الهند وباكستان... تنوع مصادر التسليح لمن منح الأفضلية؟

إسلام آباد تتحدث عن إسقاط «مقاتلاتها الصينية» لطائرات نيودلهي «الفرنسية»

تصاعد الدخان في بلدة بونش بالشطر الهندي من كشمير (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان في بلدة بونش بالشطر الهندي من كشمير (أ.ف.ب)
TT

الهند وباكستان... تنوع مصادر التسليح لمن منح الأفضلية؟

تصاعد الدخان في بلدة بونش بالشطر الهندي من كشمير (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان في بلدة بونش بالشطر الهندي من كشمير (أ.ف.ب)

تتباين طبيعة التسليح بين الهند وباكستان بشكل يعكس خيارات استراتيجية وجيوسياسية. فالهند تميل بشكل متزايد نحو التكنولوجيا الغربية بعد عقود من الاعتماد على روسيا، مستفيدة من شراكات مع فرنسا والولايات المتحدة، بينما تعتمد جارتها باكستان على الصين مصدراً رئيسياً، مستفيدة من حلولها منخفضة التكلفة وسريعة الانتشار، ما يعكس سباقاً تكنولوجياً لا يقل سخونة عن ساحات المعارك.

وتتزايد التوترات منذ أسبوعين بين نيودلهي وإسلام آباد، وسط اشتباكات عسكرية كشفت عن تأثيرات سباق التسليح الذي يخوضه البلدان النوويان منذ سنوات، وذلك عقب رواية باكستانية تتحدث عن إسقاط مقاتلاتها الصينية، طائرات هندية من طراز فرنسي، بخلاف تحييدها مسيرات أطلقتها الهند، إسرائيلية الصنع.

تنوع منظومة التسليح غرباً وشرقاً الذي كشف عن وجهه وسط توترات الهند وباكستان اللتين خاضتا 4 حروب سابقة، يراه خبراء عسكريون واستراتيجيون دوليون تحدثت إليهم «الشرق الأوسط»، يفرض معادلات ردع جديدة وأفضلية جوية لإسلام آباد حال تأكد ذلك من مصادر محايدة، لافتين إلى أن الهند الأكبر عسكرياً لا سيما في التسليح، «ستعيد حساباتها وربما تتجه لصفقات أكبر لعلاج الخلل غير المسبوق».

حادث الإسقاط المحتمل يأتي في ظل سياق اشتباكات إثر توتر بين البلدين منذ 22 أبريل (نيسان)، على خلفية تبادل الاتهامات بشأن هجوم استهدف سياحاً بمنطقة خاضعة لسيطرة الهند.

أفراد الشرطة الباكستانية يتفقدون الموقع الذي زُعم أن طائرة مسيرة أُسقطت فيه بمدينة كراتشي (أ.ف.ب)

وجاء الإعلان عنه على لسان الناطق باسم الجيش الباكستاني أحمد شودري، بالتأكيد على «إسقاط الجيش الباكستاني 5 طائرات (هندية) 3 منها من (طراز) رافال (الفرنسي)»، في أكبر خسارة محتملة للجيش الهندي منذ عقود.

وغداة الإعلان، أكد وزير الخارجية الباكستاني، إسحاق دار، الخميس، الحدث قائلاً إن جيش بلاده «استخدم طائرات صينية الصنع لإسقاط الطائرات (الرافال) الهندية (الأربعاء)»، بحسب ما ذكرته شبكة «سي إن إن» الأميركية، الخميس.

وعاد شودري في مؤتمر صحافي، الخميس، كاشفاً عن أن «قوات الأمن الباكستانية قامت حتى الآن بتحييد طائرات دون طيار من طراز هاروب (إسرائيلية الصنع) وأسقطتها في مواقع مختلفة»، فيما أفادت الهند التي تجمعها علاقات جيدة مع إسرائيل، في بيان لوزارة الدفاع، نقلته «رويترز»، بأنها استهدفت أنظمة دفاع جوي في عدة مواقع في باكستان، صباح الخميس، دون أن تنفي أو تؤكد نبأ سقوط الطائرات الفرنسية أو المسيرات الإسرائيلية.

وعند سؤال «الشرق الأوسط» نيراج سينج، مدير الأبحاث في مركز رايسينا بالهند، عن مدى حقيقة إسقاط مقاتلات عسكرية، اعتذر عن التعليق، مشيراً إلى أن باكستان تهاجم بلاده حالياً بالمسيرات، فيما أكد خبير الشؤون الاستراتيجية الباكستاني، الدكتور قنديل عباس، أن بلاده «في مرحلة دفاع، وتمكنت من إسقاط خمس طائرات هندية، بما في ذلك ثلاث طائرات رافال بخلاف إسقاط مسيرات إسرائيلية دون طيار».

