بورتسودان تحت وابل المسيّرات... ودخان الحرائق يجبر السكان على الفرار

طالت محطات الوقود والكهرباء والميناء المطار والفنادق... والبرهان: هجمات «الدعم السريع» لن تخيفنا

TT

بورتسودان تحت وابل المسيّرات... ودخان الحرائق يجبر السكان على الفرار

تصاعد الدخان بعد غارات بطائرات بدون طيار استهدفت الميناء الشمالي في مدينة بورتسودان (أ.ب)
تصاعد الدخان بعد غارات بطائرات بدون طيار استهدفت الميناء الشمالي في مدينة بورتسودان (أ.ب)

عاشت مدينة بورتسودان، العاصمة الإدارية المؤقتة للبلاد (شرق)، يوماً عصيباً مرعباً، إثر هجوم واسع، شنته طائرات مسيّرة، في وقت مبكر الثلاثاء، استهدف عدة مناطق استراتيجية وحيوية في المدينة، من بينها مطار المدينة، ومستودع للوقود، ومجمع للحاويات في الميناء البحري، بالإضافة إلى محطة الكهرباء الرئيسية، ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي بالكامل عن المدينة التي أصيبت بالشلل التام.

كما شملت الضربات، فندقاً قرب القصر الرئاسي المؤقت، وقواعد عسكرية، ومناطق حيوية أخرى، ما تسبب في اندلاع عدة حرائق، وأثار حالة من الخوف والذعر الشديدين في صفوف السكان، الذين هجروا مساكنهم القريبة من منطقة الانفجارات إلى مناطق آمنة في المدينة التي تعد أهم بوابة لإدخال المساعدات الأجنبية.

البرهان: لن تخيفنا

وقال رئيس مجلس السيادة السوداني قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، الثلاثاء، إن ما حدث من تدمير للمنشآت العسكرية والمدنية في مدينة بورتسودان، «لن يزيدنا إلا قوة».

وأضاف في كلمة بثها التلفزيون: «الشعب السوداني سينتصر وهجمات (الدعم السريع) لا تخيفه... ونقول لكل من اعتدى على الشعب السوداني أن ساعة القصاص ستحين، وأن الشعب سينتصر في النهاية». وأكد قائد الجبش السوداني: «الشعب السوداني مناضل ومقاتل، لا تجزعه الحوادث ولا تخيفه النوائب، ولن ترهبه هذه الأفعال».

وأضاف البرهان وهو يقف أمام ميناء بورتسودان، ومن خلفه تظهر سحب الدخان الأسود تتصاعد من الحريق الذي شب في مستودع الوقود بالميناء، أن «هذه المنشآت التي تخدم المدنيين بناها الشعب السوداني، وهي مِلك له، وسيبنيها من جديد، وكل تدمير أو خراب لمنشآت مدنية أو عسكرية لن يزيد الشعب إلا قوة وتماسكاً. وأكد أن القوات المسلحة والمقاومة الشعبية والقوة المشتركة التي تقاتل مع الجيش السوداني، الآن تقف صفاً واحداً ضد ردع هذا العدوان. وقال إن «الشعب السوداني لا يهزم ولا يقهر، وهو شعب صابر وصامد، وسنمضي جميعاً لتحقيق غاياتنا في دحر وهزيمة ميليشيا (الدعم السريع)، وهزيمة من يدعمها ويعاونها». وأضاف: «نقول لكل من اعتدى على الشعب السوداني ستحين لحظة القصاص».

تصاعد الدخان بعد غارات بطائرات بدون طيار استهدفت الميناء الشمالي في مدينة بورتسودان (أ.ب)

وقالت شركة أمبري البريطانية للأمن البحري إن الضربات شملت هجوماً بطائرات مسيّرة على مرافق الميناء في بورتسودان، حيث تم استهداف محطة الحاويات. وهذه الضربات هي الأكثر كثافة منذ بدء الهجوم على بورتسودان يوم الأحد، في صراع تلعب فيه الطائرات المسيّرة دوراً متزايداً.

