هرمونات الجنس... «هرمونات دماغية»

العلماء يدرسون تأثيرات الإستروجين على الإصابة بالحالات العصبية

هرمونات الجنس... «هرمونات دماغية»
TT

هرمونات الجنس... «هرمونات دماغية»

هرمونات الجنس... «هرمونات دماغية»

الإستروجين سلاحٌ مُتعدد الاستخدامات للهرمونات، ويُعرف بين العلماء بتنوع استخداماته، فإلى جانب دوره الرئيس في تعزيز الصحة الجنسية والإنجابية، فإنه يقوّي العظام، ويحافظ على ليونة الجلد، وينظم مستويات السكر بالدم، ويزيد من تدفق الدم، ويقلل الالتهابات، ويدعم الجهاز العصبي المركزي.

في هذا السياق، أوضحت روبرتا برينتون، عالمة الأعصاب ومديرة «مركز الابتكار في علوم الدماغ»، التابع لجامعة أريزونا، أن «أي عضو تسميه، ستجد أن الإستروجين يعزز صحته».

تأثيرات الإستروجين على الدماغ

ومع ذلك، فإن تقدير الدور الأوسع للإستروجين تأخر كثيراً. وقد جرى التعرف على هذا المركب لأول مرة عام 1923، ومنذ ذلك الحين عُرف بهرمون الجنس الأنثوي – وهو وصف أحادي البعد ارتبط باسمه.

يأتي اسم «الإستروجين» estrogen من الكلمة اليونانية «أوستروس» (oestrus)، وتعني حرفياً «ذبابة مزعجة»، تشتهر بإثارة الماشية ودفعها نحو نوبة غضب جنونية. ولكن علمياً، أصبح مصطلح estrus «الشبق» يعني الفترة في دورات التكاثر لدى بعض الثدييات، التي تكون فيها الإناث خصبة ونشيطة جنسياً.

أما البشر، فيدخلون مرحلة «الشبق»، بل يحيضون. ومع ذلك، حين أُطلق اسم «الإستروجين»، حُصر دوره في إثارة الشهوة الجنسية ودعم الصحة الجنسية الأنثوية. أما اليوم، فيجري الاعتراف بدور الإستروجين الذي قد يكون أهم أدواره على الإطلاق: تأثيره على الدماغ.

من ناحيتهم، اكتشف علماء الأعصاب أن الإستروجين ضروري لنمو الدماغ بشكل صحي، لكنه يساهم كذلك في حالات مثل التصلب المتعدد ومرض ألزهايمر. أضف إلى ذلك أن التغيرات في مستويات الإستروجين – سواء جراء الدورة الشهرية أو مصادر خارجية – يمكن أن تؤدي إلى تفاقم الصداع النصفي، ونوبات الصرع، وأعراض عصبية شائعة أخرى.

عن ذلك، قال الدكتور هيمان شيبر، طبيب الأعصاب بجامعة ماكجيل: «هناك عدد هائل من الأمراض العصبية، التي يمكن أن تتأثر بتقلبات الهرمونات الجنسية. وتنبغي إعادة توظيف الكثير من العلاجات المستخدمة في الطب التناسلي لعلاج هذه الأمراض العصبية». يذكر أنه أدرج اثني عشر منها في مراجعة حديثة نُشرت في «دورية طب الدماغ» (Brain Medicine).

واليوم، ترتب على إدراك أن الهرمونات الجنسية هي بالوقت ذاته هرمونات دماغية، تغيير في الطريقة التي يتعامل بها الأطباء مع صحة الدماغ والأمراض المرتبطة به؛ ما يساعدهم في توجيه العلاج، وتفادي التفاعلات الضارة، وتطوير علاجات جديدة تعتمد على الهرمونات.

المستقبلات في كل مكان

لدى النساء، يجري إنتاج الإستروجين بشكل رئيس في المبايض، مع كميات أقل تُنتجها الغدد الكظرية والخلايا الدهنية. أما لدى الرجال، فيُحوّل الإستروجين من التستوستيرون في الخصيتين، ويلعب دوراً حيوياً في إنتاج الحيوانات المنوية، وتقوية العظام، ووظائف الكبد، واستقلاب الدهون، وغيرها.

إلا أنه في كلا الجنسين، ينتج الدماغ كذلك إستروجينه الخاص؛ ما يؤكد أهميته العصبية. عن ذلك، شرحت ليزا موسكوني، عالمة الأعصاب ومديرة «مبادرة حماية دماغ المرأة»، التابعة لكلية طب وايل كورنيل، أن: «الدماغ يعدّ، جزئياً، عضواً غدياً صمّاوياً».

إن الدماغ غني بمستقبلات الإستروجين، التي تومض نشاطاً وخموداً طوال الحياة. وفي السابق، ساد اعتقاد بأن هذه المستقبلات تتمركز حول بُنى ذات وظائف تناسلية محددة، مثل الغدة النخامية pituitary والوطاء hypothalamus. في الواقع، «إنها موجودة بكل مكان»، حسبما ذكرت موسكوني، التي طورت تقنية PET (التصوير البوزيتروني) لرصد المستقبلات داخل الدماغ الحي. وأضافت: «لم نتمكن حتى من العثور على منطقة فارغة تماماً».

داخل الدماغ، يمكن للإستروجين أن يرتبط مباشرة بمستقبلات داخل الخلايا العصبية وخلايا أخرى، محدِثاً سلسلة من التفاعلات. كما يمكن كذلك أن يتحلل إلى نواتج أيضية، تُعرف باسم «الستيرويدات العصبية» neurosteroids، التي لها تأثيرات بعيدة المدى خاصة بها.

وأصبحت بعض هذه الستيرويدات العصبية، تُستخدم في علاجات منفصلة: «ألوبريغنانون»، Allopregnanolone ناتج أيضي من البروجستيرون، يشكل أساس دواء يُستخدم لعلاج بعض أنواع الصرع. ويجري حالياً اختباره في تجربة سريرية، بصفته علاجاً تجديدياً محتملاً لمرض ألزهايمر.

