قلق لدى قاطني «الإيجار القديم» في مصر مع تعديلات قانونية مرتقبة

سكان يرفضون مهلة «السنوات الخمس»... والبدائل «تفوق إمكاناتهم»

حي المطرية الشعبي بالقاهرة (الشرق الأوسط)
حي المطرية الشعبي بالقاهرة (الشرق الأوسط)
TT

قلق لدى قاطني «الإيجار القديم» في مصر مع تعديلات قانونية مرتقبة

حي المطرية الشعبي بالقاهرة (الشرق الأوسط)
حي المطرية الشعبي بالقاهرة (الشرق الأوسط)

منذ أقدمت الحكومة على تعديل مشروع قانون «الإيجار القديم»، استجابةً لحكم المحكمة الدستورية، تعيش عزة مصطفى (69 عاماً) في قلق مستمر، وتقول لـ«الشرق الأوسط»، باستنكار: «بعد 42 عاماً قضيتها في منزلي، أدخلت فيه كل الخدمات، وتحملت مصاريف صيانته وتجديده، أُطرد منه بعد 5 سنوات من الآن».

وينص مشروع القانون الذي يخضع للنقاش في مجلس النواب (البرلمان) حالياً، على زيادة القيمة الإيجارية لوحدات الإيجار القديم (السكنية) 20 ضعفاً عن قيمتها الحالية، بحد أدنى 1000 جنيه (الدولار 50.70 جنيه) في المدن و500 جنيه في القرى، على أن تزيد قيمة الإيجار 15 في المائة كل عام، طيلة 5 سنوات، بعدها تتحرر العلاقة بين المالك والمستأجر، وفي حال رفض المستأجر تسليم الشقة للمالك، من حق الأخير اللجوء إلى القوة التنفيذية «الأمن» لإخلاء الشقة.

ويوجد في مصر نحو مليون و800 ألف وحدة بنظام الإيجار القديم، وفق إحصاء للجهاز المركزي في عام 2017، يدفعون أسعار إيجار زهيدة.

وتتمركز 84 في المائة من هذه الوحدات في محافظات «القاهرة والجيزة والإسكندرية والقليوبية»، بحسب رئيس لجنة الإسكان في مجلس النواب محمد عطية الفيومي.

وتدور اعتراضات رافضي المشروع الحكومي سواء من المستأجرين أو النواب حول إجبار المستأجرين على إغلاء الشقق بعد مدة 5 سنوات، بينما يعترض البعض على القيمة الإيجارية على أساس أن الألف جنيه تفوق قدرة كثير من الأسر على تحمُّلها، خصوصاً أن كثيراً من قاطني هذه الشقق محالون للمعاش.

مجلس النواب يستمع للآراء حول مشروع القانون الذي قدمته الحكومة حول الإيجار القديم (وزارة الإسكان)

تسكن عزة في منطقة سيدي بشر بمحافظة الإسكندرية، ليس لديها دخل سوى معاشها الذي «تنفق منه على علاجها وعلاج نجلها المصاب بمرض مزمن، ولا يقوى على العمل، إلى جانب مصاريف الحياة اليومية».

وأقرت مصطفى بأن «قيمة الإيجار الحالية التي تدفعها، وهي 16 جنيهاً فقط زهيدة، وبها ظلم لصاحب العقار، لكنها طالبت ألا يتعرضون هم للظلم في المقابل». وترى أن المشروع «يظلم المستأجر الذي دفع من قبل خلواً للشقة بمبالغ كبيرة آنذاك، ويعاني غلاء معيشة حالياً، خصوصاً أن مشروع القانون يخالف ما نصت عليه المحكمة الدستورية العليا، من تعديل القيمة الإيجارية وليس طرد المستأجرين».

وقضت المحكمة الدستورية في نوفمبر (تشرين الأول) الماضي، ببطلان مادتين في قانون الإيجار القديم، فيما ضمنتاه من ثبات الأجرة السنوية للأماكن المرخص في إقامتها لأغراض السكنى، معتبرة أن ثبات القيمة الإيجارية مع مضي عقود على التاريخ الذي تحددت فيه بمثابة «عدوان على قيمة العدل، وإهدار لحقِّ الملكية».

ولا يحظى مشروع القانون على سخط المستأجرين فقط، إذ لم ينل حتى رضا أصحاب الأملاك، فرأى بعضهم أن القيمة الإيجارية المنصوص عليها فيه لا تتناسب مع أسعار الإيجارات في السوق.

