علماء يعثرون على مصدر آخر للذهب في الكون

النجوم المغناطيسية قد تكون سبباً في 10 % من العناصر الأثقل من الحديد بمجرتنا

وجد الباحثون أدلة تُشير إلى أن النجم المغناطيسي يُطلق عناصر ثقيلة خلال التوهجات العملاقة (ناسا)
وجد الباحثون أدلة تُشير إلى أن النجم المغناطيسي يُطلق عناصر ثقيلة خلال التوهجات العملاقة (ناسا)
TT

علماء يعثرون على مصدر آخر للذهب في الكون

وجد الباحثون أدلة تُشير إلى أن النجم المغناطيسي يُطلق عناصر ثقيلة خلال التوهجات العملاقة (ناسا)
وجد الباحثون أدلة تُشير إلى أن النجم المغناطيسي يُطلق عناصر ثقيلة خلال التوهجات العملاقة (ناسا)

يحاول علماء الفلك تحديد الأصول الكونية لأثقل العناصر، مثل الذهب، منذ عقود. والآن، يشير بحث جديد يستند إلى ملاحظات من بيانات أرشيفية لبعثات فضائية، إلى دليل محتمل: النجوم المغناطيسية أو (النجوم النيوترونية شديدة المغناطيسية)، وفق ما ذكرته شبكة «سي إن إن» الأميركية.

ويعتقد العلماء أن عناصر أخف وزناً مثل الهيدروجين والهيليوم، وحتى كمية صغيرة من الليثيوم، ربما وُجدت في وقت مبكر بعد الانفجار العظيم الذي كوّن الكون قبل 13.8 مليار سنة. ثم أطلقت النجوم المتفجرة عناصر أثقل مثل الحديد، التي اندمجت في النجوم والكواكب حديثة الولادة. لكن توزيع الذهب، وهو أثقل من الحديد، في جميع أنحاء الكون شكّل لغزاً لعلماء الفيزياء الفلكية.

ويقول أنيرود باتيل، طالب الدكتوراه في الفيزياء بجامعة كولومبيا في نيويورك والمؤلف الرئيسي للدراسة التي نُشرت، الثلاثاء، في دورية «مجلة الفيزياء الفلكية»، في بيان: «إنه (أصل الذهب) سؤال جوهري للغاية. إنه لغزٌ مُثير للاهتمام لم يُحل بعدُ».

توهجات النجوم المغناطيسية

وفي السابق، كان يُربط إنتاج الذهب الكوني بتصادمات النجوم النيوترونية فقط. ورصد علماء الفلك تصادماً بين نجمين نيوترونيين عام 2017. وأطلق هذا الاصطدام تموجات في الزمكان، تُعرف باسم موجات الجاذبية، بالإضافة إلى ضوء من انفجار أشعة غاما. كما نتج عن هذا الاصطدام، المعروف باسم «كيلونوفا»، عناصر ثقيلة مثل الذهب والبلاتين والرصاص. وقد شُبّه «كيلونوفا» بأنه «مصنع» ذهب في الفضاء. ويُعتقد أن معظم اندماجات النجوم النيوترونية حدثت خلال مليارات السنين الماضية، وفقاً لإريك بيرنز، الباحث المشارك في الدراسة والأستاذ المساعد وعالم الفيزياء الفلكية في جامعة ولاية لويزيانا.

لكن بياناتٍ قديمة، عمرها 20 عاماً، مأخوذة من تلسكوبات وكالة «ناسا» ووكالة الفضاء الأوروبية، التي لم تكن قابلةً للفهم سابقاً، تُشير إلى أن التوهجات الصادرة عن النجوم المغناطيسية التي تشكلت قبل ذلك بكثير، خلال نشأة الكون، ربما وفرت طريقةً أخرى لتكوين الذهب، كما قال بيرنز.

والنجوم النيوترونية هي بقايا أنوية النجوم المنفجرة، وهي كثيفة لدرجة أن ملعقة صغيرة من مادة النجم تزن مليار طن على الأرض. والنجوم المغناطيسية نوع شديد السطوع من النجوم النيوترونية، يتميز بمجال مغناطيسي قوي للغاية.

