هرمونات الجنس... «هرمونات دماغية»

العلماء يدرسون تأثيرات الإستروجين على الإصابة بالحالات العصبية

هرمونات الجنس... «هرمونات دماغية»
TT

هرمونات الجنس... «هرمونات دماغية»

هرمونات الجنس... «هرمونات دماغية»

الإستروجين سلاحٌ مُتعدد الاستخدامات للهرمونات، ويُعرف بين العلماء بتنوع استخداماته، فإلى جانب دوره الرئيس في تعزيز الصحة الجنسية والإنجابية، فإنه يقوّي العظام، ويحافظ على ليونة الجلد، وينظم مستويات السكر بالدم، ويزيد من تدفق الدم، ويقلل الالتهابات، ويدعم الجهاز العصبي المركزي.

في هذا السياق، أوضحت روبرتا برينتون، عالمة الأعصاب ومديرة «مركز الابتكار في علوم الدماغ»، التابع لجامعة أريزونا، أن «أي عضو تسميه، ستجد أن الإستروجين يعزز صحته».

تأثيرات الإستروجين على الدماغ

ومع ذلك، فإن تقدير الدور الأوسع للإستروجين تأخر كثيراً. وقد جرى التعرف على هذا المركب لأول مرة عام 1923، ومنذ ذلك الحين عُرف بهرمون الجنس الأنثوي – وهو وصف أحادي البعد ارتبط باسمه.

يأتي اسم «الإستروجين» estrogen من الكلمة اليونانية «أوستروس» (oestrus)، وتعني حرفياً «ذبابة مزعجة»، تشتهر بإثارة الماشية ودفعها نحو نوبة غضب جنونية. ولكن علمياً، أصبح مصطلح estrus «الشبق» يعني الفترة في دورات التكاثر لدى بعض الثدييات، التي تكون فيها الإناث خصبة ونشيطة جنسياً.

أما البشر، فيدخلون مرحلة «الشبق»، بل يحيضون. ومع ذلك، حين أُطلق اسم «الإستروجين»، حُصر دوره في إثارة الشهوة الجنسية ودعم الصحة الجنسية الأنثوية. أما اليوم، فيجري الاعتراف بدور الإستروجين الذي قد يكون أهم أدواره على الإطلاق: تأثيره على الدماغ.

من ناحيتهم، اكتشف علماء الأعصاب أن الإستروجين ضروري لنمو الدماغ بشكل صحي، لكنه يساهم كذلك في حالات مثل التصلب المتعدد ومرض ألزهايمر. أضف إلى ذلك أن التغيرات في مستويات الإستروجين – سواء جراء الدورة الشهرية أو مصادر خارجية – يمكن أن تؤدي إلى تفاقم الصداع النصفي، ونوبات الصرع، وأعراض عصبية شائعة أخرى.

عن ذلك، قال الدكتور هيمان شيبر، طبيب الأعصاب بجامعة ماكجيل: «هناك عدد هائل من الأمراض العصبية، التي يمكن أن تتأثر بتقلبات الهرمونات الجنسية. وتنبغي إعادة توظيف الكثير من العلاجات المستخدمة في الطب التناسلي لعلاج هذه الأمراض العصبية». يذكر أنه أدرج اثني عشر منها في مراجعة حديثة نُشرت في «دورية طب الدماغ» (Brain Medicine).

واليوم، ترتب على إدراك أن الهرمونات الجنسية هي بالوقت ذاته هرمونات دماغية، تغيير في الطريقة التي يتعامل بها الأطباء مع صحة الدماغ والأمراض المرتبطة به؛ ما يساعدهم في توجيه العلاج، وتفادي التفاعلات الضارة، وتطوير علاجات جديدة تعتمد على الهرمونات.

المستقبلات في كل مكان

لدى النساء، يجري إنتاج الإستروجين بشكل رئيس في المبايض، مع كميات أقل تُنتجها الغدد الكظرية والخلايا الدهنية. أما لدى الرجال، فيُحوّل الإستروجين من التستوستيرون في الخصيتين، ويلعب دوراً حيوياً في إنتاج الحيوانات المنوية، وتقوية العظام، ووظائف الكبد، واستقلاب الدهون، وغيرها.

إلا أنه في كلا الجنسين، ينتج الدماغ كذلك إستروجينه الخاص؛ ما يؤكد أهميته العصبية. عن ذلك، شرحت ليزا موسكوني، عالمة الأعصاب ومديرة «مبادرة حماية دماغ المرأة»، التابعة لكلية طب وايل كورنيل، أن: «الدماغ يعدّ، جزئياً، عضواً غدياً صمّاوياً».

إن الدماغ غني بمستقبلات الإستروجين، التي تومض نشاطاً وخموداً طوال الحياة. وفي السابق، ساد اعتقاد بأن هذه المستقبلات تتمركز حول بُنى ذات وظائف تناسلية محددة، مثل الغدة النخامية pituitary والوطاء hypothalamus. في الواقع، «إنها موجودة بكل مكان»، حسبما ذكرت موسكوني، التي طورت تقنية PET (التصوير البوزيتروني) لرصد المستقبلات داخل الدماغ الحي. وأضافت: «لم نتمكن حتى من العثور على منطقة فارغة تماماً».

داخل الدماغ، يمكن للإستروجين أن يرتبط مباشرة بمستقبلات داخل الخلايا العصبية وخلايا أخرى، محدِثاً سلسلة من التفاعلات. كما يمكن كذلك أن يتحلل إلى نواتج أيضية، تُعرف باسم «الستيرويدات العصبية» neurosteroids، التي لها تأثيرات بعيدة المدى خاصة بها.

وأصبحت بعض هذه الستيرويدات العصبية، تُستخدم في علاجات منفصلة: «ألوبريغنانون»، Allopregnanolone ناتج أيضي من البروجستيرون، يشكل أساس دواء يُستخدم لعلاج بعض أنواع الصرع. ويجري حالياً اختباره في تجربة سريرية، بصفته علاجاً تجديدياً محتملاً لمرض ألزهايمر.

