​السعودية ترحب بوقف النار بين الحوثيين والولايات المتحدة

ضربات ترمب أنهت تهديد الملاحة... والجماعة استثنت إسرائيل

مقاتلة تقلع من فوق متن حاملة طائرات أميركية لضرب الحوثيين في اليمن (الجيش الأميركي)
مقاتلة تقلع من فوق متن حاملة طائرات أميركية لضرب الحوثيين في اليمن (الجيش الأميركي)
TT

​السعودية ترحب بوقف النار بين الحوثيين والولايات المتحدة

مقاتلة تقلع من فوق متن حاملة طائرات أميركية لضرب الحوثيين في اليمن (الجيش الأميركي)
مقاتلة تقلع من فوق متن حاملة طائرات أميركية لضرب الحوثيين في اليمن (الجيش الأميركي)

رحبت السعودية بإعلان سلطنة عمان التوصل إلى وقف لإطلاق النار في اليمن بين جماعة الحوثي والولايات المتحدة؛ بهدف حماية الملاحة والتجارة الدولية.

وأكدت وزارة الخارجية السعودية في بيان، الأربعاء، على دعم المملكة للجهود كافة التي ترمي إلى التوصل لحل سياسي شامل للأزمة اليمنية بما يحقق الأمن والاستقرار لليمن والمنطقة.

وإثر وساطة عمانية، أنهت 8 أسابيع من الضربات الأميركية التي أمر بها الرئيس دونالد ترمب تهديد الحوثيين للملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، وهو الهدف المعلن من الحملة التي استقبلت الجماعة خلالها أكثر من 1200 غارة وقصف بحري في مناطق سيطرتها كافة.

وإذ استثنت الجماعة الحوثية من تهديدها السفن الإسرائيلية، قال وزير الإعلام في الحكومة اليمنية معمر الإرياني إن الجماعة استسلمت بفعل «الضربات الدقيقة» التي أرغمتها على الإذعان لواشنطن، ورأى في هذا الرضوخ «رسالة إلى إيران» مفادها انتهاء حروبها بالوكالة.

وكان ترمب أمر في 15 مارس (آذار) الماضي ببدء الحملة ضد الحوثيين، وتوعدهم بـ«القوة المميتة» لإرغامهم على وقف تهديد الملاحة ومهاجمة السفن، وهي الهجمات التي تقول الجماعة إنها تأتي لمساندة الفلسطينيين في غزة.

وأطلقت الولايات المتحدة على حملة ترمب «الفارس الخشن»، وانضمت إليها بريطانيا في مرة واحدة قبل نحو أسبوع، في عملية نظر إليها على أنها تحمل بُعداً رمزياً في سياق التحالف الوثيق بين لندن وواشنطن.

وأعلن ترمب في وقت سابق، الثلاثاء، استسلام الحوثيين، ووقف الضربات عليهم، وقال: «تلقينا أخباراً جيدة جداً الليلة الماضية. أعلن الحوثيون أنهم لم يعودوا يريدون القتال أو على الأقل أعلنوا لنا أنهم لا يريدون القتال بعد الآن».

آثار قصف أميركي استهدف موقعاً مفترضاً للحوثيين في صنعاء (أ.ف.ب)

وأضاف ترمب: «إنهم ببساطة لا يريدون القتال، وسنحترم ذلك وسنوقف القصف، وقد استسلموا. والأهم من ذلك أننا سنصدق كلمتهم، وهم يقولون إنهم لن يفجروا السفن بعد الآن، وهذا هو الهدف الذي نريده مما كنا نفعله».

من جانبه، أوضح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، أن مهمة بلاده هي «إيقاف مجموعات من الأفراد الذين يمتلكون أسلحة متطورة تهدد حركة الشحن البحري، وقد توقفوا».

وعلى أثر تصريحات ترمب كانت سلطنة عُمان، أعلنت أن جهودها أسفرت عن التوصل إلى اتفاق على وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة والجماعة الحوثية، وأن الاتفاق جاء بعد المناقشات والاتصالات التي أجرتها مع الجانبين بهدف تحقيق خفض التصعيد.

