الرئيس السوري يعود من باريس بوعود دعم متنوع ولكن مشروطة

ماكرون سيعمل على رفع العقوبات الأوروبية ويعد بـ«إقناع» الأميركيين للاقتداء به

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس السوري أحمد الشرع يتصافحان بحرارة بعد انتهاء مؤتمرهما الصحافي المشترك عصر الأربعاء في قصر الإليزيه (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس السوري أحمد الشرع يتصافحان بحرارة بعد انتهاء مؤتمرهما الصحافي المشترك عصر الأربعاء في قصر الإليزيه (أ.ف.ب)
TT

الرئيس السوري يعود من باريس بوعود دعم متنوع ولكن مشروطة

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس السوري أحمد الشرع يتصافحان بحرارة بعد انتهاء مؤتمرهما الصحافي المشترك عصر الأربعاء في قصر الإليزيه (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس السوري أحمد الشرع يتصافحان بحرارة بعد انتهاء مؤتمرهما الصحافي المشترك عصر الأربعاء في قصر الإليزيه (أ.ف.ب)

لم يعد أحمد الشرع، رئيس السلطة الانتقالية في سوريا، خالي الوفاض من زيارته السريعة إلى باريس الأربعاء. فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، صاحب الدعوة، استقبله على باب قصر الإليزيه، وثلة من حرس الشرف الجمهوري أدت له التحية.

وحظي الشرع باجتماع من ساعتين مع ماكرون، ومؤتمر صحافي مشترك، ووداع رسمي. وباختصار، عومل الشرع على أنه رئيس دولة بكل ما يرتبه البروتوكول الرسمي من إجراءات، وترتيبات. وبذلك، يكون ماكرون قد أدى خدمة شخصية وسياسية للشرع، ,فتح له المجال ليُستقبل في عواصم أوروبية أخرى بالنظر لدور وثقل فرنسا داخل الاتحاد الأوروبي.

أولوية رفع العقوبات الدولية

بيد أن الفائدة التي جناها الشرع تذهب أبعد من ذلك بكثير. والمؤكد أن أهمها الالتزام الذي قدمه ماكرون بالعمل، أولاً، على رفع العقوبات الأوروبية عن سوريا في الأول من يونيو (حزيران) القادم، حيث تنتهي مهلة العقوبات المفروضة عليها حالياً. ولذا، فإن إعادة فرضها أو فرض عقوبات جديدة يستوجبان أن يحصل تصويت بشأنهما. والحال أن القاعدة الأوروبية تقول إن العقوبات تفرض بإجماع أعضاء الاتحاد الـ27، وبالتالي يكفي أن تصوت فرنسا ضد تمديد العمل بها، أو ضد استحداث عقوبات جديدة حتى تحبط أي مساعٍ من هذا النوع. وأكثر من ذلك، التزم الرئيس الفرنسي بالسعي لإقناع الولايات المتحدة لترفع، أو على الأقل لتخفف، العقوبات بدورها. وقال ماكرون بصريح العبارة إن «من مسؤوليتنا أن نعمد إلى رفعها»، مضيفاً أن «مصلحة الجميع اليوم، بما في ذلك مصلحة الأميركيين، التحرك لمرافقتنا في رفع العقوبات عن الشعب السوري».

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني (إلى اليسار) ووزير الطوارئ والكوارث رائد الصالح يصلان إلى قصر الإليزيه للمشاركة في الاجتماع بين إيمانويل ماكرون والرئيس السوري أحمد الشرع (إ.ب.أ)

وبحسب الرئيس الفرنسي، فإن من واجب المجتمع الدولي تخفيف المعاناة الاقتصادية عن السوريين، حيث تفيد تقارير أممية بأن نحو 90 المائة منهم يعيشون تحت خط الفقر. ولذا، فإنه «أبلغ الرئيس (الشرع) أنه إذا استمر على نهجه، فسنفعل الشيء نفسه، أي رفع العقوبات الأوروبية تدريجياً أولاً، ثم سنضغط على شركائنا الأميركيين ليتبعوا نهجنا في هذا الشأن».

