الأوركسترا الوطنية الشرق عربية... بصيص أمل للهوية الموسيقية اللبنانية

المايسترو أندريه الحاج: نتحدَّى الجماد ونكرِّس الهوية اللبنانية

الأوركسترا اللبنانية للموسيقى الشرق عربية بقيادة المايسترو أندريه الحاج (صور الحاج)
الأوركسترا اللبنانية للموسيقى الشرق عربية بقيادة المايسترو أندريه الحاج (صور الحاج)
TT

الأوركسترا الوطنية الشرق عربية... بصيص أمل للهوية الموسيقية اللبنانية

الأوركسترا اللبنانية للموسيقى الشرق عربية بقيادة المايسترو أندريه الحاج (صور الحاج)
الأوركسترا اللبنانية للموسيقى الشرق عربية بقيادة المايسترو أندريه الحاج (صور الحاج)

صار سِنُّ الأوركسترا اللبنانية للموسيقى الشرق عربيّة ربع قرن. بلغت عامها الـ25، و«هي تعيش صيفَ شبابها»، وفق القيِّمين عليها. من النادر جداً أن تسمع أخباراً إيجابية عن مؤسسة ثقافية رسمية في لبنان، وتشكّل الأوركسترا الوطنية استثناءً في هذا الإطار.

يضرب العازفون الـ40 -بقيادة المايسترو أندريه الحاج- مَوعدَين شهريين مع الجمهور. على قاعدة أنّ حبل الموسيقى يجب ألا ينقطع. يحرصون على أن تبقى روزنامتهم ممتلئة. بالتنسيق مع رئاسة المعهد الوطني العالي للموسيقى (الكونسرفتوار)، يعدّ الحاج جدولاً سنوياً للحفلات، وهي تتنوّع بين موسيقية بحتة وغنائية. يقول إنه ليس من باب الصدفة أن تعيش الأوركسترا هذه النهضة، بوجود الدكتورة هبة القوّاس على رأس «الكونسرفتوار».

من تمارين الأوركسترا في المعهد الوطني العالي للموسيقى (الشرق الأوسط)

«الجمهور العربي، ولا سيما اللبناني، يحب الكلمة والشعر، وهو ليس معتاداً على حضور حفلاتٍ يقتصر العرض فيها على العزف»، كما يوضح قائد الأوركسترا لـ«الشرق الأوسط». كان التحدّي الأكبر بالنسبة إليه اجتذاب الناس، بمختلف فئاتهم السنِّية، إلى أمسياتٍ لا نجمَ غناءٍ ولا كورسَ فيها. ويبدو أن التجربة الحديثة العهد قد نجحت، بفعل إصرار الأوركسترا على تلك المهمة، وبدليل الإقبال الكبير على حفلات العزف.

أما المفتاح إلى آذان الجمهور، فكان كسر الجليد من خلال التفاعل معه، وفتح المجال أمامه لإطلاق العنان لحنجرته. «منذ الحفل الموسيقي الأول، أدركتُ أن التجربة ستنجح. عندما سمع الجمهور نغم أغنية (طريق النحل) للأخوين رحباني وفيروز، تحوّل إلى كورس فكانت لحظة مميّزة جداً».

في إحدى قاعات المعهد، تتمرّن الأوركسترا بوتيرة يوميّة. التناغم بين أفرادها ليس موسيقياً فحسب؛ بل إنه إنسانيّ أيضًا. الألفة واضحة بين رفاق النغم والإيقاع. منهم مَن أمضى عمراً هنا، ومنهم مَن انضمّ حديثاً إلى الأوركسترا: «حرصاً على ضخّ الدم الشاب في عروقها»، وفق تعبير الحاج.

لكن كيف لكمانٍ وعودٍ وقانون وناي ودفّ أن يصارع الموجات الموسيقية الجارفة التي تستميل الجيل الصاعد؟ «علينا أن نواصل ما نقوم به بانتظار عبور الموجة»، كما يعلّق الحاج. في الأثناء، تسمح الأوركسترا لنفسها بالخروج عن الإطار الصارم، من خلال إدخال كثير من الألوان إلى المحتوى الذي تقدّمه. ثم إنّ حفلاتها كافة مجانية منذ تأسيسها عام 2000، وهي تتنقّل بين مسارح مناطق لبنان، من شماله إلى جنوبه.