وداخل الرحم، يساعد الإستروجين القادم من الأم في تنظيم دوائر الدماغ العصبية للجنين، وتوجيه إنتاج خلايا الدماغ، والتأثير في نمو مناطق الدماغ المختلفة. وخلال التحولات الكبرى، مثل البلوغ، والحمل، وانقطاع الطمث، يساعد الإستروجين في تشذيب وإعادة تشكيل الدماغ من جديد.

ومع ذلك، يدرك الباحثون الآن أن الإستروجين يؤثر في تشكيل الدماغ في جميع مراحل الحياة؛ فهو قادر على تنظيم نشاط الخلايا العصبية، وتقليل الالتهاب، وزيادة اللدونة العصبية، والمساعدة في تحويل الغلوكوز طاقةً، ومنع تراكم اللويحات، وتحسين تدفق الدم داخل الدماغ.

إلا أن ما ينبغي الانتباه إليه أنه ليس كل هذه التأثيرات إيجابية، فقد وجد الدكتور شيبر، من خلال تجارب على القوارض، أن الاستخدام طويل الأمد للإستروجين، يمكن أن يؤدي إلى تقدم بعض مناطق الدماغ في السن. وقال: «لا يوجد هرمون يفعل شيئاً واحداً فقط»، مضيفاً: «أنا أرى الإستروجين سيفاً ذا حدين».

الحمل وحماية الدماغ

فيما مضى، كان علماء الأعصاب يعلمون أن للإستروجين تأثيرات تتجاوز الجهاز التناسلي، لكنهم اختاروا عدم دراستها: قبل عام 2016، كانوا يستبعدون إناث الحيوانات من التجارب عموماً، لتجنب التعامل مع الفروقات السلوكية والفسيولوجية الناتجة عن تغيّرات الهرمونات خلال الدورة الشهرية.

في هذا الإطار، تساءلت الدكتور روندا فوسكول، اختصاصية الأعصاب في «برنامج سن اليأس الشامل»، بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس: «كيف ستعرف ما إذا كان الإستروجين يحمي الأعصاب، إذا لم تُجرِ أي تجارب على الإناث؟!».

عام 1998، كانت فوسكول تبحث عن جزيء يحمي الدماغ من آثار التصلب اللويحي، الذي يهاجم الجهاز المناعي الخلايا العصبية، ويجردها من غلافها الواقي. ويُصيب التصلب اللويحي قرابة مليون أمريكي، معظمهم من النساء.

وقد بدأ بحثها بملاحظة سريرية: من المعروف أن الحمل يحمي النساء من أعراض التصلب المتعدد، ففي الثلث الأخير من الحمل، تنخفض معدلات الانتكاس بنسبة 70 في المائة؛ ويبدو أن الحمل فعال بقدر فاعلية أفضل الأدوية. ومع ذلك، تبقى هذه الحماية مؤقتة، فبعد الولادة، يتفاقم خطر الانتكاس بشكل حاد.

من جهتها، كانت فوسكول مدركة للأمر لأن الجهاز المناعي يهدأ في أثناء الحمل، على الأرجح لحماية الجنين الذي يُعد نسيجاً نصف غريب. إلا أنها اشتبهت في أن هناك سبباً أعمق عن ذلك. وقالت: «من المنطقي أن تمتلك الأم شيئاً لا يقتصر فقط على كونه مضاداً للالتهاب، بل يحمي الأعصاب كذلك».

وبالفعل، تبيَّن أن هذه المادة - الإيستريول ـ نوع من الإستروجين يُنتج أساساً عن طريق المشيمة. عام 2016، أظهرت فوسكول، من خلال تجربة سريرية عشوائية على 164 امرأة، أن علاج الإيستريول على مدار عامين، قلل بشكل ملحوظ من انتكاسات التصلب المتعدد.

كما بدا أنه يُحسن وظائف الإدراك، ويُقلل من ضمور المادة الرمادية في الدماغ.

وكان الإيستريول estriol معروفاً بكونه آمناً؛ إذ تستخدمه المريضات اللائي يعشن مرحلة انقطاع الطمث في أوروبا منذ عقود. وعلى عكس الإستراديول estradiol، لا يرتبط الإيستريول بقوة بمستقبلات الثدي؛ ما يعني أنه لا يحمل نفس خطر الإصابة بسرطان الثدي على المدى الطويل. ولذلك؛ وصفته فوسكول بأنه: «هدية للعلماء».

بالتأكيد، تبدو هذه نتائج واعدة لمرضى التصلب المتعدد. واليوم، تعكف فوسكول على دراسة ما إذا كانت هذه النتيجة تنطبق ليس فقط على مرضى التصلب المتعدد، بل على جميع النساء في سن اليأس. وقد طورت علاجاً هرمونياً نال براءة اختراع، يُدعى «بيرل باك» (PearlPAK)، يحتوي على الإستريول، وتبيعه شركة «كليوباترا آر إكس»، التي تشغل منصب مستشارة طبية لديها.

وبحسب الموقع الإلكتروني، فإن «بيرل باك» قادر على معالجة «مشكلات الذاكرة والصحة الإدراكية الناتجة عن انقطاع الطمث». وهذه الفرضية التي تحاول فوسكول اختبارها، من خلال مراقبة النساء اللواتي يستخدمن «بيرل باك» سنوياً، عبر الاختبارات الإدراكية. وعن هذا، قالت: «أنا فقط أطبق الطريقة التي نتبعها في علاج التصلب المتعدد على انقطاع الطمث».

ونبَّهت إلى إن النتائج لن تكون بمستوى قوة نتائج التجارب العشوائية، لكنها أشارت إلى أن شركات أخرى متخصصة في التعامل مع مشكلات سن اليأس، كانت تروج لفوائد مماثلة دون أدلة كافية. وأضافت: «على الأقل لدينا مادة حقيقية».

إرث مشحون

هذه ليست المرة الأولى التي يُروَّج فيها لعلاج الإستروجين، بصفته حلاً شاملاً لمشكلات الإدراك لدى النساء في سن اليأس. قال شيفر: «قبل عام 2000، كان يبدو أن الإستروجين دواءً سرياً».