ويناقش المحلل العسكري النمساوي، غوستاف سي غريسيل، الجدل المثار بشأن الاستهداف فنيا قائلاً: «الأمر يعتمد على التخطيط الدقيق وتنفيذ مهمة الضربة، بالإضافة إلى اشتباك الدفاع الجوي. وللأسف، ليس لديّ الكثير من التفاصيل حول ذلك»، مستدركا:«لكن عادةً، إذا كنتَ تواجه عدواً يتمتع بدفاعات جيدة، فأنت تُجري استطلاعاً إلكترونياً أولاً لاكتشاف مواقع صواريخ أرض-جو وتحديد موقعها، ثم تُرسل حزمة هجومية أولى من طائرات الدفاع الجوي الصاروخي لمهاجمة أو تدمير أو قمع مواقع صواريخ أرض-جو تلك، ثم تُرسل حزمة الهجوم الرئيسية مصحوبة بطائرات تشويش لإرباك وتعمية مواقع صواريخ أرض-جو المتبقية».

ويطرح غوستاف سي غريسيل أسئلة في هذا الصدد قائلا: «هل فعلت الهند ذلك؟ إلى أي مدى؟ بالنظر إلى أنها ضربت بعد وقت قصير من القصف الذي أرادت الرد عليه، كيف نسقوا؟ كيف تغلبوا على العقبات التقنية باستخدام طائرات غربية وسوفيتية عند التنسيق المباشر لمثل هذا الهجوم؟ وعلى الجانب الباكستاني، كم استغرقت مدة استعدادهم؟ هل توقعوا الضربة ونصبوا كمينًا مناسبًا، أم حدث ذلك عفويًا؟». قبل أن يجيب قائلا «أعتقد أنه لم يكن هناك وقت كافٍ للتحضير».

ويذهب إلى أبعد من سباق باكستان والهند في تنويع منظمة التسليح، مؤكدا «ضرورة وجود طواقم مدربة جيدا حتى لا تحدث الأخطاء»، في إشارة أن الخطأ قد يكون بشريا وليس من قدرات المقاتلة الهندية ذات الطراز الفرنسي.

بدوره، قال كبير الباحثين في معهد تايهي الصيني، الدكتور إينار تانغين إن «الادعاءات الأخيرة بتفوق باكستان بإسقاطها طائرات هندية بأسلحة صينية هي مسألة تحقيق مستمر، وستتطلب الحقيقة تحقّقاً محايداً»، لافتاً إلى أن «أسباب أي تفوق مُتصوّر معقدة، ومن المُرجّح أن تنطوي على مجموعة من العوامل، بما في ذلك قدرات المعدات والتدريب والمبادئ العملياتية والظروف الخاصة لأيّ اشتباك»، مؤكداً في الوقت ذاته القدرات الكبيرة للصناعة العسكرية الصينية.

ويعتقد الخبير العسكري والاستراتيجي نائب رئيس أركان الجيش الأردني السابق، الفريق قاصد محمود، أن باكستان منذ بداية التوترات الأخيرة يبدو لديها أفضيلة بسلاح الجو عن نظيرتها الهندية، مع إعلانها تحقيق نتائج إيجابية تتفوق على ما تملكه الهند، خاصة وهي لم تنف بعد إسقاط مقاتلاتها، لافتاً إلى أن «المقاتلات الصينية تحمل مفاجآت لنظيرتها الفرنسية، وحال تأكد ذلك فنحن ننتظر مزايا أخرى لها خاصة، وقد يكون ما استخدمته إسلام آباد جزءاً فقط منها».

وعلى الرغم من الإشادات (الباكستانية) الأخيرة بميدان المعركة، «فلا تزال فاعلية هذه الطائرات الصينية، موضع تدقيق هادئ، وقد تدفع الهند لتكثيف تنوع منظومة تسليحها، وفق ما يرى الخبير العسكري الروسي، ألكسندر هوفمان.

تسليح متنوع

هذا التطور غير المسبوق حال تأكد، فإنه يفتح تساؤلات بشأن طبيعة منظومة تسليح البلدين، وتشير المعلومات العسكرية إلى أن الهند تمتلك 513 مقاتلة بينها «36 طائرة رافال اشترتها في 2016، ووقعت عقداً لشراء 26 أخرى أواخر أبريل (نيسان) الماضي»، بحسب «رويترز»، بينما تملك باكستان 328 مقاتلة.