ولا يزال علماء الفلك يحاولون تحديد كيفية تشكل النجوم المغناطيسية بدقة، لكنهم يفترضون أن النجوم المغناطيسية الأولى ظهرت على الأرجح بعد النجوم الأولى مباشرةً خلال نحو 200 مليون سنة من بداية الكون، أو منذ نحو 13.6 مليار سنة، وفقاً لبيرنز.

الزلازل النجمية

وفي بعض الأحيان، تُطلق النجوم المغناطيسية كميات هائلة من الإشعاع بسبب «الهزات النجمية». وعلى الأرض، تحدث الزلازل لأن نواة الأرض المنصهرة تُسبب حركة في قشرة الكوكب، وعندما يتراكم الضغط الكافي، ينتج عنه حركة متقلبة، أو اهتزاز الأرض تحت قدميك. والزلازل النجمية مُشابهة، كما قال بيرنز.

وأضاف بيرنز: «للنجوم النيوترونية قشرة ونواة فائقة السيولة». وأضاف: «الحركة تحت السطح تُسبب ضغطاً عليه، مما قد يُسبب في النهاية زلزالاً نجمياً. وتُنتج هذه الزلازل في النجوم المغناطيسية دفعات قصيرة جداً من الأشعة السينية. وهناك فترات يكون فيها النجم نشطاً بشكل خاص، مُنتجاً مئات أو آلاف التوهجات في غضون أسابيع قليلة».

ووجد الباحثون أدلة تُشير إلى أن النجم المغناطيسي يُطلق مواداً خلال التوهجات العملاقة. ومن المُرجح أن التوهجات تُسخن وتقذف مادة القشرة بسرعات عالية، وفقاً لبحث حديث أجراه العديد من المشاركين في الدراسة. وقال باتيل: «لقد افترضوا أن الظروف الفيزيائية لهذا القذف الكتلي المتفجر كانت واعدة لإنتاج العناصر الثقيلة (مثل الذهب)».

ويعتقد الباحثون أن التوهجات المغناطيسية العملاقة قد تكون مسؤولة عما يصل إلى 10 في المائة من العناصر الأثقل من الحديد في مجرة ​​درب التبانة.


مقالات ذات صلة

«ناسا» تُطلق التلسكوب «رومان» لوضع «خريطة غير مسبوقة للكون»

علوم يستعد صاروخ فالكون الثقيل التابع لشركة «سبيس إكس» للإطلاق حاملاً تلسكوب نانسي غريس رومان الفضائي التابع لـ«ناسا» (رويترز)

«ناسا» تُطلق التلسكوب «رومان» لوضع «خريطة غير مسبوقة للكون»

أطلقت «وكالة الفضاء الأميركية» (ناسا)، الأحد، التلسكوب الفضائي «رومان»، في مهمة تهدف إلى رسم خريطة غير مسبوقة للكون، ضمن مشروع يمتد لسنوات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال زيارته لمركز جونسون الفضائي (أ.ب)

وسط تنافس متزايد مع الصين... ترمب يعلن إنشاء أكاديمية وطنية للفضاء

أعلن الرئيس الأميركي، الجمعة، إنشاء أكاديمية وطنية لتدريب الملتحقين المستقبليين بوكالة «ناسا» والقوات الفضائية، وسط تنافس متزايد في هذا المجال لا سيما مع الصين.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق رسم توضيحي لتلسكوب «نانسي غريس رومان» الفضائي التابع لـ«ناسا» في مداره (رويترز)

تلسكوب «ناسا» الجديد يستكشف الطاقة والمادة المظلمتين وكواكب خارجية

تستعد إدارة الفضاء والطيران الأميركية (ناسا) لإطلاق تلسكوبها الفضائي الرائد ‌التالي الذي يعتزم العلماء استخدامه لاستكشاف بعض أكبر ألغاز الكون كالطاقة المظلمة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)

اكتشاف أسرع نجم يدور حول ثقب أسود بـ«درب التبانة»

اكتشف العلماء أسرع نجم معروف حتى الآن، يدور بسرعة فائقة حول الثقب الأسود فائق الكتلة الموجود في مركز مجرتنا، وقد يصبح المفتاح لقياس دوران هذا الثقب لأول مرة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الولايات المتحدة​ قاذفة قنابل تابعة للقوات الجوية الأميركية (رويترز)