واشنطن نفذت أكثر من 1200 غارة على الحوثيين حتى انتهاء حملة ترمب (الجيش الأميركي)

وأوضح البيان العماني بالقول: «في المستقبل، لن يستهدف أي من الطرفين الآخر، بما في ذلك السفن الأميركية في البحر الأحمر وباب المندب، وبما يؤدي لضمان حرية الملاحة، وانسيابية حركة الشحن التجاري الدولي».

وأعربت عمان عن أملها بأن يؤدي ذلك إلى «مزيد من التقدم على كثير من المسائل الإقليمية في سبيل تحقيق العدالة والسلام والازدهار للجميع».

استثناء إسرائيل

غداة إعلان ترمب وقف ضرباته ضد الحوثيين قبيل زيارته لمنطقة الشرق الأوسط، قال قادة الجماعة الحوثية إن الاتفاق مع واشنطن لا يشمل الهجمات ضد إسرائيل، وهو ما يعني استمرار التصعيد الإقليمي الذي يربطه الحوثيون بعدوان تل أبيب على غزة.

ونقلت «رويترز» عن محمد عبد السلام، كبير مفاوضي الحوثيين (الأربعاء) قوله: «الاتفاق لا يتضمن إسرائيل بأي شكل من الأشكال... والذي حصل هو مع الأميركيين بوساطة عمانية، والتوقف سيكون عن استهداف السفن الأميركية... ما داموا أعلنوا التوقف والتزموا فعلاً، فموقفنا دفاعي، وسيتوقف الرد».

صاروخ باليستي تبنت الجماعة الحوثية إطلاقه نحو إسرائيل (إعلام حوثي)

من جهته، قال عضو المكتب السياسي للحوثيين عبد الملك العجري لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن «الممرات المائية آمنة لكل السفن العالمية باستثناء إسرائيل»، وإنها إذا مرّت «قد تكون عرضة للاستهداف». وأضاف أن «إسرائيل خارج الاتفاق. لكن بقية السفن الأميركية وغيرها هي ضمن الاتفاق».

ومن المحتمل أن تتصرف إسرائيل بشكل منفرد إذا تعرضت لمزيد من الهجمات الحوثية كما حدث في سبع موجات سابقة، كان آخرها في يومي الاثنين والثلاثاء الماضيين، حيث دمرت ميناء الحديدة على البحر الأحمر وأخرجته عن الخدمة، وهو ثاني أهم ميناء يمني، إلى جانب تدمير مصنع إسمنت باجل شرق الحديدة.

كما نسفت الغارات الانتقامية مطار صنعاء بما فيه من بنية تحتية وطائرات، ومصنع إسمنت في عمران ومحطات كهرباء في صنعاء، ضمن رد تل أبيب الانتقامي على آخر صاروخ حوثي سقط قرب مطار «بن غوريون» الأحد الماضي.

نتائج الضربات

منذ بدء حملة ترمب استقبلت الجماعة الحوثية أكثر من 1200 غارة وقصف بحري، استهدفت معظم مواقع الجماعة المحصنة ومعسكراتها وثكنات عناصرها، ومواقع إطلاق مفترضة للصواريخ والمسيّرات.

وشملت الضربات بدرجة أولى صعدة حيث معقل الجماعة الرئيس وصنعاء ومحيطها والحديدة، ثم الجوف ومأرب وعمران في المقام الثاني، إلى جانب ضربات استهدفت بشكل أقل ذمار والبيضاء وإب وتعز والمحويت وحجة.

الضربات الأميركية على الحوثيين تسببت في مقتل وجرح المئات خلال 8 أسابيع (أ.ف.ب)

وبحسب مراقبين يمنيين وبيانات للجيش الأميركي، تمكنت الضربات من تكبيد الحوثيين خسائر ضخمة في العتاد ومئات العناصر بينهم قادة ميدانيون، غير أن الجماعة فرضت تعتيماً كبيراً على آثار الضربات في سياق سعيها من أجل الحفاظ على معنويات أتباعها.