وأظهر تقرير حديث صادر عن «معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام» (SIPRI) في مارس (آذار) الماضي، أن الصين أصبحت المورّد الرئيسي للأسلحة إلى باكستان، حيث زوّدتها بما يقارب 80 في المائة من احتياجاتها العسكرية خلال السنوات الأربع الماضية، مقارنة بنسبة 38 في المائة فقط في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

في المقابل، تراجعت الهند بشكل كبير عن اعتمادها التاريخي على الأسلحة الروسية. فبين عامي 2006 و2010، كانت روسيا تُشكّل مصدراً لنحو 80 في المائة من واردات الأسلحة الهندية، لكن هذه النسبة انخفضت إلى نحو 38 في المائة خلال السنوات الأربع الماضية. وخلال نفس الفترة، جاء أكثر من نصف واردات الأسلحة الهندية من دول غربية، أبرزها الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل، وأصبحت باريس وواشنطن من أبرز مورّدي الأسلحة إليها؛ إذ تشكلان معاً نحو 46 في المائة من واردات الهند الدفاعية.

وبحسب تقرير لـ«نيويورك تايمز» الأميركية، الخميس، فإن هناك تحولات في تدفق السلاح وتحالفات القوى الكبرى تعكس تغييرات جذرية في المشهد الجيوسياسي في جنوب آسيا، وأصبحت معه الولايات المتحدة شريكاً أمنياً رئيسياً للهند في مواجهة النفوذ الصيني المتصاعد بباكستان، مما يعقد الصراع الإقليمي ويزيد من احتمالات التصعيد العسكري.

قرويون يمرون أمام حطام صاروخ في حقل على مشارف أمريتسار الهندية (أ.ف.ب)

وبرأي إينار تانغين، فإن «باكستان تعتمد تاريخياً بشكل أكبر على المكونات الشرقية، وخاصةً الصينية، في عتادها العسكري. أما الهند، فرغم استخدامها أيضاً معدات شرقية وآسيوية، فإن لديها محفظة مشتريات أكثر تنوعاً تشمل مصادر غربية ومحلية، وآثار مكونات التسلح تحمل أبعاد تفوّق قد تؤثر على التوازن الاستراتيجي، غير أن نجاح الدعوات الدولية للتهدئة قد تجعل التصعيد غير مؤكد».

وبتقديرات الفريق قاصد محمود، فإن تنوع منظومة التسليح لافت للغاية بالمعركة، خاصة والهند تقوم على تنوع من الشرق وروسيا وحالياً من الغرب، وكذلك باكستان لا تقل عن نيودلهي في هذا الصدد، وكانت تتسلح من الغرب ولديها الـ«إف 16»، لكن السلاح الصيني يبدو مفاجأة وسيعيد الحسابات الهندية، مؤكداً أن هذا التنوع بمنظومة التسليح الباكستاني يحقق نوعاً من معادلات التوازن في الردع، خاصة أن الصراع الهندي - الباكستاني تاريخي وممتد.

ويرى هوفمان أن «مشتريات الهند تُعزز ظاهرياً قوتها القتالية بهياكل طائرات متطورة وأصول تحت سطح الأرض، وتطرح في الوقت نفسه تحديات حادة في تكامل الأنظمة والثغرات التكنولوجية المعقدة التي يمكن استغلالها لا سيما من جانب باكستان للتوصل لأنظمة أكثر ردعاً بمسرح العمليات»، معتقداً أن هذا سيسرع من جهود تطوير قدرات الردع للتغلب على أي ثغرات أو عقبات تكنولوجية رئيسية، خاصة أن «ديناميكية تزويد نيودلهي وإسلام آباد بالذخائر تشهد تحولاً دقيقاً في استعراض القوة الإقليمية، يتجاوز مجرد تعزيز المخزون».

ويتوقع خبير الشؤون الاستراتيجية الباكستاني، الدكتور قنديل عباس، أن «تعتمد باكستان بشكل أكبر على التكنولوجيا الصينية، خاصة وهي تثبت أنها تؤدي بشكل جيد للغاية في مواجهة الهند التي - بحسب الحجم - تعد أكثر تفوقاً من إسلام آباد على مستوى الأسلحة والأفراد، لكن بحسب الجودة القتالية فالقوات الباكستانية أكثر احترافية، وهذا ما اتضح في تكبيد الهند خسائر أكبر».


مقالات ذات صلة

خمسة قتلى في تحطُّم طائرة نقل تابعة لسلاح الجو الهندي

آسيا رجال الإنقاذ يقفون بالقرب من حطام مروحية بالقرب من بلدة كونور في ولاية تاميل نادو الجنوبية بالهند (أرشيفية- رويترز)

خمسة قتلى في تحطُّم طائرة نقل تابعة لسلاح الجو الهندي

تحطمت طائرة نقل عسكرية من طراز «أنتونوف- إي إن 32» تابعة لسلاح الجو الهندي اليوم (السبت) أثناء هبوطها في قاعدة جورهات الجوية (شمال شرقي الهند).