ويعي ماكرون أن ثمة دولاً أوروبية «تعتملها شكوك» إزاء الشرع وسلطاته الانتقالية، وبالتالي فإنها، كحال الولايات المتحدة، مترددة في السير وراء نهج الرئيس الفرنسي. ومن جانبه، أوضح الشرع أن العقوبات «وُضعت على النظام السابق بسبب الجرائم التي ارتكبها، وقد زال هذا النظام، وبزوال النظام يجب أن تزول معه هذه العقوبات، وليس هناك أي مبرر لبقاء العقوبات».

لا شيك على بياض

من الواضح أن الشرع وجد في الرئيس الفرنسي «نصيراً». بيد أن ماكرون لم يمنحه «شيكاً على بياض»، إذ وعد برفع العقوبات «تدريجياً»، بمعنى أن أي إخلال بالوعود التي قطعها الشرع، أو بالمتطلبات التي تتمسك بها باريس، ومن ورائها الدول الأوروبية، فسيعني إما تجميد مسار رفع العقوبات، أو التراجع عنه.

أولوية باريس

وأولوية باريس، مثل الآخرين، أن تتمكن السلطات الانتقالية في دمشق، بداية، من أمرين: الأول: توفير الأمن للسوريين، وتحقيق الاستقرار في البلاد، والمساواة في التعامل مع كافة المواطنين، ووضع حد لأعمال العنف المتنقلة من مكان إلى آخر، ومنع تكرار المجازر التي شهدها الساحل السوري، ثم لاحقاً ما عاشته محافظة السويداء، أو بعض قرى محافظة حمص.

وما حصل صدم العواصم الغربية، وجعل الشك يعود إلى صفوفها لجهة قدرة السلطات الانتقالية على الإمساك بالوضع، وضبط الفصائل التي ساهمت مع هيئة «تحرير الشام» في إسقاط نظام الأسد. كذلك، فإن ما جرى لطخ صورة الشرع، وأعاد إلى الأذهان ماضيه المتطرف، وطرح أكثر من سؤال حول صورة سوريا المستقبلية.

سوريون تجمعوا في ساحة «لا ريبوبليكا» وسط باريس للاحتجاج على مجيء الشرع إلى فرنسا (أ.ف.ب)

والأمر الثاني: التشديد على ملاحقة ومحاكمة المسؤولين عن تلك الأعمال، وهو ما أكده ماكرون، وشددت عليه مصادر الإليزيه التي طلبت بأن تنشر لجنة التحقيق التي شُكلت تقريرها، وأن يعمد القضاء لمحاكمة المسؤولين عن هذه الجرائم. ودعا ماكرون بصريح العبارة إلى «حماية جميع السوريين دون استثناء، بغض النظر عن أصلهم، ودينهم، ومعتقدهم» وطالب بضرورة «ملاحقة ومحاكمة مرتكبي أعمال العنف» الطائفية. وكان رد الشرع عليه أن «سلامة المواطنين السوريين هي أولويتنا القصوى، وقد أكدنا ذلك للرئيس ماكرون اليوم».

طمأنة باريس

تريد باريس بناء «سوريا حرّة، ومستقرّة، ومتمتعة بالسيادة، كما تحترم كلّ مكوّنات المجتمع السوري». وتختصر هذه العبارة كافة التحديات التي تواجه السلطات الانتقالية. وتأمل باريس، ومن ورائها كافة الأوروبيين، أن مساعدة السلطات القائمة ستخفف من الضغوط الداخلية، وعلى دول الجوار، وتحول دون تدفق الهجرات عبر المتوسط، وستسهل ورشة إعادة الإعمار، وعودة اللاجئين السوريين.

من هنا، كان موضوع «الجهاديين» الفرنسيين الموجودين شمال البلاد الذي يقلق باريس أحد الملفات التي طرحت، وكذلك مصير العلاقة بين دمشق والأكراد، وسلامة الحدود بين لبنان وسوريا.

