التوظيف الناجح للذكاء الاصطناعي في الأعمال يتطلب التعاون مع العنصر البشري

ضمان أقصى استفادة منه للتطوير والابتكار

التوظيف الناجح للذكاء الاصطناعي في الأعمال يتطلب التعاون مع العنصر البشري
TT

التوظيف الناجح للذكاء الاصطناعي في الأعمال يتطلب التعاون مع العنصر البشري

التوظيف الناجح للذكاء الاصطناعي في الأعمال يتطلب التعاون مع العنصر البشري

في غضون سنوات قليلة، بدأ الذكاء الاصطناعي التوليدي يُظهر إمكاناته التجارية الهائلة، كما كتبت ماريا فلين(*).

تضاعف الاستثمار العالمي

ويكشف أحدث تقرير لمؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد أن الاستثمار العالمي للشركات في الذكاء الاصطناعي قد نما بنسبة 45 في المائة تقريباً في عام 2024، ليصل إلى 252.3 مليار دولار. ومع زيادة الاستثمار الخاص في الذكاء الاصطناعي التوليدي بمقدار 8.5 ضعف مستويات عام 2022، فإن التوقعات تُشير إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يُسهم قريباً في تريليونات الدولارات في الاقتصاد الأمريكي وحده.

وبحلول عام 2028، قد يُصبح «الذكاء الاصطناعي الوكيل» (المرحلة التالية في تطور الذكاء الاصطناعي) قادراً على اتخاذ ما لا يقل عن 15 في المائة من القرارات اليومية في العمل، وتحقيق كفاءة وإنتاجية وابتكار أكبر.

ونشهد بالفعل كيف يُنشئ الذكاء الاصطناعي أعمالاً ومنتجات وخدمات جديدة مع إمكانية توسيع نطاق الوصول إلى وظائف جديدة عالية الجودة وبناء مصادر جديدة للثروة.

الذكاء الاصطناعي- لمسة إبداعية على العمل

اليوم، يستخدم العاملون الذكاء الاصطناعي لإضفاء لمسة إبداعية على وظائفهم الحالية، وبدء وتنمية أعمالهم الخاصة. وتقول ثلثا الشركات الصغيرة التي تستخدم الذكاء الاصطناعي إن موظفيها يُدخلون أدوات الذكاء الاصطناعي إلى مكان العمل لتحسين العمليات وخفض التكاليف وتحفيز الابتكار.

ومن المفهوم أن تُركز العديد من المؤسسات على توفير الوقت والتكاليف على المدى القريب الذي تُحققه هذه التكنولوجيا الناشئة. لكن الكفاءة المُطلقة لن تُطلق العنان للقيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي؛ إذ يتطلب ذلك الاستفادة من خبرة موظفيها وإبداعهم. ولتحقيق كامل إمكانات الذكاء الاصطناعي في إحداث ثورة في اقتصادنا، نحتاج إلى وضع العاملين في صميم عملية تحديد مكان وكيفية ظهوره في مكان العمل. كيف يبدو ذلك عملياً؟

تدريب الذكاء الاصطناعي

أولاً، ينبغي على المؤسسات تقديم مزيد من التدريب على الذكاء الاصطناعي؛ من أساسيات القراءة والكتابة إلى التطبيق العملي. يشهد استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل ارتفاعاً ملحوظاً، وفقاً لدراسة جديدة أجراها فريق في مؤسسة «وظائف من أجل المستقبل» (Jobs for the Future). فقبل عامين، لم يستخدم سوى 8 في المائة من الأفراد الذكاء الاصطناعي في العمل، أما اليوم، فقد بلغت النسبة 35 في المائة. ويقول مستخدمو الذكاء الاصطناعي إنه يزيد من كفاءتهم، ويجعل وظائفهم أكثر تشويقاً، من خلال تقليل عدد المهام المملة، وتمكينهم من التركيز على عمل أكثر استراتيجية وإبداعاً. ويعني المزيد من التدريب استفادة المزيد من الأشخاص من هذه المزايا، والمساهمة في صنع القرار المتعلق بالذكاء الاصطناعي.