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
آسيا أحد السكان العاطلين عن العمل يسكب الماء في أوانٍ فخارية خلال يوم صيفي حار بكراتشي في باكستان (رويترز)

الهند: لن تذهب قطرة ماء واحدة إلى باكستان

تعمل الهند على ضمان عدم تدفق «قطرة ماء واحدة» إلى باكستان المجاورة، بعد أن علّقت نيودلهي معاهدة مياه رئيسية العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
آسيا ركاب يسيرون على رصيف بمحطة قطار في مومباي بالهند (رويترز)

الهند تطلق أكبر تعداد سكاني في العالم... ما أهمية ذلك؟

أطلقت الهند واحدة من أضخم العمليات الإحصائية في العالم، مع بدء تنفيذ أكبر تعداد سكاني وطني، في خطوة قد يكون لها تأثير واسع على السياسات العامة وبرامج الرعاية.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
شؤون إقليمية أرشيفية لصاروخ ينطلق من إحدى بطاريات نظام «القبة الحديدية» الدفاعي الإسرائيلي (د.ب.أ) p-circle

إسرائيل تبحث عن أسواق أسلحة جديدة رغم ارتفاع مبيعاتها

رغم إلغاء أو تجميد عدد من الزبائن صفقات شراء الأسلحة الإسرائيلية بسبب الحرب على غزة، فإن الصناعات الحربية الإسرائيلية سجّلت ارتفاعاً سنوياً في حجم مبيعاتها.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية أرشيفية لنتنياهو مستقبلاً نظيره الهندي ناريندرا مودي في مطار بن غوريون عام 2017 (أ.ف.ب) p-circle

مودي في إسرائيل غداً لتحقيق مستوى علاقات «استراتيجية خاصة»

يبدأ رئيس الوزراء الهندي ⁠ناريندرا مودي زيارة إلى إسرائيل، الأربعاء، تهدف إلى رفع مستوى العلاقات إلى «استراتيجية خاصة» بما يشمل التعاون وقت الحرب.

كفاح زبون (رام الله)

«إنذار حقيقي» لدول أخرى... بنغلاديش تخوض معركة ضد الحصبة

مرضى يُشتبه في إصابتهم بالحصبة يتلقون العلاج على أرضية جناح عزل المصابين بالحصبة في مستشفى «شهيد شمس الدين أحمد» بمدينة سيلهيت ببنغلاديش (رويترز)
مرضى يُشتبه في إصابتهم بالحصبة يتلقون العلاج على أرضية جناح عزل المصابين بالحصبة في مستشفى «شهيد شمس الدين أحمد» بمدينة سيلهيت ببنغلاديش (رويترز)
TT

«إنذار حقيقي» لدول أخرى... بنغلاديش تخوض معركة ضد الحصبة

مرضى يُشتبه في إصابتهم بالحصبة يتلقون العلاج على أرضية جناح عزل المصابين بالحصبة في مستشفى «شهيد شمس الدين أحمد» بمدينة سيلهيت ببنغلاديش (رويترز)
مرضى يُشتبه في إصابتهم بالحصبة يتلقون العلاج على أرضية جناح عزل المصابين بالحصبة في مستشفى «شهيد شمس الدين أحمد» بمدينة سيلهيت ببنغلاديش (رويترز)

تكافح بنغلاديش لاحتواء أسوأ تفشٍّ للحصبة في العالم، وهي أزمة تفاقمت بسبب ضعف البيانات وقصور جهود التوعية وفجوات التطعيم، ويقول خبراء إنها تشكل إنذاراً لدول أخرى من خطر قاتل لتراجع معدلات التحصين، وفق «رويترز».

وقالت «منظمة الصحة العالمية» إن بنغلاديش، التي تعثر برنامجها للتطعيم الروتيني في 2025، أبلغت عن 202 ألف حالة اشتباه إصابة بالحصبة، تأكدت 22 ألفاً منها في المعامل، منذ بدء ​التفشي في منتصف مارس (آذار) وحتى 9 أكتوبر (تشرين الأول). ويمثل ذلك أكبر عدد من الحالات المشتبه بها في أي بلد هذا العام.

وقالت المنظمة إن 1147 شخصاً توفوا حتى الآن جراء هذا المرض شديد العدوى، وكان الأطفال دون الخامسة يشكلون 94 في المائة من الوفيات المسجلة.

