الإليزيه يفتح أبواب أوروبا أمام الشرع

وماكرون يدعو واشنطن إلى الإسراع في رفع العقوبات عن سوريا

TT

الإليزيه يفتح أبواب أوروبا أمام الشرع

ماكرون مستقبلاً الشرع على مدخل قصر الإليزيه في باريس اليوم (إ.ب.أ)
ماكرون مستقبلاً الشرع على مدخل قصر الإليزيه في باريس اليوم (إ.ب.أ)

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الولايات المتحدة، اليوم (الأربعاء)، إلى «الإسراع في رفع العقوبات» المفروضة على سوريا، و«مواصلة» عملياتها العسكرية ضد تنظيم «داعش».

وقال ماكرون، في مؤتمر صحافي مع الرئيس السوري أحمد الشرع في باريس: «من مصلحة الجميع اليوم، بما في ذلك مصلحة الأميركيين، التحرك لمرافقتنا في رفع العقوبات عن الشعب السوري»، و«تأخير انسحاب هذه القوات من سوريا قدر الإمكان».

وأشار الرئيس الفرنسي إلى أن بلاده ستعمل على رفع العقوبات الأوروبية تدريجياً عن سوريا، مؤكداً أن «رفع العقوبات سيسهم بإعادة إعمار سوريا وتسهيل عودة اللاجئين، وعلى الإدارة الأمريكية أن تعمل على رفعها».

ودعا ماكرون الرئيس السوري إلى القيام بكل الممكن «لضمان حماية جميع السوريين من دون استثناء»، مشدداً على ضرورة ضمان «ملاحقة ومحاكمة مرتكبي» أعمال العنف الطائفية.

كما ندد ماكرون بالضربات والتوغلات الإسرائيلية في سوريا، معتبراً أنها لن تضمن «أمن» إسرائيل على المدى الطويل، قائلاً: «بالنسبة إلى عمليات القصف والتوغّل، أعتقد أنّها ممارسة سيئة. لن يكون في الامكان ضمان أمن بلد من خلال انتهاك سلامة أراضي البلد الجار».

مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل

من جهته، أعلن الشرع أن دمشق تجري عبر وسطاء «مفاوضات غير مباشرة» مع اسرائيل بهدف تهدئة الأوضاع بين الطرفين، بعدما شنّت الدولة العبرية مئات الغارات الجوية في سوريا خلال الأشهر الأخيرة.
وقال الرئيس السوري «بالنسبة للمفاوضات غير المباشرة مع اسرائيل، هناك مفاوضات غير مباشرة تجري عبر وسطاء لتهدئة الأوضاع ومحاولة امتصاص الوضع لكي لا تصل الامور الى حد يفقد السيطرة عليه من كلا الطرفين».

لا «مبرر» للعقوبات

واعتبر الشرع أن استمرار العقوبات الاقتصادية الأوروبية على دمشق لم يعد «مبرراً» بعد سقوط حكم بشار الأسد.
وقال الرئيس السوري «هذه العقوبات وضعت على النظام السابق بسبب الجرائم التي ارتكبها وقد زال هذا النظام، وزوال النظام يجب أن تزول معه هذه العقوبات، وليس هناك أي مبرر لبقاء العقوبات»، مؤكداً في الوقت نفسه أن «سلامة المواطنين السوريين هي أولويتنا القصوى، وقد أكدنا ذلك للرئيس ماكرون اليوم».

زيارة لأول عاصمة أوروبية

وحل الشرع، اليوم، في باريس، أول عاصمة أوروبية يزورها منذ أن وصل إلى السلطة بعد سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد، تلبية لدعوة من الرئيس ماكرون، ورحب ماكرون بالشرع وصافحه في ساحة القصر الرئاسي، حيث اصطفت ثلة من الحرس الجمهوري.

وكان ماكرون اتصل بالشرع، هاتفياً، مرتين، آخرهما بمناسبة الزيارة التي قام بها الرئيس اللبناني جوزيف عون إلى فرنسا نهاية مارس (آذار) الماضي. وبذلك يكون قد اتسعت مساحة العواصم التي تفتح أبوابها أمام الشرع بعد أن كانت محصورة، حتى اليوم، في الدول العربية والخليجية وتركيا.