في ذلك الوقت، كان يُعتقد أن الهرمون يحمي الدماغ من السكتات الدماغية ومرض ألزهايمر ـ وهو اعتقاد مدعوم بالكثير من الدراسات على الحيوانات وبعض الدراسات الرصدية على البشر.

إلا أنه عام 2003، انقلبت الأمور، فقد كشفت «دراسة مبادرة صحة ذاكرة المرأة» — تجربة سريرية محورية تتبعت التأثيرات طويلة الأمد للعلاج الهرموني لدى النساء، بعد انقطاع الطمث — عن أن النساء الأكبر سناً اللاتي تناولن الإستروجين فقط (وليس الإستروجين مع البروجسترون)، كُن أكثر عرضة للإصابة بالخرف بمقدار الضعف، مقارنة بالنساء اللاتي تناولن علاجاً وهمياً.

وقد توقّف الأطباء عن وصف الإستروجين للنساء بعد انقطاع الطمث، وتوقفت النساء عن تناوله، خوفاً من هذه النتائج. وعلقت مارغريت مكارثي، عالمة الأعصاب بجامعة ميريلاند: «كان موقف الكثير من العلماء على النحو الآتي: لماذا ندرسه؟ لن تتناول النساء الإستروجين بعد الآن، فلا فائدة من البحث»، مضيفة: «كان ذلك كارثياً على الأبحاث».

في وقت لاحق، تبيّن أن هذه النتيجة تنطبق فقط على النساء اللواتي بدأن العلاج بالإستروجين في سن 65 أو أكثر، أي بعد مرور أكثر من 10 سنوات على آخر دورة شهرية. أما فيما يخص النساء بين سن 50 و55، فقد وجدت مراجعة شاملة أن تأثير الإستروجين على خطر الإصابة بالخرف كان محايداً. ولم تُدرج النساء الأصغر سناً في الدراسة الأصلية.

والآن، أصبح على الباحثين تجاوز فكرة أن الإستروجين يحمي الدماغ، وطرح سؤال أكثر دقة: متى بالضبط، وكيف، يحمي هذا الهرمون الدماغ؟

التركيز على جذور ألزهايمر

يصل دور الإستروجين في صحة الدماغ إلى أكثر مستويات الجلاء والوضوح في سن اليأس، حين يسهم تراجعه في ظهور أعراض إدراكية تعرفها النساء جيداً وتكرهها: الهبّات الساخنة، اضطرابات النوم، وضبابية الدماغ. ويعتقد بعض علماء الأعصاب أن فقدان الإستروجين أحد الأسباب الرئيسة لكون النساء أكثر عرضة للإصابة بمرض ألزهايمر، بمقدار الضعف مقارنة بالرجال.

مع انحسار مستويات الإستروجين، يتغير كذلك الدماغ، فحتى سن اليأس، يعتمد الدماغ بشكل كبير على الغلوكوز مصدراً للطاقة، ويُساعد الإستروجين في تحويله طاقةً. أما بعد انقطاع الطمث، فيبدأ الدماغ في الاعتماد على مصادر بديلة للطاقة، بما في ذلك استهلاك مادته البيضاء، حسبما كشفت برينتون في دراسات أجرتها على الحيوانات.

وقالت برينتون: «إنه استجابة للجوع»، مضيفة: «لا علاقة لهذا بالقدرة الإنجابية، بل بكل ما يتعلق بالدماغ الذي يمر بمرحلة انتقالية».

وقد تكون هذه المرحلة نقطة البداية التي يظهر فيها الضعف الإدراكي المرتبط بألزهايمر — ومن الناحية النظرية، قد يكون هذا الوقت الذي يمكن أن يساعد فيه العلاج بالإستروجين أو تدخل آخر في الوقاية من التدهور المعرفي. إلا أن برينتون لم تكن تمتلك وسيلة لرؤية ذلك داخل دماغ الإنسان. وفي عام 2014، تواصلت مع موسكوني، خبيرة تصوير الأعصاب، للحصول على المساعدة.

في ذلك الوقت، كان الأطباء قادرين على قياس مستويات الإستروجين في الدم فقط، لكن موسكوني أدركت أن ملايين الأميركيين يستعينون بنوع من العلاج القائم على الإستروجين، ولا أحد يعرف تأثيره على أدمغتهم. لذا؛ طورت تقنية تصوير تسمح برؤية مستقبلات الإستروجين في الدماغ، من خلال إعادة استخدام مادة مشعة تُستخدم أصلاً للكشف عن المستقبلات نفسها في سرطان الثدي.

عام 2024، فوجئت هي وبرينتون حين اكتشفتا أن عدد مستقبلات الإستروجين في الدماغ يبدو أنه يزداد بشكل كبير بعد انقطاع الطمث، ربما في محاولة لجذب المزيد من هذا الهرمون. أما المثير للاهتمام حقاً أنه كلما زاد عدد مستقبلات الإستروجين لدى المرأة، كانت نتائج ذاكرتها وقدراتها الإدراكية أسوأ.

وفي فبراير (شباط)، أطلقت موسكوني برنامج أبحاث بقيمة 50 مليون دولار، بتمويل من مؤسسة «ويلكم ليب»، تحت اسم «تقليل خطر ألزهايمر من خلال علم الغدد الصماء».

وتأمل موسكوني في رصد تحديد النساء الأكثر عرضة للإصابة بألزهايمر، بسبب تغيرات الدماغ المرتبطة بالإستروجين، ومعرفة ما إذا كان العلاج الهرموني المُقدم خلال فترة زمنية حرجة يمكن أن يُساعد في خفض خطر الإصابة لديهن.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

5 خطوات للحفاظ على توازن سكر الدم في كل وجبة

صحتك ينصح خبراء التغذية بالبدء بالخضراوات والبروتين الموجودين في الطبق (بيكسلز)

5 خطوات للحفاظ على توازن سكر الدم في كل وجبة

لا يتوقف التحكم في مستويات السكر بالدم على كمية الطعام التي نتناولها فقط بل يمتد أيضاً إلى نوعية المكونات الموجودة بالوجبة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق أعراض اضطراب ما بعد الصدمة تتشابه مع أعراض الاكتئاب في جوانب عدة (بيكسلز)