وشهدت أسعار الإيجارات ارتفاعات كبيرة في مصر، خصوصاً مع توافد الآلاف من السودانيين بعد اندلاع الحرب، ما ضاعف أسعارها في بعض المناطق.

ورأى عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، أيمن زُهري، أن «مشروع القانون بشكله الحالي يعرِّض آلاف الأسر للتشريد»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «إذا أرادت الدولة أن تزيد من قيمة الإيجار فيجب أن يتم ذلك بدراسة كل الحالات، على أن تتكفل بفارق الإيجار بين الحالي وما ينص عليه المشروع».

الأمر نفسه أكده تقرير صادر عن «مرصد العمران»، حول تحرير العلاقة بين المالك والمستأجر في الإيجار القديم في ضوء تجارب سابقة ومنها تجربة الأراضي الزراعية. وانتهت الورقة الصادرة في 29 أبريل (نيسان) الماضي، إلى أنه «بالاعتراف بضرورة إصلاح ضوابط تحديد الإيجارات، يجب ضمان ألا يأتي هذا الإصلاح بإخلاءات واسعة النطاق، وتعميق التفاوتات الاجتماعية المُجحفة».

إسكان حكومي لمحدودي الدخل في حدائق أكتوبر جنوب العاصمة (الشرق الأوسط)

سكن بديل بغير شعبية

في ضاحية شعبية بمنطقة المعادي (تبعد نحو 13 كيلومتراً عن وسط القاهرة) تقطن سعدية الشافعي مع زوجها على المعاش، في شقة صغيرة، حيث تزوجت وأنجبت بها 4 أبناء، قبل أكثر من 40 عاماً، تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كيف نخرج الآن بعدما هرمنا في السن، إذا كانوا يرغبون في زيادة الإيجار فلا مانع لدينا».

وكان وزير الإسكان، شريف الشربيني، تعهد خلال جلسة الاستماع التي نظمها البرلمان، الأحد، ألا يتم إخلاء أي شقة دون توفير بديل.

وتنص المادة السابعة من مشروع القانون على أنه «يُمنح المستأجرون أو من امتدت إليهم عقود الإيجار؛ بحسب الأحوال، الذين تنتهي عقود إيجارها طبقاً لأحكام هذا القانون أولوية في الحصول على وحدات سكنية وغير سكنية إيجاراً أو تمليكاً من الوحدات المتاحة لدى الدولة، وفق القواعد والشروط والإجراءات التي يصدر بها قرار من رئيس مجلس الوزراء؛ بناءً على عرض الوزير المختص بشؤون الإسكان؛ خلال شهر من تاريخ العمل بأحكام هذا القانون؛ وذلك مع مراعاة الفئات الأكثر احتياجاً منهم».

وتطرح الحكومة شققاً لمحدودي الدخل يتم الحصول عليها بنظام القُرعة، بمقدم 50 ألف جنيه (الدولار 50.70 جنيه) وفائدة 8 في المائة، على أن يتم تقسيط قيمة الشقة على أكثر من 50 عاماً.

وزير الإسكان خلال مناقشة مشروع قانون الإيجار القديم (وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية)

وترفض كل من سعدية وعزة مقترح توفير «سكن بديل»، وقالت الأولى: «هل نترك أولادنا الذين حرصوا على السكن في منازل إلى جوارنا ليراعونا، ثم ننتقل إلى إحدى المدن الجديدة»، بينما قالت الأخرى إن «السكن البديل في محافظة الإسكندرية يقع في مناطق نائية، ولا توجد بها خدمات، ولا تستطيع السكن فيها»، مضيفة: «هذا المقترح غير قابل للتطبيق حتى من الناحية المادية، ليست كل الأسر تستطيع تحمُّل تكلفة المقدم، خصوصاً أن كثيرين ممن يعيشون في إيجار قديم هم من الفقراء المستفيدين من برنامج تكافل وكرامة».

ووصفت النائبة مرثا محروس، الأحد، مشروع القانون بـ«غير المتزن»، مشيرة إلى «تمييزه في القيمة الإيجارية بين المدن والقرى؛ ما يمثل إخلالاً بمبدأ المساواة بين المواطنين، ويظهر القانون بشكل منحاز لفئة على حساب أخرى»، بالإضافة إلى تهديده بـ«إخلاء السكان».