وداخل الرحم، يساعد الإستروجين القادم من الأم في تنظيم دوائر الدماغ العصبية للجنين، وتوجيه إنتاج خلايا الدماغ، والتأثير في نمو مناطق الدماغ المختلفة. وخلال التحولات الكبرى، مثل البلوغ، والحمل، وانقطاع الطمث، يساعد الإستروجين في تشذيب وإعادة تشكيل الدماغ من جديد.

ومع ذلك، يدرك الباحثون الآن أن الإستروجين يؤثر في تشكيل الدماغ في جميع مراحل الحياة؛ فهو قادر على تنظيم نشاط الخلايا العصبية، وتقليل الالتهاب، وزيادة اللدونة العصبية، والمساعدة في تحويل الغلوكوز طاقةً، ومنع تراكم اللويحات، وتحسين تدفق الدم داخل الدماغ.

إلا أن ما ينبغي الانتباه إليه أنه ليس كل هذه التأثيرات إيجابية، فقد وجد الدكتور شيبر، من خلال تجارب على القوارض، أن الاستخدام طويل الأمد للإستروجين، يمكن أن يؤدي إلى تقدم بعض مناطق الدماغ في السن. وقال: «لا يوجد هرمون يفعل شيئاً واحداً فقط»، مضيفاً: «أنا أرى الإستروجين سيفاً ذا حدين».

الحمل وحماية الدماغ

فيما مضى، كان علماء الأعصاب يعلمون أن للإستروجين تأثيرات تتجاوز الجهاز التناسلي، لكنهم اختاروا عدم دراستها: قبل عام 2016، كانوا يستبعدون إناث الحيوانات من التجارب عموماً، لتجنب التعامل مع الفروقات السلوكية والفسيولوجية الناتجة عن تغيّرات الهرمونات خلال الدورة الشهرية.

في هذا الإطار، تساءلت الدكتور روندا فوسكول، اختصاصية الأعصاب في «برنامج سن اليأس الشامل»، بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس: «كيف ستعرف ما إذا كان الإستروجين يحمي الأعصاب، إذا لم تُجرِ أي تجارب على الإناث؟!».

عام 1998، كانت فوسكول تبحث عن جزيء يحمي الدماغ من آثار التصلب اللويحي، الذي يهاجم الجهاز المناعي الخلايا العصبية، ويجردها من غلافها الواقي. ويُصيب التصلب اللويحي قرابة مليون أمريكي، معظمهم من النساء.

وقد بدأ بحثها بملاحظة سريرية: من المعروف أن الحمل يحمي النساء من أعراض التصلب المتعدد، ففي الثلث الأخير من الحمل، تنخفض معدلات الانتكاس بنسبة 70 في المائة؛ ويبدو أن الحمل فعال بقدر فاعلية أفضل الأدوية. ومع ذلك، تبقى هذه الحماية مؤقتة، فبعد الولادة، يتفاقم خطر الانتكاس بشكل حاد.

من جهتها، كانت فوسكول مدركة للأمر لأن الجهاز المناعي يهدأ في أثناء الحمل، على الأرجح لحماية الجنين الذي يُعد نسيجاً نصف غريب. إلا أنها اشتبهت في أن هناك سبباً أعمق عن ذلك. وقالت: «من المنطقي أن تمتلك الأم شيئاً لا يقتصر فقط على كونه مضاداً للالتهاب، بل يحمي الأعصاب كذلك».

وبالفعل، تبيَّن أن هذه المادة - الإيستريول ـ نوع من الإستروجين يُنتج أساساً عن طريق المشيمة. عام 2016، أظهرت فوسكول، من خلال تجربة سريرية عشوائية على 164 امرأة، أن علاج الإيستريول على مدار عامين، قلل بشكل ملحوظ من انتكاسات التصلب المتعدد.

كما بدا أنه يُحسن وظائف الإدراك، ويُقلل من ضمور المادة الرمادية في الدماغ.

وكان الإيستريول estriol معروفاً بكونه آمناً؛ إذ تستخدمه المريضات اللائي يعشن مرحلة انقطاع الطمث في أوروبا منذ عقود. وعلى عكس الإستراديول estradiol، لا يرتبط الإيستريول بقوة بمستقبلات الثدي؛ ما يعني أنه لا يحمل نفس خطر الإصابة بسرطان الثدي على المدى الطويل. ولذلك؛ وصفته فوسكول بأنه: «هدية للعلماء».

بالتأكيد، تبدو هذه نتائج واعدة لمرضى التصلب المتعدد. واليوم، تعكف فوسكول على دراسة ما إذا كانت هذه النتيجة تنطبق ليس فقط على مرضى التصلب المتعدد، بل على جميع النساء في سن اليأس. وقد طورت علاجاً هرمونياً نال براءة اختراع، يُدعى «بيرل باك» (PearlPAK)، يحتوي على الإستريول، وتبيعه شركة «كليوباترا آر إكس»، التي تشغل منصب مستشارة طبية لديها.

وبحسب الموقع الإلكتروني، فإن «بيرل باك» قادر على معالجة «مشكلات الذاكرة والصحة الإدراكية الناتجة عن انقطاع الطمث». وهذه الفرضية التي تحاول فوسكول اختبارها، من خلال مراقبة النساء اللواتي يستخدمن «بيرل باك» سنوياً، عبر الاختبارات الإدراكية. وعن هذا، قالت: «أنا فقط أطبق الطريقة التي نتبعها في علاج التصلب المتعدد على انقطاع الطمث».

ونبَّهت إلى إن النتائج لن تكون بمستوى قوة نتائج التجارب العشوائية، لكنها أشارت إلى أن شركات أخرى متخصصة في التعامل مع مشكلات سن اليأس، كانت تروج لفوائد مماثلة دون أدلة كافية. وأضافت: «على الأقل لدينا مادة حقيقية».

إرث مشحون

هذه ليست المرة الأولى التي يُروَّج فيها لعلاج الإستروجين، بصفته حلاً شاملاً لمشكلات الإدراك لدى النساء في سن اليأس. قال شيفر: «قبل عام 2000، كان يبدو أن الإستروجين دواءً سرياً».

في ذلك الوقت، كان يُعتقد أن الهرمون يحمي الدماغ من السكتات الدماغية ومرض ألزهايمر ـ وهو اعتقاد مدعوم بالكثير من الدراسات على الحيوانات وبعض الدراسات الرصدية على البشر.