وطبقاً لبيانات الجماعة، تسببت الغارات في مقتل أكثر من 200 شخص، وإصابة نحو 500 آخرين قالت إنهم مدنيون وبينهم نساء وأطفال، إضافة لمهاجرين أفارقة قتلوا بمركز احتجاز في صعدة.

وبعيداً عن الخسائر على المستويين العسكري والبشري، كانت أقسى الضربات التي استقبلتها الجماعة الحوثية تلك التي دمرت ميناء رأس عيسى النفطي شمال الحديدة، بما فيه من مستودعات الوقود، ضمن ضغط واشنطن الاقتصادي على الجماعة، بعد أن حظرت عليها استقبال شحنات النفط منذ الخامس من أبريل (نيسان) الماضي.

وفي حين نجم عن هذا الضغط، في الأيام الماضية، بدء أزمة وقود حادة في مناطق سيطرة الجماعة، تدعي الأخيرة أن قدراتها العسكرية لم تتأثر حتى بنسبة واحد في المائة.

الحوثيون جندوا عشرات الآلاف مستغلين عاطفة اليمنيين ضد حرب إسرائيل على غزة (أ.ف.ب)

وكان لافتاً أن مئات الغارات الأميركية قد استهدفت خطوط تماس الجماعة الحوثية مع القوات الحكومية، لا سيما في مأرب والجوف وجنوب الحديدة، وهو ما فهم منه أن واشنطن كانت تلوح للجماعة بدعم معركة برية تقودها القوات اليمنية الشرعية، إذا لم تتوقف عن تهديد الملاحة.

وسبق أن استقبلت الجماعة الحوثية على مدار عام في عهد الرئيس بايدن نحو ألف غارة وقصف بحري بين يناير (كانون الثاني) 2024 ويناير 2025، قبل أن تتوقف الضربات عقب هدنة غزة بين إسرائيل و«حركة حماس».

ومع فارق أن ضربات ترمب كانت أكثر كثافة وشدة بالنظر إلى قصر مدتها وتركيزها على مخابئ القادة، كان الموقف الحكومي اليمني يرى أن هذه الضربات السابقة واللاحقة ليست مجدية في إنهاء نفوذ الجماعة العسكري، وأن البديل هو دعم القوات الشرعية لاستعادة الحديدة وصنعاء.

خسائر واشنطن

في مقابل هذه الضربات الأميركية، دأبت الجماعة الحوثية على تبني عشرات الهجمات بشكل يومي على القوات الأميركية في شمالي البحر الأحمر والبحر العربي، حيث تُرابط حاملتا الطائرات «هاري ترومان»، و«كارل فينسون» مع مجموعتيهما الضاربة.

غير أن الجيش الأميركي لم يؤكد أي أضرار جراء هذه الهجمات باستثناء خسارته منذ بدء حملة ترمب مقاتلتين من طراز «إف 18» قال إنهما سقطتا في البحر في حادثين أثناء عملية محاولة الهبوط على متن الحاملة «هاري ترومان». وكان آخر هذين الحادثين، يوم الثلاثاء.

مسيرة حوثية أطلقت من مكان مجهول لاستهداف القوات الأميركية (إعلام حوثي)

وإلى جانب الخسائر المادية للحملة الأميركية التي قد تصل إلى نحو 3 مليارات دولار بحسب - بعض التقديرات - اعترفت بيانات أميركية بخسارة نحو 7 مسيّرات أسقطها الحوثيون منذ مارس الماضي، تبلغ قيمتها أكثر من 200 مليون دولار، فيما تزعم الجماعة إسقاط 22 مسيّرة من طراز «إم كيو 9» منذ بدء تصعيدها البحري في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023.