المؤلِّف الموسيقي وقائد الأوركسترا أندريه الحاج (صور الحاج)

على جدول المواعيد المقبلة، حفلٌ بمشاركة مميّزة لجوقة الأطفال في «دار الأيتام الإسلامية». بالموازاة، التحضير جارٍ لحفلٍ بالمكتبة الوطنية في بعقلين، ولآخَر سيكون بمنزلة تحية للمؤلّف الموسيقي نور الملّاح.

ليست تلك التحية الأولى من نوعها في مسيرة الأوركسترا، فهذا تقليدٌ درجت عليه منذ تأسيسها على يدَي الموسيقار وليد غلميّة. «أردتُ أن أكمل ما بدأه الدكتور غلميّة»، كما يقول الحاج. «تلك الحفلات التي نوجّه فيها التحية إلى الفنانين اللبنانيين المؤسِّسين، لعبت دوراً كذلك في تقريب الناس من الأوركسترا».

الانحناءات الموسيقية أمام قاماتٍ صنعت مجد الفن اللبناني فاقت الـ30 حتى الآن، وشملت أسماء، من بينها: الأخوان رحباني، وفيروز، ووديع الصافي، ونصري شمس الدين، وإلياس الرحباني، وصباح، وملحم بركات، وإيلي شويري، وإحسان المنذر، ومارسيل خليفة، وأحمد قعبور، وغيرهم.

يؤمن المايسترو أندريه الحاج الذي يستلهم كثيراً من ثقافة الأوركسترا في الغرب، بأنّ «في الاتّحاد غِنى». كلّما سنحت الظروف، يستضيف زميلاً له من خارج لبنان لقيادة الأوركسترا الوطنية بدَلاً عنه في إحدى الحفلات. «أتوا من الأردن، وسوريا، وفلسطين، والمغرب، ومصر... هذا أثرى الأوركسترا ومكتبتها».

من ضيوف الأوركسترا كذلك، عازفون ومغنّون ساهموا في صناعة ألَقِها وبريقها. من نصير شمّة، إلى غسان صليبا، وملحم زين، وجاهدة وهبة، وأميمة الخليل، وغادة شبير، وعبير نعمة، وسميّة بعلبكي، وكارلا رميا... كلّهم نجومٌ ضمّوا أصواتهم ونغماتهم إلى أوتار الأوركسترا وإيقاعاتها.

وفق قائدها، فإنّ أبرز إنجاز في سجلّ الأوركسترا، هو «ترسيخها يوماً بعد يوم هويّتها اللبنانية». فإلى جانب البرنامج الموسيقي اللبناني الذي تلتزم به بشكلٍ شبه دائم، كلّما سافرت الأوركسترا أو قائدها، حملا معهما الهوية الموسيقية اللبنانية. «في دار الأوبرا بالقاهرة مثلاً، كان برنامجاً لبنانياً صرفاً. صدحت الأغاني اللبنانية بحناجر الكورس المصري وأنامل الموسيقيين المصريين، عندما دُعيتُ لتقديم حفلٍ هناك»، كما يخبر الحاج.

حرصاً على تلك الهوية، يُطلق الحاج نداءً إلى وزارة الثقافة، هو بمنزلة تذكير: «على الأوركسترا الوطنية الشرق عربية أن تمثّل لبنان، وتكون وجهه الموسيقي في كافة المحافل الثقافية العالمية».

في طليعة أهداف الأوركسترا ترسيخ الهوية اللبنانية من خلال برنامجها (الشرق الأوسط)

بعد 14 سنة على رأس الأوركسترا، لم يفقد أندريه الحاج شيئاً من حماسته وطاقته. الفنان الآتي من عالم تدريس الموسيقى وتأليفها وعزفها، لا يطمح إلى المناصب بقدر ما يفرح «بعائلة الأوركسترا والراحة التي تنبعث منها».

بعد أن كان عازف عود أوّل في صفوف الأوركسترا، لمح فيه المدير السابق للكونسرفتوار وليد غلميّة، مشروع مايسترو. «غيّر الدكتور غلميّة مسار حياتي عندما أولاني هذه المهمة»، كما يقول الحاج.

