«ميتا إيه آي» مرة أخرى… روبوت الدردشة «المُخصّص شخصياً» يُثير مخاوف الخصوصية

اختبارات الدقة تظهر إخفاقاته وضرورة إجراء تطويرات عديدة

«ميتا إيه آي» مرة أخرى… روبوت الدردشة «المُخصّص شخصياً» يُثير مخاوف الخصوصية
TT

«ميتا إيه آي» مرة أخرى… روبوت الدردشة «المُخصّص شخصياً» يُثير مخاوف الخصوصية

«ميتا إيه آي» مرة أخرى… روبوت الدردشة «المُخصّص شخصياً» يُثير مخاوف الخصوصية

مع تصاعد المنافسة في عالم الذكاء الاصطناعي، تُسارع شركات التكنولوجيا الكبرى إلى أن تُصبح مصدر الذكاء الاصطناعي المُفضّل لدى كل مستخدم.

«ميتا إيه آي» للذكاء الاصطناعي

أطلقت «ميتا» الأسبوع الماضي تطبيق «ميتا للذكاء الاصطناعي» (ميتا إيه آي) لمُنافسة «تشات جي بي تي»، و«جيمناي» من «غوغل». وهو نظام يُضاهي منافسيه من حيث الميزات، وقد يُجادل البعض بأنه يُحسّن بعض الجوانب. ولكن مع تاريخ «ميتا» الطويل من مشكلات الخصوصية، يُثير هذا التطبيق بعض المخاوف القديمة بشأن الشركة.

إجابات ونصائح «مخصصة»

تُقدّم الأداة إجابات ونصائح «مُخصّصة شخصياً personalized»، بالإضافة إلى كونها جزءاً من شبكة اجتماعية يُمكن للأشخاص من خلالها مُشاركة محادثاتهم، وصورهم المُسجّلة باستخدام الذكاء الاصطناعي. ولكن إذا كنت ترغب في مسح ذاكرة النظام عندك، فهذا أكثر صعوبة.

إخفاق في اختبارات دقة المعلومات

وتُظهر اختباراتنا المُبكرة أن الأداة لا تزال بحاجة إلى بعض التطوير فيما يتعلق بالدقة. في أول محادثة لي مع «ميتا إيه آي»، عرض عليّ روبوت المحادثة إنشاء مقدمة دعائية. كيف لي أن أرفض؟ «ميتا»، في النهاية، تحتفظ بملفات كثيرة عني من حساباتي على «فيسبوك» و«إنستغرام» «وثريدز»، ناهيك عن استخدامي لسماعة الرأس كويست إيه آي. لذا، فكرتُ أنه من المفترض أن يكون قادراً على وصفي جيداً.

هذا ما قاله: «لديك أجواء موسيقى مستقلة رائعة، وكأنك تحتسي قهوتك باستمرار في مكتبة كتب عتيقة. ربما تكون من محبي فرق موسيقى مستقلة غير معروفة، وتقضي ساعات في تنسيق قوائم تشغيل سبوتيفاي، ولديك شغف بأسطوانات الفينيل. ربما تكون خزانة ملابسك مليئة بالكارديغان، والسراويل الضيقة المستعملة، ويمكنك التغني بمزايا القهوة الحرفية مقارنةً بقهوة من المقهى المحلي».

خطأ في فهم الوقائع والبيانات

على ما يبدو، يعتقد «ميتا إيه آي» أنني من محبي الموضة العصرية. مع أنه ربما كان يحاول التقرب مني في هذا الملخص، إلا أنه أخطأ في فهم الحقائق. أنا لا أشرب القهوة. أحب البيتلز، وموسيقى البوب ​​في الثمانينات والتسعينات. التعديل الوحيد الذي قمت به على Spotify هو إعادة إنشاء قوائم تشغيل من حفلات حضرتها. وكما أعدكم بأنني لن أحتفظ ببنطال جينز ضيقاً في خزانتي، ولن أرتديه أبداً.