ويتمتع التعاون بين البشر والذكاء الاصطناعي بإمكانات هائلة، وكما تُشير ورقة بحثية صادرة عن كلية هارفارد للأعمال، يمكن للذكاء الاصطناعي مساعدة المهنيين على تعزيز الأداء والخبرة والتواصل الاجتماعي بشكل كبير في بيئات العمل الجماعي. ومع ازدياد قدرة الذكاء الاصطناعي على اتخاذ قراراته الخاصة، وإنجاز المهام المعقدة، سيقضي البشر وقتاً أطول في الإشراف عليه، وتمييز مخرجاته وتقييمها، وإدارة الأنشطة الشخصية والتعاونية مع الآخرين. كما لاحظنا أن الذكاء الاصطناعي يزيد بشكل كبير من قيمة القيادة البشرية في المهام الشخصية والمعرفية العالية، مثل توظيف المؤسسات، وبناء العلاقات، وتوجيه وتحفيز الفرق.

تصميم وظائف عالية الجودة

تتاح لأصحاب العمل فرصة الاستعداد لهذا التحول من خلال تصميم وظائف عالية الجودة -وإشراك موظفيهم في هذه العملية- تُمكِّن من تحقيق أقصى استفادة من التعاون بين البشر والذكاء الاصطناعي.

ويشهد العمل تحولاً جذرياً، وينبغي للشركات التي تسعى إلى اجتيازه، دعم موظفيها في سعيهم الجاد لتطوير مهاراتهم في مجال الذكاء الاصطناعي، وتحفيز الإبداع والابتكار في جميع أنحاء المؤسسة، وإعادة تصميم الوظائف بشكل متعمد لإطلاق العنان لنقاط قوة كل من الذكاء الاصطناعي والبشر. أظهرت الثورات التكنولوجية السابقة أن منافع التقدم لا تُوزّع بالتساوي، ولكن إذا أبقت الشركات موظفيها في صميم عملها، فيُمكنها تحقيق إمكانات الذكاء الاصطناعي بوصفها قوة دافعة لتوسيع نطاق الوصول إلى وظائف عالية الجودة، وفرص اقتصادية للجميع.

ومع ذلك، وجد استطلاعنا أيضاً فجوات تدريبية واسعة. إذ أفاد أقل من ثلث العاملين (31 في المائة) بأن أصحاب عملهم يقدمون تدريباً على أساسيات الذكاء الاصطناعي أو أدوات وأنظمة ذكاء اصطناعي محددة. كما أفاد أكثر بقليل من ثلث الموظفين (34 في المائة) الذين لا يتلقون تدريباً على الذكاء الاصطناعي في العمل بأنهم يرغبون في أن يقدمه أصحاب عملهم.

ويُشكل هذا النقص في الوصول إلى التدريب معوقات أمام التطبيق الفعّال للذكاء الاصطناعي في العمل. وقد أظهرت أبحاث سابقة أجرتها مؤسسة «وظائف من أجل المستقبل» أن ما يقرب من 60 في المائة من الشركات الصغيرة أشارت إلى أن جاهزية القوى العاملة هي العائق الأكثر شيوعاً أمام دمج تقنية الذكاء الاصطناعي في أعمالها. وللتغلب على هذا العائق، يمكن للمؤسسات البدء بتوفير تدريب عملي وبتكلفة معقولة على محو أمية الذكاء الاصطناعي، يساعد الموظفين على تعلم كيفية تحقيق أقصى استفادة من الذكاء الاصطناعي، وأن يصبحوا مستخدمين مسؤولين لهذه التقنية الناشئة.

الابتكار الذي يقوده الموظفون

ثانياً، ينبغي على المؤسسات تحفيز الابتكار الذي يقوده الموظفون، إذ يتوق الموظفون بالفعل إلى استخدام الذكاء الاصطناعي: وفقاً لاستطلاع حديث أجرته مؤسسة «وظائف من أجل المستقبل»، أفاد 20 في المائة من الموظفين بأنهم يبادرون باستخدام الذكاء الاصطناعي في العمل، في غياب التوجيه الرسمي من أصحاب العمل، في حين يستفيد ما يقرب من 30 في المائة من الموظفين من أدوات الذكاء الاصطناعي لتحقيق النمو الاستراتيجي والابتكار.

وتُشير الأبحاث إلى أنه عندما يُطلب من الموظفين تقديم آرائهم، تزداد احتمالية استخدام المؤسسات لأدوات الذكاء الاصطناعي بفاعلية، وتحسين جودة وظائفهم.