من الحفل الأخير للفنانة جاهدة وهبة بمرافقة الأوركسترا الوطنية (صور الحاج)

ليس عمل قائد الأوركسترا سهلاً. يبصر منه الجمهور الظاهر فقط، من عرضٍ حي وأداء على المسرح لشخصٍ يدير لهم ظهره ويحرّك العصا، أما الباقي فساعات طويلة من التمرين وتشريح النصوص الموسيقية وتحفيز العازفين. كما لو كانت لديه آذانٌ على عدد الآلات الموسيقية، وكما لو كان هو الميزان الذي يحقّق التعادل والتناغم بينها.

بين تمرينٍ وآخر، يحلو للحاج أن يجلس بين العازفين حاملاً الكمان: «حبي الأول والحقيقي قبل العود». ولكن ماذا بعد لقب «مايسترو»؟ يحلم بأن يختم مسيرته بتأسيس أوركسترا طالبية، فهو من التعليم أتى وإلى التعليم يحب أن يعود.


مقالات ذات صلة

«جوي أواردز 2026» تحتفي بصُنَّاع الترفيه في الرياض

يوميات الشرق تُمنح جوائز «جوي أواردز 2026» للأعمال والشخصيات التي حققت حضوراً لافتاً (هيئة الترفيه)

«جوي أواردز 2026» تحتفي بصُنَّاع الترفيه في الرياض

تشهد العاصمة السعودية، السبت، حفل توزيع جوائز صُنَّاع الترفيه «جوي أواردز 2026»، التي تُعدّ الأرقى والأضخم في المنطقة، ضمن فعاليات «موسم الرياض».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الوتر السادس صابر الرباعي: الجمهور لا ينسى الأصوات الصادقة

صابر الرباعي: الجمهور لا ينسى الأصوات الصادقة

قال الفنان التونسي صابر الرباعي إنه يعيش راهناً حالة فنية نشطة تتوزع بين التحضير لأعمال غنائية جديدة، مع الاستعداد لإحياء حفلات جماهيرية في عدد من الدول العربية

محمود إبراهيم (القاهرة)
الوتر السادس مادونا عرنيطة: نعيش زمن الفن خفيف الظل والكلمة المختصرة

مادونا عرنيطة: نعيش زمن الفن خفيف الظل والكلمة المختصرة

تترك الفنانة مادونا عرنيطة أثرها في كل إطلالة اجتماعية أو إعلامية لها. فلا تمر مرور الكرام، تماماً كعطر أنيق يعلق في الذاكرة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق «أسافر وحدي ملكاً» من تأليف أسامة الرحباني وإخراجه (الشرق الأوسط)

«أسافر وحدي ملكاً»... عندما تُعانق الأحلام نجوم السماء

على مدى نحو 90 دقيقة، انسحب صوت هبة طوجي بسلاسة مهيبة عبر مجموعة من الأغنيات القصيرة...

فيفيان حداد (بيروت)
إعلام فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

مالك القعقور

ملتقى طويق 2026 يُوسِّع حضور النحت في الفضاء العام

منطقة السوق في ملتقى طويق للنحت 2026 (الرياض آرت)
منطقة السوق في ملتقى طويق للنحت 2026 (الرياض آرت)
TT

ملتقى طويق 2026 يُوسِّع حضور النحت في الفضاء العام

منطقة السوق في ملتقى طويق للنحت 2026 (الرياض آرت)
منطقة السوق في ملتقى طويق للنحت 2026 (الرياض آرت)

يتيح ملتقى طويق للنحت في نسخته السابعة التي انطلقت الاثنين في أحد أهم شوارع العاصمة السعودية، تجربة ثقافية تفاعلية تُعزِّز حضور الفنِّ في الفضاء العام، وتُقرِّب الجمهور من الممارسة النحتية المعاصرة.

وأطلق ملتقى طويق للنحت 2026 برنامجاً ثقافياً وفنِّياً متنوِّعاً، يضمّ ورشات عمل تطبيقية، وجلسات حوارية، ودورات متقدّمة، وتجارب فنّية مسائية، تُقام في موقع الملتقى على شارع الأمير محمد بن عبد العزيز (التحلية)، وتستمرّ حتى 22 فبراير (شباط) المقبل، وذلك تحت إشراف برنامج «الرياض آرت» التابع للهيئة الملكية لمدينة الرياض.