تضرر مستودع الوقود

وقال وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين النعيم، في تصريحات لقنوات فضائية، إن قصف المستودع الاستراتيجي، الذي يستوعب نحو 120 ألف طن من المواد البترولية، قد تعرض لأضرار كبيرة، فيما لا تزال النيران مشتعلة حتى مساء الثلاثاء، مشيراً إلى أن بلاده لا تملك القدرات اللازمة لمواجهة مثل هذه الأحداث. ويهدد تدمير منشآت الوقود والأضرار التي لحقت بالمطار والميناء بتفاقم الأزمة الإنسانية في السودان، التي تصفها الأمم المتحدة بأنها الأسوأ في العالم، من خلال وضع المزيد من الضغوط على عمليات تسليم المساعدات عن طريق البر والتأثير على إنتاج الكهرباء وإمدادات غاز الطهي.

الدخان والنيران يتصاعد من مستودع وقود بعد هجوم بطائرة بدون طيار الإثنين (رويترز)

وقال مدير مطار بورتسودان يحيى أحمد لـ«الشرق الأوسط» إن المطار لم يتعرض لأضرار كبيرة يمكن أن تعطل حركة الملاحة الجو، مشيراً إلى أن الجهود مستمرة لاستئناف الرحلات في القريب العاجل. وأفادت مصادر محلية بأن سحب الدخان السوداء من جراء اندلاع النيران في مستودعات الوقود في المطار والميناء، لا تزال تغطي سماء المدينة، واضطر بعض السكان إلى الانتقال للأحياء المجاورة خوفاً من إصابتهم بمشاكل صحية من جراء الانبعاثات أو تعرضهم للقذائف.

وشهدت مدينتا بورتسودان وكسلا بولاية البحر الأحمر ازدحاماً كبيراً في محطات الوقود، واصطفت السيارات منذ وقت باكر صباح الثلاثاء، في صفوف طويلة للحصول على الوقود. وطمأنت وزارة الطاقة والنفط، المواطنين باستقرار إمداد المشتقات البترولية، وتوفرها بكل محطات الخدمة البترولية. وقالت في بيان على موقع «فيسبوك» إن شرطة الدفاع المدني تعمل على إطفاء الحرائق في مستودعات الوقود لمنع انتشارها وتجنب حدوث كارثة بالمدنية. وأضافت أن الوقود ينساب بصورة طبيعية، ولا يوجد ما يدعو للقلق.

بورتسودان تخسر الهدوء

وكانت مدينة بورتسودان تتمتع بهدوء نسبي منذ اندلاع الحرب الأهلية في أبريل (نيسان) 2023 حينما أصبحت قاعدة للحكومة المتحالفة مع الجيش بعد أن فقدت القوات المسلحة السودانية السيطرة على جزء كبير من العاصمة الخرطوم في بداية الصراع مع «قوات الدعم السريع». ولجأ مئات الآلاف من النازحين إلى المدينة التي انتقل لها مسؤولو ودبلوماسيو ووكالات الأمم المتحدة، مما جعلها القاعدة الرئيسية لعمليات الإغاثة.

وقال شهود إن الهجوم على محطة الكهرباء في بورتسودان أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي في أنحاء المدينة، حتى من مقر الحكومة المؤقت، بينما انتشرت وحدات الجيش حول المباني الحكومية.

وزير الإعلام السوداني خالد الأعيسر يتفقد مستودعات الوقود في بورتسودان بعد استهدافها صباح الثلاثاء (حساب الوزير على إكس)

وشهد الصراع مراراً فترات احتدام وهدوء، لكن من غير المرجح أن يحقق أي من الطرفين انتصاراً حاسماً، حسب مراقبين للأوضاع في السودان. وتفتح الهجمات بالطائرات المسيّرة جبهة جديدة في الصراع، مستهدفة المعقل الرئيسي للجيش في شرق السودان. وكان الجيش قد طرد في مارس (آذار) «قوات الدعم السريع» من معظم مناطق وسط البلاد، حيث تقع العاصمة الخرطوم، ودفعها غرباً.

واتهمت مصادر عسكرية «قوات الدعم السريع» بشن هجمات على بورتسودان منذ يوم الأحد، رغم أن القوات لم تعلن مسؤوليتها عن ذلك حتى الآن. وجاءت الهجمات بعدما قال مصدر عسكري إن الجيش دمر طائرة ومستودعات أسلحة في مطار نيالا الخاضع لسيطرة «قوات الدعم السريع» في دارفور المعقل الرئيسي لها.