إلا أنه عام 2003، انقلبت الأمور، فقد كشفت «دراسة مبادرة صحة ذاكرة المرأة» — تجربة سريرية محورية تتبعت التأثيرات طويلة الأمد للعلاج الهرموني لدى النساء، بعد انقطاع الطمث — عن أن النساء الأكبر سناً اللاتي تناولن الإستروجين فقط (وليس الإستروجين مع البروجسترون)، كُن أكثر عرضة للإصابة بالخرف بمقدار الضعف، مقارنة بالنساء اللاتي تناولن علاجاً وهمياً.

وقد توقّف الأطباء عن وصف الإستروجين للنساء بعد انقطاع الطمث، وتوقفت النساء عن تناوله، خوفاً من هذه النتائج. وعلقت مارغريت مكارثي، عالمة الأعصاب بجامعة ميريلاند: «كان موقف الكثير من العلماء على النحو الآتي: لماذا ندرسه؟ لن تتناول النساء الإستروجين بعد الآن، فلا فائدة من البحث»، مضيفة: «كان ذلك كارثياً على الأبحاث».

في وقت لاحق، تبيّن أن هذه النتيجة تنطبق فقط على النساء اللواتي بدأن العلاج بالإستروجين في سن 65 أو أكثر، أي بعد مرور أكثر من 10 سنوات على آخر دورة شهرية. أما فيما يخص النساء بين سن 50 و55، فقد وجدت مراجعة شاملة أن تأثير الإستروجين على خطر الإصابة بالخرف كان محايداً. ولم تُدرج النساء الأصغر سناً في الدراسة الأصلية.

والآن، أصبح على الباحثين تجاوز فكرة أن الإستروجين يحمي الدماغ، وطرح سؤال أكثر دقة: متى بالضبط، وكيف، يحمي هذا الهرمون الدماغ؟

التركيز على جذور ألزهايمر

يصل دور الإستروجين في صحة الدماغ إلى أكثر مستويات الجلاء والوضوح في سن اليأس، حين يسهم تراجعه في ظهور أعراض إدراكية تعرفها النساء جيداً وتكرهها: الهبّات الساخنة، اضطرابات النوم، وضبابية الدماغ. ويعتقد بعض علماء الأعصاب أن فقدان الإستروجين أحد الأسباب الرئيسة لكون النساء أكثر عرضة للإصابة بمرض ألزهايمر، بمقدار الضعف مقارنة بالرجال.

مع انحسار مستويات الإستروجين، يتغير كذلك الدماغ، فحتى سن اليأس، يعتمد الدماغ بشكل كبير على الغلوكوز مصدراً للطاقة، ويُساعد الإستروجين في تحويله طاقةً. أما بعد انقطاع الطمث، فيبدأ الدماغ في الاعتماد على مصادر بديلة للطاقة، بما في ذلك استهلاك مادته البيضاء، حسبما كشفت برينتون في دراسات أجرتها على الحيوانات.

وقالت برينتون: «إنه استجابة للجوع»، مضيفة: «لا علاقة لهذا بالقدرة الإنجابية، بل بكل ما يتعلق بالدماغ الذي يمر بمرحلة انتقالية».

وقد تكون هذه المرحلة نقطة البداية التي يظهر فيها الضعف الإدراكي المرتبط بألزهايمر — ومن الناحية النظرية، قد يكون هذا الوقت الذي يمكن أن يساعد فيه العلاج بالإستروجين أو تدخل آخر في الوقاية من التدهور المعرفي. إلا أن برينتون لم تكن تمتلك وسيلة لرؤية ذلك داخل دماغ الإنسان. وفي عام 2014، تواصلت مع موسكوني، خبيرة تصوير الأعصاب، للحصول على المساعدة.

في ذلك الوقت، كان الأطباء قادرين على قياس مستويات الإستروجين في الدم فقط، لكن موسكوني أدركت أن ملايين الأميركيين يستعينون بنوع من العلاج القائم على الإستروجين، ولا أحد يعرف تأثيره على أدمغتهم. لذا؛ طورت تقنية تصوير تسمح برؤية مستقبلات الإستروجين في الدماغ، من خلال إعادة استخدام مادة مشعة تُستخدم أصلاً للكشف عن المستقبلات نفسها في سرطان الثدي.

عام 2024، فوجئت هي وبرينتون حين اكتشفتا أن عدد مستقبلات الإستروجين في الدماغ يبدو أنه يزداد بشكل كبير بعد انقطاع الطمث، ربما في محاولة لجذب المزيد من هذا الهرمون. أما المثير للاهتمام حقاً أنه كلما زاد عدد مستقبلات الإستروجين لدى المرأة، كانت نتائج ذاكرتها وقدراتها الإدراكية أسوأ.

وفي فبراير (شباط)، أطلقت موسكوني برنامج أبحاث بقيمة 50 مليون دولار، بتمويل من مؤسسة «ويلكم ليب»، تحت اسم «تقليل خطر ألزهايمر من خلال علم الغدد الصماء».

وتأمل موسكوني في رصد تحديد النساء الأكثر عرضة للإصابة بألزهايمر، بسبب تغيرات الدماغ المرتبطة بالإستروجين، ومعرفة ما إذا كان العلاج الهرموني المُقدم خلال فترة زمنية حرجة يمكن أن يُساعد في خفض خطر الإصابة لديهن.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

مشروبات يُنصح بتجنبها قبل النوم للحفاظ على استقرار سكر الدم

صحتك هناك مشروبات تحتوي على كميات مرتفعة من السكر ينبغي عدم تناولها ليلاً (بيكسلز)

مشروبات يُنصح بتجنبها قبل النوم للحفاظ على استقرار سكر الدم

بعض المشروبات يحتوي على كميات مرتفعة من السكر بينما قد يؤثر بعضها الآخر في جودة النوم وهو ما يمكن أن ينعكس بدوره على قدرة الجسم على تنظيم السكر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك ترتبط اضطرابات النوم بصحة الدماغ وقدرته على أداء وظائفه بصورة طبيعية (بيكسلز)

علامات تحذيرية أثناء النوم قد تزيد خطر الإصابة بالخرف

لا يقتصر تأثير اضطرابات النوم على شعورنا بالنشاط أو الإرهاق في اليوم التالي، إذ يرتبط أيضاً بصحة الدماغ وقدرته على أداء وظائفه بصورة طبيعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك يتجه طب الرئة التداخلي إلى مرحلة جديدة من التطور مدفوعاً بالتقدم المتسارع في التقنيات الطبية (الشرق الأوسط)

روبوتات وذكاء اصطناعي وعلاجات استئصالية تعيد رسم مستقبل طب الرئة التداخلي

يتجّه طب الرئة التداخلي إلى مرحلة جديدة من التطور، مدفوعاً بالتقدم المتسارع في التقنيات الطبية، والروبوتات، والذكاء الاصطناعي، إلى جانب العلاجات الاستئصالية.