لإطلاق العنان للنمو باستخدام الذكاء الاصطناعي، ينبغي على الشركات إشراك موظفيها في تجربة ونشر أدوات وعمليات الذكاء الاصطناعي عبر أدوار ووظائف متعددة في جميع أنحاء المؤسسة.

وأخيراً، ينبغي على المؤسسات إعادة النظر في كيفية قضاء موظفيها لوقتهم، وطبيعة عملهم، ومهاراتهم الفريدة، وذلك لتمكينهم من تحقيق أقصى استفادة من التعاون بين الذكاء الاصطناعي والبشر. وينبغي أن يكون الهدف المباشر لتطبيق الذكاء الاصطناعي هو تمكين الموظفين من إعطاء الأولوية للعمل الذي يُنتج منتجات وخدمات وقيماً جديدة تُساعد الشركات على النمو.

* الرئيسة والمديرة التنفيذية لمؤسسة «وظائف من أجل المستقبل»، مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

هل يقترب العالم من عصر السيارات الطائرة؟

تكنولوجيا هل يقترب العالم من عصر السيارات الطائرة؟

هل يقترب العالم من عصر السيارات الطائرة؟

عروض لنموذج «جوبي» ذات المراوح الست تتسع لأربعة ركاب وطيار بسرعة 200 ميل في الساعة لدى 150 ميلاً

روب بيغورارو (واشنطن)
تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي قادم... فهل أنتم مستعدون؟

الذكاء الاصطناعي قادم... فهل أنتم مستعدون؟

أصبح واسع الانتشار على نطاق واسع.

الاقتصاد حاويات ومعدات متوقفة في ميناء كيلونغ بتايوان (رويترز)

طلبات التصدير التايوانية تصل إلى رقم قياسي في 2025

أعلنت الحكومة التايوانية، يوم الثلاثاء، أن طلبات التصدير التايوانية سجلت رقماً قياسياً في عام 2025، مدفوعة بالطلب المتزايد على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (تايبيه)
الاقتصاد الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو السعودية» المهندس أمين الناصر (المنتدى الاقتصادي العالمي)

الناصر من دافوس: الذكاء الاصطناعي حقق لـ«أرامكو» 6 مليارات دولار

كشف الرئيس التنفيذي لشركة «أرامكو السعودية»، المهندس أمين الناصر، عن تحولات جوهرية في الأداء المالي والتشغيلي للشركة بفضل تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (دافوس)
خاص رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي بورغه برنده لدى حضوره إحدى جلسات «منتدى دافوس الصيفي» في مدينة تيانجين الصينية يونيو 2025 (أ.ف.ب)

خاص رئيس «دافوس»: الخليج مؤهّل لدور رئيسي في منظومة الذكاء الاصطناعي

قال رئيس «دافوس» لـ«الشرق الأوسط» إن العالم يمُرّ بلحظة مفصلية في تطوير الذكاء الاصطناعي المسؤول، مشدداً على ضرورة إرساء أطر أخلاقية وتنظيمية.

نجلاء حبريري (دافوس)

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟
TT

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

لطالما حيّر هذا السؤال العلماءَ والأطباء: لماذا يُصاب بعض الأشخاص بأمراض مرتبطة بالتقدم في السن في وقت أبكر من غيرهم حتى عندما تبدو أنماط حياتهم متشابهة؟

اختلال الحمض النووي والشيخوخة

• دراسة جينية واسعة. تشير دراسة جينية واسعة النطاق إلى أن جزءاً مهماً من الإجابة قد يكون مخبوءاً في أعماق حمضنا النووي نفسه. فحسب نتائج الدراسة تلعب الجينات دوراً محورياً في تحديد سرعة عدم استقرار بعض أجزاء الحمض النووي مع التقدم في العمر، وهي عملية صامتة قد ترفع خطر الإصابة بأمراض خطيرة على المدى الطويل.

الدراسة التي قادها باحثون من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس ومعهد برود وكلية الطب بجامعة هارفارد في الولايات المتحدة ونُشرت في مجلة Nature بتاريخ 7 يناير (كانون الثاني) 2026 حلّلت بيانات وراثية لأكثر من 900 ألف شخص، ما يجعلها واحدة من أوسع الدراسات التي أُجريت حتى اليوم لفهم التغيرات الجينية المرتبطة بالشيخوخة. وكشف الباحثون أن بعض الاختلافات الجينية قد تُسرّع أو تُبطئ تمدد تسلسلات وراثية متكررة في الحمض النووي بما يصل إلى أربعة أضعاف وهو تفاوت كبير يكفي للتأثير في خطر الإصابة بالأمراض على امتداد حياة الإنسان.