مقالات ذات صلة

الحياة تعود إلى سوق الخرطوم المركزية ولكن «لا شيء كما كان»

شمال افريقيا إحدى الأسواق الشعبية في جنوب الخرطوم بعد أشهر من بداية الحرب (أرشيفية - أ.ف.ب)

الحياة تعود إلى سوق الخرطوم المركزية ولكن «لا شيء كما كان»

في سوق الخرطوم المركزيّة، عاد الباعة إلى عرض الفاكهة والخضراوات أمام المارّة في أكوام صغيرة افترش الجزء الأكبر منها الأرض، «ولكن لا شيء كما كان قبل الحرب».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا انتشار المجاعة في شمال دارفور وجنوب كردفان بغرب السودان وجنوبه (أ.ب)

الأمم المتحدة: أكثر من 8 ملايين سوداني يحتاجون للغذاء في 2026

حذرت الأمم المتحدة وشركاؤها من «فجوات حرجة» في خدمات التغذية بالسودان، تتسع باطراد نتيجة استمرار الحرب والنزوح.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا مكتبة «دار العلوم الحديثة» في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

الخرطوم ترمِّم جراحها بالقراءة والعودة للكتب

بدأ السودانيون يعودون إلى القراءة، تحدياً للإنهاك الذي أصاب العقول والنفوس بسبب الحرب، فأصرت العاصمة الخرطوم على استعادة سيرتها الأولى كمدينة قارئة.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)

مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أمس، من ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع» من قِبَل طرفي النزاع في السودان، معرباً عن قلقه.

وجدان طلحة (بورتسودان)
شمال افريقيا فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب) play-circle

المفوض الأممي لـ«حقوق الإنسان» يدعو إلى مساءلة مرتكبي الجرائم في السودان

حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، يوم الأحد، من ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع» من قبل طرفي النزاع في السودان.

وجدان طلحة (بورتسودان) «الشرق الأوسط» (لندن)

مجلس النواب الليبي يرفض اتفاقاً دولياً أبرمته «الوحدة» لتطوير ميناء مصراتة

صالح رئيس مجلس النواب الليبي وحماد رئيس الحكومة المكلفة منه (يمين) ديسمبر 2025 (المركز الإعلامي لصالح)
صالح رئيس مجلس النواب الليبي وحماد رئيس الحكومة المكلفة منه (يمين) ديسمبر 2025 (المركز الإعلامي لصالح)
TT

مجلس النواب الليبي يرفض اتفاقاً دولياً أبرمته «الوحدة» لتطوير ميناء مصراتة

صالح رئيس مجلس النواب الليبي وحماد رئيس الحكومة المكلفة منه (يمين) ديسمبر 2025 (المركز الإعلامي لصالح)
صالح رئيس مجلس النواب الليبي وحماد رئيس الحكومة المكلفة منه (يمين) ديسمبر 2025 (المركز الإعلامي لصالح)

اعترض مجلس النواب الليبي على اتفاقية أبرمتها حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، مع قطر وإيطاليا، لتطوير وتوسعة محطة ميناء المنطقة الحرة بمصراتة، بغرب البلاد، في ظل اتهامات بـ«التعدي على الموارد السيادية الليبية والتفريط في الثروات الوطنية».

واستنكرت لجنتا الطاقة والموارد الطبيعية والشؤون الخارجية في مجلس النواب، ما سمّته «محاولات المساس بالموارد السيادية» الليبية التي تقوم بها «الوحدة»، التي وصفتها اللجنتان بالحكومة «منتهية الولاية»، لإبرام عقود طويلة الأجل، تشمل «التفريط في مناطق اقتصادية حرة»، وفي «نسب عالية من الثروات النفطية لصالح شركات أجنبية» في صفقات «يشوبها الفساد وغياب الشفافية والمتاجرة السياسية».

واعتبرت اللجنتان في بيان مساء الأحد، أن هذه الإجراءات تمثل «مخالفة صريحة للإعلان الدستوري الذي وضع بالتعديل السابع قيوداً مشددة على أي التزامات تمس الموارد السيادية، لما لها من آثار بعيدة المدى على الاقتصاد الوطني وحقوق الأجيال القادمة، فضلاً عن مخالفة أحكام القانون والقرارات التي تحظر على أي حكومة المساس بالثروات والموارد السيادية، إلى حين انتخاب حكومة من الشعب».