11 حالة صحية ونفسية قد تظن أنها اكتئاب... كيف تميّز بينها؟

قد يكون الشعور المستمر بالإرهاق أو اضطرابات النوم أو فقدان الاهتمام بالأنشطة اليومية مؤشراً على الإصابة بالاكتئاب، لكنه قد يرتبط أيضاً بحالات صحية ونفسية أخرى.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك العيش بالمناطق التي ترتفع فيها مستويات تلوث الهواء يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالمياه الزرقاء والبيضاء (أرشيفية - رويترز)

تلوث الهواء قد يزيد خطر الإصابة بـ«الغلوكوما» والمياه البيضاء

كشفت دراسة علمية حديثة، عن أن العيش في المناطق التي ترتفع فيها مستويات تلوث الهواء يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالمياه الزرقاء (الغلوكوما) والمياه البيضاء.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك بعض أنواع الجبن قد تساعد على دعم صحة الأمعاء (رويترز)

تعرف على أفضل وأسوأ أنواع الجبن لصحة أمعائك

يبدو أن قطعة الجبن التي تتناولها يومياً قد تحمل فوائد تتجاوز مذاقها، إذ تشير أبحاث علمية إلى أن أنواعاً معينة من الجبن قد تساعد على دعم صحة الأمعاء.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك استخدام السماعات العازلة للضوضاء بعد العمليات الجراحية قد يساعد في تقليل الغثيان والقيء (بيكسلز)

السماعات العازلة للضوضاء قد تقلل الغثيان والقيء بعد العمليات الجراحية

كشفت دراسة علمية جديدة عن أن استخدام السماعات العازلة للضوضاء بعد العمليات الجراحية قد يساعد في تقليل الغثيان والقيء.

«الشرق الأوسط» (بكين)

ماذا يجري داخل مختبرات أبحاث الطاعون الروسية؟

صورة بالأقمار الاصطناعية لمنشأة إيركوتسك العلمية في سيبيريا
صورة بالأقمار الاصطناعية لمنشأة إيركوتسك العلمية في سيبيريا
TT

ماذا يجري داخل مختبرات أبحاث الطاعون الروسية؟

صورة بالأقمار الاصطناعية لمنشأة إيركوتسك العلمية في سيبيريا
صورة بالأقمار الاصطناعية لمنشأة إيركوتسك العلمية في سيبيريا

بعد مرور أكثر من أسبوعين على وفاة باحثة تبلغ من العمر 28 عاماً جراء إصابتها بعدوى غامضة أثناء عملها في مختبر روسي لأبحاث الطاعون، لا يزال مسؤولو الصحة حول العالم بانتظار الحصول على إجابات. وكانت التقارير الأولية تشير إلى أن داريا شيبيلوفا، وهي باحثة في «معهد إيركوتسك لأبحاث مكافحة الطاعون»، قد أصيبت بالطاعون الرئوي pneumonic plague؛ ما أثار مخاوف بشأن طبيعة الأبحاث التي تُجرى في هذا المرفق، ومدى كفاية تدابير السلامة المتبعة فيه، كما كتبت كيه. آر. كالاواي (*).

حادثة غامضة

من جانبها، استبعدت السلطات الروسية إصابة شيبيلوفا بالطاعون الرئوي - وهو عدوى بكتيرية يسببها العامل الممرض ذاته المسؤول عن «الطاعون الدبلي» bubonic plague الأكثر شيوعاً - سبباً لوفاتها، لكنها لم تؤكد بعدُ ماهية العامل الممرض الذي تسبب في إصابتها بالالتهاب الرئوي.

وقد أثارت هذه الحادثة انتقادات من الولايات المتحدة وحكومات أخرى، كما كشفت عن استمرار حالة عدم الثقة لدى المجتمع الدولي تجاه الأبحاث الطبية الحيوية في روسيا، وهي مخاوف تعود جذورها إلى الحقبة السوفياتية، حين كان الجيش يمتلك برامج واسعة النطاق لتطوير أسلحة بيولوجية.

وعلى الرغم من أن معهد إيركوتسك لم يكن يوماً منشأة عسكرية، فإنه كان جزءاً من نظامٍ واسعٍ وسريٍّ لمكافحة الطاعون. ففي مئات المواقع والمختبرات المنتشرة في أنحاء الاتحاد السوفياتي السابق، عمل آلاف الباحثين على تتبع السلالات الناشئة من الطاعون وغيره من الأمراض المتوطنة، والقضاء على القوارض الناقلة للأمراض، وتطوير اللقاحات. ويشير خبراء إلى أن هذه المرافق كانت توفر أيضاً عينات من مسببات الأمراض للمختبرات العسكرية التي تولت تطوير الأسلحة البيولوجية خلال الحقبة السوفياتية.

ولا تزال معظم هذه المرافق تعمل حتى اليوم؛ إذ وبينما تخضع تلك الموجودة داخل روسيا لرقابة أمنية مشددة، فتحت بعض المرافق الأخرى - الواقعة في دول كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي - أبوابها أمام باحثين دوليين يسعون للتعرف على هذا النظام (النظام المختبري) الذي أحاطت به الأساطير.

بكتيريا «يرسينيا الطاعونية»

«نظام مكافحة الطاعون»

على الرغم من أن «الموت الأسود» الذي اجتاح أوروبا في القرن الرابع عشر، يُعدّ أكثر تفشيات الطاعون فتكاً وشهرةً - وهو مرض تسببه بكتيريا «يرسينيا الطاعونية» (Yersinia pestis) وتنقله القوارض - فإن هذا المرض ظل يلاحق مناطق أوراسيا لآلاف السنين. وبهدف وضع حد لتفشي المرض المتكرر في المناطق الريفية - حيث تنتشر حيوانات تحمل بكتيريا الطاعون، مثل الجرذان واليربوع وغيرها - أنشأ الاتحاد السوفياتي في أوائل القرن العشرين سلسلة من المواقع الميدانية ومعاهد البحوث، وأطلق العلماء عليها اسم «نظام مكافحة الطاعون».