ورداً على الانتقادات، أكد وزير الشؤون النيابية والتواصل السياسي، محمود فوزي، خلال جلسة، الأحد، أن «المشروع المقدم قابل للتعديل، وسيتم إقرار ما يراه البرلمان بوصفه الممثل عن الشعب».


مقالات ذات صلة

مشروع قانون مصري لزيادة تحويلات المغتربين رغم ارتفاعها القياسي

شمال افريقيا مصريون أمام مكتب صرافة في القاهرة (أرشيفية - أ.ب)

مشروع قانون مصري لزيادة تحويلات المغتربين رغم ارتفاعها القياسي

في حين سجلت تحويلات المصريين بالخارج ارتفاعاً قياسياً؛ قدم نائب في البرلمان مشروع قانون يستهدف وضع إطار تشريعي لدعم المغتربين وتعزيز مساهمتهم في الاقتصاد.

محمد عجم (القاهرة)
شمال افريقيا لجنة الاتصالات بمجلس النواب المصري تستمع إلى رؤى عدد من الوزراء قبل إصدار تشريع يحد من مخاطر الإنترنت على الأطفال (وزارة الشؤون النيابية)

مقترح مصري يستلهم التجربة الفرنسية في تقييد استخدام الأطفال للجوال

تعددت المقترحات المتداولة في مصر حول تقييد استخدام الأطفال «للهواتف الجوالة» منذ أن وجه الرئيس السيسي «بسن قوانين تحظر استخدام الجوال للفئات الصغيرة».

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا مناقشات داخل مجلس الشيوخ بشأن انتخابات المحليات تطرقت إلى مسألة تعديل الدستور (وزارة الشؤون النيابية)

تعديل الدستور المصري... مقترحات مستمرة فهل تجد صدى؟

تكررت مقترحات وأحاديث عن تعديل الدستور المصري بعد 6 سنوات على آخر تعديلات جرت عليه وقبل نحو 4 سنوات على نهاية الولاية الأخيرة للرئيس عبد الفتاح السيسي

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا مجندون في الجيش المصري خلال إحدى المناورات العسكرية (المتحدث العسكري المصري)

«النواب المصري» يغلّظ عقوبة التهرب من التجنيد

وافق مجلس النواب المصري نهائياً، الاثنين، على مشروع قانون مقدم من الحكومة المصرية لتعديل بعض مواد تشريع «الخدمة العسكرية والوطنية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا المجالس المحلية تعود للواجهة في مصر بعد تكليف رئاسي (مجلس الوزراء المصري)

مصر: «المجالس المحلية» تعود إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب

عادت «المجالس المحلية» للواجهة في مصر بعد سنوات من الغياب على وقع تحركات حكومية وبرلمانية للانتهاء من قانون «الإدارة المحلية»، تمهيداً لإجراء انتخابات المحليات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الخنبشي لـ «الشرق الأوسط» : حضرموت انتصرت وتسع الجميع

 عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني لدى تحدثه مع «الشرق الأوسط بودكاست» في الرياض (الشرق الأوسط)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني لدى تحدثه مع «الشرق الأوسط بودكاست» في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

الخنبشي لـ «الشرق الأوسط» : حضرموت انتصرت وتسع الجميع

 عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني لدى تحدثه مع «الشرق الأوسط بودكاست» في الرياض (الشرق الأوسط)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني لدى تحدثه مع «الشرق الأوسط بودكاست» في الرياض (الشرق الأوسط)

قال سالم الخنبشي، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني بمرتبة نائب رئيس، إن حضرموت «انتصرت لذاتها» وإنها «تتسع للجميع»، محذراً من التحريض والدعوات التي قد تمس السلم الأهلي، ودعا إلى انتهاج السلوك المدني والحفاظ على الاستقرار في المحافظة.

وأوضح الخنبشي، خلال حوار مع «الشرق الأوسط بودكاست»، أن ما شهدته حضرموت نهاية العام الماضي ومطلع يناير (كانون الثاني) الماضي جاء في إطار «تسلم المعسكرات» بهدف تجنيبها الصراع الداخلي، مؤكداً أن الأولوية اليوم تتجه إلى تثبيت الأمن وتحريك التنمية وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار.

وأكد الخنبشي أن استقرار حضرموت سيفتح الباب أمام مرحلة تنموية أوسع، مشيراً إلى فرص في الطاقة والاستثمار يمكن أن تعزز دور المحافظة اقتصادياً وتحسن حياة سكانها.