من الواضح أن الذكاء الاصطناعي لا يزال أمامه طريق طويل ليقطعه، ولكن من ناحية أخرى... لا تزال معظم أنظمة الذكاء الاصطناعي تفعل ذلك. ومع ذلك، بذل الذكاء الاصطناعي في «ميتا» جهداً كبيراً للتعرف عليّ بشكل أفضل أثناء حديثنا (إذ وبدلاً من مطالبته بكتابة ردودك، يرحب التطبيق بالدردشة الصوتية)، وسألني عن كل شيء من كتابي المفضل إلى آرائي السياسية.

محاذير خزن سجلات المستخدمين

في حين أنه ليس من الصعب تقدير جهود نظام الذكاء الاصطناعي لمعرفة المزيد حتى يتمكن من الإجابة عن الأسئلة بإجابة مصممة خصيصاً للشخص الذي يطرحها، إلا أن تاريخ «ميتا» في التعامل مع المعلومات الشخصية في الماضي قد يجعل بعض المستخدمين يتوقفون. يحتفظ نظام «ميتا إيه آي» بسجلّ محادثاتك، ويؤرشف مداخلاتك، وردودها. كما يحتفظ بما يُسمّى ملف «الذاكرة» الذي يحتوي على معلومات مُحدّدة، بناءً على محادثاتك السابقة.

حذف «الذكريات» والمحادثات السابقة

يُمكن حذف هذه الذكريات، ونصوص المحادثات السابقة، ولكن عليك البحث قليلاً للعثور على مكان تخزينها. (وكما تُشير صحيفة «واشنطن بوست»، ستحتاج إلى حذف كلٍّ من «الذاكرة» وسجلّ المحادثات الذي تعلّم منه النظام هذه المعلومة لمحوها تماماً).

عليك أيضاً أن تثق في أن «ميتا» قد حذفت المعلومات نهائياً، أو -إذا اخترت عدم حذفها- أنها ستستخدم المعلومات بمسؤولية.

مخالفات «ميتا»

قد يكون هذا طلباً كبيراً للبعض، نظراً للمعلومات الأخيرة التي قدّمتها سارة وين ويليامز في بلاغ عن المخالفات، قدمته أمام لجنة القضاء بمجلس الشيوخ في أبريل (نيسان) الماضي، وقالت فيه إن «ميتا» قادرة على تحديد متى يشعر المستخدمون بالعجز، ويمكنها استخدام ذلك إشارة للمُعلنين. (وقد نفت شركة «ميتا» هذه الادعاءات آنذاك، وأخبرت موقع «تك كرانش» أن الشهادة «منفصلة عن الواقع، ومليئة بالادعاءات الكاذبة»).

إجابات «ميتا إيه آي» عن الاستفسارات

أجابت أداة «ميتا إيه آي» أنها لا تستطيع الوصول إلى حسابي على «فيسبوك»، أو إلى أي صور، أو محتوى مرئي عندما سألتها عن إمكانية وصولها. وعندما اختبرتها بالسؤال عن بعض المنشورات الأخيرة، بدا أنها لا تعرف ما أتحدث عنه، ولكن عندما سألتها عما إذا كانت قادرة على الوصول إلى صفحتي على «إنستغرام»، أصبحت متوترة بعض الشيء.

وتقول «ميتا إيه آي» إنها، بالإضافة إلى محادثاتنا، تستخدم «معلومات حول أشياء مثل اهتماماتك، وموقعك، وملفك الشخصي، ونشاطك على منتجات (ميتا)». ثم سألتها عن شيء يتعلق بصفحتي على «إنستغرام»، فقالت إنها لا تستطيع الوصول في الوقت الفعلي «أو أي معلومات حول نشاطك الحالي، أو اهتماماتك على المنصة». عندما حاولتُ الضغط للحصول على مزيد من المعلومات، ردت بنفس الإجابة حول «الاهتمامات، والموقع، وملفك الشخصي، ونشاطك».

تصريحات «ميتا» لـ«فاست كومباني»

صرح متحدث باسم «ميتا» لمجلة «فاست كومباني»: «لطالما وفّرنا تخصيصاً قيّماً لمستخدمي منصاتنا لعقود، ما سهّل عليهم إنجاز ما يأتون إليه من تطبيقات، وتطبيق «ميتا للذكاء الاصطناعي» ليس استثناءً. نوفر الشفافية والتحكم الكاملين، ليتمكن المستخدمون من إدارة تجربتهم، والتأكد من ملاءمتها لهم. هذا الإصدار هو الإصدار الأول، ونحن متحمسون لطرحه على المستخدمين، وجمع ملاحظاتهم».