النحت الحي للفنان الإيطالي نيكولا فوشي في معرض طويق للنحت 2026 (الشرق الأوسط)

وتأتي الفعاليات المُصاحبة للملتقى امتداداً لتجربة النحت الحيّ التي تنطلق يومياً من العاشرة صباحاً، وتتيح للجمهور التفاعل المباشر مع الفنانين المُشاركين، ومتابعة تشكُّل الأعمال النحتية في الفضاء العام. ويتناول الملتقى هذا العام شعار «ملامح ما سيكون» الذي يُعد نموذجاً للتحوّل، ويركّز على التغيّرات الفيزيائية والثقافية التي تُشكّل المدن عبر الزمن. وتنعكس هذه الرؤية في محتوى الورشات والحوارات التي تستكشف العلاقة بين النحت والفضاء العام، ودور العمل الفنّي في صياغة الذاكرة الجمعية والهوية البصرية للمدينة.

منطقة الجلسات الحوارية في ملتقى طويق للنحت 2026 (الرياض آرت)

وتتناول الجلسات الحوارية موضوعات مرتبطة بالنحت في المشهد الحضري المعاصر، من بينها حضور المنحوتات في الأماكن العامة، وأثرها في تحسين جودة المشهد البصري، ودورها في تعزيز التفاعل الثقافي داخل المدن، بمشاركة فنانين ومتخصّصين يقدّمون قراءات متعدّدة لتجربة النحت وعلاقتها بالمكان والمجتمع. ويتضمَّن البرنامج ورشات عمل تطبيقية ودورات متقدّمة تُحاكي فئات متنوّعة، وتُقدّم تجارب تعليمية وتفاعلية للتعرُّف على تقنيات النحت، واستخدام المواد، ومفاهيم الاستدامة، من خلال ممارسات عملية تُشرف عليها نخبة من الفنانين المُشاركين، وبمشاركة جهات متخصّصة، من بينها المعهد الملكي للفنون التقليدية (ورث) الذي يقدّم ورشة للنحت باستخدام الخشب.

من المعرض المُصاحب لملتقى طويق للنحت 2026 (الشرق الأوسط)

ويُقدّم ملتقى طويق للنحت تجارب فنّية خلال ساعات المساء، تجمع بين العناصر الموسيقية والضوئية والعروض الأدائية، بما يمنح الزوَّار فرصة استكشاف الأعمال النحتية في أجواء مختلفة خارج ساعات النهار، معزّزاً حضور الفنّ في الحياة الحضرية اليومية.

ويعتمد الملتقى جدولاً مسائياً خاصاً خلال رمضان، بما يتناسب مع أجواء الشهر الكريم، ويتضمَّن ورشات عمل عملية، وجلسات قصصية، وبازار رمضان، وسوقاً مسائية تضمّ أطعمة محلّية ومنتجات حرفية يدوية، مثل الفخار والصوف والحُلي بالخرز، والحقائب الجلدية.

وتُختتم الفعاليات بمعرض عام يُقام من 9 إلى 22 فبراير؛ إذ تُعرض الأعمال الفنّية المكتملة التي أُنتجت خلال مرحلة النحت الحي، تمهيداً لانضمامها لاحقاً إلى المجموعة الدائمة للأعمال الفنّية في مدينة الرياض؛ علماً بأنّ جميع الفعاليات متاحة مجاناً للجمهور.


فرقة كرنفالية إسبانية بزيّ ستيفن هوكينغ على كراسٍ متحرّكة

عرض يبدو غريباً لكنه يقترب أكثر من الإنسان (كرنفال قادس)
عرض يبدو غريباً لكنه يقترب أكثر من الإنسان (كرنفال قادس)
TT

فرقة كرنفالية إسبانية بزيّ ستيفن هوكينغ على كراسٍ متحرّكة

عرض يبدو غريباً لكنه يقترب أكثر من الإنسان (كرنفال قادس)
عرض يبدو غريباً لكنه يقترب أكثر من الإنسان (كرنفال قادس)

ظهرت فرقة كرنفالية إسبانية في مقاطع مصوَّرة انتشرت بشكل واسع، يرتدي أعضاؤها زيّ العالم الفيزيائي الشهير ستيفن هوكينغ، ويتنقّلون على كراسٍ متحرّكة، في عرض غير مألوف يهدف إلى رفع الوعي بمرض التصلّب الجانبي الضموري.