برنامج بدائي للقضاء على الطاعون

وتقول سوزان دي جونز، وهي مؤرخة في الطب البيطري بجامعة مينيسوتا - التي زارت عام 2018 معهداً سوفياتياً سابقاً لمكافحة الطاعون يقع في كازاخستان حالياً: «كان الهدف من عملهم إنشاء مؤسسة مركزية تتولى مراقبة مساحات شاسعة من الأراضي المحيطة بها، بما في ذلك السهوب التي تأوي أعداداً كبيرة من القوارض البرية التي تحفر جحوراً في الأرض».

في بداياته، كان البرنامج بدائياً للغاية؛ إذ كان العلماء ينطلقون على ظهور الخيل نحو بؤر تفشي الطاعون، وغالباً ما كانوا يقيمون في خيام أو يستأجرون غرفاً لدى السكان المحليين، ويقضون أيامهم في القضاء على القوارض، وحفر جحورها، وإحراق مخزونها من الطعام، في محاولة للقضاء على الأمراض التي تحملها.

وقد نُفذ العديد من مهمات تلك البعثات دون توفر مطهرات فعالة أو معدات حماية شخصية؛ ما جعل عمل القائمين على مكافحة الطاعون محفوفاً بمخاطر بالغة. ومع ذلك، لم تنجح جهود الإبادة هذه في وقف انتشار المرض.

برنامج «الوقاية من تفشي الطاعون»

لكن في الفترة ما بين عشرينات وخمسينات القرن العشرين، تحول تركيز البرنامج من «القضاء على المرض» إلى «الوقاية من تفشيه»، حيث تم افتتاح سلسلة من المختبرات في مدن مختلفة عبر الاتحاد السوفياتي. وبحلول منتصف القرن العشرين - ومع تطوير مضاد حيوي لعلاج الطاعون - أصبح آلاف الموظفين يعملون في هذه المختبرات على مدار العام، بالإضافة إلى مئات آخرين كانوا يُوظفون موسمياً لجمع العينات من الميدان.

زيارة مواقع من الحقبة السوفياتية

كتب مويسي يوسيفوفيتش ليفي، وهو باحث سابق في مجال مكافحة الطاعون، في مقال نُشر عام 1994، أن الأبحاث التي أُجريت في هذه المنشآت التي تعود للحقبة السوفياتية كانت «محاطة بستار من السرية».

ولتجنب الربط بين عملهم وبرامج تطوير الأسلحة البيولوجية في المختبرات العسكرية، تلقى العاملون في مختبرات أبحاث الطاعون تعليمات صارمة بعدم الإفصاح عن أي تفاصيل محددة حول طبيعة عملهم. وإضافة إلى ذلك، صُممت مباني المختبرات ذاتها لتبدو وكأنها وحدات سكنية عادية؛ إذ كان الموظفون في العديد من هذه المنشآت يعتنون بالحدائق، ويتركون نوافذ المختبرات مفتوحة، ويتجولون بملابس عادية - أو حتى بملابس النوم - بدلاً من ارتداء المعاطف البيضاء المخصصة للمختبرات.

ولم تتضح الغاية الحقيقية من هذه المباني إلا عندما يدخلها زائر ويرى المعدات العلمية بداخلها: ثلاجات تعجّ بعينات من مسببات الأمراض، وأجهزة تعقيم ضخمة تُستخدم لغلي الأدوات المستعملة، وطاولات طويلة تصطف فوقها المجاهر.

معايير السلامة والأمن البيولوجي

وتشير سونيا بن وُغرهام-غورملي، وهي باحثة في مجال الدفاع البيولوجي بجامعة جورج ميسون - وقد زارت العديد من معاهد مكافحة الطاعون في دول الاتحاد السوفياتي السابق - إلى أن «معايير السلامة والأمن البيولوجي في تلك المواقع كانت تختلف اختلافاً جذرياً عما نعهده في الدول الغربية».

وفي سلسلة من المؤلفات التي تحمل عنوان «قصص مثيرة عن أحداث وأشخاص في نظام مكافحة الطاعون في روسيا والاتحاد السوفياتي» - التي تولى ليفي تحريرها - يصف المؤلفون ظروفاً خطيرة، شملت تفشي الأمراض بين الحيوانات المحفوظة داخل المنشآت، واندلاع حرائق في المختبرات، وفقدان عينات من مسببات الأمراض.

وفي السنوات الأخيرة من عمر الاتحاد السوفياتي، زُوِّدت بعض المنشآت بمعدات مختبرية أكثر أماناً وفاعلية، حيث استُبدلت بالثلاجات المنزلية أخرى أكثر أماناً، ووُضعت خزانات سحب الغازات (fume hoods) بدلاً من الاعتماد على النوافذ المفتوحة. ومع ذلك، كان الحصول على تمويل لهذه التحديثات أمراً بالغ الصعوبة؛ ما جعل المنشآت الأصغر حجماً أو تلك الواقعة في مناطق نائية - بما في ذلك المعهد الموجود في إيركوتسك - تواجه صعوبات كبيرة في مواكبة هذه التغييرات.

المنشآت العلمية في بداية القرن الحالي

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ظلت معظم هذه المختبرات - بدءاً من المراكز المتطورة في المدن الغنية وصولاً إلى المنشآت الريفية التي تعاني ضائقة مالية - قائمة، وتعمل. وظل الكثير منها على حاله تقريباً لعقود طويلة. وفي أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، زارت بن واغرهام-غورملي - برفقة زملاء لها من مركز جيمس مارتن لدراسات منع الانتشار - أكثر من 100 منشأة كانت تابعة للاتحاد السوفياتي سابقاً. وقد وجدوا أن دخول إحدى هذه المنشآت كان أشبه بالعودة إلى الماضي؛ إذ كانت عمليات تتبع عينات مسببات الأمراض تُسجَّل يدوياً باستخدام القلم والورق، وكان العديد من القوارير يحفظ في ثلاجات تُفتح بشكل متكرر، مع استخدام أختام شمعية للدلالة على هوية الشخص الذي فتحها آخر مرة.

وأشار الباحثون إلى أن العديد من تلك المباني كانت تفتقر إلى أي تدابير أمنية خارجية، كما كانت إجراءات الأمن بداخلها في حدّها الأدنى.