ووجّه عضو مجلس القيادة ثلاث نصائح للحكومة اليمنية الجديدة، تمثلت في الابتعاد عن الحزبية وعدم الانجرار خلف المصالح الضيقة، ومكافحة الفساد في مؤسسات الدولة، ورفع كفاءة تحصيل الموارد وتوريدها إلى البنك المركزي، وخصوصاً في الوزارات الإيرادية.


باريس: عمليات الفرار من مخيم الهول في سوريا لم تشمل مواطنين فرنسيين

مخيم الهول في سوريا (د.ب.أ)
مخيم الهول في سوريا (د.ب.أ)
TT

باريس: عمليات الفرار من مخيم الهول في سوريا لم تشمل مواطنين فرنسيين

مخيم الهول في سوريا (د.ب.أ)
مخيم الهول في سوريا (د.ب.أ)

أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية، الخميس، أنه لم يفرّ أي مواطن فرنسي من مخيم الهول في سوريا، الذي كان يستقبل عائلات عناصر في تنظيم «داعش».

ووفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، قال باسكال كونفافرو: «على حد علمي، لم يشارك أي فرنسي في عمليات الفرار» من المخيم بعد انسحاب القوات الكردية منه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، في حين أكدت وزارة الداخلية السورية، الأربعاء، وقوع عمليات هروب جماعي.

كان مخيم الهول، وهو أكبر مخيم لأقارب عناصر «داعش» في شمال شرقي سوريا، تحت سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، التي تُشكل وحداتُ حماية الشعب الكردية عمادها.

وانسحبت «قوات سوريا الديمقراطية» من المخيم، في 20 يناير، في ظل تقدم للجيش السوري الذي سيطر على المخيم بعد بضع ساعات من انسحاب الأكراد.

وقال المتحدّث باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا إن قوات الأمن رصدت «أكثر من 138 فتحة في سور المخيم الممتد على طول نحو 17 كيلومتراً، ما سهّل عمليات الخروج غير المنظم عبر شبكات تهريب».

وفرّ آلاف النساء والأطفال إلى وجهة مجهولة.

وضمّ المخيم، وفق البابا، نحو 23 ألفاً و500 شخص «70 في المائة» منهم من الأطفال والنساء وكبار السن، ومعظمهم من السوريين والعراقيين، إضافة إلى نحو 6 آلاف و500 شخص من 44 جنسية كانوا في قسم شديد الحراسة من المخيم.

وأجْلت السلطات العائلات المتبقية من المخيم، الأسبوع الماضي، إلى مخيم آخر في محافظة حلب (شمال).

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية أن باريس «تتابع، بقلق، التطورات التي حدثت في المخيم».

وأضاف أن وزير الخارجية جان نويل بارو «أعرب عن مخاوف فرنسا»، لنظيره السوري أسعد الشيباني عندما التقاه مؤخراً في ميونيخ.


الخنبشي لـ«الشرق الأوسط»: نحذّر من التحريض وحضرموت تتسع للجميع

TT

الخنبشي لـ«الشرق الأوسط»: نحذّر من التحريض وحضرموت تتسع للجميع

الخنبشي لـ«الشرق الأوسط»: نحذّر من التحريض وحضرموت تتسع للجميع

يؤمن سالم الخنبشي، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني بمرتبة نائب رئيس، بأن «حضرموت انتصرت لذاتها»، وأن ما جرى فيها خلال ديسمبر (كانون الأول) 2025 ومطلع يناير (كانون الثاني) 2026 مثّل لحظة فاصلة استعاد فيها الحضارم حقهم في حماية هويتهم ومنعوا أي مشروع سياسي يسعى لتذويب «الذات الحضرمية» تحت شعارات الوافدين.

ونصح الخنبشي الحكومة اليمنية الجديدة التي يقودها الدكتور شائع الزنداني بالابتعاد عن الحزبية، ورفع الأداء، ومكافحة الفساد، وذلك خلال حوار مع «الشرق الأوسط بودكاست»، في حلقة سُجلت في الرياض يوم التاسع من فبراير (شباط) 2026، قدّم في ثناياها روايته لما حدث، واضعاً العملية في سياق «استلام المعسكرات» وليس «إشعال حرب»، ووسع النقاش صوب ما يراه أولوية المرحلة: تثبيت الاستقرار، وتحريك التنمية، وفتح الباب أمام استثمارات حضرمية طال انتظار عودتها إلى الداخل.