«نشاط فضائي» يلغي رحلة عسكرية أميركية إلى القارة القطبية الجنوبية

عادت رحلة تابعة للقوات الجوية الأميركية، كانت متجهة إلى القارة القطبية الجنوبية إلى نيوزيلندا، بعد تحذير بشأن نشاط فضائي «يُحتمل أن يكون خطيراً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

هل يعالج الذكاء الاصطناعي جميع الأمراض خلال 10 سنوات؟

 بين المفتاح الرقمي والعلاج الحقيقي
بين المفتاح الرقمي والعلاج الحقيقي
TT

هل يعالج الذكاء الاصطناعي جميع الأمراض خلال 10 سنوات؟

 بين المفتاح الرقمي والعلاج الحقيقي
بين المفتاح الرقمي والعلاج الحقيقي

هل يمكن أن يأتي يوم تصبح فيه أمراض مثل السرطان وألزهايمر والسكري وأمراض القلب قابلة للعلاج، أو حتى الشفاء، بفضل الذكاء الاصطناعي؟

لم يعد السؤال مجرد خيال علمي، فقد قال ديميس هاسابيس، الرئيس التنفيذي لشركة «غوغل ديب مايند» الحائز جائزة نوبل في الكيمياء، في مقابلة إعلامية، إن الذكاء الاصطناعي قد يختصر تصميم الدواء من سنوات إلى أشهر أو أسابيع، وإن علاج جميع الأمراض ربما يصبح في المتناول خلال العقد المقبل.

غير أن هذا الوعد قوبل بتحفظ علماء وأطباء يرون أن تسارع الحوسبة لا يعني بالضرورة تسارع الشفاء. فطبيب القلب والباحث الأميركي إريك توبول وصف توقّع علاج جميع الأمراض خلال عشر سنوات بأنه غير واقعي، محذراً من رفع سقف آمال المرضى قبل توافر دليل سريري. وبين التفاؤل والاعتراض يبرز السؤال الحقيقي: ما الذي يستطيع الذكاء الاصطناعي تغييره فعلاً، وما الذي لا تزال البيولوجيا ترفض اختصاره؟

ويفسر نظام «ألفافولد» جانباً من هذا التفاؤل. وهو برنامج للذكاء الاصطناعي طوّرته شركة «غوغل ديب مايند» للتنبؤ بالشكل الثلاثي الأبعاد للبروتينات، وهي قضية أساسية لفهم وظائفها وتصميم الأدوية التي تستهدفها. وقد تنبأ النظام ببنية أكثر من 200 مليون بروتين، محوّلاً مهمة كانت قد تستغرق سنوات إلى مورد علمي متاح للباحثين. لكن معرفة شكل البروتين لا تعني تلقائياً معرفة سبب المرض، ولا تضمن أن استهدافه سيشفي الإنسان. فاكتشاف الدواء يمر بثلاث رحلات: من المرض إلى آليته البيولوجية، ومن الآلية إلى جزيء علاجي، ثم من الجزيء إلى المريض. وقد يحقق الذكاء الاصطناعي تقدماً مذهلاً في الرحلة الثانية، في حين تظل الرحلتان الأخريان محكومتين بتعقيد البيولوجيا وبالدليل السريري بطيء التراكم.

مفتاح دوائي دقيق... لهدف بيولوجي خاطئ

الخوارزمية و«المفاتيح الجدد»

• حين تصنع الخوارزمية مفتاحاً جديداً: تقدم دراسة نُشرت في 18 أغسطس (آب) 2026 في دورية «إن بي جيه لطب الأورام الدقيق» npj Precision Oncology مثالاً حديثاً على قوة الذكاء الاصطناعي وحدوده معاً. فقد جمع الباحثون نماذج للتعلم الآلي بمحاكاة التفاعلات الجزيئية؛ بحثاً عن مركبات محتملة ضد سرطان الخلايا الحرشفية في الرأس والعنق.