• ما هي تكرارات الحمض النووي، وما أهميتها؟ يتكوّن جزء كبير من الجينوم البشري من تسلسلات قصيرة من الحمض النووي تتكرر مرات عديدة تُعرف باسم تكرارات الحمض النووي DNA repeats وتبقى هذه التكرارات مستقرة نسبياً لدى معظم الناس لكن في بعض الحالات تبدأ بالازدياد طولاً مع مرور الوقت، وهي عملية تُسمى تمدّد التكرارات repeat expansion، وعندما يتجاوز هذا التمدد حداً معيناً فإنه قد يعطّل الوظائف الطبيعية للخلايا ويؤدي إلى ظهور أمراض خطيرة.

اضطرابات وراثية

وقد تعرف العلماء اليوم على أكثر من 60 اضطراباً وراثياً ناتجاً عن تمدد تكرارات الحمض النووي من بينها أمراض مدمّرة مثل داء هنتنغتون Huntington’s disease (هو مرض تنكسي عصبي مميت وعادة ما يكون وراثياً). والحثل العضلي التوتري myotonic dystrophy (مجموعة من الاضطرابات الوراثية التي تسبب فقدان العضلات وضعفها التدريجي) وبعض أشكال التصلّب الجانبي الضموري amyotrophic lateral sclerosis (ALS).

ورغم معرفة العلماء منذ سنوات بأن تكرارات الحمض النووي قد تزداد طولاً مع الزمن فإن مدى انتشار هذه الظاهرة في الجينوم البشري والعوامل الجينية التي تتحكم بها لم يكن مفهوماً بالكامل حتى الآن. وتوضح الدكتورة مارغو هوجويل، الباحثة الرئيسية في الدراسة من قسم علم الوراثة في كلية الطب بمستشفى بريغهام والنساء وكلية الطب بجامعة هارفارد الأميركية، أن النتائج تُظهر أن تمدد التكرارات ليس حدثاً نادراً يقتصر على عدد محدود من الأمراض بل هو سمة شائعة ترافق التقدم في العمر لدى البشر.

• أدوات تحليلية لبيانات ضخمة. وقد اعتمد الباحثون في دراستهم على بيانات التسلسل الكامل للجينوم من مصدرين ضخمين نحو 490 ألف مشارك من بنك المملكة المتحدة الحيوي UK Biobank وأكثر من 414 ألف مشارك من برنامج All of Us البحثي في الولايات المتحدة. وقد أتاح هذا الحجم الهائل من البيانات فرصة فريدة لرصد كيفية تغيّر الحمض النووي مع العمر لدى مجموعات بشرية واسعة ومتنوعة.

وطوّر الفريق أدوات حسابية جديدة قادرة على قياس أطوال تكرارات الحمض النووي باستخدام بيانات التسلسل الجيني القياسية. وتم تحليل أكثر من 356 ألف موقع لتكرارات متعددة الأشكال في الجينوم مع تتبّع تغيّر أطوالها مع التقدم في العمر في خلايا الدم وتحديد المتغيرات الجينية التي تؤثر في سرعة هذا التمدد. كما بحث القائمون على الدراسة عن روابط بين تمدد التكرارات وآلاف الحالات المرضية، ما قاد إلى اكتشافات جديدة وغير متوقعة.

• الجينات واستقرار الحمض النووي. من أبرز نتائج الدراسة أن للعوامل الوراثية تأثيراً قوياً في معدل تمدد التكرارات. فقد حدد الباحثون 29 موقعاً جينياً تؤثر فيها المتغيرات الموروثة في سرعة هذا التمدد؛ بحيث قد يصل الفرق بين الأفراد الأعلى والأدنى خطراً وراثياً إلى أربعة أضعاف.