وتظهر تجربة بنغلاديش صعوبة احتواء تفشٍّ للمرض عندما تنخفض تغطية التطعيم إلى ما دون 95 في المائة، وهو المستوى الذي تقول «منظمة الصحة العالمية» إنه ضروري لمنع التفشيات. وكانت بنغلاديش قد اقتربت من بلوغ هذا المستوى في السنوات القليلة الماضية، لكن التغطية تراجعت في 2025.

آباء يرعون أطفالهم الذين يتلقون العلاج في جناح عزل المصابين بالحصبة (رويترز)

وخلص استعراض أجرته «رويترز» لوثائق «منظمة الصحة العالمية»، إلى جانب مقابلات مع أكثر من 10 علماء وعاملين في مجال الصحة ومسؤولين، إلى أن استجابة بنغلاديش الطارئة أعاقتها أيضاً بيانات أغفلت ملايين الأطفال، وقصور في الاستعداد، وإخفاق في الوصول إلى عدد كافٍ من الآباء والأمهات.

وقال مارك جيت مستشار اللقاحات في «منظمة الصحة العالمية» وأستاذ بكلية الصحة العامة العالمية في جامعة نيويورك: «هذا إنذار حقيقي لكل بلد».

وأضاف أن منع التفشي بالتطعيمات أسهل وأقل تكلفة وأكثر أماناً من الاستجابة لحالة طارئة.

وتابع: «ستوقف الاستجابة التفشي في نهاية المطاف، لكن في هذه الأثناء سيصاب كثيرون بالحصبة وسيموت بعضهم».

وقال ضياء الدين حيدر المساعد الخاص لرئيس الوزراء طارق رحمن لشؤون الصحة لـ«رويترز» في سبتمبر (أيلول)، إن الحكومة تبذل كل ما في وسعها لإنهاء التفشي. ولم ترد الحكومة على أسئلة إضافية أرسلت في أكتوبر لإعداد هذا التقرير.

«لم يأتوا إلا بعد أن دفنت ابني»

في منطقة سيلهيت بشمال شرقي البلاد، إحدى أكثر المناطق تضرراً في الدولة التي يبلغ عدد سكانها 178 مليون نسمة، توفي أرمان ‌حسين البالغ من العمر عامين ‌في يوليو (تموز)، من دون تلقي تطعيم بعد 24 ساعة من إدخاله المستشفى لتلقي علاج موله أفراد أسرته ببيع عربة الركشو ذات الثلاث عجلات التي يملكونها. ​ونجت ‌شقيقته البالغة ⁠من العمر 4 ​أعوام، ⁠والتي لم تتلقَّ أيضاً التطعيم.

أقارب يواسون الطفل استياك محمود زيان البالغ من العمر 6 سنوات والذي يتلقى العلاج على أرضية جناح عزل المصابين بالحصبة (رويترز)

وقال والده أمين ميا البالغ من العمر 26 عاماً، إن قريتهم النائية في سيلهيت لم يزُرها أي من العاملين في القطاع الصحي لتقديم التطعيمات في الوقت المناسب. وأضاف: «لم يأتوا إلا بعد أن دفنت ابني».

وتقول «منظمة الصحة العالمية» إن الحصبة تقتل عادة شخصين أو 3 من كل ألف حالة، لكن المرض قد يكون أكثر فتكاً في البلدان الفقيرة بسبب عوامل مثل سوء التغذية.

وفي بلدة تشاتاك، التي تقع أيضاً في منطقة سيلهيت، توفيت ابنة النجار همايون رشيد، البالغ من العمر 30 عاماً، في يونيو (حزيران)، عن عمر 9 أشهر من دون تلقي التطعيم. وكان يمكن أن تتلقى لبيبة أختر جرعة تطعيم في أبريل (نيسان)، عندما خفض برنامج طارئ سن التطعيم إلى 6 أشهر بدلاً من 9.

وقال والدها: «لم يأتِ أي عامل صحي ليخبرنا».

وقال وزير الصحة سردار محمد سخاوات حسين في مايو (أيار)، إن الحملة الطارئة خفضت الحالات في بؤر التفشي إلى «ما يقارب الصفر»، وإن التفشي أصبح تحت السيطرة.

لكن بنغلاديش أبلغت في سبتمبر عن متوسط يومي بلغ 1198 حالة إصابة جديدة بالحصبة، التي تتسبب في ارتفاع الحرارة والسعال وطفح جلدي. وكان ذلك أعلى إجمالي منذ مايو.

ويأتي تفشي المرض ببنغلاديش في وقت يتزايد فيه التردد إزاء اللقاحات، خصوصاً في الدول الأكثر ثراء، وسط تشكك يروج له أشخاص مثل وزير الصحة الأميركي.