وخلال 14 شهراً منذ الانخراط في التصعيد أدت الهجمات الحوثية إلى إصابة عشرات السفن، وتسببت في غرق اثنتين في البحر الأحمر إحداهما بريطانية والأخرى يونانية، إضافة إلى قرصنة ثالثة واحتجاز طاقمها لمدة عام، فضلاً عن مقتل أربعة بحارة، في هجوم منفصل.

ويدعي الحوثيون أنهم استطاعوا مجابهة أميركا وإسرائيل منذ بدء تصعيدهم البحري، لكن أكبر مكاسبهم، وفق مراقبين - كانت على صعيد الاستثمار في الصراع بين إسرائيل و«حركة حماس»، حيث تمكنوا من استقطاب وتجنيد عشرات الآلاف من العناصر، تحت ذريعة مساندة الفلسطينيين.

الحوثيون يفرضون قبضة أمنية مشددة على السكان في مناطق سيطرتهم (إ.ب.أ)

في اتجاه آخر، رأى وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني أن إعلان ترمب وقف العملية العسكرية ضد الحوثيين جاء بعد استسلامهم واستجدائهم لوقف الضربات، وأن هذا التطور يؤكد أن «لغة القوة» وحدها هي التي تفهمها الجماعة.

وقال الوزير اليمني في تصريح صحافي، الأربعاء، إن «استسلام الحوثي يجب أن يُقرأ بوصفه اعترافاً عملياً بالهزيمة، ودليلاً على هشاشة المشروع الإيراني الذي تحمله الميليشيا». وفق تعبيره.


مقالات ذات صلة

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

الخليج يجسد إعادة تأهيل أول مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي التزام السعودية بالاستدامة البيئية (واس)

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

يُجسِّد «يوم مبادرة السعودية الخضراء» توجُّه البلاد نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتعزيز تكامل الجهود الوطنية في العمل البيئي، وتحفيز مختلف القطاعات للإسهام فيها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج رئيس الوزراء الشيخ أحمد العبد الله يتفقد موقع حريق خزانات الوقود بمطار الكويت الدولي (كونا)

أضرار مادية بميناءَين في الكويت... والسعودية تتعامل مع صواريخ باليستية ومسيّرات

تصدَّت الدفاعات الخليجية بكفاءة عالية، الجمعة، للهجمات الإيرانية المتواصلة بالصواريخ والطائرات المسيرة المعادية، التي استهدفت مواقع حيوية ومنشآت مدنية.

جبير الأنصاري (الرياض)
الخليج دفاعات المملكة الجوية تقف بالمرصاد للهجمات الإيرانية (وزارة الدفاع السعودية)

الدفاعات السعودية تتعامل مع 6 «باليستية» و26 «مسيَّرة» في الرياض والشرقية

تعاملت الدفاعات الجوية السعودية، الجمعة، مع 6 صواريخ باليستية و22 طائرة مسيَّرة في الرياض والشرقية، وفقاً للمتحدث باسم وزارة الدفاع، اللواء الركن تركي المالكي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج سفارة السعودية في بيروت (رويترز)

السعودية تدعو مواطنيها إلى مغادرة لبنان فوراً

جدَّدت السعودية دعوتها لمواطنيها الموجودين في لبنان إلى مغادرة البلاد فوراً؛ نظراً للأوضاع الراهنة هناك.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الخليج الوزير جان نويل بارو مستقبلاً الأمير فيصل بن فرحان بمقر الاجتماع في منطقة ڤو دي سيرني الفرنسية الخميس (الخارجية السعودية)

السعودية تشارك في «إصلاح الحوكمة العالمية» ضمن اجتماعات «السبع»

شارك الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله، وزير الخارجية السعودي، في جلسة «إصلاح الحوكمة العالمية» ضمن أعمال اجتماع وزراء خارجية مجموعة «السبع» والشركاء المدعوين.

«الشرق الأوسط» (ڤو دي سيرني (فرنسا))

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.