ووفق ما نقلته «نيويورك بوست» عن وسائل إعلام إسبانية، ارتدى 12 رجلاً شعراً مستعاراً وملابس تُحاكي مظهر هوكينغ، وانحنوا على كراسٍ متحرّكة، مُقلّدين إيماءاته وصوته الآلي المميّز، خلال عرض موسيقي استمر 30 دقيقة ضمن مسابقة الفرق الكرنفالية الرسمية في مدينة قادس.

وكان هوكينغ، الذي تُوفّي عام 2018 إثر مضاعفات مرتبطة بالمرض العصبي المُنهك، أحد أشهر الأصوات في مجال العلوم، رغم اعتماده على جهاز نطق إلكتروني للتواصل.

وانتشر عرض الفرقة، التي حمل عملها اسم «أغنية شيريجوتا شعبية من الناحية النظرية»، على نطاق واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما ظهرت وهي تجوب شوارع المدينة المرصوفة بالحصى على كراسٍ كهربائية، وتغنّي معاً بشكل متوافق منسجم وموحَّد، وسط ذهول الحشود التي تابعت المشهد في حالة من عدم التصديق.

وقال مؤلّف العمل، ميغيل أنخيل يوي، إنّ «الفكرة كانت إما كلّ شيء وإما لا شيء»، معترفاً بأنّ العرض الغريب كان فكرة تتضمَّن مخاطرة، وتستهدف توظيف الفكاهة السوداء من دون الإساءة إلى أحد. وأضاف: «لا داعي للانزعاج، فالأمر كلّه من أجل الضحك».

وعندما صعد المؤدّون إلى خشبة «مسرح فايا»، بقوا على كراسٍ متحرّكة بينما تتساقط عليهم قصاصات الورق الملوّن، وأدّوا أغنيات أشادت بالعالِم البريطاني الشهير ونظرياته حول الفضاء، والزمن، والثقوب السوداء، والنسبية، وفق مقطع مصوّر نُشر عبر موقع «يوتيوب».

ورغم أنّ العرض أثار ضحك الجمهور، فإن كلمات الأغنيات حملت رسائل مؤثّرة أضاءت على معاناة مرضى التصلّب الجانبي الضموري، وجاء في أحد المقاطع: «انتصرتُ وحدي»، وفق وسائل إعلام إسبانية.

وقبل الجولة التمهيدية، الأربعاء، دعت الفرقة جمعية التصلّب الجانبي الضموري في الأندلس إلى حضور بروفة بملابس العرض، إذ أبدى المرضى موافقتهم على أداء العرض، الذي قوبل بتصفيق حار وقوفاً خلال المسابقة.

وقال يوي: «نميل إلى الالتزام بهذه القضايا لأنّ باكو (المخرج) يعمل مع أشخاص من ذوي الإعاقة، وكانت الفكرة أن نمنحهم صوتاً وحضوراً».

وبعد انتهاء المسابقة، تُخطّط الفرقة للتبرّع بالكراسي المتحرّكة الـ12 لمرضى التصلّب الجانبي الضموري المحتاجين. وأضاف يوي: «هذه كراسٍ متحرّكة حقيقية تبلغ تكلفة الواحد منها 400 يورو». وختم: «وبما أننا تحمّلنا العبء، فالأجدر أن نُنهي المهمّة».


الروبوت يقترب من الإنسان... والشفاه تتعلَّم الكلام

معنى أن يكون للوجه دور (جامعة كولومبيا)
معنى أن يكون للوجه دور (جامعة كولومبيا)
TT

الروبوت يقترب من الإنسان... والشفاه تتعلَّم الكلام

معنى أن يكون للوجه دور (جامعة كولومبيا)
معنى أن يكون للوجه دور (جامعة كولومبيا)

تمكّن روبوت من تعلّم استخدام المحرّكات التعبيرية الـ26 للوجه من خلال التدرُّب على محاكاة حركات الشفاه أمام المرآة.

ووفق «الإندبندنت»، تمكّنت روبوتات حديثاً من إتقان أحد أكثر السلوكيات البشرية تعقيداً، وهو حركات الشفاه، فيما يُعدّ إنجازاً تكنولوجياً جديداً يقرّب المسافة بين الإنسان والآلة.