وكان اللافت أن العديد من هذه المتغيرات تقع في جينات مسؤولة عن إصلاح الحمض النووي، وهي الآليات التي تحافظ عادةً على سلامة المادة الوراثية. إلا أن التأثير لم يكن موحداً ففي بعض الحالات كانت المتغيرات نفسها تُثبّت بعض التكرارات بينما تزيد من عدم استقرار تكرارات أخرى. ويشير ذلك إلى أن إصلاح الحمض النووي عملية معقدة قد تؤدي إلى نتائج مختلفة تبعاً للسياق الجيني ونوع الخلية.

• اكتشاف خطر مرضي جديد وآفاق علاجية. ومن أكثر النتائج إثارة اكتشاف تمدد تكرارات في جين يُعرف باسم GLS. ورغم أن هذا التمدد نادر نسبياً، إذ يصيب نحو 0.03 في المائة من السكان فقد ارتبط بزيادة خطر الإصابة بمرض كلوي شديد بمقدار 14 مرة وبزيادة خطر أمراض الكبد بنحو ثلاثة أضعاف. ولم يكن هذا الارتباط معروفاً من قبل، ما يشير إلى احتمال وجود اضطرابات أخرى ناتجة عن تمدد التكرارات ما تزال مخفية في قواعد البيانات الجينية.

ولا تقتصر أهمية هذه النتائج على الفهم العلمي فحسب، بل تمتد إلى تطوير العلاجات. فبما أن تمدد التكرارات يحدث تدريجياً مع الزمن، فإن إبطاء هذه العملية قد يؤخر ظهور المرض أو يخفف حدته. وتفتح هذه الدراسة الباب أمام استخدام قياسات تكرارات الحمض النووي في الدم كمؤشرات حيوية لتقييم فاعلية العلاجات المستقبلية وتقريب الطب خطوة إضافية نحو التدخل المبكر في مسارات الشيخوخة الجزيئية نفسها.


روبوتات اجتماعية تعزز فاعلية العلاج النفسي

الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)
الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)
TT

روبوتات اجتماعية تعزز فاعلية العلاج النفسي

الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)
الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)

مع الطفرة اللافتة للذكاء الاصطناعي، تزايد الاهتمام بتوظيف هذه التكنولوجيا في المجال النفسي، لا سيما الروبوتات الاجتماعية التي تتميز بقدرتها على التفاعل مع البشر بطريقة آمنة. ويُعد دمج هذه الروبوتات في التدخلات النفسية، خصوصاً للأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، من الاتجاهات الحديثة الهادفة إلى تعزيز التعلم الاجتماعي، وتنمية المهارات التفاعلية، وزيادة انخراط الأطفال في الجلسات العلاجية.

وسلّطت دراسة دولية بقيادة جامعة لينشوبينغ السويدية الضوء على أحدث التجارب السريرية في هذا المجال، مستهدفة تقييم فعالية الروبوتات الاجتماعية مقارنة بالطرق العلاجية التقليدية، بهدف تقديم إطار واضح لتوظيف هذه التكنولوجيا بشكل فعّال ومستدام في الممارسات العلاجية.

روبوتات للمصابين بالتوحد

وأظهرت الدراسة، التي أُجريت على أطفال مصابين بالتوحد باستخدام روبوت محمول مناسب للاستخدام في المنزل أو المدرسة، أن العلاج بمساعدة الروبوتات يحقق نتائج تعادل العلاج النفسي التقليدي، مع ميزة إضافية تمثلت في زيادة ملحوظة في مستوى انخراط الأطفال وانتباههم، ونُشرت النتائج، بعدد 24 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، من دورية «Science Robotics».

وتؤكد النتائج فاعلية الروبوتات في تنمية قدرات التقليد والانتباه المشترك وتبادل الأدوار، إلى جانب تعزيز اهتمام الأطفال وتقليل فقدان التركيز أثناء جلسات التدريب، ما يسهم في تحسين جودة التجربة العلاجية ورفع مستوى فاعليتها.

يقول الدكتور توم زيمكه، أستاذ النظم المعرفية في مختبر الإدراك والتفاعل بجامعة لينشوبينغ، والباحث الرئيسي في الدراسة، إن الهدف الأساسي من البحث كان تقييم منهجية العلاج بمساعدة الروبوتات للأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، من خلال تجربتين سريريتين.

وأوضح زيمكه في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «التجربة الأولى أُجريت في بيئة مختبرية محكومة بدقة، بينما تم في الثانية اختبار نسخة أبسط وقابلة للنقل من هذا العلاج داخل المدارس، مشيراً إلى أن النتائج كانت واعدة في الحالتين».