حذارِ: الشركة تحتفظ بالمعلومات الشخصية

يجب على مستخدمي «ميتا إيه آي» عند الاستفسار عن أمور شخصية، أو مناقشتها، أن يدركوا أن الشركة تحتفظ بهذه المعلومات، ويمكنها استخدامها لاستهداف الإعلانات الموجهة لهم. ومع أن الإعلانات ليست جزءاً من المنصة حالياً، لكن مارك زوكربيرغ أوضح أنه يرى إمكانات ربحية كبيرة في الذكاء الاصطناعي. وفي هذا الشأن أفادت تقارير بأن «غوغل» بدأت في عرض إعلانات في المحادثات مع بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي التابعة لجهات خارجية، ليست «ميتا» من بينها.

* مجلة «فاست كومباني» خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

صحتك النظام الجديد يعتمد على تقييم سلوكيات الإدمان الأساسية (جامعة سينسيناتي)

طريقة ذكية لتشخيص إدمان المخدرات بسرعة وكفاءة

نجح باحثون في جامعة سينسيناتي الأميركية في تطوير نظام ذكاء اصطناعي مبتكر يساعد على تشخيص اضطراب تعاطي المواد المخدرة بدقة تصل إلى 84 في المائة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
الولايات المتحدة​ علامة «مواد مشعة» على جانب إحدى الحاويات التي تحوي نفايات مشعة بمحطة «دونري» في اسكوتلندا (رويترز)

أميركا تريد متطوعين لاستضافة النفايات النووية إلى الأبد

تعتمد خطة إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لتشييد مجموعة من المفاعلات النووية الصغيرة في المستقبل؛ لتوفير الطاقة لعصر الذكاء الاصطناعي، على استراتيجية قديمة.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
الاقتصاد تمثيلات للعملة الرقمية «بتكوين» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

بعد ملامسة الـ60 ألف دولار... البتكوين ترتد من أدنى مستوى في 16 شهراً

ارتفع سعر البتكوين، يوم الجمعة، بعد وصوله إلى أدنى مستوى له في 16 شهراً عند 60 ألف دولار، مع ظهور بوادر تراجع الضغوط العالمية على أسهم شركات التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة )
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يستقر قرب أعلى مستوى له في أسبوعين

استقر الدولار الأميركي قرب أعلى مستوى له في أسبوعين يوم الجمعة، مدعوماً بعزوف المستثمرين عن المخاطرة بعد تراجع حاد في أسواق الأسهم.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
TT

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)

كشفت منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب»، اليوم السبت، عن أنها وزعت عملات «بتكوين» بقيمة تتجاوز 40 مليار دولار على عملاء بوصفها مكافآت ترويجية عن طريق الخطأ، ما أدى إلى موجة بيع حادة على المنصة.

واعتذرت «‌بيثامب» عن ‌الخطأ الذي ‌وقع ⁠أمس ​الجمعة، ‌وقالت إنها استعادت 99.7 في المائة من إجمالي 620 ألف «بتكوين» بقيمة تبلغ نحو 44 مليار دولار بالأسعار الحالية. وقيدت عمليات التداول والسحب ⁠على 695 عميلاً متأثراً بالواقعة في ‌غضون 35 دقيقة ‍من التوزيع ‍الخاطئ أمس.

وأفادت تقارير إعلامية بأن ‍المنصة كانت تعتزم توزيع مكافآت نقدية صغيرة في حدود 2000 وون كوري (1.40 دولار) ​أو أكثر لكل مستخدم في إطار حدث ترويجي، لكن ⁠الفائزين حصلوا بدلاً من ذلك على ألفي «بتكوين» على الأقل لكل منهم.

وقالت «‌بيثامب» في بيان: «نود أن نوضح أن هذا لا علاقة له بقرصنة خارجية أو انتهاكات أمنية، ولا توجد مشاكل في أمن النظام ‌أو إدارة أصول العملاء».