وبخصوص كافة الملفات، سعى الشرع لطمأنة الرئيس الفرنسي. ففي ملف المتطرفين الفرنسيين قال الشرع: «قدمت ضمانات للدول (المعنية) بأن هؤلاء الأشخاص لن يشكلوا تهديداً بالنسبة إليها». وما يقترحه عملياً هو بقاؤهم في سوريا، بل لا ينفي احتمال إعطائهم الجنسية السورية إذا كان الدستور المقبل يتيح هذا الأمر.

الهمّ الكردي

ثمة مطلب آخر لماكرون من واشنطن: دعوة الإدارة الأميركية إلى تأخير انسحاب قواتها المرابطة شمال شرقي سوريا، حيث تعتبر باريس أن «التعجيل» الأميركي قبل أن تتضح صورة العلاقة بين دمشق والأكراد سيستفيد منه تنظيم «داعش». كذلك تتخوف باريس من خطط تركيا إزاء الأكراد، ومن قدرة تأثير أنقرة على القرار السوري. وثمة معلومات تفيد بأن فرنسا وأطرافاً أخرى تدرس إمكانية إرسال قوات أوروبية تحل محل القوات الأميركية، حماية للأكراد الذين تعتبرهم فرنسا «شركاء لها في محاربة الإرهاب». وحتى اليوم، ليست هناك خطط واضحة لما سيحصل في المنطقة المذكورة خلال الأشهر المقبلة. وتلعب باريس، بعيداً عن الأضواء، دور «الوسيط» في الاتصالات بين دمشق والأكراد.

الرئيسان ماكرون والشرع خلال المؤتمر الصحافي المشترك في قصر الإليزيه (رويترز)

بيد أن «المفاجأة» التي حملها الشرع إلى فرنسا إعلانه عن وجود «مفاوضات غير مباشرة» مع إسرائيل عبر وسطاء لم يسمهم. ووصف الشرع ما تقوم به إسرائيل التي تتدخل في الجنوب السوري، وتستهدف مواقع عسكرية في الأراضي السورية بشكل شبه يومي بأنها «أعمال عشوائية»، وأضاف ما حرفيته: «هناك مفاوضات غير مباشرة تجري عبر وسطاء لتهدئة الأوضاع، ومحاولة امتصاص (التوتر)، حتى لا تصل الأمور إلى حد يفقد الطرفان السيطرة عليها». وأضاف الشرع: «نحاول أن نتواصل مع كل الدول التي لها تواصل مع إسرائيل للضغط عليها، والتوقف عن التدخل في الشأن السوري، واختراق أجواء سوريا، وقصف بعض منشآتها». ولا شك أن الشرع طلب مساعدة باريس لوقف الممارسات الإسرائيلية التي وصفها ماكرون بأنها «ممارسة سيئة»، وأنها: «لا تضمن أمن إسرائيل على المدى الطويل» والتي «لا تستطيع ضمان أمنها من خلال انتهاك السلامة الإقليمية لجيرانها».

لا شك أن باريس تريد حقيقة مساعدة سوريا، ولكنها، في المقابل، تريد من سلطاتها الانتقالية مساعدتها للقيام بذلك، بمعنى أن تتحقق الوعود التي أغدقها الشرع على محاوريه، رغم أنها تعي التحديات التي يواجهها بعد خمسة أشهر على إطاحة نظام الأسد على المستويات التنظيمية، والأمنية، والاقتصادية. ومن غير تحقيق هذه الوعود سيكون صعباً بالنسبة لباريس الاستمرار في الدفاع عن الشرع، وتسهيل مهمته. فهل سيفعل؟


مقالات ذات صلة

«العدالة الانتقالية في سوريا»: قضية أمجد يوسف وصلت إلى «مرحلة متقدمة»

خاص فحص الأدلة والبقايا البشرية الناتجة عن مجزرة التضامن عام 2013 في الحي الدمشقي الثلاثاء (هيئة العدالة الانتقالية)

«العدالة الانتقالية في سوريا»: قضية أمجد يوسف وصلت إلى «مرحلة متقدمة»

قال رئيس إدارة المساءلة وعضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا إن قضية المتهم الرئيسي في مجازر التضامن أمجد يوسف وصلت إلى «مرحلة متقدمة».