وتستذكر بن واغرهام-غورملي إحدى تلك المنشآت قائلة: «عندما وصلنا للزيارة، وجدنا في المختبر طاولةً تحت نافذة مفتوحة على مصراعيها - نظراً لارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف وغياب أجهزة التكييف - وكانت أكوام من مزارع بكتيريا الطاعون موضوعة على تلك الطاولة».

...وفي الوقت الراهن

وعلى مدى العقدين التاليين، خضعت العديد من المنشآت في دول الاتحاد السوفياتي السابق لعمليات تجديد أو إعادة بناء لتستوعب معدات علمية حديثة؛ ما حوَّل بعضها مراكز متطورة للغاية يقصدها الباحثون من جميع أنحاء العالم. وفي حديثها عن منشأة زارتها في كازاخستان عام 2018، تقول جونز: «توجد مستويات متعددة للاحتواء (احتواء انتشار مسببات الأمراض) داخل هذه المباني. ففي أعلى مستويات الاحتواء، يرتدي العاملون معدات الوقاية الشخصية الكاملة، وتُجرى جميع الأعمال داخل وحدات احتواء محكمة الإغلاق».

ولا تتوفر سوى معلومات شحيحة للجمهور حول المنشأة الواقعة في إيركوتسك. ومع ذلك، تصرّ السلطات الروسية على أن وفاة شيبيلوفا لم تكن ناجمة عن أي خرق للبروتوكولات أو تقصير في إجراءات الأمن البيولوجي داخل المنشأة.

* خدمة «نيويورك تايمز»


«استعمار البيانات الصحية»... من يملك المعرفة والعائد؟

البيانات الصحية تتحول إلى معرفة طبية (المعهد الوطني الأميركي للسرطان)
البيانات الصحية تتحول إلى معرفة طبية (المعهد الوطني الأميركي للسرطان)
TT

«استعمار البيانات الصحية»... من يملك المعرفة والعائد؟

البيانات الصحية تتحول إلى معرفة طبية (المعهد الوطني الأميركي للسرطان)
البيانات الصحية تتحول إلى معرفة طبية (المعهد الوطني الأميركي للسرطان)

​لنتخيَّل مريضاً عربياً يدخل المستشفى لإجراء صورة أشعة أو تحليل جيني، معتقداً أن بياناته ستُستخدم لعلاجه. ولكن نسخة منها قد تنتقل -بعد إزالة ما يكشف هويته- إلى منصة خارجية لتدريب خوارزمية تشخيصية. وبعد سنوات، قد تعود الخوارزمية إلى المستشفى منتجاً تجارياً مدفوع الثمن، بينما لا يعرف المريض كيف استُخدمت بياناته، ولا تملك المؤسسة حقاً واضحاً في المعرفة الناتجة عنها أو عوائدها. فهل أسهمت هذه البيانات في تقدم الطب بمنافع مشتركة، أم أنها أسهمت في اقتصاد يقدِّم فيه المرضى المعلومات، ويحتفظ غيرهم بالقيمة؟

البيانات ليست مادة خاماً بلا صاحب

طوَّر الباحثان نِك كولدري وأوليسيس ميخياس مفهوم «استعمار البيانات» لوصف تحويل تفاصيل الحياة البشرية إلى مورد اقتصادي تسيطر عليه جهات أخرى. وفي الصحة، لا تكمن المشكلة في انتقال البيانات عبر الحدود بحد ذاته؛ بل في اختلال العلاقة: يقدِّم المرضى صور الأشعة والمعلومات الجينية والسجلات الطبية، بينما تنفرد جهات أخرى بالخوارزميات والمعرفة والعوائد. وهذه البيانات مرتبطة بأشخاص وأُسَر ومجتمعات؛ وقد تكشف أخطاراً صحية لم يعرفها أصحابها بعد، أو تسهم في تطوير وسائل تشخيص وأدوية. لذلك، فإن استخدامها يطرح سؤالاً عن حقوق أصحابها ونصيبهم من منافعها.

ان البيانات الطبية معلومات عن أشخاص حقيقيين تحمل تفاصيل حساسة عن صحتهم وأسرهم وجيناتهم وسلوكهم، وقد تكشف أخطاراً مرضية لم يعرفوها بعد. وعندما تُستخدم هذه البيانات لتدريب نموذج للذكاء الاصطناعي، فإن قيمتها تتجاوز غرض الفحص الأصلي؛ إذ قد تسهم في إنتاج معرفة، أو تطوير وسيلة تشخيص، أو دواء، أو ابتكار منتج تجاري يحقق أرباحاً.

استعمار البيانات الصحية... من يملك المعرفة والعائد؟

من الخصوصية إلى السيادة

تركِّز النقاشات على الخصوصية: هل أُزيل اسم المريض؟ وهل وافق على استخدام بياناته؟ لكن ذلك لا يحسم أسئلة: من يحدد استخداماتها اللاحقة؟ وهل تُستغَل تجارياً بعد انتهاء البحث؟ ومن يحق له فحص النظام أو الاعتراض على نتائجه؟ فقد تُخزَّن البيانات داخل الدولة، بينما تعتمد معالجتها على خدمات سحابية لا تستطيع الجهة الرقابية تدقيقها. لذلك، لا تكفي حماية الملف الطبي؛ بل نحتاج إلى سلطة فعلية لمراقبة الأنظمة التي تستخدمه وتؤثر في القرار العلاجي.

دراسة تكشف 3 فجوات

وقدمت دراسة نُشرت في مايو (أيار) 2026 في «مجلة اقتصاديات وسياسات الصحة العالمية» (Journal of Global Health Economics and Policy) مثالاً على هذه التحديات؛ إذ درس الباحثون 4 شركات أفريقية تستخدم الذكاء الاصطناعي في الخدمات الصحية، مستندين إلى 36 مصدراً منشوراً. وحددوا 3 فجوات: الاعتماد على خدمات سحابية أجنبية، ومحدودية الأدلة المنشورة على الرقابة المحلية على بيانات التدريب وإعادة تدريب النماذج واختبارها، وتفاوت الأطر التنظيمية بين نيجيريا وكينيا وجنوب أفريقيا.