وقال خبراء إن الحصول على التطعيمات والوعي بها يمثلان عقبتين كبريين ⁠في بنغلاديش.

وحتى وقت قريب، كانت بنغلاديش قصة نجاح في مجال التطعيم. وأشارت تقديرات «منظمة الصحة العالمية» و«منظمة الأمم المتحدة للطفولة» (يونيسف)، إلى أن تغطية الجرعة الأولى من اللقاح ‌بلغت 96 في المائة في 2024، و93 في المائة للجرعة الثانية التي تعطى لاستيعاب النسبة القليلة من الأطفال الذين لا يكتسبون مناعة بعد جرعة واحدة.

لكن في العام نفسه، ‌اندلعت احتجاجات أنهت 15 عاماً من حكم رئيسة الوزراء الشيخة حسينة. وفي الاضطرابات السياسية التي أعقبت ذلك، أضرب العاملون في مجال الصحة، وتأخرت طلبات ​اللقاحات، وتعطلت جرعات المتابعة التي تصاحب عادة البرامج الروتينية.

وخلصت تقديرات «منظمة الصحة العالمية» و«اليونيسف»، في تقرير نشر في يوليو، ‌إلى أن تغطية الجرعة الأولى انخفضت إلى 90 في المائة في 2025، في حين بلغت تغطية الجرعة الثانية 86 في المائة؛ أي أقل بعدة نقاط مئوية من نسبة 95 في المائة اللازمة لإيجاد ما يعرف بمناعة القطيع.

يتلقى معصوم البالغ من العمر 8 سنوات العلاج في جناح عزل المصابين بالحصبة - الذي يعاني من اكتظاظ شديد - في مستشفى «شهيد شمس الدين أحمد» بمدينة سيلهيت ببنغلاديش (رويترز)

وأثار التقرير أيضاً تساؤلات ‌بشأن جودة البيانات الرسمية عن التطعيمات ضد الحصبة وغيرها من الأمراض للأعوام من 2023 إلى 2025.

وقال إن الأرقام الأولية أظهرت في بعض الأحيان أن أعداد من تلقوا التطعيم تجاوزت 100 في المائة من المستهدفين، مما يشير إلى أخطاء في احتساب الجرعات أو الأعداد المستهدفة.

البرنامج الطارئ أغفل الملايين

مع ذلك، عندما اندلع تفشي الحصبة، استجابت بنغلاديش بسرعة، وبدا في البداية أنها تكسب المعركة.

وأعقب البرنامج الطارئ تباطؤ أولي في الحالات الجديدة بعد تلقي ما يقرب من 20 مليون طفل اللقاح في أبريل ومايو. وقالت الحكومة إنها غطت كل طفل في الفئة العمرية المستهدفة بين 6 أشهر و5 سنوات.

لكن البرنامج لم يحقق هدفه في الواقع. واتضح ذلك عندما تضمن تدخل صحي روتيني آخر في يونيو (حزيران)، قائمة مستهدفين تزيد بـ4 ملايين طفل على حملة الحصبة، رغم أنها تغطي الفئة العمرية نفسها.

وقال حيدر لـ«رويترز» في 14 سبتمبر، مع ارتفاع حالات الحصبة مجدداً: «هناك فجوة»، وعزا عدم وصول الأطفال إلى التطعيم، إلى تردد الآباء والأمهات، أو إصابة الأطفال بأمراض.

وظهرت أيضاً تحديات أخرى.

وتظهر وثائق اطلعت عليها «رويترز»، ولم يُنشر عنها من قبل، تفاصيل اجتماعات عقدت في أبريل وأغسطس (آب)، بين الحكومة و«منظمة الصحة العالمية» وشركاء صحيين آخرين، وكيف ربما أدى السعي ⁠للتحرك بسرعة إلى أوجه قصور.

وأشارت محاضر اجتماع عقد في 19 أبريل، إلى أن الحكومة اختارت إجراء جولة واحدة فقط مما يسمى فحوص الجاهزية قبل إطلاق برنامج التطعيم الطارئ بسبب ضيق الوقت، بدلاً من الجولات الأربع المعتادة. وتشمل الفحوص كل شيء؛ من التأكد من توافر ثلاجات لحفظ اللقاحات باردة إلى تحديد عدد الأطفال الذين ينبغي تطعيمهم.

وجاء في المحاضر أن جولة واحدة من الفحوص خلصت إلى أن معظم المناطق، وليس جميعها، كانت جاهزة.