تعلّمت النماذج من قاعدتين علميتين تضمان معلومات عن المركبات ونشاطها البيولوجي، ثم غربلت مكتبات كيميائية واسعة. وبعد تضييق آلاف النتائج، برزت ثلاثة مُركّبات أظهرت في المحاكاة ارتباطاً مستقراً ببروتين يرتبط بنمو الورم، وينتجه جين يسمى «PIK3CA»، المعروف بدوره في عدد من السرطانات. ودعم الباحثون ذلك بفحص عينات أنسجة مأخوذة من مرضى وتجارب على خلايا سرطانية؛ إذ أدى تعطيل هذا المسار إلى الحد من تكاثر الخلايا وهجرتها.

هذه نتيجة مهمة؛ فالذكاء الاصطناعي ربط البيانات الجزيئية بهدف بيولوجي واقترح مركبات تستحق الاختبار. لكنها لا تعني اكتشاف علاج جاهز؛ فالمركبات لم تُختبر على المرضى، ولم تثبت سلامتها أو فاعليتها داخل جسم الإنسان. إنها بداية واعدة لمسار دوائي، وليست نهايته. وبين المرشح الرقمي والعلاج المعتمد تقف التجارب قبل السريرية، ثم مراحل التجارب على البشر، وتحديد الجرعة ومراقبة السمية، وصولاً إلى موافقة الجهات التنظيمية.

• المفتاح الصحيح للقفل الخطأ: في تحليل حديث بعنوان «لا عصا سحرية لاكتشاف الأدوية»، نشرته على منصة «ديب فينوتايب» في 3 أغسطس 2026، تلخّص دافني كولر، عالمة الحاسوب والبيولوجيا المتخصصة في توظيف الذكاء الاصطناعي لاكتشاف الأدوية، المشكلة بتشبيه دقيق: قد تجعلنا الخوارزميات أفضل في صناعة المفاتيح، لكننا كثيراً ما نختار القفل الخطأ. فتصميم جزيء يرتبط ببروتين محدد أصبح أسرع، في حين يظل تحديد السبب البيولوجي الحقيقي للمرض أكثر تعقيداً. فالسرطان، مثلاً، ليس مرضاً واحداً، بل عائلة من الأمراض تختلف باختلاف النسيج والطفرات والمناعة والبيئة والعمر واستجابة كل مريض.

لذلك؛ لا يكفي أن يتنبأ النموذج بقدرة مركب على الارتباط بهدف جزيئي. إذ يجب إثبات أن هذا الهدف يقود المرض فعلاً، وأن تعطيله لن يضر وظيفة حيوية أخرى، وأن الدواء سيصل إلى العضو بالتركيز المناسب، وأن فائدته ستتفوق على مخاطره. وقد تُحسّن الخوارزمية مرحلة الانتقال «من الآلية إلى الدواء»، لكن السؤالين الأصعب يظلان: هل اخترنا الآلية الصحيحة؟ وأي المرضى سيستفيدون من استهدافها؟

حين تسبق الخوارزمية زمن الجسد

تقدم حقيقي بلا معجزة

• تقدم حقيقي: لا يعني ذلك التقليل من الإنجاز. ففي دراسة سريرية عشوائية من المرحلة الثانية المبكرة «2a»، نُشرت في دورية «نيتشر ميديسن» في 3 يونيو (حزيران) 2025، اختُبر دواء «رينتوسيرتيب»، الذي أسهم الذكاء الاصطناعي التوليدي في اكتشاف هدفه وتصميمه لعلاج التليف الرئوي مجهول السبب. وشملت التجربة 71 مريضاً على مدى 12 أسبوعاً، وسجلت المجموعة التي تلقت الجرعة الأعلى تحسناً في السعة الحيوية القسرية، وهي مؤشر رئيسي لوظيفة الرئة، مقارنة بمجموعة الدواء الوهمي.

لكن الباحثين خلصوا إلى أن النتائج تستدعي تجارب أكبر وأطول. فقد أثبتت الدراسة إمكان الانتقال من الخوارزمية إلى المريض بسرعة لافتة، لكنها لم تثبت الشفاء، ولم تكن تجربة حاسمة من المرحلة الثالثة. وهذه هي اللغة التي يحتاج إليها الطب: نجاح مشجع يتبعه اختبار أشد، لا وعد كبير يبحث لاحقاً عن دليل.