وحظي الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني، الذي سبق أن مثل سوريا في مؤتمر الدعم الإنساني الذي استضافته باريس أيضاً يوم 13 فبراير (شباط) الماضي، باجتماع رسمي مع ماكرون وفريقه وبمؤتمر صحافي مشترك في قصر الإليزيه.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً بعد ظهر الأربعاء الرئيس السوري أحمد الشرع على مدخل قصر الإليزيه في باريس (إ.ب.أ)

بيد أن هذه الزيارة لم تمر دون احتجاجات على المستوى السياسي. لذا، فإن وزير الخارجية، جان نويل بارو، أشار لدى وصول الشرع إلى باريس، بإعلان أن الأخير «يمكن التعاطي معه»، مضيفاً أن «عدم الانخراط في حوار مع السلطات الانتقالية (السورية) سيكون تصرفاً غير مسؤول تجاه الفرنسيين، وقبل كل شيء سيكون بمثابة بسط السجادة الحمراء» تحت أقدام «داعش».

وكلام بارو يبين أمرين: الأول، أنه يعي أن وجود الشرع في باريس لا بد أن يثير جملة من الاعتراضات من الجهات الفرنسية السياسية التي «لم تهضم بعد» التعاطي مع الرئيس السابق لـ«هيئة تحرير الشام» أو تتناسى ماضيه. والثاني، أن باريس تعرف تماماً أهمية ما يجري في سوريا راهناً وتأثيراته خارج حدودها وصولاً إلى أوروبا.

وقال بارو ذلك صراحة، حين اعتبر أن «أمن الفرنسيين على المحك في سوريا، كما أن مكافحة الإرهاب والسيطرة على تدفقات الهجرة وتهريب المخدرات؛ كلها (مسائل) مرتبطة بالوضع في سوريا، وكذلك مستقبل لبنان».

وباختصار، فإن فرنسا، بصوت وزير خارجيتها، ترى أن قدومه إلى باريس التي وصلها بعد ظهر الأربعاء، «فكرة جيدة» رغم ما تثيره. وكان لوران فوكييه، رئيس المجموعة البرلمانية لحزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي، قد وصف خطوة ماكرون بدعوة الشرع بأنها «خطأ جسيم»، فيما عبرت مارين لوبن، زعيمة اليمين المتطرف ممثلاً بحزب «التجمع الوطني» عن «الصدمة والاستياء»، واصفة الشرع بأنه «الجهادي الذي انضم إلى تنظيم الدولة الإسلامية (القاعدة)». وبالتوازي، دعت مجموعة من الطائفة العلوية المقيمين في فرنسا إلى مظاهرة في باريس احتجاجاً على «الإبادة الجماعية والتطهير العرقي» الحاصلين في سوريا.

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لدى وصوله إلى القصر الرئاسي للمشاركة في الاجتماع بين الرئيس ماكرون والرئيس الشرع (إ.ب.أ)

لم توقف الأمور عند هذا الحد؛ ذلك أن قصر الإليزيه عمد إلى توزيع بيان، الأربعاء، جاء فيه أن الرئيس ماكرون سيطلب من الشرع خلال زيارته «الحرص على جعل مكافحة الإفلات من العقاب واقعاً»، وأن يعمل على «محاكمة» المسؤولين عن «تجاوزات بحق المدنيين». وأضاف البيان أن «طلبنا هو حماية كلّ المدنيين، أياً كان أصلهم وديانتهم».

وذهبت باريس إلى حد الإعراب عن «القلق الشديد» الذي يساور فرنسا إزاء «رؤية مواجهات دينية عنيفة للغاية تعود» إلى سوريا. وسبق لها، في الأسابيع الأخيرة، أن دعت السلطات السورية للعمل على منع حصول أعمال عنف من هذا النوع، وخصوصاً على تفعيل لجنة التحقيق التي تم تشكيلها عقب ما شهده الساحل السوري.