«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
TT

«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)

طوّر علماء صينيون مولّد طاقة فائق القوة وصغير الحجم، في خطوة تمهّد الطريق لتطوير أسلحة من الجيل القادم قد تُستخدم يوماً ما ضد أسراب الأقمار الاصطناعية، مثل كوكبة «ستارلينك» التابعة لشركة «سبيس إكس»، وذلك وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وخلال السنوات الأخيرة، اكتسبت أسلحة الموجات الدقيقة عالية الطاقة اهتماماً متزايداً بوصفها بديلاً منخفض التكلفة للصواريخ والبنادق التقليدية، نظراً لقدرتها شبه غير المحدودة على إطلاق النبضات.

وفي هذا السياق، يُجري باحثون في الولايات المتحدة، وروسيا، والصين على وجه الخصوص، دراسات مكثفة حول إمكانية تطوير هذه التقنية إلى أسلحة طاقة موجهة قادرة على تعطيل الأقمار الاصطناعية.

ويُعدّ تدمير قمر اصطناعي في الفضاء مهمة بالغة التعقيد، إذ من المرجح أن تُخلّف الأسلحة التقليدية كميات كبيرة من الحطام المداري، ما قد يؤدي إلى عواقب غير متوقعة، بما في ذلك تهديد الأقمار الاصطناعية التابعة للدولة المنفذة نفسها.

ومن الناحية النظرية، يمكن لأسلحة الموجات الدقيقة تعطيل الأقمار الاصطناعية مع توليد قدر محدود من الحطام، فضلاً عن إتاحة قدر من «الإنكار المعقول»، وهو ما يمنحها ميزة استراتيجية واضحة.

وتعتمد هذه الأسلحة على مبدأ تخزين الطاقة الكهربائية ثم إطلاقها دفعة واحدة على شكل نبضة قوية، على غرار آلية عمل ملف تسلا.

وتُستخدم هذه النبضة الهائلة من الطاقة في تشغيل مولدات الموجات الدقيقة، التي تعمل بدورها على تعطيل الأنظمة، والأجهزة الإلكترونية.

شاشة تظهر إيلون ماسك وشعار شركة «ستارلينك» (رويترز)

وحتى وقت قريب، كانت غالبية النماذج الأولية لهذه المولدات النبضية ضخمة الحجم، إذ بلغ طولها 10 أمتار على الأقل، ووزنها أكثر من 10 أطنان، ما جعل دمجها في أنظمة الأسلحة الصغيرة أو المتحركة أمراً بالغ الصعوبة.

غير أنّ دراسة حديثة أجراها علماء صينيون من معهد شمال غربي الصين للتكنولوجيا النووية (NINT) أظهرت تقدماً ملحوظاً في هذا المجال، حيث استخدم الباحثون مادة عازلة سائلة خاصة تُعرف باسم «ميدل 7131»، ما أتاح تحقيق كثافة أعلى لتخزين الطاقة، وعزلاً أكثر قوة، وتقليلاً لفقدان الطاقة، وأسهم في تصميم جهاز أصغر حجماً، وأكثر كفاءة.

وكتب العلماء في الدراسة المنشورة: «من خلال استخدام مادة عازلة سائلة عالية الكثافة للطاقة تُعرف باسم (ميدل 7131)، إلى جانب خط تشكيل نبضات مزدوج العرض، تمكنت الدراسة من تصغير حجم محول تسلا المتكامل، ونظام تشكيل النبضات».

وبحسب الدراسة، يبلغ طول الجهاز الجديد أربعة أمتار فقط (13 قدماً)، ويزن خمسة أطنان، ما يجعله أول جهاز تشغيل صغير الحجم في العالم لسلاح الميكروويف عالي الطاقة.

ويُعرف هذا الجهاز باسم TPG1000Cs، وهو صغير بما يكفي ليُثبت على الشاحنات، والطائرات، بل وحتى على أقمار اصطناعية أخرى، وفقاً لما أفاد به الباحثون.

وأشار الباحثون إلى أن «النظام أظهر استقراراً في التشغيل لمدة دقيقة واحدة متواصلة، حيث جُمعت نحو 200 ألف نبضة بأداء ثابت».

ويؤكد خبراء أن سلاح ميكروويف أرضياً بقدرة تتجاوز 1 غيغاواط (GW) سيكون قادراً على تعطيل وتدمير آلية عمل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية في مدارها بشكل كبير.