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي عناصر من رجال الدفاع المدني السوري (حساب الدفاع المدني الرسمي على «إكس»)

شاهد... إنقاذ طفل سقط في بئر بعمق 18 متراً شمال سوريا

أعلن «الدفاع المدني» السوري إنقاذ طفل عمره ثلاث سنوات سقط في بئر بعمق 18 متراً بريف حلب بشمال البلاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي جدارية تُحيي ذكرى الهجوم الكيميائي عام 2013 في زملكا بضواحي دمشق مساء الخميس (إ.ب.أ)

اعترافات «عدو الغوطتين»: هاجمنا الأهداف عشوائياً وأوامر القصف كانت تأتي من الأسد

نشرت وزارة الداخلية السورية، مساء الثلاثاء، فيديو مسجلاً لاعترافات ميزر صوان، اللواء الطيار في عهد بشار الأسد والملقّب بـ«عدو الغوطتين».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي صور مقتطعة من الفيديوهات المسربة لمسؤولين أمنيين وحرس في سجن صيدنايا الثلاثاء

تسريب مقاطع كاميرات المراقبة في سجن صيدنايا يثير الريبة في توقيته

أثارت مقاطع فيديو بثها مجهولون، فجر الثلاثاء، لمشاهد من داخل سجن صيدنايا، سُجلت قبل أيام قليلة من الإطاحة بنظام الأسد، جدلاً واسعاً.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي رئيس الأمن السياسي السابق في محافظة درعا جنوب سوريا عاطف نجيب يحضر الجلسة الأولى لمحاكمته في قصر العدل بدمشق 26 أبريل (أ.ف.ب)

نقيب المحامين في سوريا: قانون العدالة الانتقالية قريباً في مجلس الشعب

اعتبر نقيب المحامين في سوريا محمد علي الطويل هذه المحاكمة «بداية الطريق للعدالة الانتقالية في سوريا»، حيث إن القانون ما زال يدرس وسوف يعرض قريباً على مجلس الشعب

«الشرق الأوسط» (دمشق)

سجال المفاوضات مع إسرائيل يهز علاقة بري وعون

الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وفداً من الهيئات الاقتصادية (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وفداً من الهيئات الاقتصادية (الرئاسة اللبنانية)
TT

سجال المفاوضات مع إسرائيل يهز علاقة بري وعون

الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وفداً من الهيئات الاقتصادية (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وفداً من الهيئات الاقتصادية (الرئاسة اللبنانية)

اندلع سجال مفاجئ بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس البرلمان نبيه بري على خلفية المفاوضات مع إسرائيل، بعد أن قال عون إنه نسق كل خطواته في هذا المجال مع بري ورئيس الحكومة نواف سلام، ليأتي رد بري قاسياً بأن كلامه «غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك».

وكان عون قال إنه على إسرائيل أن «تدرك أنه عليها أولاً تنفيذ وقف إطلاق النار بشكل كامل للانتقال بعدها إلى المفاوضات»، مؤكداً أن كل خطوة اتخذها فيما يتعلق بالمفاوضات «كانت بتنسيق وتشاور مع رئيسي مجلس النواب نبيه بري والحكومة نواف سلام، على عكس ما يحكى في الإعلام» وهو ما رد عليه بري سريعاً، قائلاً في بيان: «مع الاحترام لمقام الرئاسة وما يصدر عن فخامة الرئيس، إلا أن الكلام الذي ورد على لسان فخامة رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك، وكذلك بالنسبة لاتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024 وموضوع المفاوضات».

وكان عون قال إنه «يبذل كل جهد ممكن للوصول إلى حل بعيداً عن العنف والدماء الزكية التي تهرق على أرض الجنوب، وهذا الحل يتحقق بالمفاوضات، التي هي حرب بلا دماء».

«كل خطوة اتخذتها كانت بالتنسيق مع بري وسلام»

وفي ظل الحملة التي يتعرض لها عون، على خلفية قرار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، أكد عون «في كل خطوة اتخذتها كنت على تنسيق وتشاور مع رئيسي مجلس النواب نبيه بري والحكومة نواف سلام، على عكس ما يحكى في الإعلام».