• الزمن البيولوجي لا يشبه الزمن الرقمي: تتعلم الخوارزميات خلال ساعات من بيانات ضخمة، أما الدواء فيحتاج إلى وقت لاختبار تأثيره في أجسام بشرية متنوعة. ولا تستطيع محاكاة سريعة أن تكشف يقيناً عن السمّية المتأخرة، أو عودة الورم، أو أثر العلاج في بقاء المريض بعد سنوات. فالزمن هنا ليس عائقاً بيروقراطياً، بل جزء من الدليل العلمي ومن حماية المريض.

قد يكشف الذكاء الاصطناعي عن أهداف دوائية لم نرها، ويسرّع تصميم الجزيئات، ويتنبأ بالسمّية، ويختار المرضى الأنسب للتجارب، ويخفض الوقت والكلفة. وربما يقود إلى علاجات لأمراض استعصت طويلاً. غير أن الوعد بعلاج «جميع الأمراض» خلال موعد محدد يحوّل الأمل العلمي إلى نبوءة إعلامية.

حين لا يصل الوعد إلى المريض إلا عبر الدليل

السؤال الأدق، إذن، ليس: متى سيقضي الذكاء الاصطناعي على المرض؟ بل: أي خطوات من رحلة اكتشاف العلاج يستطيع جعلها أسرع وأكثر دقة؟ فقد يكون أقوى مسرّع عرفه اكتشاف الدواء، لكنه لا يلغي المختبر، ولا التجربة السريرية، ولا تعقيد الإنسان. وهنا تستعيد العبارة التي اشتهر بها عالم الفلك الأميركي كارل ساغان، أحد أبرز مَن قرّبوا العلوم إلى الجمهور، معناها: «الادعاءات الاستثنائية تتطلب أدلة استثنائية». فوعد علاج جميع الأمراض استثنائي، ولن يصبح علاجاً لأن خوارزمية أو عالماً بارزاً أعلنه، بل عندما يثبت لدى المرضى، بأمان ووضوح، أنه يغيّر مسار المرض فعلاً.


القولون العصبي... قد يبدأ من الكبد

القولون العصبي... قد يبدأ من الكبد
TT

القولون العصبي... قد يبدأ من الكبد

القولون العصبي... قد يبدأ من الكبد

قد لا يكون القولون العصبي مجرد اضطراب في العلاقة بين الأمعاء والدماغ كما ظل يُعتقد؛ إذ تكشف دراسة وراثية دولية واسعة عن خيط بيولوجي جديد يربط الاستعداد للإصابة بالمرض بآليات استقلاب الدهون ووظائف الكبد ولا سيما تنظيم مستويات الدهون الثلاثية في الدم، وذلك في اكتشاف قد يعيد رسم فهم المرض ويفتح الطريق أمام علاجات أكثر استهدافاً لآلياته.

وتشير الدراسة المنشورة في دورية «Gut» لشهر يوليو (تموز) 2026 إلى أن اضطراب تنظيم الدهون الثلاثية triglycerides قد يمثل حلقة مفقودة في لغز متلازمة القولون العصبي Irritable bowel syndrome (IBS) بعدما وجد الباحثون ارتباطاً بين الاستعداد الجيني للإصابة بالمتلازمة وارتفاع مستويات هذه الدهون في الدم.

وبرز في هذا الارتباط جين GCKR الذي يؤدي دوراً مهماً في تنظيم استقلاب الغلوكوز والدهون داخل الكبد، ما يلمّح إلى أن الكبد والعمليات الأيضية قد يكون لهما دور أكبر في نشأة القولون العصبي مما كان معروفاً سابقاً.

وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة مع انتشار المتلازمة على نطاق واسع؛ إذ تصيب أكثر من 10 في المائة من عموم السكان، وتتسبب في أعراض مزمنة تشمل آلام البطن المتكررة والانتفاخ والإمساك أو الإسهال، بينما لا تزال الآليات البيولوجية الدقيقة التي تقف وراء المرض غير مفهومة بالكامل.

أكبر خريطة جينية للقولون العصبي

وقاد الدراسة البروفسور ماورو دامّاتو أستاذ علم الوراثة الطبية في جامعة LUM في كازاماسيما إيطاليا وباحث في معهد CIC bioGUNE الإسباني ضمن تعاون دولي واسع جمع بيانات وراثية وصحية من 2775539 شخصاً في 22 بنكاً حيوياً حول العالم.