يحررونا من ذاتنا؟

في توصيفه لنتائج المواجهة، يرفض النائب اختصار الصورة فيمن ربح ومن خسر، ويرى أن الانتصار الحقيقي تحقق حين رفض أبناء حضرموت فكرة أن يأتي أحد ليقول «جئنا لنحرركم»، متسائلاً: «تحررون مِن مَن؟ مِن ذاتنا؟». ويؤكد أن المحافظة بتاريخها الممتد «آلاف السنين» لا يمكن أن تُفرض عليها هوية أخرى، مسجلاً تقديره لمن وقفوا دفاعاً عن هذه الخصوصية، وموجهاً في الوقت نفسه شكراً صريحاً للمملكة العربية السعودية، قيادةً ودوراً، بصفتها - وفق حديثه - كانت لاعباً أساسياً في احتواء أحداث الشهر الماضي.

وعن لحظة تكليفه محافظاً في توقيت بالغ الحساسية، يروي الخنبشي أنه كان مقيماً في حضرموت ولم يغادرها إلا للضرورة، قبل أن يتلقى اتصالاً من الرئيس رشاد العليمي، ومن جهات بينها مسؤولون سعوديون وزملاء في مجلس القيادة، يطلبون منه تحمل مسؤولية المحافظة «لأننا في حاجة إليك». حاول الاعتذار، لكنه قبل المهمة تحت ضغط «الضرورة»، مؤكداً أنه ابن حضرموت وعاش فيها معظم حياته، وأنه قَبِل المنصب وهو يدرك ثقل المرحلة وتعقيداتها.

تزداد الصورة ثقلاً حين ينتقل الخنبشي إلى الحديث عن أدواره المتلاحقة: محافظاً، ثم قائداً لقوات «درع الوطن» في حضرموت، ثم عضواً بمجلس القيادة بمرتبة نائب رئيس. كما يقدّم عملية يناير بوصف تسميتها «معركة استلام المعسكرات» عمداً؛ حتى لا تُفهم بوصفها استهدافاً لمجتمع مدني أو بحثاً عن تصفية حسابات.

يقول الخنبشي إن هاجسه كان تجنيب حضرموت معارك الشوارع، وحماية الأعيان المدنية وتقليل الخسائر البشرية، ووصف العملية بأنها «سريعة وخاطفة» وبعدد محدود من الضحايا.

تأمين المنسحبين... ومخرج سياسي

عند سؤاله إذا كانت العملية العسكرية في حضرموت انتهت بانتقام من الخصوم، يحرص الخنبشي على نفي ذلك، مشيراً إلى أنه جرى تأمين خروج المنسحبين وعدم تعريضهم لأي مضايقات عسكرية أو جماهيرية، ويقول: «وجهنا بعدم التعرض لأي شخص كان في المجلس الانتقالي، سواء كان عسكرياً أو مدنياً»، لكنه يوضح في المقابل أنه اتخذ قرارات بإقالة بعض القيادات الأمنية والعسكرية التي اتهمها بالضلوع في أعمال نهب للأسلحة والذخائر أو أداء سلبي، وأنها ستُحال للمساءلة وفق ما ارتكبته بحق المحافظة.

وبين هذا وذاك، كرر الخنبشي رسالة يريد لها أن تُفهم على نطاق واسع: «حضرموت تتسع للجميع»، داعياً إلى سلوك مدني يبتعد عن التحريض، وحذّر من مسيرات يرى أنها تستهدف السلم الأهلي وتستفز المشهد المحلي.

ودعا الخنبشي إلى انتهاج السلوك المدني من دون التحريض، مستدلاً بتجمعات خرجت مطلع فبراير 2026 في سيئون؛ إذ ألمح إلى أنها لم تكن عفوية، وقال: لدينا ما يثبت أن هؤلاء مدفعون، ونريدهم ألا يضطرونا إلى اتخاذ إجراءات فيها نوع من القوة الجبرية لمن يريد ممارسة هذه الأعمال، فنحن ما زالنا في حال طوارئ، ومن الممكن اتخاذ كل الإجراءات».

وفي سياق المخرج السياسي الأوسع، يتحدث الخنبشي عن تحركات لعقد لقاء حضرمي موسع في السعودية يضم المكونات السياسية والاجتماعية، بمن فيها حضارم من المجلس الانتقالي؛ بهدف إعداد رؤية موحدة باسم حضرموت تُقدم إلى مؤتمر الحوار الجنوبي. ويشير إلى أن لجنة تحضيرية شُكلت في المكلا لصياغة موقف يعكس «كل القوى المجتمعية والسياسية» في المحافظة، مع رغبة موازية في تمثيل صوت المغتربين الحضارم ضمن رؤية واحدة.