«الشرق الأوسط» (هيوستن)
صحتك اكتشف العلاقة بين الإكثار من القهوة وارتفاع ضغط الدم؟

اكتشف العلاقة بين الإكثار من القهوة وارتفاع ضغط الدم؟

قد يسبب الإفراط في تناول القهوة ارتفاعاً مؤقتاً في ضغط الدم بسبب الكافيين، خصوصاً لدى الأشخاص غير المعتادين عليه.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك البرد قد يجعل العضلات والأربطة والمفاصل أكثر تيبساً وألماً (أرشيفية - بيكسلز)

لماذا تزداد آلام المفاصل مع برودة الطقس؟

تزداد آلام المفاصل مع برودة الطقس نتيجة انخفاض الضغط الجوي، وانقباض الأوعية الدموية، وزيادة لزوجة السائل داخل المفصل.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الذكاء الاصطناعي يسكتشف سر «الأيدي السحرية» للعلماء

الذكاء الاصطناعي يسكتشف سر «الأيدي السحرية» للعلماء
TT

الذكاء الاصطناعي يسكتشف سر «الأيدي السحرية» للعلماء

الذكاء الاصطناعي يسكتشف سر «الأيدي السحرية» للعلماء

في ظهيرة أحد الأيام الماضية، كان عدد من العلماء يتحرك بنشاط ودأب داخل مختبر في مدينة كمبردج بولاية ماساتشوستس، حيث عكفوا على إجراء سلسلة من التجارب. وكانت تجهيزات المختبر اعتيادية: خزانة تهوية مخصصة للتعامل مع المواد الكيميائية الخطرة، وحاضنة لزراعة الخلايا. كما بدت إجراءات العمل مطابقة لما يجري في مختبرات علم الأحياء في كل مكان.

ذكاء اصطناعي للمراقبة

إلا أنه مع إمعان النظر، ظهرت بعض الأمور الغريبة؛ إذ كان معظم العلماء يضعون كاميرات صغيرة مثبتة على عصابات للرأس إلى جانب المعاطف والقفازات الواقية التي يرتدونها. وتولت ثلاث كاميرات إضافية مراقبة كل محطة عمل من أعلى، حيث كانت مثبتة على رف قريب.

أما الغريب واللافت فكان غياب دفاتر التسجيلات المختبرية. وبدلاً منها، كان العلماء يصفون عملهم بصوت خافت، وهم يتمتمون في ميكروفونات. وفي أحد أطراف المختبر، تجمع فريق لمراجعة تسجيلات مصورة للتجارب.

في واقع الأمر، كان هذا هو بحث حقيقي يجري داخل المختبر، فمن خلال منظومة من أجهزة الاستشعار والبرمجيات، صُممت لتسجيل ما يحدث في أثناء إجراء التجارب، بدقة تصل إلى مستوى الملّي ثانية، كان العلماء يدربون نماذج للذكاء الاصطناعي على التعرف إلى كل أداة يستخدمها العلماء، وكل حركة أو إجراء يتخذونه.

والمثير هنا أن الذكاء الاصطناعي ألًف سرداً خاصاً به، وصف من خلاله كل بضع ثوانٍ من التسجيل المصور بجمل مثل: «يعيد المشغّل تعليق الراسب، بتحريكه إلى أعلى وأسفل 10 مرات باستخدام الماصّة».

تعود هذه التكنولوجيا إلى شركة ناشئة تُدعى «ترانسفير»، أسست حديثاً، بعدما جمعت تمويلاً أولياً بقيمة 25 مليون دولار. وهي تسعى إلى معالجة تحدٍّ قديم قِدم البحث العلمي نفسه: رصد العوامل الخفية التي تجعل بعض التجارب تنجح، بينما تفشل أخرى.

إن الفشل قد يتخذ صوراً كثيرة. وعلى سبيل المثال، قد يقضي الباحثون شهوراً في إعداد سلالة من الخلايا المعدلة هندسياً، لتموت الخلايا فجأة على نحو غامض. وقد ينجح اختبار حكومي مثلاً للكشف عن فيروس «كورونا» في مختبر ما، ثم يفشل في اكتشاف الفيروس، عندما يستخدمه باحثون في مختبرات أخرى.

ويمكن أن تنجح شركة متخصصة في التكنولوجيا الحيوية في ابتكار دواء جديد واعد، لكن ما إن تسلّم بروتوكول إنتاجه إلى فريق يتولى تصنيعه على نطاق واسع، تختفي فاعلية الدواء فجأة.

في هذا الصدد، قالت آنا ماري فاغنر، المؤسسة المشاركة في شركة «ترانسفير»: «إنها مشكلة مؤلمة للغاية. يبدأ تبادل الاتهامات من هذا الطرف إلى ذاك: هل كان البروتوكول الذي اتبعته خاطئاً؟ أم أنك ارتكبت خطأ ما؟ هذه أخطاء باهظة التكلفة للغاية، من حيث الوقت والمال وحياة البشر».

أيدي العلماء «السحرية»

العجيب أن النجاح لا يقل غموضاً أحياناً عن الفشل، فهناك باحثون يحالفهم النجاح باستمرار في تجاربهم، فيثيرون إعجاب زملائهم وحيرتهم في آن واحد. بل إن العلماء لديهم مصطلح خاص لوصف هذه الموهبة: «الأيدي السحرية». وقد تبدو هذه الفكرة مثيرة للدهشة لمن لا يقضون حياتهم داخل المختبرات؛ فالعلم، في نهاية المطاف، لا يُفترض أن يكون ضرباً من ضروب السحر.