وقارن الباحثون بين الأشخاص المصابين بالقولون العصبي وغير المصابين به بحثاً عن اختلافات في الحمض النووي قد ترتبط بزيادة خطر الإصابة. وأسفر التحليل عن تحديد 35 منطقة في الجينوم البشري مرتبطة بخطر الإصابة بالقولون العصبي.

وكان بعضها متوقعاً؛ إذ ارتبط بجهاز الأعصاب والدماغ والجهاز العصبي المعوي، وهو شبكة معقدة من الأعصاب تتحكم في وظائف الجهاز الهضمي. لكن المفاجأة كانت في ظهور ارتباط قوي بين بعض الإشارات الجينية المرتبطة بالقولون العصبي وخصائص استقلابية وقلبية وعائية.

وباستخدام أساليب حسابية متقدمة، وجد الباحثون أدلة تشير إلى وجود علاقة سببية محتملة بين الاستعداد الجيني للقولون العصبي وارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم.

وبرز جين GCKR بصورة خاصة؛ إذ يؤدي دوراً رئيسياً في تنظيم استقلاب الغلوكوز والدهون داخل الكبد. وتوجد نسخة جينية معروفة من هذا الجين ترتبط بزيادة تراكم الدهون في الكبد وارتفاع إنتاج الدهون الثلاثية. ويرى الباحثون أن هذه النتائج تطرح احتمال وجود مسار بيولوجي يربط الكبد والتمثيل الغذائي بالأمعاء، إلى جانب المسار المعروف الذي يربط الدماغ والجهاز العصبي بالأمعاء.

وقال دامّاتو إن العلماء يعرفون منذ فترة طويلة أن القولون العصبي يتضمن حواراً معقداً بين الأمعاء والدماغ لكن النتائج الجديدة تشير إلى أن هذا الحوار يشمل أيضاً الجهاز الأيضي في الجسم، وأن تنظيم الدهون ووظائف الكبد قد يمثلان جزءاً من الصورة التي ظلت ناقصة.

من الجينات إلى تطوير الأدوية

ولم تتوقف الدراسة عند اكتشاف الروابط الجينية؛ إذ بحث الفريق أيضاً في أنماط نشاط الجينات المرتبطة بالقولون العصبي بهدف معرفة ما إذا كانت هناك أدوية أو مركبات يمكنها عكس التغيرات الجزيئية المرتبطة بالمرض.

وحدد الباحثون عدداً من المركبات التي أظهرت قدرة محتملة على عكس هذه الأنماط، وكان من بينها أدوية تستخدم لعلاج أمراض القلب واضطرابات الدهون. وقد يفتح ذلك الباب أمام ما يعرف بـإعادة توظيف الأدوية أي اختبار أدوية موجودة أصلاً لعلاج أمراض أخرى لمعرفة ما إذا كان يمكن استخدامها لعلاج القولون العصبي لدى فئات محددة من المرضى.

لكن الباحثين يؤكدون أن هذه النتائج لا تعني أن أدوية خفض الدهون أو علاج اضطرابات الكبد أصبحت علاجاً للقولون العصبي؛ إذ تحتاج هذه الفرضيات إلى اختبارات سريرية للتأكد من فاعليتها وسلامتها لدى المرضى.

وتشير الدراسة إلى أن القولون العصبي قد لا يكون مرضاً واحداً بالآلية نفسها لدى جميع المرضى، بل ربما توجد مسارات بيولوجية مختلفة تقود إلى الأعراض. وقد يساعد فهم هذه المسارات مستقبلاً في تقسيم المرضى إلى مجموعات بحسب الآلية التي تقف وراء حالتهم، ثم اختيار العلاج الأكثر ملاءمة لكل مجموعة بدل الاعتماد على نهج علاجي واحد للجميع.

ويقول الباحثون إن النتائج تدعم رؤية أكثر شمولاً للقولون العصبي تتجاوز مفهوم «محور الأمعاء والدماغ» التقليدي لتشمل أيضاً الكبد والتمثيل الغذائي والدهون في الدم.