وخلصت الدراسة إلى أن «السيادة التشخيصية» تتجاوز امتلاك البيانات أو تخزينها محلياً، لتشمل القدرة على فحص بيانات التدريب، واختبار أداء النموذج لدى السكان المحليين، ومتابعة تحديثاته، والتدخل عند تراجع أدائه، ومحاسبة المسؤول عن الضرر. واقترح الباحثون صناديق إقليمية للبيانات الصحية، واختبار التقنيات تحت إشراف رقابي متدرج، وآليات تدقيق عامة، وعقود شراء تشترط نقل المهارات والتحقق المحلي.

لكن الدراسة استكشافية؛ فقد اعتمدت على معلومات منشورة، دون تدقيق تقني مباشر أو مقابلات مع الشركات والمرضى والجهات الرقابية. لذلك، لا تثبت وقوع مخالفات لدى الشركات الأربع؛ بل تشير إلى اختلال محتمل في توزيع السيطرة يستدعي مزيداً من البحث والتدقيق.

السؤال العربي

إذا كانت الدراسة تناولت أفريقيا جنوب الصحراء، فإنها تطرح سؤالاً مهماً للعالم العربي. فالمنطقة تضم أنظمة صحية رقمية متقدمة، وأخرى تعاني ضعف السجلات والاتصال والقدرات التنظيمية. وقد تتفاوض الدول الأقدر على شراكات أفضل، بينما تقبل الأنظمة الأقل موارد شروطاً غير متكافئة للحصول على التقنية. وهكذا، قد تتسع الفجوة داخل المنطقة نفسها، إلى جانب الفجوة بين الشمال والجنوب.

والبيانات العربية تكتسب أهميتها من التنوع الجيني والوبائي واللغوي للسكان، وإذا استُخدمت لبناء نماذج لا يستطيع الباحثون المحليون الوصول إليها أو مراجعتها، فقد تصبح المنطقة مصدراً للبيانات وسوقاً للمنتجات، بدلاً من المشاركة في إنتاج المعرفة. وقد يعود النموذج بواجهة عربية، دون أن يكون أداؤه قد اختُبر بما يكفي لفهم اللهجات وطرائق وصف الألم والأنماط المرضية المحلية.

ولهذا، ينبغي ألا يُقاس نجاح التحول الرقمي بعدد الملفات المجموعة أو العقود الموقعة وحده؛ بل بالقدرة المحلية على التحليل والتدقيق والاعتراض. فامتلاك خوادم البيانات لا يمنح الدولة سيادة فعلية ما لم تمتلك خبراء وصلاحيات لفحص النموذج، وفهم حدوده، وإيقاف استخدامه عند الحاجة.

السيادة لا تعني العزلة

لا تعني السيادة حجب البيانات أو رفض التعاون الدولي؛ فالبحوث ضرورية لدراسة الأمراض النادرة وتطوير الطب الدقيق والاستعداد للأوبئة. ولا تكمن المشكلة في استخدام منصة أجنبية؛ بل في غياب شراكة متوازنة ورقابة فعالة. المطلوب تعاون يتيح الاستفادة من التقنيات، مع الاحتفاظ بحق فحص البيانات والنماذج، والتحقق من أدائها، ومساءلة المسؤولين عن القرارات التي تمس المرضى.

من يملك القيمة؟

تبدأ الحماية بموافقة تميِّز الاستخدام البحثي من التجاري، وعقود تحدد أين تُعالج البيانات وكيف تُستخدم لاحقاً، وتضمن تقاسماً عادلاً للملكية الفكرية والمنافع. وينبغي أن تكفل الشراكات دوراً قيادياً للباحثين المحليين، والوصول إلى سجلات التدقيق، واختبار النماذج لدى السكان المحليين، والإبلاغ عن تحديثاتها والحوادث المرتبطة بها، والاستثمار في القدرات الحاسوبية والمهارات العربية. كما ينبغي أن تتيح العقود للحكومات والمستشفيات تغيير المورِّد دون فقدان البيانات أو الارتهان لخدماته.

في الاقتصاد الطبي، قد تستمر قيمة بيانات المريض طويلاً بعد انتهاء الفحص. لذلك، لا يكفي السؤال عن حمايتها من السرقة؛ بل يجب أن نسأل: من يحوِّلها إلى معرفة؟ ومن يملك المعرفة؟ وهل تعود فوائدها إلى الأشخاص والمجتمعات التي جاءت منها؟ فالشراكة العادلة تتيح تقاسم المعرفة والقدرة والعائد. أما حين يقدِّم طرف البيانات ويحتكر الآخر قيمتها، فإن التعاون قد يتحول إلى علاقة تبعية، مهما بدا متقدماً.


جين شائع يكشف سرّ سرعة تطور مرض باركنسون

مرض باركنسون ويظهر يساراً إلى الأسفل «مستوى الدوبامين الطبيعي» ويميناً «مستوى الدوبامين في مرض باركنسون»
مرض باركنسون ويظهر يساراً إلى الأسفل «مستوى الدوبامين الطبيعي» ويميناً «مستوى الدوبامين في مرض باركنسون»
TT

جين شائع يكشف سرّ سرعة تطور مرض باركنسون

مرض باركنسون ويظهر يساراً إلى الأسفل «مستوى الدوبامين الطبيعي» ويميناً «مستوى الدوبامين في مرض باركنسون»
مرض باركنسون ويظهر يساراً إلى الأسفل «مستوى الدوبامين الطبيعي» ويميناً «مستوى الدوبامين في مرض باركنسون»

أظهرت دراسة حديثة أن متغيرات وراثية في جين «إم سي 1 آر» (MC1R) ترتبط بتسارع تدهور الأعراض الحركية لدى المصابين بمرض باركنسون، وهذا ما قد يساعد مستقبلاً في تحديد المرضى الأكثر عرضة لتقدم الحالة بالمرضية وتيرة أسرع.