وقال مصدر رئاسي، الثلاثاء، إن المطلوب اليوم «نشر التقرير الذي توصلت إليه اللجنة، والأهم ملاحقة مرتكبي الجرائم». وأكد أن هذا الملف «أساسي» في الاجتماع بين ماكرون والشرع. كذلك، قال المصدر المشار إليه إن باريس «ليست ساذجة» في التعاطي مع الشرع وفريقه، وإنها على دراية بـ«ماضي» بعض المسؤولين السوريين، وهي حريصة على «عدم التساهل» مع «الجماعات الإرهابية». وعلم من مصادر في باريس أن السلطات الفرنسية التي تريد مساعدة الشرع وتعي الصعوبات التي تواجهها السلطات الانتقالية «أخذت تطرح تساؤلات عن قدرة هذه السلطات على الإمساك بالوضع الأمني»، وهي تعي أن تنقل الأحداث الأمنية المتنقلة من مكان إلى آخر وردود الفعل عليها من شأنه «نسف مصداقيتها والوعود التي أغدقتها لجهة الإمساك بالأمن والتعامل مع كل السوريين بنهج واحد». كذلك تعي باريس أن تواصل العمليات العسكرية الإسرائيلية يربك دمشق ويجعلها مكشوفة أمام السوريين، ومشكلتها أن قدرتها التأثيرية على الطرف الإسرائيلي محدودة، وأن «كلمة السر» موجودة في واشنطن.

رئيس الجمهورية السورية أحمد الشرع ووزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني يلتقيان فريد المذهان المعروف بـ«قيصر» على هامش زيارتهما إلى جمهورية فرنسا (سانا - أ.ف.ب)

ما كان لطائرة الشرع أن تحط في مطار باريس لو لم تتدخل فرنسا لدى مجلس الأمن الدولي من أجل الاستحصال منه على إذن لتمكينه من الدخول إليها باعتبار أنه خاضع لعقوبات فرضها عليه مجلس الأمن الدولي.

وقالت المصادر الفرنسية إن الدول التي زارها الشرع سابقاً قامت بالعملية نفسها التي قامت بها فرنسا. ووفق ما أفادت به، فإن رفع اسم الشرع من لائحة منع السفر يحتاج لقرار دولي. ولكن حتى اليوم، لم تتقدم أي دولة بطلب كهذا من الأمم المتحدة.

لقاء «قيصر»

وكان الشرع قد بدأ زيارته إلى باريس بلقاء فريد المذهان، المعروف بلقب «قيصر»، الذي خرج من سوريا إبان الحرب حاملاً آلاف الصور لجثث مشوهة. وقد ارتكز بعض الدول ومنها الولايات المتحدة لاستصدار قانون سمي «قانون قيصر»، لفرض عقوبات على المسؤولين عن المجازر التي ارتكبت في عهد النظام السابق، فضلاً عن العقوبات ضد سوريا.

وتبين المعلومات المتوافرة أن الشرع حمل «أجندة» مختلفة عن الأجندة التي أعدتها باريس لاجتماعه مع ماكرون. فالجانب الفرنسي، كما ذكرت مصادر «الإليزيه»، كان عازماً على التشديد على مسائل رئيسية مثل تشكيلة السلطات التي تريدها فرنسا شاملة لكل الشعب السوري، وقيام دولة القانون، وحماية الحريات والأقليات، ومحاربة الإرهاب، ولا علاقة بين السلطة المركزية و«قسد»، واستقرار الحدود اللبنانية - السورية، وملف اللاجئين. وبالمقابل، فإن الطرف السوري سعى للتركيز على الملف الاقتصادي، وإعادة الإعمار، ورفع العقوبات، والتحديات الأمنية، والاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على سوريا غير المحصورة بمحافظة أو منطقة محددة.