الفقراء «يدفعون الثمن»

قال البروفسور محمود الرحمن، عالم الأوبئة ورئيس لجنة التحقق الوطنية للقضاء على الحصبة والحصبة الألمانية في بنغلاديش: «عندما لا تجرى فحوص الجاهزية على نحو سليم، غالباً ما يكون الأطفال الأفقر والأصعب وصولاً إليهم، هم من يفوتهم التطعيم ويدفعون الثمن».

وقال حيدر إن حملة أبريل أطلقت خلال 4 أسابيع. لكن تاج الإسلام عبد الباري، الذي قاد برنامج التحصين في بنغلاديش حتى 2017، قال إن الحملات تتطلب عادة شهوراً من التخطيط.

وبحلول اجتماع أغسطس، جرى تحديد أوجه قصور في التنفيذ. وأشارت المحاضر إلى أن نسبة الأطفال الذين لديهم حالات حصبة مؤكدة ولم يتلقوا التطعيم، ظلت «دون تغيير يذكر بين ما قبل الحملة (82 في المائة) وما بعدها (85 في المائة)... مما يؤكد استمرار فجوات التغطية».

ولم ترد «منظمة الصحة العالمية» على أسئلة بشأن اجتماعي أبريل وأغسطس. لكن نائب ممثل المنظمة في بنغلاديش الطبيب راجيش ناروال، قال إن المنظمة مصممة على دعم الحكومة في هدفها تطعيم كل طفل معرض للخطر.

وأضاف: «يجب أن يصبح التحصين الروتيني أكثر فاعلية وقدرة على الصمود، حتى لا تتكرر هذه الفجوات».

وفي سيلهيت، حيث تظهر السجلات الرسمية وفاة 180 طفلاً، قالت 8 من 16 أسرة قابلتها «رويترز» في سبتمبر، إنها لم ترَ عاملين صحيين يقدمون التطعيمات. وقالت 6 أسر على الأقل، إن العاملين الصحيين لم يزوروا المنطقة إلا بعد وفاة طفل بالحصبة في منطقتهم.

وفي نهاية سبتمبر، أطلقت الحكومة حملة جديدة تستهدف 3.4 مليون طفل فاتتهم حملات سابقة.

وقال وزير الصحة في مؤتمر صحافي: «سنشرك الناس في جميع القرى حتى لا يُترك أي طفل خلف الركب».

لكن الوصول إلى كل طفل لا يزال تحدياً. وتقول «اليونيسف» ومكتب إحصاءات بنغلاديش، إن ما يصل إلى 40 في المائة من الأطفال غير مسجلين، في حين أظهرت بيانات حكومية أن نحو ثلث وظائف العاملين الصحيين شاغرة.


توقيف مؤسس «حركة الصراصير» في الهند

أبهيجيت ديبكي مؤسس «حركة الصراصير» ونيها بورا يتحدثان في مؤتمر صحافي بالعاصمة الهندية نيودلهي - الخميس 17 أكتوبر 2026 (رويترز)
أبهيجيت ديبكي مؤسس «حركة الصراصير» ونيها بورا يتحدثان في مؤتمر صحافي بالعاصمة الهندية نيودلهي - الخميس 17 أكتوبر 2026 (رويترز)
TT

توقيف مؤسس «حركة الصراصير» في الهند

أبهيجيت ديبكي مؤسس «حركة الصراصير» ونيها بورا يتحدثان في مؤتمر صحافي بالعاصمة الهندية نيودلهي - الخميس 17 أكتوبر 2026 (رويترز)
أبهيجيت ديبكي مؤسس «حركة الصراصير» ونيها بورا يتحدثان في مؤتمر صحافي بالعاصمة الهندية نيودلهي - الخميس 17 أكتوبر 2026 (رويترز)

أفادت عدة ‌تقارير إعلامية، اليوم (السبت)، بأن الشرطة الهندية أوقفت مؤسس حركة «كوكروتش» (الصراصير) أبهيجيت ديبكي الجمعة، قبل مسيرة في نيودلهي ​شارك فيها مئات الأشخاص الذين لوحوا بالعلم الوطني وطالبوا باستقالة رئيس مفوضية الانتخابات في الهند.

وقالت قناتا «إنديا توداي» و«نيودلهي تي في» التلفزيونيتان إن ديبكي أوقف لمنع الإخلال بالأمن، وسيُستدعى للمثول أمام قاضٍ تنفيذي اليوم السبت.

ونظم حزب «كوكروتش جاناتا» الذي يقوده شبان، وجماعات معارضة ومنظمات طلابية، ‌مظاهرات شبه ‌يومية هذا الشهر، للمطالبة باستقالة جيانيش ​كومار ‌رئيس ⁠مفوضية الانتخابات، ​بسبب ⁠تعديلات لقوائم الناخبين قال منتقدون إنها تخدم مصالح حزب «بهاراتيا جاناتا» بزعامة رئيس الوزراء ناريندرا مودي.