وأشارت اللجنتان إلى «احتفاظ مجلس النواب بحقه الكامل في اتخاذ كل الإجراءات الدستورية والقانونية اللازمة لوقف هذه التجاوزات ومحاسبة المسؤولين عنها».

وكانت حكومة «الوحدة» قد أعلنت أن الاتفاقية التي وقعها الدبيبة، بحضور رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، ونائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني، تستهدف تنفيذ مشروع تطوير وتشغيل وتوسعة محطة الميناء باستثمارات تصل إلى 2.7 مليار دولار، لافتة إلى مشاركة شركات قطرية وإيطالية وسويسرية في المشروع، لرفع الطاقة الاستيعابية لميناء المنطقة الحرة مصراتة إلى نحو 4 ملايين حاوية سنوياً، بما يعزز موقع ليبيا مركزاً لوجستياً إقليمياً ضمن سلاسل الإمداد والتجارة الدولية، ويدعم حركة الصادرات والواردات.

وتوقعت الحكومة أن يحقق المشروع إيرادات تشغيلية تقدر بنحو 600 مليون دولار سنوياً، إلى جانب توفير نحو 8.400 فرصة عمل مباشرة، ونحو 62 ألف فرصة عمل غير مباشرة، بما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني، وخلق فرص العمل، وتحسين مستوى الخدمات اللوجستية.

صورة نشرها سفير روسيا لدى ليبيا خلال اجتماعه مع وزير النفط بحكومة «الوحدة»

من جانبه، قال السفير الروسي لدى ليبيا أيدار أغانين، إنه بحث الاثنين، بطرابلس مع وزير النفط والغاز بحكومة «الوحدة» خليفة عبد الصادق، سبل تعزيز التعاون الثنائي في قطاع النفط والغاز، وفرص توسيع مشاركة الشركات الروسية في مشاريع جديدة.

وكان عبد الصادق قد ناقش مع أمين ناصر، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة «أرامكو السعودية»، آفاق التعاون المشترك في قطاع الطاقة، وتبادل الرؤى حول تطوير الصناعة النفطية والغازية، والاستفادة من خبرات «أرامكو» في مجالات الابتكار والكفاءة التشغيلية والاستدامة، بما يسهم في دعم جهود تطوير قطاع الطاقة بليبيا.

كما بحث مع الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير الطاقة السعودي، التعاون في مجالات الطاقة، بما في ذلك تقنيات وحلول الطاقة وتعزيز فرص الاستثمار والتعاون في مجالات الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة.


أحزاب مصرية تعيد ترتيب أوضاعها الداخلية بعد ماراثون انتخابات «النواب»

اللجنة المشرفة على انتخابات رئاسة حزب «الوفد» في اجتماع بالقاهرة (صفحة الحزب)
اللجنة المشرفة على انتخابات رئاسة حزب «الوفد» في اجتماع بالقاهرة (صفحة الحزب)
TT

أحزاب مصرية تعيد ترتيب أوضاعها الداخلية بعد ماراثون انتخابات «النواب»

اللجنة المشرفة على انتخابات رئاسة حزب «الوفد» في اجتماع بالقاهرة (صفحة الحزب)
اللجنة المشرفة على انتخابات رئاسة حزب «الوفد» في اجتماع بالقاهرة (صفحة الحزب)

في أعقاب انتهاء ماراثون انتخابات مجلس النواب المصري، دخلت الساحة الحزبية مرحلة جديدة من الحراك الداخلي، حيث شرعت أحزاب عدة؛ معارضة وأخرى محسوبة على الأكثرية البرلمانية، في مراجعة أوضاعها التنظيمية، عبر إجراء انتخابات قيادية، أو إعادة هيكلة مؤسساتها الداخلية.

هذه التحركات فتحت باب التساؤل حول طبيعة التحركات، وهل تمثل استحقاقاً ديمقراطياً طبيعياً بعد انتهاء المدد القانونية للقيادات، أم محاولة لامتصاص تداعيات نتائج الانتخابات، وإعادة ترتيب الصفوف بعد خسائر، أو تراجع في التمثيل لبعض الكيانات.