الكهرباء والاستثمار

تتربع الكهرباء على ملف الخدمات وفقاً لإجابة المحافظ؛ إذ وضعها على رأس الأولويات، موضحاً أن احتياجات الساحل والوادي تختلف، لكن العنوان واحد: طاقة لا تفي بالطلب، خصوصاً في الصيف، حيث الرطوبة والحرارة في الساحل، والمناخ الصحراوي القاسي في الوادي. ويتحدث عن مشاريع دعم لتوليد 300 ميغاواط للساحل، ومشاريع أخرى للوادي، إلى جانب مقترحات لمحطات تعمل بالغاز، وخيارات للطاقة الشمسية يطرحها القطاع الخاص بقدرات قد تصل إلى 150 ميغاواط. ويرى أن الحل المتوسط لا يغني عن مشروع استراتيجي طويل المدى لمحطة غازية كبيرة قادرة على تغطية حضرموت مستقبلاً.

ومن الطاقة ينتقل إلى الاستثمار بصفته الوجه الآخر للاستقرار. يعدد الخنبشي فرصاً يراها واعدة: السياحة، والعقار، وتصدير الجبس ذي النقاوة العالية، ومعادن محتملة، والفحم الحجري في مناطق محددة، والرمال السوداء والعناصر الثقيلة، والثروة السمكية، مع فكرة الاستزراع السمكي. ويستعيد مشاركته في مؤتمر استثماري حضرمي، داعياً رجال الأعمال إلى أن يوازنوا بين استثماراتهم الخارجية وبين الاستثمار في حضرموت، مع وعد بتقديم تسهيلات وبيئة جاذبة.

وفي الشأن الحكومي، يصف الخنبشي النقاشات التي سبقت تشكيل الحكومة الجديدة بأنها ركزت على محددات الكفاءة والخبرة والتوازن الجغرافي، مع رفض مبدأ المحاصصة. ثم يقدم ثلاث نصائح يضعها في صلب اختبار الحكومة: الابتعاد عن «الأنا» والانجرار الحزبي، مكافحة الفساد المستشري في مفاصل وزارات عدّة، ورفع مستوى تحصيل الموارد وتوريدها إلى البنك المركزي، خصوصاً في الوزارات الإيرادية. ويتوقف عند فكرة تنظيم العلاقة المالية بين المركز والمحافظات وفق قانون السلطة المحلية، معتبراً أن تطبيقه بصرامة يخفف كثيراً من الإشكالات المزمنة.

ويستدعي الخنبشي تجربة حضرموت مع الموارد النفطية قبل تعطل تصدير النفط، مشيراً إلى أن المحافظة كانت تحصل على 20 في المائة من قيمة النفط المصدّر، وتستخدمه في مشاريع تنموية كالكهرباء والطرق والصحة والتعليم، قبل أن يتوقف هذا المورد بعد استهداف الحوثيين لمنشآت التصدير.

«لا حواجز مع السعودية»

في تقييمه للدعم التنموي السعودي، يربط الخنبشي بين الإغاثة والإعمار بوصفهما نافذة واحدة لتمكين اليمن من تجاوز أزمته، مشيراً إلى حزم مشاريع في الكهرباء والطرق والخدمات الصحية وغيرها داخل حضرموت.

يضع النائب ذلك في سياق علاقة يصفها بأنها متداخلة يصعب الفصل فيها بين الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، مستحضراً الحدود الممتدة والقبائل المشتركة والامتدادات الثقافية، ليخلص إلى أنه لا يمكن إقامة «حاجز» بين حضرموت والمملكة.

وعن أكثر موقف علق في ذاكرته خلال 48 ساعة من العملية، يعترف الخنبشي بأنه كان يخشى عدم خروج القوات بسهولة وما قد يترتب على ذلك من دمار وضحايا، قبل أن تنتهي العملية في وقت قياسي وبخسائر محدودة. ويقول إن هذا هو ما سيظل يعتز به: أن حضرموت نجحت في تفادي الاقتتال الداخلي. وفي رسالته إلى الحضارم، يدعو إلى التكاتف وترك أسباب الشقاق وتغليب الأمن والتنمية، مع وعد بأن اتساع دائرة الاستقرار سيقود إلى «عهد تنموي زاهر» ينعكس على حياة الناس في المحافظة.