وأضاف: «أما بالنسبة للانتقادات بأن لبنان وافق من خلال البيان الأميركي الذي صدر إثر المحادثات الثلاثية في واشنطن، على منح إسرائيل حرية استكمال اعتداءاتها على لبنان، فأقول إن هذا الكلام ورد في بيان صدر عن وزارة الخارجية الأميركية، وهو النص نفسه الذي اعتُمد في تشرين الثاني 2024، والذي وافق عليه جميع الأطراف. وهو بيان وليس اتفاقاً؛ لأن الاتفاق يتم بعد انتهاء المفاوضات».

تطبيق وقف النار بشكل كامل قبل المفاوضات

وشدد الرئيس عون على أنه إذا اعتقدت إسرائيل أنها من خلال الانتهاكات وتدمير القرى الحدودية، بإمكانها الحصول على الأمن، فهي مخطئة؛ لأنها جربت ذلك قبلاً دون نتيجة، مضيفاً: «الأمر الوحيد الذي يمكن أن يحمي الحدود هو عندما تكون الدولة اللبنانية بكامل قوتها موجودة في كامل الجنوب وحتى الحدود الدولية». وقال: «على إسرائيل أن تدرك بشكل نهائي أن الطريق الوحيد للأمن هو عبر المفاوضات، لكن عليها أولاً تنفيذ وقف إطلاق النار بشكل كامل للانتقال بعدها إلى المفاوضات».

بانتظار تحديد موعد للمفاوضات وملف لبنان على طاولة ترمب

وتحدث عون عن «صعوبات كثيرة تعترضنا لتحقيق ذلك، ونعمل قدر المستطاع للتخفيف من تبعات الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، ونقوم باتصالات مكثفة من أجل ذلك، فلا يجوز أن تستمر الاعتداءات الإسرائيلية على حالها بعد إعلان وقف إطلاق النار».

وقال: «نحن الآن بانتظار تحديد موعد من قِبَل الولايات المتحدة لبدء المفاوضات. دول الاتحاد الأوروبي بأسرها والدول العربية معها، دعمت خيارنا بالمفاوضات، وهناك إجماع على مستوى الشعب اللبناني، وخاصة أهل الجنوب، على ضرورة الانتهاء من الحرب».

واعتبر الرئيس عون أن هناك أمراً إيجابياً قد تحقق، وهو أن الملف اللبناني بات اليوم على طاولة الرئيس الأميركي، «الذي يحمل مكانة خاصة للبنان، وقد أشاد خلال الاتصال الهاتفي بيننا بشكل مؤثر بلبنان وشعبه، وهذه فرصة لنا علينا الاستفادة منها للعبور ببلدنا إلى شاطئ الأمان والسلام».


«العدالة الانتقالية في سوريا»: قضية أمجد يوسف وصلت إلى «مرحلة متقدمة»

وفد الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية يتفحص موقع جريمة مجزرة أمجد يوسف في حي التضامن (الهيئة)
وفد الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية يتفحص موقع جريمة مجزرة أمجد يوسف في حي التضامن (الهيئة)
TT

«العدالة الانتقالية في سوريا»: قضية أمجد يوسف وصلت إلى «مرحلة متقدمة»

وفد الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية يتفحص موقع جريمة مجزرة أمجد يوسف في حي التضامن (الهيئة)
وفد الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية يتفحص موقع جريمة مجزرة أمجد يوسف في حي التضامن (الهيئة)

قال رئيس إدارة المساءلة وعضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا، إن قضية المتهم الرئيسي في مجازر التضامن، أمجد يوسف، وصلت إلى «مرحلة متقدمة».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه ستتم إحالة المتهم إلى محكمة الجنايات الرابعة بدمشق التي يمثل أمامها رئيس فرع المخابرات العسكرية بدرعا عاطف نجيب، وذلك «سواء تم إقرار قانون العدالة الانتقالية أم لا».