الرئيس السوري أحمد الشرع ملتقياً فريد المذهان المعروف بـ«قيصر» على هامش الزيارة إلى جمهورية فرنسا (سانا - أ.ف.ب)

وقال مصدر دبلوماسي عربي لـ«الشرق الأوسط» إن السلطات السورية تراهن على دور فرنسي لصالحها داخل الاتحاد الأوروبي لرفع مزيد من العقوبات، إضافة إلى ما تم في شهر فبراير الماضي على المستوى الأوروبي، حيث رفعت العقوبات عن قطاعي النقل والنفط. لكن ما يهم دمشق في الوقت الحاضر هو رفع العقوبات المالية الأميركية التي تحول دون وصول المساعدات والرساميل الضرورية لإطلاق ورشة الإعمار وانتشال سوريا من وضعها الاقتصادي المتدهور.


مقالات ذات صلة

مصدر لـ«الشرق الأوسط»: مفاوضات لتبادل أسرى بالسويداء بوساطة أميركية

خاص درزية من محافظة السويداء تستقبل قريبها المفرج عنه في عملية تبادل أسرى بين الأطراف المتنازعة (سانا)

مصدر لـ«الشرق الأوسط»: مفاوضات لتبادل أسرى بالسويداء بوساطة أميركية

أكد مصدر رسمي سوري أن مفاوضات غير مباشرة تُجرى حالياً بين الحكومة وما تُعرف بـ«قوات الحرس الوطني» المنتشرة بمحافظة السويداء؛ بهدف التوصل لصفقة تبادل أسرى.

موفق محمد (دمشق)
تحليل إخباري روكسان محمد 37 عاماً (يسار) المتحدثة باسم وحدات حماية المرأة تنتظر برفقة مقاتلات من قوات الأمن الداخلي حاملةً رشاشها بالقرب من مطار القامشلي في 8 فبراير (أ.ف.ب)

تحليل إخباري حلم أكراد سوريا بحكم ذاتي تلاشى بعد الاتفاق مع الشرع

في قاعدة عسكرية في شمال سوريا، تروي روكسان محمّد ورشاشها على كتفها كيف قاتلت تنظيم «داعش» في صفوف «وحدات حماية المرأة الكردية» التابعة لقوات «قسد»

«الشرق الأوسط» ( الحسكة (سوريا))
المشرق العربي عنصران من الشرطة في سوريا (الشرق الأوسط)

مقتل عنصر أمن وإصابة آخر في هجوم لتنظيم «داعش» بشرق سوريا

أعلن تنظيم «داعش» اليوم الخميس مسؤوليته عن هجوم أسفر عن مقتل عنصر أمن في الحكومة السورية ​وإصابة آخر في شرق سوريا، في تصعيد لهجمات التنظيم ضد القيادة

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي  الطفل السوري عبد الرزاق سليمان الجبير يرقد في المستشفى بعد إنقاذه من بئر في الرقة (الدفاع المدني السوري)

علق لأكثر من 6 ساعات... إنقاذ طفل سوري من بئر عمقها 30 متراً (فيديو)

أعلن الدفاع المدني السوري، مساء أمس (الأربعاء)، تمكنه من إنقاذ طفل سقط في بئر قرب مدينة الطبقة في محافظة الرقة، بعمق يُقدَّر بنحو 30 متراً.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي وزيرة خارجية كندا أنيتا أناند خلال فعالية في ألمانيا يوم 13 فبراير 2026 (د.ب.أ)

كندا ترفع عقوبات اقتصادية عن سوريا

قالت وزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند، الأربعاء، إن كندا عدّلت عقوباتها الاقتصادية على سوريا لتخفيف القيود المتعلقة باستيراد وتصدير السلع وأنشطة الاستثمار.