ومع أنّ نحو نصف انتباهنا خلال التفاعل وجهاً لوجه ينصبّ على حركات الشفاه، فإنّ قدرتنا الفطرية على التقاط أدقّ التغيّرات في تعابير الوجه تبقى عالية.

حتى هذه اللحظة، تواجه الروبوتات صعوبة كبيرة في تقليد الطريقة التي يُحرّك بها البشر شفاههم، وغالباً ما كانت تبدو «غير منسجمة» قليلاً، ممّا يخلق ما يُعرف بتأثير «الوادي الغريب»، وهو ذلك الإحساس المُقلق عند مواجهة كائن يبدو بشرياً إلى حدّ كبير لكنه لا يبدو «في وضع مقبول» تماماً.

مع ذلك، قد يكون هذا الواقع على وشك التغيّر، مع اقتراب مستقبل يصعب فيه تمييز الروبوتات عن البشر.

وأعلن مهندسون في جامعة كولومبيا أنهم نجحوا للمرة الأولى في ابتكار روبوت قادر على تعلّم حركات الشفاه المرتبطة بالكلام والغناء وإعادة إنتاجها. وتمكّن الروبوت من استخدام المحرّكات التعبيرية الـ26 للوجه بعدما شاهد ساعات طويلة من المقاطع المصوَّرة على موقع «يوتيوب»، وتدرَّب على محاكاة حركات شفاه البشر من خلال مراقبة انعكاسه في المرآة.

واستعرض باحثون، في مجلة «ساينس روبوتيكس» (علوم الروبوتات)، قدرة الروبوت على نطق كلمات بلغات مختلفة، بل وحتى غناء أغنية من ألبومه الأول الذي أنشأه بالذكاء الاصطناعي ويحمل عنوان «Hello World».

ووعد المهندسون هود ليبسون وجيمس وسالي سكابا، من مختبر «الآلات المبدعة» بجامعة كولومبيا، حيث أُنجز البحث، بأنه «كلما زاد تفاعل الروبوت مع البشر، تحسَّن أداؤه».

وأقرّوا بأنّ حركات الشفاه لا تزال بعيدة عن الكمال. وقال ليبسون: «واجهتنا صعوبات خصوصاً مع الأصوات القوية مثل حرف (البي)، وكذلك الأصوات التي تتطلَّب ضمّ الشفاه مثل حرف (الدابليو)، لكن من المرجّح أن تتحسَّن هذه القدرات مع الوقت والممارسة».

وأضاف: «تركّز الروبوتات الشبيهة بالبشر اليوم بشكل كبير على حركة الساقين واليدين، مثل المشي والإمساك بالأشياء، لكن لا يقلّ التعبير الوجهي أهمية في أي تطبيق روبوتي يتضمَّن تفاعلاً مع الإنسان».

من جهته، أوضح يوهانغ هو، الذي قاد الدراسة ضمن أطروحته للدكتوراه، أنّ «دمج قدرة مزامنة حركة الشفاه مع الذكاء الاصطناعي المتمحور حول الحوار والمحادثات، مثل (تشات جي بي تي) أو (جيميناي)، يضيف بُعداً جديداً تماماً إلى العلاقة التي يقيمها الروبوت مع الإنسان».

ويذهب بعض الاقتصاديين إلى توقّع تصنيع أكثر من مليار روبوت بشريّ الشكل خلال العقد المقبل.

ويُقدّر ليبسون قائلاً: «لا يوجد مستقبل لا تمتلك فيه كل هذه الروبوتات الشبيهة بالبشر وجهاً. وعندما تمتلك وجهاً أخيراً، سيكون عليها تحريك عينيها وشفتيها بشكل صحيح، وإلا ستبقى دائماً غريبة».

يأتي هذا العمل ضمن مسعى ليبسون المستمر منذ عقد لجعل الروبوتات أكثر قدرة على التواصل الفعّال مع البشر، ويؤكّد أنّ هذه المهارات يجب أن تُكتسب عبر التعلّم، لا من خلال برمجة جامدة قائمة على قواعد صارمة.

ويقول: «ثمة شيء سحري يحدث عندما يتعلّم روبوت الابتسام أو الكلام فقط من خلال مُشاهدة البشر والاستماع إليهم. أنا عالم روبوتات مخضرم، ومع ذلك لا يسعني سوى الابتسام حين يبتسم لي روبوت بشكل عفوي».