وذكر الباحثون، بحسب ما نقلته صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، أن جهاز TPG1000Cs قادر على توليد نبضات كهربائية فائقة القوة تصل إلى 20 غيغاواط.

وتأتي هذه التطورات في وقت نشرت فيه الصين عدداً من الدراسات التي تشدد على ضرورة إيجاد وسائل فعالة لتعطيل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية التابعة لرجل الأعمال إيلون ماسك.


الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
TT

الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد قصة برمجيات. فمع تسارع الحكومات في تنفيذ استراتيجياتها الرقمية، واندماج تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في صلب العمليات المؤسسية، يتحوّل النقاش من التطبيقات إلى البنية التحتية، تحديداً من يملكها وأين تُدار وكيف تُبنى. فالمفهوم الذي يتصدر هذا الجدل اليوم هو «السيادة».

غير أن السيادة في سياق الذكاء الاصطناعي ليست مجرد شعار جيوسياسي، بل تعكس تحوّلاً بنيوياً في فهم الدول والشركات لمخاطر المرحلة الجديدة، خصوصاً في عصر النماذج اللغوية الكبرى.

فالحوسبة السحابية التقليدية أثارت مخاوف تتعلق بالخصوصية والأمن السيبراني. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فقد أضاف بُعداً مختلفاً. إذاً ماذا يحدث عندما تتعلّم النماذج من بيانات حساسة بطرق يصعب عكسها؟

يجيب سامي عيسى، الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»، بأنه «لا يوجد في عالم الذكاء الاصطناعي ما يُسمى بالحق في النسيان. إذا تعلّم نموذج لغوي أسرار نموذج عملي التجاري، فمن شبه المستحيل إقناعه بإلغاء ما تعلّمه». ويشير خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» إلى أن الفارق بين تخزين البيانات وترميزها داخل أوزان النموذج «هو ما يدفع باتجاه مفهوم الذكاء الاصطناعي السيادي».

سامي عيسى الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»

السيادة بالهندسة المعمارية

يمكن النظر إلى السيادة من زاويتين؛ الأولى قائمة على التشريعات والضوابط التعاقدية، والثانية قائمة على البنية الهندسية ذاتها. السيادة بالسياسة تعتمد على القوانين والاتفاقات، لكن تنفيذ تلك الضوابط يصبح معقّداً حين يكون «التسرّب» غير قابل للاسترجاع. ويقول عيسى إن «التسرّب لا يمكن استعادته ولا يمكنك أن تطلب من النموذج أن ينسى».

وهنا تظهر فكرة «السيادة بالهندسة المعمارية»، أي بناء بيئات حوسبة معزولة ومخصصة بالكامل لجهة واحدة، بحيث لا تكون مشتركة مع أطراف أخرى. وفي هذا النموذج، تكون البنية التحتية «مفصولة مادياً» (air-gapped)، ولا يشاركها أي عميل آخر.

المنطق واضح، فإذا كانت النماذج التوليدية تستمد قيمتها من بيانات حساسة كالنماذج التجارية أو الشيفرات الجينية أو البنى المالية، فإن التحكم المعماري يصبح أداًة استراتيجيةً لحماية هذه القيمة. فالسيادة هنا ليست انعزالاً، بل إدارة واعية للمخاطر طويلة الأمد.

الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي

على مدى عقدين تقريباً، أعادت الحوسبة السحابية تشكيل البنية الرقمية للشركات. لكن حتى اليوم، لم تنتقل غالبية بيانات المؤسسات بالكامل إلى السحابة العامة. ومع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدأ البعض يعيد النظر.

يرى عيسى أنه «بعد 15 أو 20 عاماً من الحوسبة السحابية، لم تنتقل نسبة كبيرة من بيانات المؤسسات إلى السحابة. أما الآن، في عصر الذكاء الاصطناعي، نرى بعضهم ينسحب». ويُرجع عيسى السبب ليس إلى أساس عاطفي بل بنيوي، ويقول: «في الحوسبة التقليدية، يمكن فصل البيانات، أما في النماذج اللغوية، فإن المعرفة تصبح جزءاً من تكوين النموذج نفسه. لكن هل يعني ذلك أن الحوسبة السحابية والسيادة في مسار تصادمي؟».