ولا تزال قضية أمجد يوسف تتفاعل في الشارع السوري مع تجدد فتح ملف المفقودين والمغيبين قسرياً، لا سيما في «حي التضامن» الذي عاد إلى دائرة الاهتمام الإعلامي.

ومع انطلاق المحاكمات، قال رئيس إدارة المساءلة وعضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا، رديف مصطفى، إن ملف قضية أمجد يوسف، المتهم الرئيسي في مجازر التضامن 2013، «يشهد تقدماً واضحاً بعد إلقاء القبض عليه»، وذلك رداً على سؤال «الشرق الأوسط» عما إذا كانت محاكمة المتهم قريبة.

وأوضح مصطفى أن «هناك عملاً مستمراً على استكمال التحقيقات وتجهيز الملف القضائي وفق الأصول القانونية»، لافتاً إلى أنه بعد الانتهاء من التحقيقات سيتم تحويل يوسف إلى النيابة العامة للادعاء عليه، ثم سيتم تحويله إلى قاضي التحقيق وإصدار القرار الظني، ومن ثم إحالته لقاضي الإحالة ليصدر القرار الاتهامي بتحويله إلى المحكمة المتخصصة بالعدالة الانتقالية.

سكان حي التضامن الدمشقي يتحدثون إلى وفد الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا

ورأى مصطفى أن الحديث عن «موعد محدد للمحاكمة يبقى مرتبطاً باستكمال الإجراءات وضمان جاهزية الملف بشكل متكامل»، مع التأكيد على أن «القضية انتقلت إلى مرحلة متقدمة ضمن مسار المساءلة».

وزار وفد من الهيئة موقع مجزرة التضامن، أمس الثلاثاء، «ضمن مسار كشف الحقيقة والتواصل المباشر مع الضحايا وذويهم، والاطلاع الميداني على الموقع المرتبط بالجريمة، إضافة إلى الاستماع للشهادات والإجابة عن الاستفسارات المتعلقة بالمسارات القانونية».

وهدفت الزيارة إلى «تعزيز ثقة الأهالي بمسار العدالة الانتقالية، والتأكيد أن هذه الملفات تُتابع بشكل جدي ومباشر»، وفق مصطفى، الذي أشار إلى العمل على «تنظيم وتمكين الضحايا وتقديم المساعدة القانونية المجانية لهم وتسهيل آليات رفع الدعاوى من قبل المتضررين وذوي الضحايا، بما يضمن السير بالإجراءات بشكل قانوني ومنظم، ويساعد في دعم ملفات المساءلة بالأدلة والشهادات اللازمة»، وذلك رداً على سؤال عما إذا تم بالفعل تنظيم رفع دعاوى من ذوي الضحايا بحق المتهم، وكم بلغ عددها؟

سيدة من أهالي ضحايا مجزرة التضامن تتحدث لوفد هيئة العدالة

وأكد «وجود دعاوى وإفادات وشهادات تم العمل عليها ضمن عدد من الملفات المرتبطة بالانتهاكات والجرائم الجسيمة، لكن في هذه المرحلة لا يتم الإعلان عن الأرقام الدقيقة أو تفاصيل بعض الإجراءات، حفاظاً على سرية التحقيقات وسلامة المسار القضائي».

خلال زيارته الميدانية إلى موقع «مجزرة التضامن»، شرح وفد هيئة العدالة لأهالي الضحايا آليات رفع الدعاوى بحق مرتكبي الجرائم والانتهاكات الجسيمة، إلى جانب الإجابة عن استفساراتهم المتعلقة بالمسارات القانونية والإجراءات المتبعة ضمن إطار العدالة الانتقالية. ويطالب أهالي الضحايا في «حي التضامن»، بالإنصاف وإخراج رفاة شهدائهم ونقلها إلى قبور تحمل أسمائهم، كما يطالبون بالقصاص من المجرمين وتحقيق العدالة.