بوجه عام، عندما يجري العلماء تجاربهم، فإنهم يحرصون على تسجيل نتائجها بدقة، سواء في دفاتر المختبر أو لاحقاً في أوراق بحثية منشورة. ويستعين باحثون آخرون بهذه المعلومات لمحاولة تكرار التجربة.

ومع ذلك، فإنه بمرور الوقت كل عالم يكتشف، عاجلاً أم آجلاً، أن المعرفة الأساسية التي يحتاج إليها ليست بالضرورة مدونة في أي مكان. وفي هذا السياق، شرح جوناثان ليفني، كبير الباحثين لدى «معهد برود»، الذي تعاون مع شركة «ترانسفير»: «البروتوكول أشبه بالوصفة. يمكنك أن تعطي شخصاً وصفة، لكن هذا لا يعني أنها ستجعله طاهياً ماهراً».

ومثلما الحال مع الطهاة المتدربين، يقضي العلماء سنوات في التعلم والتدريب، ويلازمون الخبراء، ويطرحون الأسئلة، ويجربون بأنفسهم مختلف الإجراءات والأساليب.

ولكي تنجح تجربة ما، قد يضطر العالم إلى اتخاذ آلاف القرارات الصغيرة على مدار اليوم. مثلاً، إذا كان أحد الأنابيب يحتاج إلى الرجّ، فهل يُترك ليدور على منصة اهتزاز، أم يكفي تحريكه ذهاباً وإياباً باليد؟

وأضاف ليفني: «أحياناً لا يعرف الأشخاص البارعون حقاً سر براعتهم؛ فهم لا يتذكرون المرات العشرين، التي جربوا فيها طرقاً أخرى وفشلت».

في ستينات القرن الماضي، أطلق الكيميائي والفيلسوف المجري مايكل بولاني، اسماً على هذه الخبرة الغامضة: «المعرفة الضمنية». وكان يردد دوماً: «نحن نعرف أكثر مما نستطيع أن نقول». وفيما بينهم، بات العلماء يتفقون عموماً مع بولاني على أن المعرفة الضمنية، تشكل جزءاً أساسياً من البحث العلمي، لكنها قد تعرقل تقدمه كذلك.

رصد تقدم البحوث

نظرياً، يتقدم العلم حين يبني الباحثون على ما توصل إليه من سبقوهم. وعندما تصدر دراسة جديدة، يحاول علماء آخرون تكرار العمل الذي أُجري فيها، فإذا كانت النتيجة الأصلية صحيحة، فمن المفترض أن تؤدي محاولة تكرارها إلى النتائج نفسها.

بيد أن المثير للدهشة أن ذلك لا يحدث، في الغالب. وهنا، تمثل المعرفة الضمنية جزءاً من المشكلة. وعليه، يبقى العلماء عاجزون عن معرفة الطريقة الدقيقة لتكرار دراسة ما بمجرد قراءة ما كُتب عنها.

خلال عملها بأبحاث ما بعد الدكتوراه، أدركت رينيه ويغرزين، إحدى مؤسسات شركة «ترانسفير»، هذه الفجوة بوضوح. فقد كانت تدون تفاصيل تجاربها على البروتينات في دفتر المختبر، لكن ما سجّلته لم يكن سوى جزء بسيط من جهودها.

وعندما نشرت ويغرزين نتائجها اضطرت إلى اختزال سجلاتها بدرجة أكبر. وقالت: «أمضيت ثلاث سنوات في مرحلة ما بعد الدكتوراه، ثم جرى اختزال كل ذلك في ورقة بحثية من ثلاث صفحات».

وبطبيعة الحال، غابت عن تلك الملاحظات والتقارير، جميع القرارات الصغيرة التي اتخذتها ويغرزين، في أثناء إجراء أبحاثها.

وقال برايان نوسِك، الخبير في دلائل تكرار الدراسات بجامعة فرجينيا، والذي لا تربطه صلة بشركة «ترانسفير»: «قد تكون كل هذه التفاصيل مهمة، لكننا ببساطة لا نعرف على وجه اليقين ما إن كانت مهمة بالفعل».

وعندما تفشل دراسة مكررة في الوصول إلى النتائج الأصلية، فإن هذا قد يعني أن الدراسة الأولى كانت خاطئة. وربما كانت صحيحة بالفعل، لكن العلماء الذين حاولوا تكرارها ارتكبوا خطأً ما، من دون أن يدركوا ذلك. وقد يكون من الصعب على فرق العلماء أن تتفق على ما حدث بالضبط.

عام 1993، أفادت عالمة النفس فرانسيس راوشَر وزملاؤها بأن الأشخاص الذين يستمعون إلى موسيقى من تأليف فولفغانغ أماديوس موتسارت، يحققون تحسناً مؤقتاً في اختبارات الاستدلال. وأدى الجدل الذي أُثير حول ما عُرف باسم «تأثير موتسارت»، إلى دفع باحثين آخرين لإجراء تجاربهم الخاصة.

المثير أن كثيرين منهم لم يجدوا أي فائدة تُذكر. أما راوشَر، فقد قللت من أهمية هذه الإخفاقات، وقالت إن العلماء الآخرين لم يجربوا «تأثير موتسارت»، لأنهم لم يكونوا بارعين بما يكفي في إجراء التجارب؛ أي إنهم لم يكونوا «طهاة» علميين جيدين.

ولسنوات طويلة، استمر البحث عن «تأثير «موتسارت». وفي نهاية المطاف، لم يجد علماء آخرون سوى أدلة ضئيلة على وجوده.

ودفع هذا الوضع بعض العلماء نحو البحث عن وسائل جديدة لنقل المعرفة الضمنية. على سبيل المثال، عام 2006، أسس عالم الأحياء موشي بريتسكر دورية علمية حملت اسم «JoVE» تُنشر فيها مقاطع مصورة لعلماء، وهم يجرون تجارب معقدة.

وعام 2014، أنشأ عالم الأحياء ليني تيتلمان منصة تتيح للعلماء مشاركة بروتوكولاتهم ومناقشتها. ويستخدم الباحثون الموقع، ويحمل اسم «بروتوكولز دوت آي أو Protocols.io »، للمساعدة في تدريب الأعضاء الجدد في مختبراتهم، خاصة بعد رحيل العلماء ذوي الخبرة، الذين لطالما امتلكوا تلك «الأيدي السحرية».