وترى أستاذة العلوم السياسية بالجامعة الأميركية في القاهرة، نهى بكر، أن تلك التحركات «تمثل مزيجاً بين استحقاق ديمقراطي وترتيب للأوضاع، مع ميل واضح للخيار الثاني»، خصوصاً في ضوء تراجع تمثيل بعض الأحزاب.

قيادات في حزب الأكثرية «مستقبل وطن» خلال اجتماع مع كوادره (صفحة الحزب)

ويبرز «حزب الوفد»، أحد أعرق الأحزاب المصرية، بوصفه النموذج الأوضح لهذا الجدل؛ فالحزب يستعد لإجراء انتخابات رئاسته في 30 يناير (كانون الثاني) الحالي، وسط منافسة بين 4 مرشحين.

وتأتي الانتخابات عقب حصول «الوفد» على 10 مقاعد فقط في مجلس النواب؛ 8 منها عبر «القائمة الوطنية من أجل مصر»، التي ضمنت الفوز قبل انطلاق الانتخابات، ومقعدان بنظام الانتخابات الفردية، وهو ما عدّه كثيرون تراجعاً كبيراً عن أدواره التاريخية.

وترافقت التحضيرات للانتخابات الداخلية في «الوفد» مع تصاعد خطاب نقدي حاد من مرشحين وقيادات سابقة تجاه أداء القيادة المنتهية ولايتها برئاسة عبد السند يمامة، الذي تولى المنصب قبل 4 أعوام، وقرر عدم الترشح مجدداً.

ويعزو منتقدو الأداء هذا التراجع إلى «انفصال الحزب عن الشارع»، وفقدانه القدرة على التعبير عن هموم الناخبين، مع مطالبات بإعادة ترتيب البيت الداخلي واستعادة الدور السياسي للحزب.

وفي خضم هذا السجال، برز رئيس الحزب الأسبق السيد البدوي، الذي قارن نتائج الانتخابات الأخيرة بما حققه «الوفد» عام 2015 عندما حصد 36 مقعداً فردياً. كما انتقد نائب رئيس الحزب هاني سري الدين، تراجع الخطاب السياسي والتنظيمي، داعياً إلى «عملية إنقاذ مؤسسية» تعيد للحزب حضوره وتأثيره.

وقالت الدكتورة نهى بكر في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «الوفد يواجه أزمة شرعية ووجود»، لكنها أشارت إلى أن الانتخابات الداخلية «قد تشكل فرصة حقيقية لتجديد الدماء، وإدخال وجوه جديدة قادرة على إعادة تعريف رسالة الحزب وجذب الناخبين، إلى جانب إعادة ترتيب التحالفات الداخلية».

ولا يقتصر المشهد على «الوفد»، إذ يستعد «حزب التجمع» (يسار) لإعادة ترتيب أوضاعه أيضاً بعد حصوله على 5 مقاعد فقط. ويوضح أحمد مجدي، عضو أمانة الإعلام بالحزب، متحدثاً لـ«الشرق الأوسط»، أن «التجمع» مقبل على عملية انتخابية تبدأ من القواعد في المحافظات، وصولاً إلى المؤتمر العام الذي سينتخب رئيس الحزب والمكتب السياسي والمجلس الاستشاري، في مسار قد يستغرق نحو 6 أشهر. ويؤكد أن هذه الخطوة تأتي في إطار تقييم شامل للتجربة الانتخابية الأخيرة والاستعداد للاستحقاقات المقبلة.

اجتماع لقيادات حزب «الدستور» المصري المعارض (صفحة الحزب)

وتشير بيانات رسمية إلى أن 8 أحزاب «معارضة» حصلت مجتمعة على 53 مقعداً، أي ما يقارب 10 في المائة من أعضاء المجلس، وهو رقم يعكس محدودية التمثيل المعارض، ويطرح أسئلة حول قدرة الأحزاب على التوسع جماهيرياً.

وفي هذا السياق، يتوقع «الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي» ظهور وجوه جديدة في هيكل قيادته، خصوصاً بعد حصوله على 11 مقعداً، وبروز عدد من نوابه فاعلين مؤثرين في دوائرهم المحلية. ويؤكد نائب رئيس الحزب باسم كامل لـ«الشرق الأوسط»، أن الانتخابات الداخلية، التي تأجلت بسبب الاستعداد للانتخابات البرلمانية، ستبدأ من القواعد وصولاً إلى مؤتمر عام يضم نحو ألف عضو من المرجح عقده عقب عيد الفطر المقبل.