فحص الأدلة والبقايا البشرية الناتجة عن مجزرة التضامن عام 2013 في الحي الدمشقي الثلاثاء (هيئة العدالة الانتقالية)

وفيما يتعلق بالمحكمة المختصة بالعدالة الانتقالية التي سيمثل أمامها المتهم والقانون الذي سيحاكم على أساسه، سيما وأن القانون الخاص بالعدالة الانتقالية لم يصدر بعد؟ قال مصطفى إن «المتهم سيمثل أمام محكمة الجنايات الرابعة فور الانتهاء من الإجراءات القانونية المذكورة أعلاه»، وستتم إحالة المتهم أمجد يوسف إلى المحكمة نفسها التي أحيل إليها عاطف نجيب، «سواء تم إقرار قانون العدالة الانتقالية أم لا، ولكن نحن نأمل ومقتنعون بأن أمجد سيحاكم وفق قانون.

يشار إلى أن قانون العقوبات السوري الذي تعمل به المحاكم السورية، وبدأت بموجبه محاكمة رموز النظام البائد، غير منصوص فيه على جرائم الحرب والإبادة الجماعية. وفي محاكمة عاطف نجيب «عمل قاضي التحقيق مواءمة ما بين قانون العقوبات السوري والقوانين والأعراف الدولية في جرائم الإرهاب وجرائم الحرب والإبادة الجماعية»، وفق تصريحات سابقة لنقيب المحامين في سوريا، محمد علي الطويل.

وألقت السلطات السورية القبض على أمجد يوسف المتهم الرئيسي في قضية «مجازر التضامن 2013» وراح ضحيتها نحو 500 مدني بينهم نساء وأطفال، حسب اعترافات متورطين في تلك المجازر تم القبض عليهم العام الماضي.

وكشف مقطع فيديو مسرب لإحدى المجازر عام 2022 في تحقيق نشرته صحيفة «الغارديان» عن أمجد يوسف مع رفاقه يقتلون نحو أربعين شخصاً بإطلاق النار عليهم ثم حرق جثثهم في حفرة أعدت مسبقاً لدفنهم.

وبين حين وآخر يعثر أهالي الحي على رفاة وعظام بشرية مبعثرة في الأزقة الترابية والحارات قيد الإنشاء، في الوقت الذي لا يزال مصير العشرات من أبناء الحي مجهولاً.


بري وعون... تواصل مستمر ولقاء مؤجل

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)
TT

بري وعون... تواصل مستمر ولقاء مؤجل

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)

على وقع الضغوط والتحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة اللبنانية، تبرز العلاقة بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس البرلمان نبيه بري، بوصفها أحد العوامل الأساسية المؤثرة في مسار القرار الداخلي. وبينما يفرض الواقع تواصلاً مستمراً وتنسيقاً على مستوى المؤسسات، تكشف التطورات الأخيرة عن تباينات واضحة في المقاربات السياسية، ولا سيما تلك المرتبطة بالتفاوض مع إسرائيل لوقف الحرب، وهو ما يضع العلاقة أمام اختبار فعلي في ظل تعقيدات المرحلة والتحديات المتزايدة على الداخل اللبناني والمسؤولين في بيروت.

وفيما كان لافتاً كلام رئيس الجمهورية، الأربعاء، بتأكيده أن كل خطوة اتخذها فيما يتعلق بالمفاوضات «كانت على تنسيق وتشاور مع رئيسي مجلس النواب والحكومة، على عكس ما يحكى في الإعلام»، يتقاطع التباين بين عون وبري من موقع كل منهما ضمن التموضع السياسي للأفرقاء اللبنانيين، حيث يرتبط بري بتحالف وثيق مع «حزب الله» الذي يقود حملة ضد الرئيس عون على خلفية التفاوض مع إسرائيل، في حين يسعى الأخير إلى تقديم مقاربة أكثر مرونة تجاه المجتمع الدولي ولا تدفع باتجاه مواجهة داخلية، ما يضع العلاقة بينهما ضمن إطار «شدّ الحبال» السياسي المستمر.

من الاطمئنان إلى الخلاف

وآخر لقاء كان قد جمع بري وعون كان في 23 مارس (آذار) الماضي، خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان، وعبّر حينها عن ثقته بما يقوم به الرئيس عون عند سؤاله عما إذا كان مطمئناً للوضع الداخلي، قائلاً: «بوجود فخامة الرئيس أنا مطمئن».