أما ويغرزِن وفاغنر فتعملان من خلال «ترانسفير» على بناء نظام قادر على جمع كميات هائلة من البيانات عما يحدث داخل المختبر، في صورة تسجيلات مصورة وتسجيلات صوتية وبيانات صادرة عن أجهزة الاستشعار في معدات المختبر. بل وتتبع «ترانسفير» مصدر مستلزمات العمل، وصولاً إلى أرقام تشغيلات علب القفازات. والسؤال: لماذا كل هذا؟ عن ذلك، أجابت فاغنر: «ربما كان هناك أبخرة أو مواد متصاعدة من القفاز تؤثر في تجربتك».

من جهته، يرى نوسِك أن هذا النهج الجديد قد يكشف بعض الأسرار التي تفسر سبب نجاح التجارب أو فشلها. وقال: «أكثر ما يعجبني في عملهم أنهم ينطلقون بكل قوة في محاولة تفكيك كل تفصيلة. من المنطقي تماماً أن نذهب إلى أبعد مدى، ثم نكتشف ما الذي يهم بالفعل».

وتُدخل الشركة سجلها الرقمي للتجارب إلى أجهزة حاسوبية جرى تدريبها على التعرف إلى المعدات المستخدمة في تجارب الكيمياء الحيوية. وتتولى أنظمة الذكاء الاصطناعي تتبع المعدات، إلى جانب أيدي العلماء، وفك شفرة كل إجراء يقومون به.

وقد كشف هذا التحليل عن أن العاملين في المختبرات يجرون التجربة نفسها بطرق مختلفة للغاية. وعن هذا، قالت فاغنر: «إن حجم التباين الذي نراه حتى بين العلماء المدربين جيداً، مذهل حقاً».

جدير بالذكر هنا أن شركة «ترانسفير» تعاقدت مع شركة متخصصة في الاختبارات التشخيصية، إلى جانب عملاء آخرين يرغبون في استخدام برمجياتها لتتبع أبحاثهم. وقالت فاغنر إنه ربما في نهاية المطاف يقتصر دور النظام على كشف الأخطاء، بل ويمتد كذلك إلى توثيق الاكتشافات غير المتوقعة.

وبدلاً من تقليب دفاتر المختبر بحثاً عن خيوط تقود إلى تفسير ما حدث، يستطيع النظام العودة إلى كل ثانية من العمل، مع الاستعانة بالذكاء الاصطناعي للبحث عن أمور غير مألوفة قام بها العاملون من دون أن يدركوا ذلك.

وقال نوسِك إن على «ترانسفير» تقديم نتائج مفصلة لإثبات أن هذا النظام يجعل العلم أفضل بالفعل. واقترح قائلاً: «خذ 50 مختبراً، وتتبع التجارب في نصفها باستخدام هذه التكنولوجيا، ولا تتتبعها في النصف الآخر، ثم ابحث عن الفروق في مستوى التقدم».

• خدمة «نيويورك تايمز»

نظم ذكية تؤلف سرداً خاصاً بها وتصف كل بضع ثوانٍ من التسجيل المصور ما ينفذه الباحثون في تجاربهم


علاج جيني واعد يعكس خللاً وراثياً في القلب

تتوقّف النوبة... لكنّ رحلة القلب لا تتوقّف عندها (جامعة سري)
تتوقّف النوبة... لكنّ رحلة القلب لا تتوقّف عندها (جامعة سري)
TT

علاج جيني واعد يعكس خللاً وراثياً في القلب

تتوقّف النوبة... لكنّ رحلة القلب لا تتوقّف عندها (جامعة سري)
تتوقّف النوبة... لكنّ رحلة القلب لا تتوقّف عندها (جامعة سري)

في خطوة علمية قد تفتح باباً جديداً لعلاج أمراض القلب الوراثية نجح باحثون أستراليون في عكس حالة «اعتلال عضلة القلب الناتج عن خلل جيني»، باستخدام حقنة واحدة تحمل نسخة سليمة من جين ALPK3. وأظهرت التجارب أن العلاج الجيني تمكن من استعادة وظيفة عضلة القلب في نماذج من الفئران كما أعاد قوة وانتظام النبض إلى أنسجة قلبية مصغرة جرى إنماؤها في المختبر من خلايا مرضى يحملون الطفرة الجينية نفسها. وأجريت الدراسة بقيادة معهد مردوخ لأبحاث الأطفال (MCRI) في ملبورن بأستراليا، ونُشرت في مجلة «Nature Cardiovascular Research» في 19 أغسطس (آب) 2026 بمشاركة باحثين من مؤسسات أسترالية ودولية.

نجاح «جيني»

• جين واحد يعيد للقلب قدرته. يمكن للطفرات في جين ALPK3 أن تسبب اعتلال عضلة القلب وهي مجموعة من الأمراض التي تضعف قدرة القلب على ضخ الدم، وقد تؤدي إلى تضخم القلب واضطراب ضرباته وزيادة خطر فشل القلب والوفاة. ويُعتقد أن اعتلال عضلة القلب يؤثر في نحو 30 مليون شخص حول العالم، بينما تبقى الخيارات العلاجية محدودة في بعض أشكاله الوراثية خصوصاً لدى الأطفال الذين قد تتطور حالتهم إلى درجة تستدعي زراعة القلب.

وقال الدكتور جيمس ماكنمارا من معهد فيكتور تشانغ لأبحاث القلب ومعهد مردوخ لأبحاث الأطفال أستراليا إن النتائج تمثل خطوة كبيرة باتجاه تطوير علاج يستهدف السبب الجيني للمرض بدلاً من الاكتفاء بإدارة أعراضه.

• نجاح لافت في الفئران. بدأ الباحثون بتطوير نموذج مخبري لفئران حديثة الولادة تحمل نسخة معيبة من جين ALPK3. وأظهرت هذه الحيوانات تضخم القلب وضعفاً في وظيفته في صورة مشابهة لبعض الحالات الشديدة التي تظهر لدى الأطفال المصابين بالمرض.