وأضاف: «نتائج التجربة الأولى أظهرت أن العلاج بمساعدة الروبوتات حقق فعالية مماثلة للعلاج التقليدي، مع زيادة ملحوظة في مستوى تفاعل الأطفال، في حين بيّنت الثانية أن النسخة المبسطة من العلاج الروبوتي كانت بكفاءة العلاج التقليدي نفسها، ما يبرز إمكانات استخدام تقنيات محمولة ومنخفضة التكلفة في البيئات المدرسية أو المنزلية».

ووفقاً لزيمكه، فإن التدخلات النفسية المعتمدة على الروبوتات تسهم في تقليل العبء الواقع على المعالجين البشر بشكل ملحوظ، من خلال أتمتة بعض المهام العلاجية المتكررة وتوفير دعم منظم ومستمر لجلسات العلاج، بما يتيح للمعالجين التركيز بصورة أكبر على الجوانب التحليلية والإنسانية للتدخل العلاجي. كما تتميز هذه التدخلات بقدرتها العالية على جذب انتباه الأطفال وتحفيزهم على التفاعل، بفضل طابعها التفاعلي والتقني، ما يعزز المشاركة الفاعلة ويحسن استجابة الأطفال للعلاج.

وأشار إلى أن هذا النوع من العلاج لا يحقق نتائج مماثلة للعلاج التقليدي فحسب، بل يتفوق عليه في قدرته على إشراك الأطفال وتحفيزهم على التفاعل المستمر، إلى جانب إتاحة إمكانية نقل هذه التقنيات من البيئات البحثية إلى الواقع العملي في المدارس أو المنازل، عبر نماذج مبسطة ومحمولة ومنخفضة التكلفة، ما يوسع نطاق التدخلات النفسية ويحسن فرص الوصول إلى العلاج.

العلاج بمساعدة الروبوتات حقق فعالية مماثلة للعلاج التقليدي للتوحد (جامعة لينشوبينغ)

تخفيف الضغوط

تُستخدم الروبوتات الاجتماعية بوصفها أداة داعمة للتفاعل الاجتماعي وتقديم الدعم العاطفي، بما يسهم في تقليل الشعور بالوحدة والعزلة لدى مقدّمي الرعاية، لا سيما من يعتنون بكبار السن أو الأشخاص ذوي الإعاقة. وقد أظهرت دراسات حديثة أن التفاعل المنتظم مع هذه الروبوتات يمكن أن يحسّن المزاج ويخفف من مستويات التوتر والإرهاق النفسي المرتبط بأعباء الرعاية المستمرة.

وفي هذا السياق، أجرى باحثون بجامعة موناش في أستراليا تجربة اعتمدت على محادثات منتظمة بين مقدّمي الرعاية وروبوت اجتماعي مثل «بيبر» (Pepper). وكشفت النتائج أن التفاعل مع الروبوت مرتين أسبوعياً على مدار خمسة أسابيع أتاح مساحة آمنة للتعبير عن المشاعر، وأسهم في تقليل الشعور بالوحدة والإجهاد، وتحسين الحالة المزاجية للمشاركين.

وأظهرت الدراسة أن هذا النوع من الدعم النفسي المستمر يساعد مقدّمي الرعاية على تنظيم عواطفهم والتعامل بشكل أفضل مع الضغوط اليومية، ما يعكس إمكانات الروبوتات الاجتماعية باعتبارها وسيلة مساندة فعالة لتخفيف الأعباء النفسية والعاطفية المصاحبة لدور الرعاية.

دعم الأطفال

تشير مراجعات بحثية إلى أن الروبوتات الاجتماعية يمكن أن تلعب دوراً داعماً في تخفيف التوتر والقلق لدى الأطفال أثناء الإجراءات الطبية المؤلمة، ما يسهم في تحسين تجربتهم النفسية داخل المستشفيات.