أما اليوم، ومع التبدلات التي طرأت على الوضع الداخلي اللبناني، والاختلاف في مقاربة بعض الأمور الأساسية بين الطرفين، وعلى رأسها المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وهي التي أعلن بري رفضه لها، يطرح السؤال عما إذا كان بري لا يزال مطمئناً أم أن التوتّر دخل إلى العلاقة بينهما، لا سيما بعد تأجيل الاجتماع الثلاثي الذي كان مقرراً الأربعاء في القصر الرئاسي ليجمع بين عون وبري ورئيس الحكومة نواف سلام للبحث في المفاوضات مع إسرائيل، بحيث أشارت بعض المعلومات إلى أن السبب كان الخطاب الأخير للرئيس عون الذي توجه به إلى «حزب الله» رداً على حملات التخوين ضده قائلاً: «الخائن من أخذ بلده للحرب تحقيقاً لمصالح خارجية».

مبنى مدمر نتيجة القصف الإسرائيلي في مدينة صور (رويترز)

تواصل مستمر ولقاء مؤجل

ومع إقرارها بالاختلاف في وجهات النظر، تصف مصادر وزارية مقربة من الرئاسة اللبنانية العلاقة بين عون وبري بـ«الجيدة»، وتؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن الاتصالات مستمرة بينهما، وأن آخر اتصال بينهما كان مساء الثلاثاء.

وهذا الأمر يؤكده النائب في كتلة «التنمية والتحرير» التي يرأسها بري، علي خريس، رابطاً اللقاء بوقف إطلاق النار، ويقول: «الاتصالات بين الطرفين لم تنقطع، وكان آخرها مساء الثلاثاء بحيث الأولوية تبقى لتكريس وقف إطلاق النار»، مشيراً إلى أنه بعد ذلك قد يحصل اللقاء.

ويوضح خريس: «ليس هناك تباعد أو انقطاع بين الطرفين، إنما هو اختلاف في وجهات النظر حول آلية التفاوض، بحيث ندعم خيار المفاوضات غير المباشرة، في حين أخذ رئيس الجمهورية خيار المفاوضات المباشرة».

من هنا، يشير خريس إلى أن المشاورات مستمرة بوتيرة مكثفة، بانتظار ما ستسفر عنه في المرحلة المقبلة، مؤكداً «أن الهدف الأساسي في هذه المرحلة هو وقف العدوان على لبنان وترسيخ التهدئة، خصوصاً في ظل استمرار سقوط ضحايا من المدنيين والصحافيين وعناصر الدفاع المدني، بما يعكس واقعاً ميدانياً يتناقض مع الحديث عن وقف لإطلاق النار ولا يمت إليه بصلة».

بدورها، تؤكد المصادر الوزارية أن جهود الرئيس عون تنصب لتكريس وقف إطلاق النار، مؤكدة «أن اللقاء سيحصل في وقته».

سيدة تصلي أمام تمثال مار شربل على مقربة من صور معلقة في الشارع دعماً لرئيس الجمهورية جوزيف عون (أ.ف.ب)

منسى موفداً من عون وسلام إلى المجلس الشيعي

وسجل يوم الثلاثاء زيارة وزير الدفاع الوطني اللواء ميشال منسى، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب، كما إلى مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، ناقلاً تحيات رئيسي الجمهورية والحكومة.

وقال منسى إنه «يقوم بجولة على القيادات الروحية للمساهمة في جمع البلد على كلمة واحدة»، فيما أكد الخطيب «ضرورة التفاهم الوطني على كل الأمور؛ لأننا لن نصل إلى نتيجة من دون هذا التفاهم ومن خلال المبادرات الفردية».

وفي إشارة واضحة إلى الخلاف حول المفاوضات مع إسرائيل، قال الخطيب: «نحن نريد النجاح لفخامة الرئيس، وقد أيدناه ودعمناه، ولكن يجب أن تحظى كل خطوة بإجماع وطني، وننصحه بالاستعانة بخبرة وحكمة دولة الرئيس نبيه بري».