة عام 2025.

«التحديد الدقيق والموجّه»

ومع ذلك، تتاح للجمهور، الآن، فرصة لتغيير هذا الواقع في عام 2026. ويبدأ ذلك بتوظيف مفهوم «التحديد الدقيق (specificity)» ككلمة تُعرِّف ما هو مقبل.

وفي حقيقة الأمر، فإن شركات التكنولوجيا وباحثي الذكاء الاصطناعي بالغوا في تقدير القدرات الفعلية لهذه التقنية منذ البداية، فقد ركّز هؤلاء الرواد على الإمكانات الكامنة، بدلاً من النتائج العملية. لقد صوّروا الذكاء الاصطناعي على أنه ضرورة يجب على الشركات اتباعها لمواكبة التطورات، بدلاً من كونه أداةً يمكن للمؤسسات والأفراد استخدامها لتحقيق أهداف محددة.

التكنولوجيا وسيلة وليست غاية

لتطوير هذه التقنية وتحقيق رؤيتهم لمستقبل مُحسَّن بالذكاء الاصطناعي، سيتعيّن على القادة التوقف عن مناشدة الجمهور لتغيير الخطاب حول الذكاء الاصطناعي.

إن الطريق إلى الأمام بسيط للغاية، إذ يحتاج قادة التكنولوجيا إلى العودة إلى أساسيات المنتج. عليهم أن يتقبلوا فكرة أن التكنولوجيا وسيلة لتحقيق غاية، وليست غاية في حد ذاتها، وهذا يعني إعادة تركيز استراتيجيات التطوير والتواصل على حلول للمشاكل الحقيقية.

خطوات التحديد الدقيق «الموجّه»

1. التصميم الموجَّه للأفراد لا «المستخدمين»

إن إغراء بناء أدوات عامة الأغراض مفهوم، لكن القيام بذلك باستخدام التكنولوجيا الحالية يُضعف فائدتها. وستكون أدوات الذكاء الاصطناعي، اليوم، أكثر فاعلية عندما تُصمم خصوصاً لأفراد محددين في أدوار محددة. يجب أن تُوجه هذه المعرفة عملية ابتكار المنتج، والتدريب، والتسويق، وتكتيكات المبيعات.

2. التركيز على النتائج بدلاً من القدرات

الذكاء الاصطناعي ليس مختلفاً عن أي منتج آخر. لن يستخدمه الناس إلا إذا حل مشكلة موجودة لديهم بالفعل. ويفشل كثير من أدوات الذكاء الاصطناعي في تحقيق هذا الهدف، فهي تركز على ما يمكن للنموذج فعله، بدلاً من التمعن في فهم أسباب أهمية ما يفعله.

3. التوقف عن تقديم وعود خيالية

قد يُمثل الذكاء الاصطناعي، اليوم، مستقبلاً يمكن فيه تحقيق التحسين الشامل، لكن هذا ليس صحيحاً. يجب أن تعكس خطط تطوير المنتجات هذه الحقيقة. إنّ الوضوح والمباشرة بشأن ما هو متاح الآن وما سيكون متاحاً في المستقبل يُساعدان على تخفيف الإرهاق الناتج عن الضجة الإعلامية واستعادة الثقة.

حان وقت إعادة النظر

بصفتي مديرة للمنتجات، شاهدتُ عدداً من الأمثلة على الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي، خلال السنوات القليلة الماضية.

ومع ذلك، أُدرك أن أسباب انعدام ثقة الجمهور أو عدم اهتمامه الواسع النطاق تقع في معظمها على عاتق قطاع التكنولوجيا، ذلك أن رغبة هذا القطاع في إنجاز كل شيء دفعة واحدة، خلقت بيئةً لا يثق فيها الناس بقدرة التكنولوجيا على القيام بأي شيء مفيد.

إنها حقيقةٌ يصعب تقبّلها، لكن أي قائد تقني يُنكر ذلك يُخدع نفسه. ومع ذلك، لم يفت الأوان بعدُ لتصحيح الوضع. إذا كان القادة على استعداد لتقبُّل هذه الحقيقة وإعادة توجيه استراتيجياتهم نحو «التحديد»، فسيكون هناك متسع من الوقت لإعادة النظر، وإعادة التقييم، وتحقيق رؤية مستقبلٍ مُحسَّن. يجب أن يحدث هذا قريباً، وإلا فسيضيع مستقبل الذكاء الاصطناعي هباءً.

*مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا»


مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟


أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
TT

أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 50 عاماً

شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر
شكل تصويري لمركبة «أوريون» قرب القمر

سترسل وكالة الطيران والفضاء الاميركية ناسا، أربعة رواد فضاء في مهمة أرتميس 2 في رحلة تستغرق 10 أيام حول القمر للتمهيد لهبوط على سطحه في المستقبل وإقامة قواعد دائمة عليه.