وفي دراسة أجرتها جامعة سنغافورة الوطنية، جرى تحليل بيانات لأطفال تتراوح أعمارهم بين عام واحد و12 عاماً خضعوا لإجراءات طبية وتلقوا تدخلات باستخدام روبوتات اجتماعية. وأظهرت النتائج أن هذه الروبوتات كانت فعالة في خفض مستويات التوتر والانزعاج، وأسهمت في تقليل القلق لدى الأطفال المرضى أثناء العلاج. وخلصت الدراسة إلى أن إدماج الروبوتات الاجتماعية في بروتوكولات رعاية الأطفال يمكن أن يعزز الرفاهية النفسية، ويجعل التجربة الطبية أقل إجهاداً للأطفال وأولياء أمورهم.

رعاية كبار السن

أظهرت دراسة أُجريت في مستشفى بروكا بفرنسا أن إدماج الروبوتات الاجتماعية في رعاية كبار السن، خاصة المصابين باضطرابات معرفية عصبية مثل الخرف، يحقق فوائد واضحة في تحسين التفاعل الاجتماعي والمزاج. وتُستخدم هذه الروبوتات، سواء الشبيهة بالبشر مثل «ناو» (NAO) أو الشبيهة بالحيوانات الأليفة مثل «بارو» (PARO)، لدعم التفاعل الاجتماعي وتنشيط القدرات الذهنية والجسدية، وتقديم معلومات صحية، فضلاً عن دورها بوصفها وسيطاً بين المستفيدين والمعالجين. وقد أثبتت هذه التقنيات فعاليتها في تحسين الرفاهية النفسية لدى كبار السن، لا سيما في بيئات الرعاية طويلة الأمد، مما يعزز مكانتها باعتبارها أدوات مساندة بأنظمة الرعاية الصحية والاجتماعية الحديثة.


عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب

عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب
TT

عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب

عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب

لم يعد الذكاء الاصطناعي في الطب فكرةً مؤجَّلة تُناقَش في المؤتمرات أو تُحصر في أدبيات الخيال العلمي، بل أصبح جزءاً حيّاً من الممارسة اليومية داخل المستشفيات الحديثة... خوارزميات تُحلّل الصور الشعاعية، تقرأ تخطيط القلب، تُراجع السجلات الطبية، وتُقدّم اقتراحات تشخيصية أولية خلال ثوانٍ. غير أن سؤالاً جوهرياً ظلّ طويلاً خارج دائرة الضوء حتى مطلع عام 2026: ماذا يحدث عندما يخطئ الذكاء الاصطناعي... طبياً؟

هذا السؤال أعادته إلى الواجهة دراسة علمية حديثة، نُشرت في 2 يناير (كانون الثاني) 2026، على منصة مستودع أبحاث الذكاء الاصطناعي والعلوم الحاسوبية arXiv، أعدّها فريق بحثي مشترك من Stanford University وHarvard University، وحملت عنواناً لافتاً: «أولاً... لا تُلحق ضرراً: نحو نماذج ذكاء اصطناعي آمنة سريرياً في الطب».

وتُعدّ هذه الدراسة من أوائل الأبحاث التي لا تكتفي بتقييم أداء الذكاء الاصطناعي من حيث الدقة أو سَعة المعرفة، بل تتقدّم خطوة أبعد لتطرح سؤال الأمان السريري نفسه: هل تبقى هذه النماذج آمنة بالفعل عندما تُستخدم في قرارات طبية قد تمس حياة المرضى مباشرة؟

من الاختبار النظري إلى الواقع السريري

• تقييم النماذج : اعتمد الباحثون في دراستهم على تقييم 31 نموذجاً متقدماً من نماذج الذكاء الاصطناعي الطبية، كان معظمها من فئة النماذج اللغوية الكبيرة، وذلك عبر 100 حالة سريرية حقيقية شملت عشرة تخصصات طبية مختلفة. ولم يكن الهدف اختبار «ذكاء» النموذج أو سَعة معرفته النظرية، بل قياس احتمال إلحاقه ضرراً بالمريض إذا استُخدم أداةً لدعم القرار الطبي في الممارسة الفعلية.

ولتحقيق هذا الهدف، طوّر الفريق البحثي مقياساً جديداً لسلامة الذكاء الاصطناعي في الطب يركّز على تقدير المخاطر السريرية المحتملة بدل الاكتفاء بمؤشرات الأداء التقنية الشائعة، التي كثيراً ما تعجز عن التقاط تبعات القرار الطبي في السياق الحقيقي.