اختبار جيني بسيط

أجرى الدراسة باحثون من معهد ماس جنرال بريغهام لعلوم الأعصاب في بوسطن ومن جامعة هارفارد الأميركية، ونُشرت نتائجها في دورية «JAMA Neurology» في 8 سبتمبر (أيلول) 2026. وتشير النتائج إلى أن اختباراً جينياً بسيطاً قد يوفر أداة إضافية لتقدير مسار المرض وتحسين تصميم التجارب السريرية، كما يفتح المجال أمام بحث جين «إم سي 1 آر» بوصفه هدفاً محتملاً لعلاجات جديدة تستهدف مسار المرض.

وقال الدكتور زيكون تشن من قسم طب الأعصاب مستشفى ماساتشوستس العام كلية الطب بجامعة هارفارد الباحث الرئيسي في الدراسة، إن متغيرات «إم سي 1 آر» كانت شائعة بين المشاركين، وارتبطت بتقدم أسرع بشكل ملحوظ للمرض. وأشار إلى أن أهمية هذا الاكتشاف تزداد، لأن المسار البيولوجي المرتبط بالجين يمكن استهدافه دوائياً، كما أظهرت أبحاث سابقة على نماذج حيوانية تأثيرات وقائية محتملة لتنشيطه.

جين معروف بلون الشعر والجلد

يعدّ مرض باركنسون اضطراباً عصبياً تنكسياً يتطور تدريجياً مع فقدان الخلايا العصبية المنتجة للدوبامين في الدماغ، ما يؤدي إلى أعراض مثل الرعشة وبطء الحركة وتيبس العضلات واضطرابات التوازن والتنسيق.

أما جين «إم سي 1 آر» فعادة ما يرتبط بلون الشعر والجلد، واشتهر خصوصاً بعلاقته بالشعر الأحمر وزيادة خطر الإصابة بسرطان الجلد الميلانيني (melanoma). لكنّ للجين أيضاً دوراً في تنظيم كيفية استجابة الخلايا بما فيها الخلايا العصبية المنتجة للدوبامين للإجهاد التأكسدي.

ورغم أن الشعر الأحمر سمة نادرة نسبياً، فإن المتغيرات التي تقلل وظيفة «إم سي 1 آر» بصورة جزئية أكثر شيوعاً. ووجد الباحثون أن أكثر من 60 في المائة من مرضى باركنسون من أصول أوروبية في الدراسة كانوا يحملون أحد هذه المتغيرات.

تدهور حركي أسرع بنحو 30 في المائة

اعتمد الباحثون في الدراسة الأساسية على بيانات طويلة الأمد من مبادرة «Parkinson's Progression Markers Initiative (PPMI)»، وهي دراسة دولية تابعت بعض المشاركين لمدة تصل إلى 12 عاماً. وشملت المرحلة الأساسية 383 شخصاً مصاباً بمرض باركنسون غير المرتبط بطفرات وراثية معروفة تسبب المرض. وقارن الباحثون المرضى الذين يحملون متغيرات في جين «إم سي 1 آر» تقلل من وظيفة الجين بغير الحاملين لها.

وأظهرت النتائج أن حاملي هذه المتغيرات شهدوا تراجعاً في الوظائف الحركية أسرع بنحو 30 في المائة، مقارنة بغير الحاملين. وكان التأثير مرتبطاً بعدد نسخ المتغير الجيني؛ فقد سجل الأشخاص الذين يحملون نسختين من متغيرات فقدان الوظيفة، معدل تدهور حركي أسرع بنحو 63 في المائة مقابل نحو 27 في المائة لدى من يحملون نسخة واحدة.

نتائج تتكرر في مجموعات أخرى

لم تتوقف النتائج عند مجموعة الدراسة الأساسية؛ إذ أعاد الباحثون تحليلها باستخدام مجموعة مستقلة ضمت 587 مريضاً شاركوا في تجارب سريرية مختلفة. وفي هذه المجموعة ارتبط حمل متغيرات «MC1R» بتدهور حركي أسرع بنحو 50 في المائة، ما عزز النتائج الأولية.

كما درس الباحثون مجموعة صغيرة من الأشخاص الذين ظهرت لديهم مؤشرات مبكرة على مرض باركنسون، لكنهم لم يكونوا قد حصلوا بعد على تشخيص سريري. وكان حاملو المتغيرات أكثر من 4 مرات عرضة لتطور المرض مقارنة بغير الحاملين.

وقال جاكسون شوماخر من قسم طب الأعصاب مستشفى ماساتشوستس العام كلية الطب بجامعة هارفارد الباحث المشارك في الدراسة، إن أهمية النتائج تكمن في تكرار العلاقة عبر مجموعات مختلفة ومراحل متعددة من المرض بما في ذلك الأشخاص الذين لم يُشخّصوا بعد والمرضى في المراحل المبكرة والمرضى الذين يتلقون علاجات تعتمد على الدوبامين.

هل يصبح جين «إم سي 1 آر» هدفاً لعلاج باركنسون؟

تمثل النتائج امتداداً لأبحاث سابقة أجراها الفريق حول العلاقة بين «MC1R» وباركنسون وسرطان الجلد الميلانيني. ويرى الباحثون أن النتائج السريرية الجديدة إلى جانب أدلة سابقة من التجارب قبل السريرية أظهرت تأثيرات وقائية محتملة لبعض الأدوية التي تنشط مسار «MC1R» توفر أساساً لمزيد من البحث في إمكانية استهداف هذا المسار علاجياً.

ومع ذلك لا تعني النتائج أن متغيرات «MC1R» تتسبب وحدها في تسارع مرض باركنسون، ولا أن الاختبار الجيني يمكنه حالياً التنبؤ بدقة بمسار المرض لدى كل مريض. ويحتاج الأمر إلى دراسات إضافية لتأكيد العلاقة وفهم آليتها وتحديد ما إذا كان استهداف «MC1R» يمكن أن يغير بالفعل مسار المرض.

وقد يمهد هذا البحث إذا تأكدت نتائجه في دراسات مستقبلية أمام نهج أكثر تخصيصاً في التعامل مع مرض باركنسون يقوم على استخدام المعلومات الوراثية للمساعدة في فهم اختلاف سرعة تطور المرض بين المرضى.