وتأتي الدراسة ضمن مبادرة دولية تعرف باسم bellygenes شاركت فيها مؤسسات أكاديمية وطبية من أوروبا وأميركا الشمالية ومناطق أخرى، واستفادت من قواعد بيانات سكانية ضخمة بينها UK Biobank وFinnGen وMillion Veteran Program وAll of Us.

وقد تمثل هذه الخريطة الجينية الجديدة خطوة مهمة نحو فهم سبب اختلاف أعراض القولون العصبي واستجابة المرضى للعلاج، وربما نحو تطوير علاجات مستقبلية تستهدف السبب البيولوجي للمرض بدل الاكتفاء بتخفيف أعراضه.


ما أضرار الاستخدام المفرط للإنترنت؟

عدم الابتعاد عن الهاتف رغم المحاولات المتكررة من علامات إدمان الإنترنت _جامعة جورج تاون_
عدم الابتعاد عن الهاتف رغم المحاولات المتكررة من علامات إدمان الإنترنت _جامعة جورج تاون_
TT

ما أضرار الاستخدام المفرط للإنترنت؟

عدم الابتعاد عن الهاتف رغم المحاولات المتكررة من علامات إدمان الإنترنت _جامعة جورج تاون_
عدم الابتعاد عن الهاتف رغم المحاولات المتكررة من علامات إدمان الإنترنت _جامعة جورج تاون_

مع تزايد الوقت الذي يقضيه الناس أمام الشاشات، بات الاستخدام المفرط للإنترنت أحد أبرز التحديات النفسية والسلوكية في العصر الرقمي، لما يترتب عليه من آثار تمتد إلى الصحة النفسية والإنتاجية والعلاقات الاجتماعية. ورغم إدراك كثيرين أن قضاء ساعات طويلة أمام الشاشات يؤثر سلباً في العمل والدراسة والعلاقات، تظل مقاومة الرغبة في العودة إلى الإنترنت أمراً بالغ الصعوبة.

وبلغ عدد مستخدمي الإنترنت حول العالم 6.12 مليار شخص في بداية أبريل (نيسان) 2026، أي ما يعادل 73.8 في المائة من سكان العالم، بارتفاع قدره 59 مليون مستخدم خلال الاثني عشر شهراً الماضية، وفق تقرير «Digital 2026» الصادر عن منصة «DataReportal».

المحرك الرئيسي لاستخدام الإنترنت

ويقضي مستخدم الإنترنت في المتوسط نحو 33 ساعة و13 دقيقة أسبوعياً في تصفح المحتوى الرقمي.

وبينما يُعتقد أن التوتر وسوء المزاج هما المحركان الرئيسيان لهذا السلوك، كشفت دراسة ألمانية عن عامل أكثر تأثيراً قد يغيّر أساليب الوقاية من الاستخدام الإشكالي للإنترنت وعلاجه. ويُعرَّف هذا الاستخدام بأنه نمط من الإفراط في الأنشطة الرقمية -مثل الألعاب ووسائل التواصل والمقامرة والتسوق الإلكتروني- يؤدي إلى فقدان السيطرة على الوقت، ويؤثر سلباً في الحياة اليومية، وقد يصاحبه ضيق نفسي أو صعوبة في تقليل الاستخدام رغم إدراك آثاره السلبية.

واعتمدت الدراسة، التي أجراها باحثون من مستشفى جامعة إيسن الألمانية، على تقييم 900 شخص بالغ صُنّفوا بعد مقابلات تشخيصية إلى ثلاث فئات: استخدام إشكالي، ومحفوف بالمخاطر، وطبيعي. وطُلب من المشاركين، على مدى 14 يوماً، تسجيل مستويات التوتر والمزاج يومياً، ومدى الإغراء لاستخدام الإنترنت، والوقت المُستغرق، ومستوى المتعة، وما إذا أهملوا أنشطة أخرى نتيجة لذلك.

ووجد الباحثون أن أصحاب الاستخدام الإشكالي أكثر عرضة للتوتر وسوء المزاج، ويقضون وقتاً أطول على الشبكة، ويهملون جوانب مهمة من حياتهم. لكن التحليل الإحصائي أظهر أن الإغراء اللحظي كان العامل الأكثر تأثيراً في استمرار الاستخدام، في حين عزّزت مشاعر المتعة والارتياح هذا السلوك وتكراره. ونُشرت النتائج في 30 يوليو (تموز) 2026 بدورية «PLOS One».