• نتيجة صادمة :وكانت النتيجة التي أثارت الانتباه واضحة وصادمة في آنٍ واحد: نحو 22 في المائة من التوصيات التي قدّمتها النماذج احتوت على أخطار سريرية محتملة؛ أي أن واحدة تقريباً من كل خمس توصيات قد تُعرّض المريض لأذى فعلي، إذا طُبّقت دون مراجعة بشرية دقيقة.

غير أن المفارقة الأهم لم تكن في الأخطاء الصريحة، بل فيما لم يُقَل. فقد أظهرت الدراسة أن عدداً كبيراً من النماذج أخفق في اقتراح فحوص أساسية أو إجراءات تشخيصية حاسمة، كان من شأنها تغيير مسار العلاج أو منع مضاعفات خطيرة.

في الطب، يُعد هذا النوع من الخطأ أخطر من الخطأ المباشر؛ لأنه لا يُلاحَظ بسهولة، ولا يثير الشكوك فوراً، وقد يمرّ في صمت... إلى أن تظهر نتائجه متأخرة على جسد المريض.

• لماذا يخطئ الذكاء الاصطناعي رغم «تفوقه»؟ تُظهر الدراسة أن الأداء المرتفع في اختبارات الذكاء أو المعرفة الطبية لا يترجَم بالضرورة إلى أداءٍ آمنٍ سريرياً. فقد بيّنت النتائج أن بعض النماذج التي حققت درجات ممتازة في اختبارات معيارية معروفة لم تكن أكثر أماناً من غيرها عند التعامل مع حالات سريرية حقيقية، بل وقعت أحياناً في أخطاء ذات أثر محتمل على حياة المرضى.

ويرى الباحثون أن جوهر المشكلة لا يكمن في نقص المعلومات، بل في غياب ما يمكن تسميته «القلق الطبي». فالذكاء الاصطناعي لا يشعر بثقل المسؤولية، ولا يدرك أن إغفال فحص بسيط قد يعني تأخير تشخيص سرطان، أو تفويت نافذة زمنية حاسمة لإنقاذ حياة. إنه يُجيد الإجابة... لكنه لا يعرف معنى العواقب.

أداة دعم... وليست طبيباً بديلاً

لا تدعو الدراسة إلى إقصاء الذكاء الاصطناعي من الممارسة الطبية، بل على العكس، تؤكد قيمته المتزايدة بصفته أداة دعم فعّالة تساعد الأطباء على تنظيم كمّ هائل من المعلومات وتسريع عمليات التحليل والاستدلال، لكنها تشدّد، في الوقت نفسه، على ضرورة إبقاء الإنسان في الحلقة النهائية لاتخاذ القرار الطبي.

فالطبيب لا يقرأ البيانات فحسب، بل يفسّر السياق الإكلينيكي، ويُقدّر المخاطر الفردية، ويتحمّل المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن قراره. وهي عناصر جوهرية لا تزال خارج نطاق الخوارزميات، مهما بلغت درجة تطورها أو دقّة مُخرجاتها.

في عام 2026، يقف الذكاء الاصطناعي الطبي عند مرحلة مفصلية، فالإمكانات التقنية تتقدّم بوتيرة متسارعة، بينما لا تزال السلامة السريرية تتطلّب معايير أدق، وتشريعات أوضح، وتدريباً مهنياً يضمن توظيف هذه الأدوات دون أن تتحوّل، من حيث لا نريد، إلى مصدر خطر غير مقصود.

ولا تُغلق هذه الدراسة الباب أمام الذكاء الاصطناعي في الطب، لكنها تضع عند عتبته لافتة تحذير علمية واضحة: السرعة ليست بديلاً عن السلامة، والدقّة الحسابية ليست مرادفاً للحكمة الطبية. ففي الطب، كما في الحياة، لا يكفي أن نعرف أكثر... بل أن نقرّر بحذرٍ إنساني.

يعيد هذا البحث طرح قاعدة طبية ضاربة في التاريخ، لكن بصيغة رقمية معاصرة: أولاً... لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، رغم قدرته على تغيير ملامح الطب وتسريع القرار السريري، ينبغي ألا يُمنح حصانة أخلاقية، ولا أن يُترك خارج دائرة المحاسبة. والسرعة ليست بديلاً عن السلامة، والدقة الحسابية لا تُغني عن الحكمة الطبية التي تُدرك العواقب قبل النتائج.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُساعده الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحلّ محلّ الضمير.