وعندما أدخل الباحثون نسخة سليمة من الجين باستخدام العلاج الجيني التجريبي تحسنت بنية خلايا عضلة القلب واستعادت القلوب قدرتها على ضخ الدم. واللافت أن العلاج لم يمنع ظهور المرض في الفئران الصغيرة فحسب بل تمكن أيضاً من عكس المرض لدى الفئران البالغة، وهي نتيجة عدّها الباحثون مؤشراً مهماً على اعتماد عضلة القلب على البروتين الذي ينتجه جين ALPK3.

• «قلوب صغيرة» في المختبر تؤكد النتيجة. وللتأكد من أن النتائج لا تقتصر على الحيوانات أعاد الفريق إنتاج المرض باستخدام خلايا جذعية مأخوذة من مرضى يحملون الطفرة الجينية نفسها ثم حوّلوها إلى أنسجة قلبية مصغرة في المختبر.

وأظهرت هذه «القلوب الصغيرة» علامات اعتلال عضلة القلب قبل أن يؤدي استبدال النسخ المعيبة من ALPK3 بواسطة نسخة سليمة إلى استعادة قوة الانقباض، وانتظام ضربات القلب بصورة طبيعية.

الذكاء الاصطناعي في العلاج

• هل يمكن علاج أمراض وراثية أخرى؟ ولم يتوقف الباحثون عند جين ALPK3 بل استعانوا بأداة للذكاء الاصطناعي تُعرف باسم Geneformer لدراسة العلاقة بين البروتين الناتج عن الجين وعدد من البروتينات المهمة في عضلة القلب.

وأشارت التحليلات إلى وجود ارتباط قوي بين ALPK3 وبروتين «تيتين» Titin الذي ينتجه جين TTN. وتُعد الطفرات التي تؤدي إلى قطع أو توقف إنتاج بروتين «تيتين» من أكثر الأسباب الوراثية شيوعاً لاعتلال عضلة القلب التوسعي، وقد تمثل ما يصل إلى ربع الحالات. وأظهرت التجارب أن إضافة نسخة سليمة من جين ALPK3 حسّنت انقباض أنسجة قلبية مأخوذة من أشخاص يحملون طفرات في TTN.

ويرى الباحثون أن هذه النتيجة مهمة بشكل خاص لأن جين TTN ضخم جداً ما يجعل استبداله مباشرة بواسطة استخدام تقنيات العلاج الجيني الحالية أمراً بالغ الصعوبة. أما استهداف ALPK3 فقد يوفر نهجاً مختلفاً يمكن أن يفيد مجموعة أوسع من أمراض القلب الوراثية.

• من المختبر إلى المرضى. ورغم النتائج الواعدة يؤكد الباحثون أن العلاج لا يزال في المرحلة ما قبل السريرية، وأن هناك حاجة إلى مزيد من دراسات السلامة قبل الانتقال إلى التجارب البشرية.

ويأمل الفريق في التعاون مع شركاء تجاريين لتطوير العلاج والوصول به إلى التجارب السريرية.

وتعكس قصة الطفلة الأسترالية كيت البالغة من العمر تسعة أعوام، حجم الحاجة إلى مثل هذه العلاجات. فقد شُخّصت كيت باعتلال عضلة القلب التضخمي الناتج عن طفرة في جين MYH7 وخضعت في سن الثالثة لجراحة قلب مفتوح لإزالة جزء من عضلة القلب المتضخمة وتحسين تدفق الدم.

ورغم تحسن حالتها وعودتها إلى حياة نشطة فإنه لا تزال الجراحة لا تمثل علاجاً نهائياً للمرض، وقد تحتاج مستقبلاً إلى جهاز مزيل للرجفان القلبي. ويأمل العلماء أن تسهم مثل هذه الاكتشافات مستقبلاً في الانتقال من علاج آثار أمراض القلب الوراثية إلى استهداف أسبابها الجينية مباشرة بما قد يوفر خيارات علاجية جديدة للأطفال والعائلات التي تواجه هذه الأمراض.


هل يمكن التنبؤ بالزلازل الكبرى قبل وقوعها؟

تنزلق صفيحتان تكتونيتان بعضهما باتجاه بعض لتشكلا منطقة اندساس ما قد يؤدي إلى زلازل قوية (جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد)
تنزلق صفيحتان تكتونيتان بعضهما باتجاه بعض لتشكلا منطقة اندساس ما قد يؤدي إلى زلازل قوية (جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد)
TT

هل يمكن التنبؤ بالزلازل الكبرى قبل وقوعها؟

تنزلق صفيحتان تكتونيتان بعضهما باتجاه بعض لتشكلا منطقة اندساس ما قد يؤدي إلى زلازل قوية (جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد)
تنزلق صفيحتان تكتونيتان بعضهما باتجاه بعض لتشكلا منطقة اندساس ما قد يؤدي إلى زلازل قوية (جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد)

تُعدُّ الزلازل من أكثر الظواهر الطبيعية تدميراً، ليس فقط بسبب قوتها الهائلة، وإنما أيضاً لصعوبة التنبؤ بموعد وموقع قوعها. ورغم التقدم الكبير في علم الزلازل وتقنيات مراقبة حركة الصفائح التكتونية، لا يزال تحديد المكان والوقت الدقيقين لوقوع زلزال كبير يمثل تحدياً أمام العلماء.

لكن دراسة جديدة تطرح مقاربة مختلفة؛ فبدلاً من محاولة تحديد موعد وقوع الزلزال، يسعى الباحثون إلى معرفة أين تتراكم الضغوط على طول الصدوع، وتحديد المناطق الأكثر احتمالاً لحدوث الزلازل الكبرى فيها.

وفي هذا السياق، طوّر فريق من الجيوفيزيائيين في جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد الأميركية طريقة جديدة تساعد على تحديد المناطق الأكثر عرضة لأعنف الزلازل على وجه الأرض، في خطوة قد توفر أداة مهمة لتحسين الاستعداد للكوارث في بعض أخطر المناطق الزلزالية حول العالم.

وعلى خلاف محاولات التنبؤ بتوقيت الزلازل، تركز الطريقة على رصد المناطق التي يتراكم فيها الإجهاد على طول الصدوع الكبرى؛ ما يساعد العلماء على تحديد المواقع الأكثر احتمالاً لحدوث التمزق الزلزالي عند وقوع الزلزال.