وبالمثل، يؤكد «حزب العدل»، الذي حصل أيضاً على 11 مقعداً، التزامه بالدورات الانتخابية المنتظمة، مع إجراء انتخابات رئاسة الحزب قبل يونيو (حزيران) المقبل، ضمن دورة تنظيمية تمتد 5 سنوات، وفق رئيسه عبد المنعم إمام، الذي شدد في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، على أهمية الانتظام المؤسسي واعتماد الميزانيات والمؤتمرات السنوية.

وتكتسب هذه المراجعات الداخلية أهمية إضافية في ظل الحديث عن احتمالات إجراء الانتخابات المحلية خلال العام الحالي، حال إقرار قانون الإدارة المحلية. ويرى سياسيون أن الأحزاب ربما تسعى إلى إعادة ترتيب صفوفها استعداداً لهذا الاستحقاق المحتمل، باعتباره فرصة أوسع للاحتكاك المباشر بالشارع.

وهذه هي رؤية نائب رئيس حزب «المؤتمر» رضا فرحات، الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، عن «ضرورة تعديل نظام القوائم وتقسيم الدوائر ومراجعة قانون الأحزاب»، علماً بأن حزبه فاز بـ4 مقاعد في انتخابات النواب.

وحتى الأحزاب التي لم تحصد أي مقاعد، مثل «الدستور»، تستعد لانتخابات داخلية، حيث ترى قيادته أن المشاركة في الانتخابات الأخيرة كانت بمثابة رسالة سياسية واختبار للنظام الانتخابي، أكثر منها رهاناً على الفوز، وفق رئيسته جميلة إسماعيل.

في المقابل، أعلن حزب «مستقبل وطن»، صاحب الأكثرية البرلمانية، مؤخراً، عن خطة لإعادة هيكلة واسعة للمناصب القيادية على المستويين المركزي والمحلي، استناداً إلى تقييم التجربة الانتخابية الأخيرة.

ويشكك نائب مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، عماد جاد، في جدوى هذه التغييرات، معتبراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «أحزاب الأكثرية تعاني عيوباً هيكلية؛ أبرزها غياب البرامج السياسية الحقيقية، ما يجعل تأثيرها الشعبي محدوداً».

ومن جهتها، ترى نهى بكر أن الانتخابات الداخلية «تُمثل نظرياً فرصة للإصلاح وتجديد النخب، لكنها عملياً تواجه تحديات جسيمة، في مقدمتها ضعف الثقة الشعبية بالأحزاب، وانشغال المواطن بالهموم الاقتصادية، والانقسامات التنظيمية؛ وهو ما يضع علامات استفهام حول قدرة هذه الأحزاب على الانتقال من الوجود الشكلي إلى الفعل السياسي المؤثر».


الحياة تعود إلى سوق الخرطوم المركزية ولكن «لا شيء كما كان»

إحدى الأسواق الشعبية في جنوب الخرطوم بعد أشهر من بداية الحرب (أرشيفية - أ.ف.ب)
إحدى الأسواق الشعبية في جنوب الخرطوم بعد أشهر من بداية الحرب (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الحياة تعود إلى سوق الخرطوم المركزية ولكن «لا شيء كما كان»

إحدى الأسواق الشعبية في جنوب الخرطوم بعد أشهر من بداية الحرب (أرشيفية - أ.ف.ب)
إحدى الأسواق الشعبية في جنوب الخرطوم بعد أشهر من بداية الحرب (أرشيفية - أ.ف.ب)

في سوق الخرطوم المركزيّة، عاد الباعة لعرض الفاكهة والخضراوات أمام المارّة في أكوام صغيرة افترش الجزء الأكبر منها الأرض، «ولكن لا شيء كما كان قبل الحرب»، حسب بائع الفواكه، هاشم محمد.

بالقرب من هذه السوق قبل نحو ثلاث سنوات، استيقظ سكان وسط العاصمة السودانيّة على أصوات معارك سرعان ما حولتها إلى ساحة حرب دمّرت منشآتها وبناها التحتيّة.