«الشرق الأوسط» (أوتاوا)

«حماس»: أي ترتيبات في غزة يجب أن تبدأ بـ«وقف كامل للعدوان الإسرائيلي»

ضابط من شرطة «حماس» يُنظّم حركة المرور في مدينة غزة 28 يناير 2026 (رويترز)
ضابط من شرطة «حماس» يُنظّم حركة المرور في مدينة غزة 28 يناير 2026 (رويترز)
TT

«حماس»: أي ترتيبات في غزة يجب أن تبدأ بـ«وقف كامل للعدوان الإسرائيلي»

ضابط من شرطة «حماس» يُنظّم حركة المرور في مدينة غزة 28 يناير 2026 (رويترز)
ضابط من شرطة «حماس» يُنظّم حركة المرور في مدينة غزة 28 يناير 2026 (رويترز)

أعلنت حركة «حماس»، الخميس، أن أي ترتيبات في قطاع غزة يجب أن تبدأ بـ«وقف كامل للعدوان» الإسرائيلي، وذلك بعد يوم على انعقاد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الذي شكله الرئيس الأميركي دونالد ترمب في واشنطن.

وتعقيباً على الاجتماع، أكدت «حماس»، في بيان، مساء الخميس، أن «أي مسار سياسي أو ترتيبات تُناقش بشأن قطاع غزة ومستقبل شعبنا الفلسطيني يجب أن تنطلق من وقف كامل للعدوان ورفع الحصار وضمان الحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا، وفي مقدمتها حقه في الحرية وتقرير المصير»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


غزة بين هدنة هشة وسلام غائب... واقع يومي بين الأمل والقلق

فلسطينيون يشقون طريقهم في حي مدمر بمدينة غزة 24 أكتوبر 2024 (رويترز)
فلسطينيون يشقون طريقهم في حي مدمر بمدينة غزة 24 أكتوبر 2024 (رويترز)
TT

غزة بين هدنة هشة وسلام غائب... واقع يومي بين الأمل والقلق

فلسطينيون يشقون طريقهم في حي مدمر بمدينة غزة 24 أكتوبر 2024 (رويترز)
فلسطينيون يشقون طريقهم في حي مدمر بمدينة غزة 24 أكتوبر 2024 (رويترز)

رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ منذ أشهر، لا تزال الحرب حاضرةً في تفاصيل الحياة اليومية في قطاع غزة. ففي الوقت الذي اجتمع فيه «مجلس السلام» في واشنطن لبحث مرحلة ما بعد الحرب وإعادة إعمار القطاع، يصف سكان غزة واقعهم بأنه لم يخرج فعلياً من دائرة الحرب. الضربات لا تزال شبه يومية، والطائرات المسيّرة تحلّق باستمرار، ما يخلق مناخاً دائماً من التوتر والخوف، مع بصيص أمل خصوصاً خلال شهر رمضان في حين تختلط أجواء العبادة بقلق أمني مستمر، وفق تقرير لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية.

عائلة فلسطينية تفطر خارج خيمتها عند أنقاض منزلها المدمر في اليوم الثاني من شهر رمضان في جباليا شمال قطاع غزة 19 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

هدنة هشة

توصف الهدنة القائمة بالهشة، إذ تؤكد إسرائيل استمرار ضرباتها بدعوى وجود تهديدات وشيكة، بينما تتهمها حركة «حماس» بخرق الاتفاق. وتشير تقديرات محلية إلى سقوط مئات الضحايا منذ بدء الهدنة، فيما تجاوز عدد القتلى منذ اندلاع الحرب عشرات الآلاف، مع تقديرات بحثية تفيد بأن الحصيلة الحقيقية قد تكون أعلى بكثير. وعلى الأرض، ما زال الجيش الإسرائيلي منتشراً في أجزاء واسعة من القطاع، مع وجود خطوط فصل فعلية بين مناطق السيطرة المختلفة، واستمرار الاشتباكات المتقطعة.

خيام مؤقتة لعائلات فلسطينية نازحة وسط أنقاض منازلهم خلال شهر رمضان في جباليا شمال قطاع غزة 19 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

أزمة إنسانية وتحديات الإغاثة

إنسانياً، شهد دخول المساعدات تحسناً نسبياً مع السماح بمرور مئات الشاحنات يومياً وإعادة فتح جزئي لمعبر رفح، ما أتاح خروج بعض المرضى للعلاج. إلا أن الوضع يبقى هشاً، إذ لم تبدأ عملية إعادة الإعمار بعد، في ظل دمار واسع طال نحو 80 في المائة من المباني، ووجود آلاف العائلات في خيام مؤقتة وسط نقص المياه والخدمات الأساسية. كما تثير تقارير أممية مخاوف من تفاقم النزوح والدمار، مع تحذيرات من مخاطر جسيمة على المدنيين.