وتم شطب أكثر من 130 مليون ناخب خلال عملية المراجعة، لكن مفوضية الانتخابات نفت تفضيلها لأي حزب، وقالت إن الناخبين الذين شُطبوا بالخطأ يمكنهم إعادة تسجيل أنفسهم. واتهم حزب «بهاراتيا جاناتا» منافسيه بمحاولة تقويض ⁠الديمقراطية عبر التشكيك في ‌العمليات الانتخابية المشروعة.

وأُفرج اليوم عن الناشطة الطلابية نيها بورا، وهي ​من أبرز وجوه الاحتجاجات، بعدما ‌احتجزتها الشرطة أيضاً الجمعة، بينما كانت تحاول الوصول ‌إلى وسط العاصمة مع عشرات المؤيدين.

وأوضحت الشرطة أن بورا أُطلقت بعد استكمال الإجراءات المتعلقة باحتجازها، في حين تم توقيف ديبكي في قضية جديدة تتعلق بالإخلال بالسلام والأمن وسيمثل أمام محكمة اليوم.

وقالت بورا لوكالة أنباء آسيا الدولية (إيه إن آي) بعد الإفراج عنها: «أرجوكم، ارحموا شعب الهند. اعزلوا جيانيش كومار وأوقفوا المراجعة الخاصة المكثفة، حتى يتنفس المواطنون العاديون في هذا البلد الصعداء، ويشعروا ‌بالارتياح وتُضمن حقوقهم في التصويت».

مناصرون لـ«حركة الصراصير» خلال مسيرة الجمعة 16 أكتوبر في نيودلهي (أ.ب)

واحتجزت الشرطة ديبكي لدى خروجه من منزل ⁠في وسط نيودلهي، ⁠واقتادته إلى سيارة تابعة لها وانطلقت به بعد مشادة قصيرة، وفق ما أوردته وكالة «رويترز».

ودعا ديبكي إلى تنظيم مظاهرة يوم الجمعة، دعماً لاثنين من قادة الحزب أوقفا وحبسا هذا الأسبوع لمدة 5 أيام بتهمة التظاهر في موقع للاحتجاجات مخالفَين حظراً مفروضاً.

وكانت الشرطة قد التقت ديبكي في وقت سابق من يوم الجمعة، وحذرته من المضي قدماً في الاحتجاج.

وبرزت «حركة الصراصير» بوصفها أحد أكبر التحديات السياسية التي يواجهها مودي وحزبه «بهاراتيا جاناتا» خلال فترة حكم رئيس الوزراء الممتدة منذ 12 ​عاماً.

وأدى اعتصام استمر لأسابيع ​نظمه أنصار الحركة في وقت سابق من العام، إلى إجبار وزير التعليم دارمندرا برادان على الاستقالة، بسبب تسريب أسئلة امتحانات.

 

 

 

 

 

 


كوريا الشمالية تختبر طوربيداً مزوّداً بتقنيات الذكاء الاصطناعي

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون يتفقد دبابة قتال جديدة في موقع غير مُعلن عنه في كوريا الشمالية  (أرشيفية - ا.ف.ب)
الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون يتفقد دبابة قتال جديدة في موقع غير مُعلن عنه في كوريا الشمالية (أرشيفية - ا.ف.ب)
TT

كوريا الشمالية تختبر طوربيداً مزوّداً بتقنيات الذكاء الاصطناعي

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون يتفقد دبابة قتال جديدة في موقع غير مُعلن عنه في كوريا الشمالية  (أرشيفية - ا.ف.ب)
الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون يتفقد دبابة قتال جديدة في موقع غير مُعلن عنه في كوريا الشمالية (أرشيفية - ا.ف.ب)

ذكرت وكالة ​الأنباء المركزية الكورية الشمالية، اليوم (السبت)، أن كوريا الشمالية أجرت الخميس ‌تجربة ‌تحت ​الماء ‌لنظام ⁠سلاح ​طوربيد جديد ⁠للتحقق من تحسينات تقنية، واصفة التجربة بأنها ناجحة وخطوة مهمة ⁠في تطوير القوة ‌البحرية للبلاد.

وأضافت ‌الوكالة ​أن ‌الاختبار أثبت ‌فاعلية تكنولوجيا الدفع التي تم تطويرها من خلال ‌أكثر من 180 اختبارا على مدى ⁠السنوات ⁠الخمس الماضية، وأنه تم استخدام الذكاء الاصطناعي في اكتشاف الأهداف وتوجيهها في هذا الطوربيد الجديد العالي ​السرعة ​والموجه بدقة.