يقول الباحثون إن الزلازل تتصدر عناوين الأخبار لحظة وقوعها، لكن الصدع يكون قد ظل لسنوات يراكم الإجهاد في صمت، ويمكن قياس هذا الإجهاد.

وفي اختبار للطريقة، نجح النموذج الذي طوّره الباحثون في تحديد جزء من منطقة اندساس كامتشاتكا شرق روسيا، شهد لاحقاً زلزالاً ضخماً؛ ما يعزز إمكانية استخدام هذا النهج لتحديد مواقع الزلازل الكبرى، حتى مع استمرار صعوبة التنبؤ بموعد وقوعها. ونُشرت النتائج في عدد 4 سبتمبر (أيلول) من دورية «Geophysical Research Letters».

منهج الطريقة

يركز أسلوب الفريق على «مناطق الاندساس»، حيث تنزلق إحدى الصفائح التكتونية تحت أخرى. وتُعدُّ هذه المناطق مصدراً لأعنف زلازل الأرض، بما في ذلك زلازل تتجاوز قوتها 8.5 درجة، وغالباً ما تتسبب في أمواج تسونامي مدمرة.

وباستخدام قياسات دقيقة لحركة الأرض عبر أقمار تحديد المواقع (GPS)، طوّر الباحثون خوارزمية تكشف الأجزاء «المقفلة» من الصدوع التي تختزن الطاقة. وتُعرف هذه المناطق باسم «النتوءات» (asperities)، وهي أجزاء مقفلة من سطح الصدع تقاوم الحركة بسبب الاحتكاك، إلى أن يتراكم إجهاد كافٍ لإطلاق زلزال كبير.

وكان الفريق قد حدد إحدى هذه المناطق المقفلة أسفل شبه جزيرة كامتشاتكا قبل وقوع الزلزال الكبير هناك. ورغم أن توقيت الحدث ظل خارج نطاق قدرة الطريقة على التنبؤ، وقع التمزق في المكان نفسه تقريباً الذي أشار النموذج إلى تراكم الإجهاد فيه.

وكشفت النتائج أيضاً عن أن الزلازل التي تقع في المنطقة نفسها قد تتصرف بشكل مختلف تماماً؛ فرغم أن كامتشاتكا شهدت زلزالين عملاقين في عامي 1952 و2025، تسبب الحدث الأخير في موجة تسونامي أصغر بكثير؛ ما يشير إلى أن الجزء الأقرب إلى سطح الصدع انزلق بمقدار أقل مقارنة بالزلزال الأول.

ويشدد الباحثون على أن طريقتهم لا تستطيع التنبؤ بحجم أمواج التسونامي أو توقيت وقوع الزلازل، لكن تحديد المناطق الأكثر خطورة قد يسهم في تحسين خطط التأهب على المدى الطويل.

ويعمل الفريق حالياً على تطبيق هذا النهج في مناطق اندساس رئيسية أخرى باليابان، والمكسيك، ونيوزيلندا وشمال غرب المحيط الهادئ في الولايات المتحدة؛ إذ تحمل كل منها تعقيدات إضافية، مثل وجود صدوع تطلق طاقتها تدريجياً بدلاً من إطلاقها في زلازل مفاجئة. كما يستكشف الباحثون إمكانية تطبيق تقنيات مشابهة لفهم صدوع كاليفورنيا بشكل أفضل.

فجوات في المراقبة العالمية

يتطلب توسيع نطاق هذه الطريقة رصداً أكثر دقة؛ فبينما توفر محطات (GPS) البرية بيانات قيّمة، لا تزال القياسات في أعماق المحيطات محدودة للغاية، رغم أن الكثير من أخطر الصدوع في العالم يقع تحت قاع البحر، وفق الدراسة.

وقد بدأ باحثون في اليابان استخدام أجهزة صوتية موضوعة على قاع البحر لقياس التشوهات البطيئة على مدى سنوات طويلة، في حين تُقترح جهود مماثلة في مناطق أخرى، من بينها تشيلي وشمال غربي المحيط الهادئ. ومن المتوقع أيضاً أن يوفر قمر اصطناعي أُطلق أخيراً قياسات إضافية للمناطق التي تفتقر حالياً إلى تغطية كافية من أجهزة (GPS). ويكشف هذا العمل عن فجوات كبيرة في مراقبة الزلازل عالمياً، خصوصاً في أجزاء من المحيط الهادئ التي تندر فيها البيانات اللازمة لتقييم مخاطر التسونامي.

ويؤكد الباحثون أن تحسين القدرة على تحديد أماكن الزلازل يجب أن يكون مكملاً للاستعداد العام، وليس بديلاً عنه، في حين يرى الفريق أن خوارزميته قد تساعد مستقبلاً في تقييم المخاطر الزلزالية على امتداد الكثير من أخطر حدود الصفائح التكتونية النشطة في العالم، شريطة توفر بيانات كافية.

وتعليقاً على النتائج، قال الأستاذ المساعد بالشبكة القومية لرصد الزلازل التابعة للمعهد القومي للبحوث الفلكية في مصر، محمد عز العرب، إن الدراسة تمثل خطوة مهمة في تطوير أساليب تقييم المخاطر الزلزالية، خصوصاً أنها قدمت خوارزمية جديدة تساعد على تحديد المناطق التي تتراكم فيها الضغوط على طول الصدوع بدقة أكبر.

وأضاف عز العرب لـ«الشرق الأوسط» أن نجاح هذه الطريقة في تحديد المنطقة التي وقع فيها زلزال كامتشاتكا يمثل نتيجة مشجعة، لكن هذا النجاح لا يكفي وحده للحكم على مدى دقة وفاعلية الخوارزمية، مشيراً إلى ضرورة اختبارها في مناطق اندساس أخرى ذات ظروف جيولوجية مختلفة قبل اعتمادها أداة موثوقة لتقييم المخاطر الزلزالية على نطاق واسع.

وأكد عز العرب أن الرسالة الأهم التي تبرزها الدراسة هي أن تحديد المناطق الأكثر خطورة يمكن أن يعزز خطط الاستعداد والتخطيط لمواجهة الكوارث، لكنه لا يمكن أن يحل محلها، موضحاً أن معرفة أماكن الخطر «تُكمل الاستعداد ولا تُغني عنه».