واندلعت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023. وفرّ من الخرطوم نحو أربعة ملايين شخص، أي نصف عدد سكانها. وقبل اندلاع الحرب، تحالف الجيش و«الدعم السريع» للإطاحة بالمدنيين من حكومة انتقالية لم تعش طويلاً، تولّت الحكم بعد احتجاجات أنهت 30 عاماً من حكم الرئيس السابق عمر البشير.

لم يكن محمد، بائع الفاكهة، بين من فروا من الخرطوم، بل واصل عمله في السوق، ولكن «بحذر شديد، لأن الهجمات كانت متكررة» لا سيما على المتاجر. ويفيد سكان الخرطوم بأنهم عاشوا في خوف مستمر من النهب والاعتداءات التي يرتكبها المقاتلون المتجولون في الشوارع.

وفي مارس (آذار) من العام الماضي شنّ الجيش هجوماً على العاصمة ومناطق وسط السودان، انتهى بإحكام السيطرة على الخرطوم وإخراج مقاتلي «الدعم السريع» إلى غرب البلاد، مما كشف عن حجم الدمار الذي خلّفته الحرب.

طريق طويل للتعافي

جندي سوداني أمام مبنى القصر الجمهوري الذي تعرض لدمار هائل إبان أيام الحرب في الخرطوم (أ.ب)

يجلس آدم حماد تحت مظلة تحميه وبضاعته من الشمس، مؤكداً في حديثه مع «وكالة الصحافة الفرنسية» أن «السوق ليست كما كانت، لكنها أفضل بكثير مما كانت عليه عندما كانت (قوات الدعم السريع) هنا».

في أزقة السوق الضيقة المتربة تتراكم الفواكه والخضراوات على أكشاك مؤقتة أو أغطية بلاستيكية على الأرض. لم تعد الخرطوم، التي أنهكتها المعارك وحُوصرت بعض أحيائها لأشهر، مهددة بالمجاعة التي تجتاح ساحات المعارك في مناطق أخرى. ولكن مع انهيار الاقتصاد ما زال توفير احتياجات الحياة اليومية أمراً صعباً.

وقال حماد: «يشكو الناس من الأسعار ويقولون إنها باهظة. يمكنك أن تجد كل شيء، لكن التكاليف في ارتفاع مستمر، المؤن والعمالة والنقل». ويوضح حماد أن ارتفاع الأسعار سببه صعوبة وصول البضائع إلى الخرطوم.

وتشهد معظم مناطق السودان قطعاً للطرق والاتصالات، مما يجعل الانتقال بين المدن أمراً صعباً ومكلفاً.

تدهور كبير للعملة

العملة السودانية (مواقع التواصل)

ومنذ سنوات، يشهد السودان معدلات تضخم تتجاوز 100 في المائة. وفي عام 2024 وصل التضخم إلى 151 في المائة بعد ذروة بلغت 358 في المائة عام 2021.

وتعاني العملة المحلية انهياراً حاداً حيث انخفضت قيمتها من 570 جنيهاً سودانياً للدولار الأميركي قبل الحرب إلى 3500 جنيه مقابل الدولار في عام 2026، وفقاً لسعر السوق السوداء.

ويقول مُدرّس تحدث لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إنه كان قادراً على تحمل نفقات عائلته قبل سنوات قليلة، لكنه اليوم لم يعد قادراً على دفع إيجار منزله براتبه الشهري البالغ 250 ألف جنيه سوداني (نحو 71 دولاراً). ومن أجل تحمل تكاليف إطعام طفليه وتوفير رسوم التعليم والرعاية الصحية يضطر إلى «العمل في السوق أو في أي مكان آخر» في أيام عطلته.

وأضاف، طالباً عدم ذكر اسمه حفاظاً على خصوصيته: «تجنباً للمشكلات مع الأجهزة الأمنية لا بد من العمل في وظيفة أخرى لتوفير الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية».

ويرى البائع آدم حماد أن طريق التعافي سيكون طويلاً، قائلاً: «لا نملك موارد ولا أيدي عاملة ولا سيولة كافية في السوق» بالإضافة إلى الانقطاع المستمر للكهرباء. وأضاف «تسعى الحكومة لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه. إن شاء الله ستعود الكهرباء قريباً وترجع الخرطوم إلى ما كانت عليه».