مقاومة الرغبة في العودة إلى الإنترنت تظل أمرا_ بالغ الصعوبة _جامعة جورج تاون_

تأثير الإنترنت على الدماغ

ويوضح استشاري الطب النفسي، الدكتور جمال فرويز، أن كل استخدام للإنترنت يرفع مستوى «الدوبامين» المسؤول عن الشعور بالمتعة والمكافأة بالدماغ. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن الدماغ مع تكرار هذا السلوك يربط الاستخدام بهذا الإحساس، فيطالب بجرعات أكبر لاستعادة الشعور نفسه، مما يُخل بنظام المكافأة وتبدأ عندها ملامح الإدمان في الظهور.

وأشار فرويز إلى أن استمرار هذا النمط ينعكس على الوظائف الذهنية والنفسية، إذ يعاني الشخص ضعف التركيز وتشتت الانتباه وصعوبة التعلم، وقد يصبح أكثر عصبية وانفعالاً، وهو ما قد يتطور إلى أعراض اكتئابية أو تصرفات غير محسوبة في الحالات الشديدة. ونبّه إلى أن المحتوى المتكرر يُخزَّن في العقل الباطن بوصفه «خبرة» يستدعيها الدماغ لاحقاً عند مواجهة مواقف مشابهة، مؤثراً بذلك في طريقة الاستجابة.

وتشمل أبرز علامات الإدمان، حسب فرويز، العجز عن الابتعاد عن الهاتف رغم المحاولات المتكررة، وتأثر الأداء الدراسي أو الوظيفي، وإهمال المسؤوليات الأسرية. وحذّر من أن الأطفال هم الفئة الأكثر تأثراً، لما قد ينتج من تراجع في التركيز والتحصيل الدراسي، وارتفاع معدلات السمنة، واكتساب سلوكيات غير سليمة في غياب الرقابة الأسرية، مؤكداً أن أولى خطوات العلاج هي الاعتراف بالمشكلة، مع ضرورة مراجعة مختص نفسي، ووضع أوقات محددة لاستخدام الأجهزة الرقمية والالتزام بها.

من جانبه، اعتبر أستاذ الطب النفسي، الدكتور وائل أبو هندي، أن إدمان الإنترنت يتجاوز الإفراط في الاستخدام ليتحول إلى اضطراب سلوكي يمس الحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية، مصنّفاً إياه ضمن الإدمان السلوكي غير الكيميائي، ومشبّهاً إياه بإدمان القمار من حيث تنشيطه مراكز المكافأة في الدماغ.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أعراض هذا الإدمان تتجلّى في لهفة شديدة نحو التصفح، وعجز متكرر عن ضبط الوقت، وإخفاقات متكررة عند محاولة التقليل، على غرار أنماط أخرى من الإدمان السلوكي مثل إدمان الطعام أو الجنس.

ويرى أبو هندي أن جذور هذا السلوك تكمن غالباً في الهروب من واقع مؤلم، أو تعويض غياب علاقات اجتماعية صادقة، مما يحوّل الاستخدام العابر إلى ملاذ دائم، تتراكم آثاره في اضطرابات النوم وتراجع الأداء الدراسي أو المهني وتفكك العلاقات الأسرية. ويشدد على أن العلاج السلوكي يجب ألا يركز على استهداف المقاطعة التامة، بل ترسيخ استخدام رشيد ومتوازن عبر تنظيم الوقت ومعالجة الأسباب النفسية الكامنة.

وفي ظل تصاعد الإدمان الرقمي بين الطلاب تحديداً، دعا أبو هندي وزارة التعليم إلى إعادة النظر في اعتمادها المتزايد على الأجهزة اللوحية والملفات الرقمية داخل الصفوف الدراسية، محذراً من أن ذلك قد يكرّس التعلق المرضي بالشاشات بدلاً من الحد منه. وشدد على أن العودة إلى الكتاب الورقي لا تمثل تراجعاً عن التطور، بل خط دفاع أول ضد الإدمان المبكر، لما توفره من فوائد معرفية تجعلها خياراً أكثر أماناً وفاعلية من نظيراتها الرقمية.