فلسطينيون يتلون آيات من القرآن الكريم خلال شهر رمضان في مسجد السيد هاشم بمدينة غزة 19 فبراير 2026 (أ.ب)

مستقبل سياسي معقّد

سياسياً، لا تزال المعادلة جامدة؛ فإسرائيل تشترط نزع سلاح غزة قبل أي إعادة إعمار، بينما ترفض «حماس» التخلي عن سلاحها رغم تراجع قدراتها العسكرية. وفي المناطق التي انسحب منها الجيش، أعادت الحركة تنظيم وجودها الإداري والأمني. ورغم التعهدات الدولية بتخصيص مليارات الدولارات لإعادة الإعمار، فإن غياب جدول زمني واضح والخلافات السياسية يعرقلان التنفيذ، ما يجعل السكان يعيشون في هدنة بلا سلام، ومستقبل غامض يفتقر إلى الاستقرار الحقيقي.


مستوطنون إسرائيليون يقتلون شاباً فلسطينياً أميركياً

جنود إسرائيليون يقفون في دورية حراسة خلال جولة أسبوعية للمستوطنين الإسرائيليين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة 14 فبراير 2026 (رويترز)
جنود إسرائيليون يقفون في دورية حراسة خلال جولة أسبوعية للمستوطنين الإسرائيليين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة 14 فبراير 2026 (رويترز)
TT

مستوطنون إسرائيليون يقتلون شاباً فلسطينياً أميركياً

جنود إسرائيليون يقفون في دورية حراسة خلال جولة أسبوعية للمستوطنين الإسرائيليين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة 14 فبراير 2026 (رويترز)
جنود إسرائيليون يقفون في دورية حراسة خلال جولة أسبوعية للمستوطنين الإسرائيليين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة 14 فبراير 2026 (رويترز)

أفادت وزارة الصحة الفلسطينية وشاهد عيان، يوم الخميس، بأن مستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية المحتلة أطلقوا النار على فلسطيني أميركي وقتلوه خلال هجوم على إحدى القرى.

وقال رائد أبو علي، أحد سكان قرية مخماس، إن مجموعة من المستوطنين جاءوا إلى القرية بعد ظهر الأربعاء، حيث هاجموا مزارعاً، مما أدى إلى اندلاع اشتباكات بعد تدخل السكان. ووصلت القوات الإسرائيلية لاحقاً، وخلال أعمال العنف قتل مستوطنون مسلحون نصر الله أبو صيام البالغ من العمر 19 عاماً وأصابوا آخرين، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

وأضاف أبو علي أن الجيش أطلق الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية والرصاص الحي. واعترف الجيش الإسرائيلي باستخدام ما أسماها «وسائل تفريق الشغب» بعد تلقي تقارير عن قيام فلسطينيين برشق الحجارة، لكنه نفى أن تكون قواته أطلقت النار خلال الاشتباكات.

وقال أبو علي: «عندما رأى المستوطنون الجيش، تشجعوا وبدأوا بإطلاق الرصاص الحي»، وأضاف أنهم ضربوا المصابين بالعصي بعد سقوطهم على الأرض.

وأكدت وزارة الصحة الفلسطينية وفاة أبو صيام متأثراً بجروح حرجة أصيب بها بعد ظهر الأربعاء قرب القرية الواقعة شرق رام الله.

ومقتل أبو صيام هو الأحدث في تصاعد العنف في الضفة الغربية المحتلة.

وقتلت القوات الإسرائيلية والمستوطنون 240 فلسطينياً، العام الماضي، وفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. وقتل فلسطينيون 17 إسرائيلياً خلال الفترة نفسها، ستة منهم جنود. وقالت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان التابعة للسلطة الفلسطينية إن أبو صيام هو أول فلسطيني يقتله مستوطنون في عام 2026.