يرد عيسى قائلاً: «أعتقد أن الأمر كذلك، فالذكاء الاصطناعي سرّع هذا الاتجاه»، موضحاً أن المقصود ليس نهاية الحوسبة السحابية، بل ظهور بنى مزدوجة. إنها بيئات سحابية مشتركة للأعمال العامة وبيئات سيادية مخصصة للتطبيقات الاستراتيجية.

النماذج اللغوية تجعل مسألة «السيادة» أكثر إلحاحاً لأن المعرفة التي تتعلّمها لا يمكن استرجاعها أو محوها بسهولة (غيتي)

مخاطر البطء أكبر من مخاطر الإسراف

بينما يتخوف بعض صناع القرار من الإفراط في الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، يرى عيسى أن الخطر الأكبر هو التردد، ويشرح أن «مخاطر التقليل في الاستثمار أكبر من مخاطر الإفراط فيه»، وأن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطور تدريجي في السرعة أو السعة، بل يعيد تعريف نماذج الإنتاجية والخدمات. ويصف عيسى ما يحدث بأنه «ليس مجرد قفزة تقنية بل طريقة مختلفة تماماً في التفكير بالأعمال وخلق القيمة». ويشدد على أنه بالنسبة للدول التي تسعى إلى التحول لمراكز للذكاء الاصطناعي، «فإن التأخير قد يعني خسارة سباق استقطاب المواهب».

البنية التحتية وحدها لا تكفي

الاستثمار في مراكز البيانات لا يحل المشكلة بالكامل، فالموهبة هي العامل الحاسم. ويفيد عيسى خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» بأن «الموهبة تحتاج إلى وقت، وأن التحول نحو الذكاء الاصطناعي يتطلب طيفاً واسعاً من الكفاءات؛ مهندسي كهرباء ومختصي طاقة وخبراء مراكز بيانات ومطوري برمجيات وباحثي تعلم آلي وغيرهم». ويلفت عيسى إلى أن «أي تقنية تعزز الإنتاجية تؤثر في سوق العمل لكنها تخلق أيضاً وظائف جديدة»، ويضرب مثالاً توضيحياً كنجاح وادي السيليكون «الذي لم يكن نتيجة بنية تحتية فقط، بل نتيجة منظومة تعليمية ومؤسسية بُنيت على مدى عقود»، ويضيف: «إذا أردت أن تصبح مركزاً للذكاء الاصطناعي، فإن أهم قرار معماري هو أن تبدأ الآن».

تتجه بعض المؤسسات إلى نماذج سيادية معمارية مخصّصة بدل الاعتماد الكامل على الحوسبة السحابية المشتركة (غيتي)

السيادة... لكن مع ترابط عالمي

ألا تعني السيادة الاستقلال الكامل؟ يرد عيسى قائلاً إن «السيادة الكاملة دون أي ترابط هي خيال. فإنتاج الشرائح المتقدمة، على سبيل المثال، لا يزال يعتمد إلى حد كبير على مصانع خارجية... لذلك، السيادة مفهوم نسبي»، ويزيد: «هناك درجات من السيادة يمكن تحقيقها...لكن 100 في المائة سيادة؟ حتى العالم بأكمله لا يستطيع ذلك».

بالنسبة للدول ذات الطموحات الكبيرة والموارد المحدودة، يظل السؤال قائماً: كيف تلحق بالركب؟ يحذر عيسى من أن «هذه ليست ثورة تكنولوجية يمكن أن تتأخر عنها ولا يمكنك أيضاً أن تنتظر عشر سنوات بينما تستمتع الدول المجاورة بمكاسب الإنتاجية». الذكاء الاصطناعي لا يعيد تشكيل قطاع واحد، بل قطاعات بأكملها.

في النهاية، قد لا يكون الجدل حول السيادة مجرد صراع جيوسياسي، بل تحوّل اقتصادي عميق. فالتحكم في بيئات تدريب النماذج قد يصبح عاملاً استراتيجياً يعادل أهمية الموارد الطبيعية في مراحل سابقة. لكن، كما يختتم عيسى، فإن الاستثمار الحقيقي لا يقتصر على العتاد «حيث إن بناء الموهبة يحتاج إلى وقت واستثمار طويل الأمد».